قاعدة سد الذرائع كخطة طوارئ للحفاظ على مقاصد الزواج

الثلاثاء 1 أغسطس 2017
شارك المقال

الزيجات المعاصرة وإعمال قاعدة سد الذرائع كخطة طوارئ للحفاظ  على مقاصد الزواج

الشيخ رائد بدير ، عضو هيئة العلماء في القدس الشريف

 مفهوم قاعدة سدة الذرائع في اللغة  والاصطلاح وبيان أهميتها: 

لقد بين ابن منظور معنى كلمة ” سد “وكلمة  ” ذريعة ” فقال : السد : الردم والإغلاق لانه يسد به ، والسد أيضا كل بناء شد به موضع ، والسد أيضا يأتي بمعنى الحاجز، والذريعة الوسيلة والسبب إلى الشيء يقال : فلان ذريعتي إليك أي سببي ووصلتي الذي أتسبب به إليك “[1]. فالذريعة لغة ما كان طريقا وسببا الى الشيء ، مثلا سد الباب أي أغلقه . وفي اصطلاح  العلماء عرفها الشاطبي بقوله: “حقيقتها التوسل بما هو مصلحة إلى مفسدة “[2] .

تعريفها في الاصطلاح وبيان اهمميتها:

قال الباجي: “الذرائع ما يتوصل به إلى محظور العقود من إبرام عقد أو حله”[3] . وقال ابن النجار:  “سد الذرائع : أي شيء من الأفعال أو الأقوال ظاهرة مباح ويتوصل به الى محرم “[4] . وقال الشوكاني : ” الذريعة هي المسألة التي ظاهرها الإباحة ويتوصل بها الى فعل المحظور “[5] . والباحث في كتب الأصول يجد أن التعريفات كلها متقاربه من بعضها البعض لقاعدة سد الذرائع، وخلاصة معناها أن يكون هنالك أمر غير ممنوع سواء كان قولا أو فعلا، وسواء تعلق بإبرام عقد أو غيره، وهذا القول أو التصرف في ظاهره مباح إلا انه يتوقع من هذا القول أو التصرف المفسدة بدل المصلحة فيحكم على هذا التصرف أو القول بالمنع ، حسما للمفسدة ودرءا لها ، وهذا الأمر عام في جميع التصرفات والأقوال وغيرها.

يقول د.محمود حامد عثمان بعد أن عرض تعريفات عدة   لقاعدة سد الذرائع :  “والتعريف المختار للذريعة هي ما كان ظاهرة الإباحة ويتوصل أو يمكن أن يتوصل به إلى محظور”[6] . فكل شيء مباح سواء كان قولا أو تصرفا لكنه يفضي إلى محظور أو ممنوع فيمنع حسما للفساد، وهذا يشير إلى أن موارد الأحكام تنقسم قسمين ، مقاصد ووسائل  وكل وسيلة تأخذ حكم القصد الذي تفضي إليه يقول ابن القيم الجوزية : ” لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها ، كانت طرقها وأسبابها تابعة لها معتبرة بها، فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها الى غايتها وارتباطها بها ، ووسائل الطاعات والقربات في محبتها والإذن فيها بحسب إفضائها الى غايتها ،  فوسيلة المقصود تابعة للمقصود ، وكلاهما مقصود ، لكنه مقصود قصد الغايات  وهي مقصودة قصد الوسائل ، فإذا حرم الرب تعالى شيئا وله طرق ووسائل تفضي إليه فانه يحرمها ويمنع منها ، تحقيقا لتحريمه ، وتثبيتا له  ،ومنعا أن يقرب حماه ، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضا للتحريم ، وإغراء للنفوس به، وحكمته تعالى وعلمه يأبى ذلك كل الإباء “[7] . والثمرة التي تجنى من هذه القاعدة الجليلة أن لا تعود الأحكام على الشريعة بالتناقص حيث تمنع الأقوال والتصرفات وإن كان ظاهرها موافقة للشرع حسما لمادة الفساد ، ودرءًا للشر المتوقع ، وكي تتحقق المقاصد المراد تحقيقها من الأحكام والتي وضعت لها أصلا وهذا يرفع من مكانة تلك القاعدة وأهميتها فعدها ابن قيم الجوزية واعتبرها أحد أرباع الدين حيث قال : “وباب سد الذرائع أحد أرباع التكليف ، فانه أمر ونهي، والأمر نوعان ، أحدهما: مقصود لنفسه ، والثاني : وسيلة الى المقصود ، والنهي نوعان أحدهما : ما يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه ، والثاني : ما يكون وسيلة الى المفسدة ، فصار سد الذرائع المفضية الى الحرام أحد أرباع الدين “[8] . فالشرع أوجد مثل هذه القاعدة واهتم بها كي يضمن سلامة النتائج المتوقعة من التصرفات المشروعة ، حيث أن المهمة التي أنيطت بهذه القاعدة الجليلة ضمان إفضاء التصرفات المشروعة للغرض الذي وضعت له ابتداء ، فكانت إحدى شبكات الأمان الشرعية التي تضمن تحقيق مراد الشارع وقصده من إباحة تلك التصرفات والأقوال .

