أنا ليست لي حياة إلا دعوتي ورسالتي بقلم الشيخ عبدالله نمر درويش – رحمه الله – ينشر لاول مرة

السبت 19 أغسطس 2017
شارك المقال

ينشر لاول مرة

أنا ليست لي حياة إلا دعوتي ورسالتي

“إن حياتي الحقيقية هي نفسها الرسالة التي أحملها، أو قل إن كل ما مر من حياتي قبل الدعوة ورسالتها هو زمن من أيام وليالي تكاد تكون عديمة الجدوى لولا أنها كانت جسرا عبرت من عليه إلى مرحلة حمل الرسالة بكل ما يحيط بها من متاعب بل ومخاطر، فأنا ولدت مرتين، مرة يوم أن وضعتني أمي طفلا جميلا سرعان ما أصبت بشلل الأطفال في كل الأطراف ولم أتجاوز الشهر السابع من عمري، فنقلت إلى طبيب من الجيش العراقي أعاد بفضل الله الحياة لرجلي، وقبل أن أراجعه لإتمام العلاج كان الأمر قد صدر بانسحاب الجيش العراقي، وكان الطبيب الذي عالجني من ضمن المنسحبين، هذه باختصار شديد هي رواية الصادقة أمي التي اهتمت برعايتي رغم كل مشاغلها مع أبي وباقي إخوتي الثلاثة، فقد كنت رابع أربعة.

أما الميلاد الثاني بالنسبة لي فهو في ذلك اليوم الذي تصالحت فيه مع الله تعالى وتعلمت الإسلام وحملت رسالته، فشتان بين المولدين، بين مولد يتبعه بقدر الله شلل، ومولد تتبعه بتوفيق الله الهداية ودخول دائرة الإسلام والأمن والسلام، وقد حملت رسالة المولد الثاني بعون الله بشموخ واعتزاز، وما زلت أيضا أجر آثار المولد الأول في صبر يحيط به الرضى والحمد لله، أما بناء الحركة الإسلامية فقد كان الاجتماع الأول للحركة الاسلامية في بلادنا في بيت أحد الإخوة الكرام في 15–5 –1972م بعد أن كانت المجموعة الأولى قد بنيت في الزاوية الجنوبية الغربية من مسجد أبي بكر الصديق في كفر قاسم قبل ذلك بعام، فقبل أكثر من أربعة عقود كانت انطلاقة دعوتنا الإسلامية وحركتها الحضارية من بلد الشهادة والدعوة كفر قاسم، وكانت الإنطلاقة من المسجد ومن المقهى.

أما المسجد ففي رحابه نلتقي لأداء العبادة وسماع المواعظ التي تشرح الصدور وتفتح أمام المؤمنين أبواب الآخرة بنعيمها المقيم تماما مثلما تفتح أمامهم آفاق الأمل والخير وتساعدهم على النظر للحياة بعيون السماحة والبشاشة والأمن والسلام وقبول الآخر حتى وإن كانت قناعاته تخالف قناعاتهم،أو آراؤه واجتهاداته تخالف آراءهم واجتهاداتهم.

