إذا صح الحديث فاضربوا بمذهبي عرض الحائط، وعليه  يجوز ضرب راي الشافعي بعرض الحائط ولا يجوز  ضرب النص الديني بعرض الحائط 

الأربعاء 2 يناير 2019
شارك المقال

إذا صح الحديث فاضربوا بمذهبي عرض الحائط، وعليه  يجوز ضرب راي الشافعي بعرض الحائط ولا يجوز  ضرب النص الديني بعرض الحائط 

 

الشيخ رائد بدير ، عضو هيئة العلماء في القدس الشريف

يروى عن الامام الشافعي رحمه الله تعالى أنه قال : “إذا صح الحديث فهو مذهبي وإذا صح الحديث ، فاضربوا بقولي الحائط”.[1] هذه الكلمات تعتبر خارطة طريق لفهم الفارق بين الدين الشريعة من ناحية   وبين الراي الفقهي المستنبط عن طريق عملية عقلية  من الدين والشريعة، اذ يستصعب حتى  حملة الشهادات في الشريعة الاسلامية التعامل مع المذاهب الاسلامية والتفريق بينها وبين الدين. ويصعب عليهم فهم المساحة المحددة في النصوص المحتملة وهي منطقة العقل الاستنباطي من النصوص، وبين النص نفسه . لذا تراهم يتعاملون مع الافهام على انها دين وليس رايا مستنبطا من الدين، وهذا يدخل المستفتي والمفتي على حد سواء  في ازدواجية صراع بين فهم الدين وفهم ما رشح عنه من مذاهب فقهية.  وحينما يقول الامام الشافعي رحمه الله تعالى اضربوا بقولي عرض الحائط المقصود بالقول النابع عن اجتهاد في النص وليس النص نفسه.

لقد اعتبر  اللغويون  أن العقل من  مصدر عقل يعقل عقلا ورجل عاقل هو الجامع أمره ورأيه مأخوذ من عقلت البعير إذا جَمْعت قوائمه”[2] ، وفي القاموس المحيط العقل  هو ” العلم بصفات الأشياء من حسنها وقبحها وكمالها ونقصانها أو العلم بخير الخيرين وشر الشرين ، وهو نور روحاني به تُدرك النفس العلوم الضرورية والنظرية ، وابتداء وجوده عند اجتنان الولد ثم لا يزال إلى أن يكمل عند البلوغ”[3] . اما الاصطلاحيون  عرفه المحاسبي :” العقل غريزة  يتهيأ بها إدراك العلوم النظرية ولا يعرف إلا بفعاله في القلب والجوارح ، لا يقدر أحد أن يصفه في نفسه ، ولا في غيره بغير أفعاله ، لا يقدر أن يصفه بجسمية ولا بطول ولا بعرض ولا طعم ولا شم ولا يعرف إلا بأفعاله”[4] .

إن الناظر في القرآن الكريم والسنة النبوية يجد كثيرا من النصوص تشير إلى أهمية العقل الإنساني ووظيفته في الحياة الإنسانية ومنها على سبيل المثال قوله تعالى :    (كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ(([5]،  يقول القرضاوي : ” جاءت مادة (ع ق ل)في القران الكريم تسعا واربعين مرة كلها إلا واحدة جاءت بصيغة الفعل المضارع وخصوصا ما اتصل به واو الجماعة تعقلون ويعقلون “[6].

لقد اهتم  المسلمون ببيان أهمية الترابط بين النصوص الشرعية والعقل ومدى صلة تلك النصوص الشرعية بالعقل ، وبينوا كذلك مكانة العقل البشري من تلك النصوص حيث يقول ابن رشد في كتابه ” فصل المقال في ما بين الحكمة والشريعة من اتصال ” يقول في موقف الإسلام من العقل: ” فأما الشرع فقد دعا إلى اعتبار الموجودات بالعقل وتطلب معرفتها به ، فبين في غير ما آيه من كتاب الله تبارك وتعالى مثل قوله )فاعتبروا يا أولي الأبصار([7] ، فلما بلغ جانب من البشر هذا المستوى الرفيع من العقل ثم حمل العقلاء تبعاتهم كلها نحو أنفسهم ونحو الآخرين في جميع طبقات البشر انتقل قبس من نور النبوة إلى عقلاء من النوع الإنساني فإذا العلماء ورثة الأنبياء “[8] .