يقول د.علي السرطاوي : ” يتفرع على أصل النظر في مآلات الأفعال قاعدة سد الذرائع  وهي قاعدة تشريعية عظيمة تحمي ذاتية التشريع ، وتضمن أن تصل التصرفات المشروعة إلى غاياتها ، وان تكون النتائج المترتبة عليها هي عين النتائج التي قصدها الشارع عند تشريعه للأحكام “[9] . ونرى الأستاذ الزرقاء رحمه الله يعتبر مبدأ سد الذرائع من المبادئ الشرعية الثابتة فيقول : ” أما الأحكام الأساسية التي جاءت الشريعة لتأسيسها وتوطيدها بنصوصها الأصلية الآمرة الناهية ، كحرمة المحرمات المطلقة ، وكوجوب التراضي في العقود والتزام الإنسان بعقده ، وضمان الضرر الذي يلحقه بالغير ، وسريان إقراره على نفسه دون غيره ، ووجب منع الأذى وقمع الأجرام ، وسد الذرائع إلى الفساد ، وحماية الحقوق المكتسبة ومسؤولية كل مكلف عن عمله وتقصيره ، وعدم مؤاخذة بريء بذنب غيره ، إلى غير ذلك من الأحكام والمبادئ الشرعية الثابتة التي جاءت الشريعة لتأسيسها ومقاومة خلافها ، فهذه لا تتبدل بتبدل الأزمان ، بل هي الأصول التي جاءت الشريعة لإصلاح الأزمان والأجيال  ، ولكن وسائل تحقيقها وأساليب تطبيقها قد تتبدل باختلاف الأزمنة المحدثة “[10] . ويقول د. محمد البرهاني : ” سد الذرائع مما يدخل في السياسة الشرعية ، ويمد ولي الأمر في محيطه الواسع بسلطة يتدارك بها كل ما يمكن أن يجدُ من مضار اجتماعية ، ومشاكل عامة وخاصة ، بهدف النهوض بمستوى الحياة العامة ، وتحقيق العدالة الاجتماعية “[11] . هذا هو الهدف التشريعي من وجود مثل هذه القواعد الثابتة  في الشريعة الإسلامية ، وقد اكتسبت هذه القاعدة الاجتهادية التطبيقية أهميتها كونها تضمن لأحكام الشريعة الإسلامية أن تتصل وتترابط بالغاية والمقصد الذي شرعت لأجله ، فالأحكام وسائل لتلك الغايات ، وتعمل قاعدة سد الذريعة على حجز وسد الأبواب أمام جميع التصرفات الشرعية المباحة أصلا ، وذلك للنتيجة المتوقعة من هذه التصرفات ، وهي غير النتيجة التي وضعت ابتداء لأصل هذه التصرفات المشروعة  ، فتمنع بناء على ما ستؤول إليه من ضرر أو مفسدة متوقعة ، ولا يلتفت الى مشروعيتها ، وهذا يعني أن اصل قاعدة سد الذرائع والمبدأ الذي تفرعت عنه هو أصل النظر في مآلات الأفعال .

ان الشريعة الإسلامية جاءت بقاعدة سد الذرائع لحماية ذاتية التشريع من التناقض ، وضمان وصول التصرفات المشروعة الى غاياتها ، فكل نص شرعي مرتبط بغاية ، وتلك الغاية مشتملة على مصلحة هي ثمرة تشريع الأحكام المقصودة للشارع عند تشريعه إياها ، فكل تصرف مرتبط بغاية ومشتمل على مصلحة ، ولذلك كانت تلك التصرفات مأذونا فيها ، والذي يجعل تلك التصرفات المشروعة وسيلة لتحقيق أغراضه الخاصة ، أو يقوم بتلك التصرفات المشروعة على وجه يعود بالمفسدة ، يُمنع من ذلك ولو فعل ذلك بحسن نية ، لان التصرفات المشروعة تمنع في قاعدة سد الذرائع لما ستؤول إليه من دفع مصلحة أو جلب مفسدة أو جلب مفسدة اشد بدل الأخف بغض النظر عن قصد المكلف ، وقد أوجز العز بن عبد السلام كل ذلك بقوله : ” كل تصرف تقاعد عن تحصيل مقصوده فهو باطل “[12] .

