أهمية القياس التشريعية

الإثنين 4 يناير 2021
شارك المقال

إن حاجة الناس إلى القياس لا تنقطع ، فما دامت الحوادث تتجدد والوقائع تتكرر والقضايا تتطور دون أن يكون لها حد  دامت حاجة الناس إلى القياس ، ولعل طبيعة الشريعة الإسلامية وخصائصها وخاصة مسالة الثبات والتطور لتؤكد على أهمية القياس يقول د.علي السرطاوي : “كانت مسألة التشريع سببا لكثير من الاشكالات في العصر الحاضر ، فبسبب التخلف العلمي والسياسي للمسلمين في الوقت الحاضر وسيرهم وراء التشريعات والنظم الغربية واتهام بعضهم الشريعة بالجمود وعدم الصلاحية ، كتب كثير من علماء المسلمين دفاعا عن الشريعة أنها شريعة مرنة متطورة صالحة لكل الأزمنة والأمكنة ، حتى اصبح الناس يقرون بهذه الفكرة ويسلمون بها “[1] . والقياس عامل أساسي من عوامل تطور هذه الشريعة الإسلامية كونه يعالج ما استجد من قضايا وأحداث في جميع مجالات الحياة ، وخاصة أن النصوص مقصورة محصورة والحوادث غير محصورة ، يقول الجويني في بيان منزلة القياس وضرورته : ” القياس مناط الاجتهاد واصل الرأي ، ومنه يتشعب الفقه ، وأساليب الشريعة ، وهو المفضي إلى الاستقلال بتفاصيل أحكام الوقائع ، مع انتقاء الغاية والنهاية ، فان نصوص الكتاب والسنة محصورة ، ومواقع الإجماع مأثورة فيما ينقل منها تواترا ، فهو المستند إلى القطع ….، ونحن نعلم قطعا أن الوقائع التي يتوقع وقوعها لا نهاية لها  والرأي المبتوت المقطوع به عندنا انه لا تخلو واقعة عن حكم الله تعالى  متلقى من قاعدة الشرع ، والأصل الذي يسترسل على جميع الوقائع القياس، وما يتعلق به من وجوه النظر والاستدلال ، فهو إذا أحق الأصول باعتناء الطالب ، ومن عرف مآخذه وتقاسمه ، وعرف مجاريها ومواقعها فقد احتوى على مجامع الفقه ، وان نحن خصصنا هذا الكتاب بفصل بسط ، فسببه ما نبهنا عليه من عظم خطره ، واشتداد مسيس الحاجة إليه ، وابتنائه على إفضائه إلى ما لا نهاية له مع انضباط ماخذه “[2]. ونجد إمام الحرمين يبين مدى الحاجة إلى القياس ، وأهميته حيث اعتبره يفضي إلى ما لا نهاية ، وهذا تجاوب وانسجام بين الشريعة الإسلامية الخالدة وبين الواقع المتجدد ، فمحال أن ينزل بالأمة الإسلامية على مستوى شعوبها أو أفرادها في جميع مجالات الحياة  في كل الأزمنة والعصور نازل ، دون أن يكون له حكم لازما في الشريعة الإسلامية يقول الشافعي :  ” كل ما نزل بمسلم فيه حكم لازم ، أو على سبيل الحق فيه دلالة موجودة ، وعليه إذا كان فيه حكم بعينه وجب اتباعه ، وإذا لم يكن فيه بعينه طلب الدلالة على سبيل الحق فيه بالاجتهاد والاجتهاد القياس “[3].

إذن مكانة القياس في الشريعة الإسلامية ومنزلته لا تقل عن منزلة الاجتهاد، ولا يختلف اثنان على أهمية الاجتهاد وضرورته في التشريع الإلهي ، والحقيقة أن أول أدوات الاجتهاد القياس ، وليس الاجتهاد هو القياس قال الغزالي: ” قال بعض الفقهاء:القياس هو الاجتهاد ، وهو خطأ لان الاجتهاد أعم من القياس، لأنه قد يكون بالنظر في العموميات ودقائق الألفاظ وسائر طرق الأدلة سوى القياس، ثم انه لا ينبيء في عرف العلماء إلا عن بذل المجتهد وسعه في طلب الحكم،ولا يطلق إلا على من يجهد نفسه،ويستفرغ الوسع،فمن حمل خردلة لا يقال اجتهد ، ولا ينبىء هذا عن خصوص معنى القياس، بل عن الجهد الذي هو حال القياس “[4].  ومعرفة القياس من الشروط الواجبة التي يجب أن تتوفر في المجتهد يقول الاسنوي :” لا بد للمجتهد أن يعرفه – أي القياس – ويعرف شرائطه المعتبرة وهو قاعدة الاجتهاد والموصل الى تفاصيل الأحكام التي لا حصر لها “[5].