،وقال الغزالي- رحمه الله-  :” واشرف العلوم ما ازدوج فيه العقل والسمع ، واصطحب فيه الرأي والشرع وعلم الفقه وأصوله من هذا القبيل ، فانه يأخذ من صفو الشرع والعقل سواء السبيل ، فلا هو تصرف لمحيض العقول ، بحيث لا يتلقاه الشرع بالقبول ، ولا هو مبني محض التقليد الذي لا يشهد له العقل بالتأييد والتسديد “[9] . وتابع حجة الإسلام الغزالي كلامه حول تظاهر العقل والشرع وافتقار أحدهما إلى الآخر قائلا: ” اعلم أن العقل لن يهتدي إلا بالشرع ، والشرع لم يتبين إلا بالعقل ، فالعقل كالأس والشرع كالبناء ، ولن يغني أس ما لم يكن بناء ولن يثبت بناء ما لم يكن أس ، وأيضا فالعقل كالبصر والشرع كالشعاع ، ولن يغني البصر ما لم يكن شعاع من خارج ، ولن يغني الشعاع ما لم يكن بصر ، فلهذا قال الله سبحانه وتعالى:( قَدْ جَآءَكُم مِنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ )( [10]، وأيضا فالعقل كالسراج والشرع كالزيت الذي يمده فما لم يكن زيت لم يحصل السراج ، وما لم يكن سراج لم يضيء الزيت “[11] .

وقد اهتم العلماء المعاصرون ببيان الصلة بين الوحي والعقل ، والترابط المتين بينهما وخاصة في عصرنا الحاضر حيث بلغ العقل في فترة وجيزة جدا ما لم يبلغه في عصور طويلة حتى اصبح لدينا في كل لحظة تقريبا معلومة جديدة او اكتشاف جديد في شتى أنحاء العالم. يقول الدريني :” لا بد لنا من بيان الصلة التي احكمها الإسلام بين العقل الإنساني العلمي المتخصص، والتشريع الإلهي والتي نوه إليها أئمة المذاهب والمجتهدون ، وحتى اجمعوا على إحكام الصلة بين العقل الإنساني والتشريع الإلهي لكنهم اختلفوا في تحديد مداها”[12] ،  وقد أسهب الدكتور محمد عمارة في كتابه معالم المنهج الإسلامي في مدى ارتباط العقل والنقل ذاكرا المناهج الأخرى غير الإسلام حول هذه المسألة حيث قال : ” فمنهج الإسلام هو المنهج الذي لا يذهب به الغرور العقلاني الى الحد الذي ينكر فيه ما لا يستقل العقل بإدراكه وإدراك كنه حقائقه المنهج ،  الذي يؤمن بما هو اكثر من عالم الشهادة ، المنهج الذي لا يقف بسبل الوعي عند الحواس والعقل واحد منها…… المنهج الذي يعقل النقل فيغدو فيه تصديق النقل برهانا عقليا ، تلك هي حقيقة منهج الإسلام، ولهذه الحقيقة من حقائق المنهج الإسلامي ، كان تجاور النقل مع العقل في سبله للوعي وتحصيل المعرفة ، وهذا التجاور ليس تجاور السكون والانفصال بين سبيلين يستقلان في الوظائف والموضوعات وميادين الأعمال ، وانما هو تجاور الزمالة والمؤاخاة والائتلاف والتآزر والتساند والاجتماع ، على النحو الذي جعل منها بالوسطية الجامعة سبيلا واحدا يجمع ويؤلف ما يمكن ويجب جمعه من خصائصهما ، الآمر الذي جعل العقلانية الإسلامية متدينة والنقل الإسلامي عقلانيا، وقد تفرد المنهج الإسلامي بهذا الإنجاز”[13] .

ويقول د.عبد المجيد النجار: ” لا أحد منهما – أي العقل والنقل- يمكن أن يكون بديلا للآخر ولا أحد منهما يمكن أن يغني عن الآخر ، وكل منهما من عند الله تعالى فالنقل هبة الله تعالى للبشرية ليهديها سبلها ويخرجها من الظلمات إلى النور والعقل هو الطاقة المستقبلية للوحي القادرة على تلقية وفهمه والاستفادة به وتنزيله على الواقع”[14]، ويقول د.علي السرطاوي في إحدى محاضراته : ” إن من فوائد التشريع الإسلامي أن لا تكون الحياة البشرية حقلا للتجارب فالعقل الإنساني قاصر وهو بحاجة إلى النور الرباني هذا من ناحية ومن ناحية أخرى جاءت رسالة الإسلام في بيانها للأحكام على نحو كلي في الغالب وذلك بعد مرحلة من نمو العقل البشري ، ليقوم العقل بدوره في تفهم هذه الرسالة وتطبيقها على وجه تتحقق فيه المصلحة البشرية ومصلحة عمارة الأرض”[15].

