إِذَا نَشَأَتْ بَحْرِيَّةٌ ، ثُمَّ تَشَّاءَمَتْ فَتِلْكَ عَيْنٌ غُدَيْقَةٌ

الأربعاء 18 أكتوبر 2017
شارك المقال

 

إِذَا نَشَأَتْ بَحْرِيَّةٌ  ثُمَّ تَشَّاءَمَتْ فَتِلْكَ عَيْنٌ غُدَيْقَةٌ

 

 

جاء في “موطأ الإمام مالك” (1/ 192): ، أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , كَانَ يَقُولُ : إِذَا نَشَأَتْ بَحْرِيَّةٌ ، ثُمَّ تَشَّاءَمَتْ فَتِلْكَ عَيْنٌ غُدَيْقَةٌ “ وجاء في “تنوير الحوالك” للسيوطي: “إذا أنشأت بحرية -أي ظهرت سحابة من ناحية البحر-، ثم تشاءمت -أي أخذت نحو الشام-، فتلك عين غديقة -أي ماء كثير-“.

قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الوقائع في احوال الطقس ليخبرنا عن المتوقع فيما يصير, وفرض فرضية عن مسلك الرياح نتيجة السنن الكونية والخبرة في مسلكها اذا كان مصدرها من ناحية البحر ثم  في مسار معين نحو الشام فنتيجة المصدر والمسار يمكن ان نتوقع النتيجة ماء كثير. آذن معرفة المصدر والمسار من اهل الخبرة  والتخصص والسنن الكونية   يمكن ان تتوقع النتائج.

ان قراءة الوقائع بدقه وتتبع الاحداث من حيث مصدرها  ومسارها يمكن ان تصل الى نتيجة متوقعة قربية من الصواب, وهذا ليس علما بالغيب انما هو نوع من انواع العلوم المتوقعة والتي بنيت على خبرة في قراءة الواقع والمتوقع ,  ولا يتوقف على قراءة احوال الطقس , ولا تقديم نشرة احوال جوية, انما يتسع هذا الفهم ليشمل قراءات اخرى في مجال الاقتصاد والسياسية والعلوم الاجتماعية والعسكرية  وغيرها .

ان سرعة التصرف واخذ الاحتياطات اللازمة نتيجة هذه القراءة السليمة هو واجب شرعي في كل مجالات الحياة, لا ينبغي لمسالة الايمان والعقيدة ان تتعارض مع هذا المفهوم الصحيح في تحليل الاحداث, فالمطر ونزوله غيب لا يعلمه الا الله تعالى, لكن بخبرة الانسان والتجربة يمكن التدقيق في هذا الغيب ومقدماته المشهودة ثم الحكم عندها عليه بالوقوع من عدمه, فالأخبار عن المطر قبل وقوعه ليس علما بالغيب ولا يتعارض مع العقيدة الاسلامية وهكذا في كل الاحداث.

تتبع قوم عاد كيف كانت لهم قراءة خاطئة عن مصدر الريح والماء فاتت عليهم بنتائج لم يتوقعوها نتيجةسلوكهم المخالف للفطرة ونظرهم  الهزيل في القراءة للواقع والمتوقع  ” {وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آَلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (22) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (23) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25. ”

دقق كيف وصفهم هود عليه السلام بالجهل  ” وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ” انظر الى قراءتهم الخاطئة ” هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا” وتتبع حقيقة هذه الريح وما تحمل ومصدر موجهها ” رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا”

ان كل دولة او مجتمع او مجموعة او جماعة  تخلوا من مراكز متخصصة في جميع المجالات لتقدم  قراءة للواقع من حيث الااحداث والسلوكيات  لاستشفاف المتوقع وفق المنهج السليم للسنن الكونية والخبرة هي دول جاهله وشعوب نائمة وجماعة غافلة بل ومتخلفة . وكما هو حال بالنسبة للامة هو الحال بالنسبة للفرد في كل ما يعتريه في مراحل حياته وتربيته لأبنائه وبناء مستقبله ومستقبلهم.

الشيخ رائد بدير – عضو هيئة العلماء في القدس الشريف

 

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017