وأما المقهى فحيث يلتقي غالبا الشباب والعمال والفلاحون والمثقفون بعد يوم من العمل الشاق الذي يواجهون به متاعب لقمة العيش المجبولة بالعرق وبالدم أحيانا والمحاطة بظروف وأوضاع قاسية فرضت علينا نضالات مرة لا بد من خوضها يوميا للحفاظ على الهوية والوجود، وإن كنا في المسجد نعقد الدروس والمحاضرات والخطب لتذكير الأهل بدينهم وأحكامه ومبادئه، فقد كنا في المقهى نحاور شرائح مجتمعنا المختلفة، ومضت الأيام تعقبها السنون وكانت دعوتنا المباركة وحركتها الحضارية تسابقنا بين الجماهير والحمد لله تعالى حتى أصبحت هذه الدعوة المباركة وحركتها تملأ سمع هذه البلاد وبصرها بفضل الله سبحانه وتوفيقه، وللحقيقة وإنصافا لكل من صنعت جهودهم وجهادهم تاريخ هذه الدعوة في هذه البلاد أذكر بأنهم كانوا جزاهم الله خيرا طلاب آخرة وأبناء دعوة وحملة رسالة على الرغم من أخطائنا، إلا أن أولئك الإخوة لم يكونوا خاضعين لأهوائهم أو أسرى لها ولحظوظ أنفسهم، ولم يتخذوا في يوم من الأيام من الدعوة سلما لرقيهم الوظيفي أو لحصولهم على جاه هنا أو منزلة هنالك، خاصة وأن تلك الفترة المبكرة من الدعوة لم تكن مغرية لمن يريد الجاه ومكاسب الدنيا، بل لم يكن يقبل موقع القيادة فيها إلا من يجبر على ذلك من إخوانه، خاصة وأن القيادة في مثل تلك الظروف كانت كلها مغارم وليس فيها من مغانم الدنيا شيئا، إلا تلك السعادة التي يشعر بها كل من شرفه الله وأكرمه بالإلتحاق بهذه الدعوة المباركة، أما عندما توسعت الدعوة وأمتدت حركتها المباركة حتى أدخلها الله بفضله وكرمه كل بيت مسلم في هذه البلاد، وصارت حديث الساسة وحديث المثقفين ووسائل الإعلام وكل شرائح مجتمعنا من مسلمين وغير مسلمين، وبنيت مؤسساتها القانونية، ومنحتها جماهيرنا ثقتها الغالية في كل الميادين السياسية والاجتماعية وغيرها من المجالات الهامة، وبخاصة تلك التي ترتبط مباشرا بقضايا المواطن اليومية، هنالك نعم.. هنالك تغير الحال وبدأنا نتنافس على مواقع القيادة عن طريق الإنتخابات في الفروع لعضوية الإدارات ومجالس الشورى وكل واحد منا يصرح بأنه يتنافس على المواقع القيادية لخدمة الدعوة وجماهيرنا الإصيلة، وهذا هو ظننا بمن يتنافسون على القيادة {في أوقات الرخاء} ونرجو أن يكونوا كذلك قولا وفعلا ونية، فخدمة الدين ودعوته والجماهير وقضاياها العادلة، وخدمة مشروع السلام والتعاون بين الناس عبادة وقربة الى الله وعلامة على صدق الالتزام {وبخاصة عندما يكون الأخ قد دفع ضريبة الإنتماء لهذه الأمة ولهذا الدين في ساعة المغارم والشدة قبل ساعة المغانم والرخاء}، ففي وقت الرخاء يكثر الأبطال المتنافسون {بل والمتهالكون أحيانا} على المواقع الأمامية، وفي وقت الشدة والابتلاء يكون التراجع والترقب، وقد شهدت هذه الدعوة على مدار تاريخها وفي كل مراحلها وهي تتحرك بين الناس ومعهم مثل هذه النفسيات {المترقبة} التي تتحين  فرص المغانم لتقتنصها، وعلى أكتاف هذه النفسيات وبأنفاس تلك الشخصيات لا تبنى الدعوات ولا تنظم النشاطات والنضالات في يوم من الأيام، فالاختبار الصحيح  لكل النفسيات المعطاءة البناءة والمحك الأصلي والحقيقي للشخصيات الدعوية الصادقة هو وقت الشدة والمغارم وليس في ساعات الرخاء والمغانم، ونحن نعتقد أن التهرب العجيب من المسؤوليات والتبعات ساعة الشدة والمغارم والإقبال عليها بشدة {وأحيانا التهالك عليها} ساعة الرخاء والمغانم هو الدليل الواضح على عقم الفهم وضحالته بل وانعدامه نهائيا عند أصحاب هذا التوجه العقيم الذي يفتك بالصف كله بعدما يستغله ويمتص جهوده وثمرات جهاده، وهذا الصنف يعتبر في نظر كل الدعاة الصادقين على مدار تاريخ الدعوة ظاهرة مرضية تفتك بصفاء الإيمان في القلوب وبالوعي في العقول وباستقامة سلوك الجوارح، فالمسؤولية في كلا حالتي الشدة والرخاء كما يفهمها الموفقون هي تكليف وابتلاء وليست تشريفا ونعماء، ومن الواجب أن نتوج المسؤولية في وقت الشدة والضيق والمغارم بالصبر الجميل على كل المكاره والتضحيات التي حفت بها  الجنة منذ خلق الله الكون وحتى يطوي صفحته يوم ينفخ في الصور ويبعث الناس على حسب النيات، وفي سنة 1979م اعتقلت مع بعض أخواني بتهمة بناء تنظيم مسلح (أسرة الجهاد) وقد بقيت في السجن حتى سنة 1984م حيث أطلق سراحي مع أكثر إخواني بعد إنهاء المدة كاملة، وظنت دوائر الظلام أنها باعتقالنا ستنهي وجود الدعوة الاسلامية، إلا أن ما رأيناه بعد خروجنا من السجن يدل بوضوح على هزيمة هذه السياسة العدوانية، فقد التفت جماهيرنا حول الدعوة الاسلامية بكثافة، وبدأ الشباب يتركون الأحزاب العلمانية ويلتحقون بالحركة الاسلامية والحمد لله تعالى.

وقد كان الانجاز السياسي الأول للحركة الاسلامية سنة 1989م حينما خضنا انتخابات السلطات المحلية فحققت نجاحات ممتازة لم يتوقعها المراقبون.

وفي سنة 1996م تطور عملنا السياسي فخضنا الانتخابات البرلمانية وفزنا بأربعة مقاعد في البرلمان أي ما يزيد عن 30% من الناخبين العرب مسلمين وغير مسلمين، وحصلنا على أكثر من 60% من أصوات المسلمين. وإن المؤسسات التربوية والاجتماعية والخيرية والسياسية التي بنتها حركتنا كثيرة والحمد لله، وبناؤنا الدعوي والحركي جيد والحمد لله. وفي سنة 1998م أعدنا بناء الحركة الإسلامية على قاعدة الفصل التكاملي بين ثلاثة جوانب أساسية من مجالات عملنا ونشاطنا وهي: الجانب العلمي (الفقه والتربية الخ) والجانب الدعوي.. والجانب السياسي .

وعملي اليوم وحتى ألقى الله تعالى هو التقريب بين الناس حتى تختفي من حياتنا العداوات والحروب الدموية العدوانية، ولي شركاء في هذا العمل من المسلمين وغير المسلمين من أهل الكتاب والحمد لله.

والله غالب على أمره.”

 

” هذا الكلام ربما ينشر لاول مرة، في  شهر أذار من سنة 2014 ، حملت هذا المقال من الشيخ عبدالله نمر درويش على شكل رسالة الى اكثر من جهة على الساحة العالمية من المسلمين وغيرهم، ارجو ان تدققوا في كلمة وتعيدوا قراءة المقال أكثر من مرة”

الشيخ رائد بدير .مدير مركز ادم سابقا الذي كان يراسه الشيخ عبدالله رحمه الله لمدة 15 سنة تقريبا.

موقع نوازل

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017