اذن كل عملية عقلية تمت لاستنباط رايا فقهية من النصوص التي تتيح لها ذلك نسميها رايا فقهيا قابل للأخذ والرد بل قابل لان يضرب في الحائط ولا ننزله في القدسية منزلة النص نفسه سواء كان اية قرآنية او حديثا نبوية، ولا يعني هذا انه ليس ذو اهمية بل تكريما للعقل البشري ولطبيعة الاحكام التي وضعت ابتداء لهذه الغاية  يعتبر الراي مكرما معتمدا للعمل به لكنه لا يرقى في المنزلة الى مكانة النصوص.

ان انزال الظنيات الاجتهادية من اراء الفقهاء منزلة النصوص الدينية لا يجوز شرعا ولا باي حال من الاحوال، وان الكثير تلبس عليه هذه التفرقة. وان عدم التفرقة بين الآراء الفقهية المستنبطة من النصوص المحتملة يؤخذ صاحبها الى مربع مجهول يمكن ان يدخل على الشريعة الاسلامية مما ليس منها كالدعوة الى جعل المذهب الواحد دينا وشريعة وانكار الاخرين او جعل عدة مذاهب دينا وشريعة والغاء الاخرين.

إذا صح الحديث فاضربوا بقولي عرض الحائط هكذا قال الشافعي رحمه الله تعالى وهكذا قال اصحاب المذاهب كلهم ، يجوز ضرب راي الشافعي رحمه الله  بالحائط ولا يجوز  ضرب النص الديني بالحائط ، ولا يجوز انزال الآراء الفقهية منزلة النصوص الدينية، ولا يجوز انزال الظنيات منزلة القطعيات. ولا يقصد الامام الشافعي رحمه الله تعالى من مقولته هذه الا بيان  مكانة الراي الظني  بانه لا ينزل منزلة النصوص الدينية ولا منزلة القطعيات المسلمة.

[1] الذهبي، محمد بن احمد عثمان الذهبي، سير اعلام النبلاء، مؤسسة الرسالة ،2001، 10/35.

  [2] ابن منظور –لسان العرب-باب اللام- فصل العين -جزء 11 ص 458

 [3] الفيروز ابادي – القاموس المحيط–  فصل العين –  باب اللام-  جزء 4 ص 19

 [4] المحاسبي- الحارث بن اسد بن عبد الله المحاسبي- مائية العقل– دار الفكر –بيروت- الطبعة الثانية ص 204 تحقيق حسين التوتلي-

 [5] سورة الروم الآية 28

[6]  القرضاوي- يوسف عبد الله القرضاوي- العقل والعلم في القران الكريم– مكتبة وهبه-الطبعة الأولى 1996ص13

 [7] سورة الحشر الاية28

[8]  ابن رشد – ابو الوليد محمد بن احمد بن محمد الأندلسي-فصل المقال في ما بين الحكمة والشريعة من اتصال –   مصر-دار المعارف ص8

 [9] الغزالي- ابو حامد – المستصفى-ج1 ص 12

 [10] سورة المائدة رقم اية 16

[11]  الغزالي- محمد بن محمد بن محمد ابو حامد الغزالي- معارج القدس في مدارج معرفة النفس-دار الآفاق الجديدة بيروت 1975 الطبعة الثانية ص 15

 [12] الدريني-  بحوث مقارنة – ص 110

[13]  محمد عمارة- معالم المنهج الإسلامي -المعهد العالمي للفكر الإسلامي-الولايات المتحدة-دار الشروق الطبعة الأولى-1991 ص 63.

 [14] د.عبد المجيد النجار-  خلافة الانسان بين الوحي والعقل-المعهد العالمي للفكر الاسلامي الولايات المتحدة-الطبعة الثانية دار الغرب الاسلامي1993 ص 15

[15]  علي السرطاوي-محاضرات القيت في مساق، اثر القواعد الاصولية في اختلاف الفقهاء –جامعة النجاح الوطنية نابلس- فلسطين

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017