اكتسب القياس هذه الأهمية وهذه المنزلة في الشريعة الإسلامية ، من الشريعة نفسها ، حيث أناطت به دورا هاما لمعالجة القضايا المستجدة يقول الدريني: ” قرر القران الكريم نفسه وكذلك السنة بوجه خاص ، حجية هذا المنهج الأصولي من مناهج الاجتهاد بالرأي تأكيدا لمنطق الشرع والعقل معا، فاحال القران الكريم المجتهدين على القياس كمنهج أصولي لاستنباط الأحكام على أساسه في الوقائع التي لم يرد فيها نص ، قياسا على نظائرها من وقائع أخرى معينة قد ورد النص بحكمها إذا اشتركت معها في العلة التي بنى المشرع الحكم عليها “[6] .

وقد ذهب ابن قيم في كتابه إعلام الموقعين عن رب العالمين الى اعتبار القياس الميزان الذي أنزله الله سبحانه وتعالى مع كتابه حيث قال : “قال تعالى 🙂 الله الذي انزل الكتاب بالحق والميزان ([7] ، وقال تعالى : ) والسماء رفعها ووضع الميزان ([8] ، والميزان يراد به العدل والآلة التي يعرف بها العدل وما يضاده ، والقياس الصحيح هو الميزان ، فالأولى تسميته بالاسم الذي سماه الله به ، فانه يدل على العدل ، وهو اسم مدح واجب على كل واحد في كل حال بحسب الإمكان “[9].

إن ابرز ما جاء في أقوال العلماء لبيان أهمية القياس هو طبيعة التشريع الإلهي ، والذي جاءت نصوصه محصورة ، والوقائع غير محصورة بل هي متجددة دائما ومتنوعة وعلى سبيل المثال لو نظرنا إلى الواقع المالي المعاصر اليوم لوجدنا صورا متنوعة من المعاملات المالية المعاصرة ، سواء كانت على مستوى الدول أو المؤسسات أو الأفراد ، ولعلمنا مدى حاجة العلماء  المعاصرين إلى القياس ليكشف لهم عن مراد الشارع في صورة من الصور أهي منتمية إلى الصور الربوية الممنوعة أم منتمية إلى الصور المالية المشروعة ؟ أهي من الحلال المشروع أم من الحرام الممنوع ؟ وان عدم مواكبة الوقائع المتجددة في شتى الميادين السياسية والعسكرية والاجتماعية والاقتصادية واحتواء تلك الوقائع في كافة ميادين الحياة  وفق ما يتلاءم مع الشريعة الإسلامية بما يتحقق فيه مصلحة الناس لهو سبب رئيسي في هيمنة النظم الغريبة والوضعية على حياة الناس العامة والخاصة وعلى حياة الدول، من هنا تبرز أهمية القياس في الشريعة الإسلامية، حيث بواسطته يستطيع العلماء احتواء وإحاطة جميع الوقائع والأحداث المتجددة في كل عصر ومصر ، مما يجعل هيمنة التشريع الإسلامي على غيره من الشرائع الوضعية .

وقد وصف الأستاذ الزرقاء القياس بقوله : ” القياس راس الاجتهاد وهو اغزر المصادر الفقهية في إثبات الأحكام الفرعية للحوادث ، وهو طريق هام لتوسيع دائرة النصوص المحددة حتى يشمل ما لا يتناهى من الحوادث الجديدة “[10].

 الحقوق محفوظة لموقع نوازل – كتبه الشيخ رائد بدير –

 [1]  علي محمد مصلح السرطاوي – مبدأ المشروعية في الشريعة الإسلامية – رسالة دكتوراه – الجامعة الأردنية – عمان 1997 ص 75

[2]   الجويني- البرهان – ج 2 ص 485

 [3] الشافعي- محمد بن إدريس – المكتبة العلمية بيروت – الرسالة – ص 477 تحقيق محمد احمد شاكر

 [4] الغزالي – المستصفى– ج 2 ص 280

 [5] الاسنوي-  نهاية السول – الجزء2 ص 274

[6] الدريني – المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي في التشريع الإسلامي – ص 468

[7]  سورة الشورى آيه 17

[8]  سورة الرحمن آيه 7

5 ابن الجوزية- شمس الدين ابو عبد الله محمد بن ابي بكر – إعلام الموقعين عن رب العالمين-دارالجيل بيروت سنة 1973 الجزء 1 ص 133

[10] الزرقاء-مصطفى احمد الزرقاء- المدخل الفقهي العام– الجزء 1 ص 68 فما بعدها بتصرف.

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017