السياسة الشرعية بين الموجود والمنشود

السبت 29 أبريل 2017
شارك المقال

 

السياسة الشرعية بين الموجود والمنشود

بقلم: رائد عبدالله بدير

السياسة الشرعية مصطلح تناوله علماء الشرع الإسلامي بعد القرن الثاني للهجرة، وقد تداول فقهاء الشرع هذا المصطلح ووضعوا أسسا لفهمه ووضحوا معالمه وبينوا خصائصه ومميزات وشروطه وضوابطه حتى وضع بعض العلماء القدامى والمعاصرين مؤلفات مستقلة تبين مفهوم السياسة الشرعية وطرق العمل بها مثل كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية” السياسة الشرعية في إصلاح الراعي الرعية” “والطرق الحكمية” لابن القيم الجوزية “والأحكام السلطانية” للماوردي  ومن المعاصرين وضع الشيخ القرضاوي كتابا فيها وقد ساهمت بكتابة بحث كبير عن “السياسة الشرعية” وكان دوري في هذا البحث تتبع المصطلح متى نشا؟ ومن هو أول من استعمله بالمركب الإضافي ككلمتين” السياسية” و ” الشرعية”   .

إن الناظر في الثروة العلمية الشرعية والناظر في الكتاب والسنة، يجد ان السياسة الشرعية التي قصدها الإسلام هي غير السياسة التي نراها على ارض الواقع ، فكافة التصرفات التي تصدر عن الراعي أو الرعية في المجال السياسي مراقبة بأحكام الشرع فما وافق الشرع كان سياسة وما خالف الشرع ولم يكن لهذه المخالفة دليل استثنائي او ضروري معتبر في الشريعة لم يكن الأمر سياسة.

إذا كانت بعض الدول الغربية ترى أن الوسيلة أية وسيلة مشروعة لتحقيق مصالحها تحت مسمى السياسة، فالشريعة الإسلامية تتعارض وتتصادم مع هذا المفهوم وهذا التصور، لان الشريعة الإسلامية كما بينت المصالح والغايات  كذلك بينت الوسائل المؤدية إليها وهذا هو الأصل وقد يكون استثناءات نادرة في ذلك. والخطر الأعظم نسيان الأصول واعتبار الاستثناءات والأحكام النادرة هي الأصل. فالرشاوى حرام والغش حرام والكذب حرام والسرقة حرام والفساد حرام والنميمة حرام وان تخلف الوعد حرام وان تبرم صفقات على حساب أموال المسلمين حرام وان تأخذ من المال العام حرام وان يسفك المسلم دما بغير حق حرام وان تكون سببا في فقدان امن الناس حرام أيضا وان يكون عملك نشر الإشاعات أيضا حرام، وان تتولى منصبا” بالواسطة” وتسعى إليه وأنت لست أهلا له أيضا حرام لأنك أولا اعتديت على حق المؤهلين من غيرك ثم بما انك لست مؤهلا فانك حتما لم تسطع القيام بواجبك وأنت تؤخذ أجرا على أداء الواجب على اتم وجه ، وان العبث في حقوق الناس حرام وان اضاعة الأمانة التي في عنقك أيضا حرام، وان يتقدم اثنان لوظيفة احدهما محق والآخر مبطل ثم تسعى لتعيين المبطل فهذا أيضا من الحرام وان تخون بلدك ودينك والمسلمين حرام كل تلك الرذائل تجدها في البيئة السياسية اليوم على مستوى المحليات والعالميات، بيئة ملوثة في معظمها حتى أنها أصبحت نارا تحصد قيم الأخلاق وتأكل ضمائر الناس وتضعف الوازع الديني عندهم.

ومن الغريب ان نسمع عن مصطلح معاصر اسمه” الإصلاح السياسي” مثلما يحدث في العراق فالقائمون على المشروع العراقي الجديد من المسلمين وغيرهم يتحدثون عن الإصلاحات السياسية والنظم الحديثة ويبرؤون من الدكتاتورية والملكية وكل ذلك تحت مسمى الإصلاح السياسي. ولا نعرف كيف يمكن ان تستقبل المشارح في العراق 650 ألف جثة ويشرد أكثر من مليونين تحت مسمى الإصلاح السياسي في البلد. عن أية سياسة يتحدثون عنها وعن أي إصلاح سياسي .وما يحدث في فلسطين من ضياع الأمن وفقدانه وقتل الأخ لأخيه، وانتشار مرض عمى الألوان فلا يرى الفلسطيني إلا اللون الواحد، وما يحاك من مؤامرات داخلية وخارجية كل هذا باسم السياسية أو الإصلاح السياسي. فأي سياسة هذه وأي إصلاح سياسي هذا. وما يحدث في لبنان من مؤامرات علنية باسم السياسة. وما يشهده العالم باسره مما يحصل في الدول والمدن والقرى تحت مفهوم السياسية.