ولقد رسمت الشريعة الإسلامية منهاجا للمجتهدين ليسيروا وفقه في كيفية استعمال تلك القاعدة ، وكيفية إعمالها وتطبيقها فاتت بأمثلة كثيرة لبيان ذلك ، يقول الزرقاء : ” مبدأ سد الذرائع باب واسع يتصل بسياسة التشريع ، ويعتبر فرعا من الاستصلاح ، ويشهد له من نصوص الشريعة شواهد كثيرة جدا في الكتاب والسنة “[13] . وقد أورد ابن قيم الجوزية تسعة وتسعين وجها للدلالة على ثبوت هذه القاعدة في الشرع وذلك على سبيل المثال لا الحصر ، جمع فيها شواهد من الكتاب والسنة ، وقال بعد أن تناول تلك الشواهد: ” ولنقتصر على هذا العدد من الأمثلة الموافق لاسماء الله الحسنى التي من أحصاها دخل الجنة ، تفاؤلا بأنه من أحصى هذه الوجوه ، وعلم أنها من الدين وعمل بها دخل الجنة ، إذ قد يكون اجتمع له معرفة أسماء الرب تعالى ومعرفة أحكامه ، ولله وراء ذلك أسماء وأحكام “[14] .

هذا يؤكد أن الشريعة الإسلامية وضعت للمجتهدين خطة تشريعية ليسيروا على نهجها ، وذلك من خلال عرضها لكثير من الأمثلة على قاعدة سد الذرائع وهذه الأمثلة تناولت جميع نواحي الحياة بكافة أشكالها وأنواعها ، السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية والعبادة وغيرها ، سواء تعلق الأمر بحياة الفرد أم الجماعة ، يقول أبو زهرة : ” نرى من خلال الآثار الكثيرة المثبتة للذرائع ، على أنها اصل للاستنباط ، أساسه النظر الى مآلات الأفعال ” [15]. ويقول الشاطبي : ” الأدلة الدالة على سد الذرائع غالبها تذرع بفعل جائز الى عمل غير جائز ، فالأصل المشروعية لكن مآله ممنوع “[16]. فقاعدة سد الذرائع متفرعة على مبدأ اصل النظر في مآلات الأفعال ، حيث يكون ظاهر التصرف مشروعا ، واصله الجواز لكن بالنظر الى مآله ، والنتيجة المتوقعة يمنع هذا الفعل ، فيصبح ممنوعا بعد أن كان مشروعا ، وليس من السهل في شريعة الإسلام ، أن تمنع ما كان مشروعا ، إذ أن المجتهد بحاجة الى تحقيق المناط الخاص كأداة عملية عند تطبيقه لهذا المبدأ ، فالمجتهد ملزم بالنظر والتحقيق في مآلات الأفعال  يقول د.علي السرطاوي : ” بناء على قاعدة الذرائع يستطيع المجتهد التشريعي أن يمنع التصرفات المشروعة إذا كان التسبب فيها لمؤثر خارجي سيؤدي الى هدم مصلحة المجتمع”[17] . وبما أن المنع وعدمه تعلق باجتهاد المجتهد وما نسميه تحقيق المناط فان ذلك يؤدي الى اختلاف إعمال القاعدة أو عدم إعمالها في التصرفات المعروضة يقول الشاطبي : ” قاعدة الذرائع متفق على اعتبارها في الجملة ، وانما الخلاف في أمر آخر”[18] . ويعلق الشيخ دراز على ذلك قائلا :  “هو في الحقيقة اختلاف في المناط الذي يحقق فيه التذرع وهو من تحقيق المناط في الأنواع “[19] . ووجه إيراد هذا الكلام أن لتحقيق المناط الأثر البالغ في هذه الخطة التشريعية ،حيث لا يمكن العمل بها إلا بعد النظر في مالات التصرفات وتحقيق المناط ، فإذا كان الفعل مؤديا الى نتيجة يأباها الشرع يمنع ، دون الالتفات إلى  قصد الفاعل ، أو اصل مشروعية هذا الفعل . وقد نهج الفقهاء المجتهدون هذا النهج في كثير من اجتهادهم يقول الزرقاء: ” لجأ المجتهدون الى هذا المبدأ –الذرائع-في أحكام اجتهادية قرروها  على أساسه من أن للزوجة المطلقة في طلاق الفرار حق الإرث من زوجها الذي طلقها ، لكيلا يتخذ من حقه في الطلاق ذريعة الى حرمان الزوجة ميراثها المشروع في الميراث وحرمانها منه، فأوجبوا لها الميراث إذا توفي وهي في العدة سدا لهذا الطريق ، ولو كان من المحتمل أن الزوج غير قاصد هذا المقصد وهذا الحكم في الاجتهاد الحنفي”[20]. فحالة الشخص المطلق لها الأثر الكبير في منع التصرف ، بغض النظر عن قصده ، حيث نظر المجتهد فوجد أن الشخص طلق زوجته في مرض موته ، وقد اقدم على هذا الفعل وهو مفارق للدنيا ، والنتيجة المترتبة على اعتبار تصرف هذا الشخص مشروعا دون النظر الى حالته عند التصرف، أي عدم إعمال آلية الفحص والنظر والمتمثلة بتحقيق المناط الخاص يؤدي الى حرمان الزوجة من ميراثها المشروع ، فيمنع هذا التصرف بناء على النتيجة بعد النظر في حالة المتصرف ، ولو لم يقصد الإضرار بالزوجة ، وهذا بحد ذاته حماية لذاتية التشريع من ان يعود على نفسه بالتناقض لو اجزنا هذا التصرف .  يقول السرطاوي : ” سد الذرائع خطة تشريعية تهدف إلى حماية ذاتية التشريع من المناقضة والهدم فالأحكام شرعت كوسائل لتحقيق مقاصد قصدها الشارع ، والأصل ان المكلف عند تلبسه بالأحكام الشرعية أن يكون قصده من التسبب فيها هو من جملة قصد الشارع ، ولا يجوز له أن يبتغي في تكاليف الشريعة غير ما شرعت له أو يناقض قصد الشارع ، وسد الذرائع خطة يستخدمها المجتهد ليكشف من خلالها عن التوجه العام في الأحكام الشرعية فهو يبحث في المناط الخاص ، فان اكتشف أن المشروعات تسبب المكلف فيها لتحقيق قصد ما لم تشرع في الأصل لمثله فقد حصلت المناقضة، أو أن المجتمع اصبح يتخذ المشروعات ذريعة إلى غير مشروع كان على المجتهد بناء على هذا التحقيق الخاص أن يمنع من التسبب فيها “[21]. وهذا يؤكد أن تحقيق المناط الخاص له الأثر البالغ في سد الذرائع كخطة تشريعية تحمي الأحكام الشرعية أن تعود على نفسها بالمناقضة أو الهدم ، فهذا التحقيق الخاص يجري على أقوال المكلفين وتصرفاتهم ويجري على التوجهات العامة للمجتمع فان تبين بعد التحقيق الخاص أن الأفراد أو المجتمع يتخذون الاحكام المشروعة وسيلة لأغراض غير مشروعة منعت تلك التصرفات وان كان ظاهرها مشروعة وللمعاملات المالية نصيب كبير من هذا الباب ، يقول ابن رشد في بيوع  الذرائع  الربوية : “وهنا شيء يعرض للمتبايعين إذا قال أحدهما للآخر بزيادة أو نقصان وللمتبايعين إذا اشترى أحدهما من صاحبه الشيء الذي باعه بزيادة أو نقصان وهو أن يتصور بينهما قصد إلى ذلك تبايع ربوي مثل أن يبيع إنسان من إنسان سلعة بعشرة دنانير نقدا ثم يشتريها منه بعشرين إلى أجل فإذا أضيفت البيعة الثانية إلى الأولى استقر الأمر على أن أحدهما دفع عشرة دنانير في عشرين إلى أجل وهذا هو الذي يعرف ببيوع الآجال”[22] . فالمجتهد التطبيقي يرصد ويراقب التصرفات ويحقق فيها فان تبين أن المكلف تلبس بالأحكام المشروعة ليصل إلى غير المشروع لجأ المجتهد إلى خطة سد الذرائع وعمل بها لضمان تحقيق الأحكام مقاصد الشارع منها ،  وتحقيق المناط الخاص لإعمال خطة سد الذرائع كإحدى خطط الطوارئ التشريعية  يكون في شتى المجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية وغيرها ويتعلق هذا التحقيق بأقوال الفرد وتصرفاته كما انه يتعلق بالمجتمع وتوجهاته .