تعست السياسة التي تكون سببا في تحطيم جماجم الناس، وتعست السياسة التي تتسبب في هتك أعراض الناس ودماءهم وأموالهم، وتعست السياسة التي لا يتوفر فيها ولا معها  الأمن ، وتعست السياسة التي لا يجد المؤمن فيها نفسه وماله وعرضه امنا. هذه ليست سياسية وانما هي جرائم ورذائل ومخالفات ومحظورات نهت الشريعة الإسلامية ورفضها أصحاب العقول السليمة.

إن الجماعات الإسلامية في شتى أنحاء العالم والتي رضيت ان تدخل هذا المستنقع النجس، لا يمكن لها ان تقيس السياسة الشرعية  المعلومة في الشريعة الإسلامية على السياسة الحالية المعروفة عند الناس، ولا يمكن ان نوهم الناس ان الدين يتناول جميع مظاهر الحياة بما ذلك السياسية ثم ويتبادر إلى ذهن السامع إن الإسلام إنما يقصد هذه السياسة التي تعارف عليها الناس. علينا ان نعي وندرك ونفهم إن السياسية الشرعية التي أرادها الإسلام وبينها للناس ونشأت عليها دولة الإسلام الأولى هي سياسة محكومة بالأخلاق والقيم والمبادئ وحقوق الناس كل الناس مسلمهم وكافرهم، غنيهم وفقيرهم، عالمهم ومتعلمهم، حاكمهم ومحكومهم  . علينا ان ندرك انه لا تنفك الاخرة ولا الساعة ولا عذاب القبر ولا اليوم الآخر بما فيه من مشاهد وأحداث عن السياسة فقد ساس رسول الله صلى الله عليه وسلم الدولة الإسلامية على هذا الأساس وساس بعده الخلفاء الراشدون  على هذا الأساس وساس عمر بن عبدالعزيز- رضي الله عنه- دولته على هذا الأساس، والذي لا يدرك ان الدولة الإسلامية بكافة مجالاتها هي دولة عقدية وعقائدية لا تنفك الأخلاق ولا العقيدة عن سائر مناهج الحياة فيها فهو مخطئ واهم لم يدرك حقيقة البناء الإسلامي.فالأخلاق تدخل كافة المجالات مثل المعاملات والأحوال الشخصية وحتى الجهاد والحرب والسياسة.

ان دخول المعترك السياسي الحالي والموجود في واقع الناس هو دخول إلى مستنقع فإما أن نعمل على ترشيحه من النجاسات لنبين الفارق بين طهارة السياسة في الإسلام وأما أخذنا منه على الرغم من نجاسته بقدر ما نحقق به مصلحة منشودة كبرى بحيث ترجح المصالح على المفاسد أو على الأقل ندفع المفسدة الأشد بالمفسدة الأخف مع الاعتراف بأننا أخذنا بالمفسدة لدفع مفسدة اشد. إن الواقع والواقعية يحتم علينا أن نعيش قريبا من الناس لا أن نبني لنا تصورا خاصا بنا نحلم به لنعيش على كوكب آخر غير كوكب الأرض، وفي نفس الوقت لا أن نقبل الواقع على علاته وأمراضه ورذائله بحيث نستسلم له ونخضع ثم نقول هذا هو الموجود علينا تقبله وعلينا العمل بمقتضاه وموجبه. وكل من حاول نقد هذا الواقع المرير مستدلا بالسياسة الشرعية الطاهرة الصحيحة اتهم بأنه جاهل لا يدرك الواقع او انه يعيش في الخيال.

ان الجماعات الإسلامية التي رفعت شعار التغيير والتبديل في الواقع السياسي العالمي قد تفشل اذا ما تغاضت عن التشخيص وادراك الفوارق في عالم السياسة بين الموجود والمشهود والذي يتعطاه الناس وبين المنشود الذي تطمح اليه. فاذا ما رسمت تلك الجماعات برامجها السياسية وفق ما تنشده وتطمح اليه اصطدمت بواقع مرير قد تفشل معه تلك البرامج، وفي نفس الوقت إذا ما بنت برامجها السياسة كغيرها من الأحزاب ورضيت بقبول الواقع السياسي على علاته فشلت أيضا لأنها تشبهت بغيرها من الأحزاب ولم تاتي بجديد. والحل الأنفع لهذه الجماعات ان تشخص الواقع السياسي ثم تحاول أن تصيغ برامج لها ترقى بالموجود إلى ان تصل به إلى المنشود، فلا هي تخضع للموجود مطلقا  ولا تتعايش مع المنشود مطلقا. واني أرى ان الناسخ والمنسوخ والتدرج في التشريع الإسلامي أصل من الأصول التي تدل على هذه المنهجية في التعامل مع واقع الناس عندما يكون مريرا مظلما.

 

كتبه ونشره بتاريخ 17/12/2006 على هذا الرابط 

https://www.kufur-kassem.com/news-17,N-30523.html

 

 

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017