الزيجات المعاصرة وقاعدة سد الذرائع

ذكرت أهمية قاعدة سد الذرائع الكبرى ودورها الكبير في الاجتهاد التطبيقي، وهذا ما نحتاج إليه في بعض أنواع الزيجات المعاصرة، والتي ذهب إلى جوازها بعض أهل العلم مثل زواج المسيار وزواج البوي فرند والزواج العرفي وغيرها، وقد كان أهل العلم سابقا لا يلتفتون إلى المسالة من حيث جزئياتها دون ربطها بالمصلحة العامة الكبرى للمسلمين، ومما حفظنا عن استأذنا السرطاوي حفظه الله تعالى أنه ردد كثيرا عبارة على المفتي أن ينظر إلى الكليات حين تعرض له مسالة جزئية، وفي نفس الوقت لا يهمل حيثيات وتفصيلات المسالة المعروضة يجب على المفتي أن لا يبتر الجزئي عن الكلي ويجب عليه أن يعود بالكلي على الجزئي. وقاعدة سد الذريعة هي من كليات الشريعة الإسلامية وتدخل في كثير من أبواب تصرفات المسلمين في الدولة الإسلامية وما معنا ما قاله د. محمد البرهاني : ” سد الذرائع مما يدخل في السياسة الشرعية ، ويمد ولي الأمر في محيطه الواسع بسلطة يتدارك بها كل ما يمكن أن يجدُ من مضار اجتماعية ، ومشاكل عامة وخاصة ، بهدف النهوض بمستوى الحياة العامة ، وتحقيق العدالة الاجتماعية “[23] .

ولنضرب مثالا واقعيا على الزواج العرفي كمسالة جزئية ثم نطبق قاعدة سد الذرائع عليها.

لو ضربنا مثالا على دولة ما ، وأجرينا استقراءً وجدنا أن كثيراً من المسلمين الذين يعيشون في داخل هذه الدولة  أو يعيشون خارجها وليسوا من سكانها يتزوجون زواجا عرفيا من المسلمات من سكانها،  ولا يوثقون هذا الزواج لدى الدائرة الرسمية، وبعد مضي عشر سنوات ونتيجة الاستقراء وجدنا ان أكثر من مائة الف امراة متزوجة زواجا عرفيا دون ان توثق عقد زواجها ووجدنا معهن أكثر من ثلاثمائة ألف طفل يعيشون مع أمهاتهم المائة ألف. ثم بعد الفحص والتدقيق وجدنا إن ما يقارب سبعين ألف امرأة تزوجها زوجها عرفيا ثم خرج ولم يعد، ووجدنا مائة وخمسين ألف طفل لا يعرف نسبهم، لان الزواج جرى بصورة سرية أحيانا أو جرى من مسلم ليس من سكان الدولة ولم يعد إلى زوجته، وأصبح المجتمع يحمل بين ثناياه آلاف الأطفال وآلاف النساء لا يعرف الأب ولا يعرف الزوج، وأصبح الضرر الاجتماعي واقع لا محالة، ولا يختلف اثنان على حجم الأضرار الواقعة والمتوقعة بسبب ذلك من الفقر والتشرد والانحراف والفاحشة والجهل والنسب…الخ ،ألا يمنع الزواج العرفي في مثل هذه الحالة سدا للذريعة؟ بلى يستطيع المفتي ويستطيع الحاكم أن يمنع ذلك باسم سد الذرائع وباسم الحفاظ على المصلحة العامة مع الأخذ بعين الاعتبار انه لا يجوز الإفراط في الأخذ بهذه القاعدة، وكذلك يجب أن ترجح المصالح بصورة ظاهرة لان إعمال القاعدة لا يكون  لمجرد التخمين أو الأخذ بالأحوط فهنالك فرق كبير بين قاعدة سد الذرائع والأخذ بالأحوط.

يقول ابن قيم الجوزية في ختامة كلامه عن بعض أنواع الزواج مثل المؤقت أو المتعة أو التحليل أو غيرها:” فإذا تدبرت حكمة الشريعة وتأملتها حق التأمل رأيت تحريم هذه الأنواع من باب سد الذرائع وهي من محاسن الشريعة وكمالها.”[24]

هذه القاعدة سد الذرائع قاعدة جليلة هامة في الاجتهاد التطبيقي ينبغي أن تُستعمل بدقة متناهية وبنظرة استقرائية علمية موضوعية، لا تستعمل إلا بعد التشخيص والفحص والتجربة لأنها من قواعد الاجتهاد التطبيقي.

إن عظمة الشريعة الإسلامية تتجلى في أنها لا تقف عند حد الاجتهاد التشريعي، إنما تتجلى عظمتها أنها طلبت من حَمَلَتِها الحرص على الاجتهاد التطبيقي وذلك عند إنزال الأحكام على واقع الناس وتصرفاتهم. فالغاية الكبرى من إنزال الشرعية تحصيل المصالح للناس ودفع المفاسد عنهم.

 

[1]  ابن منظور ، لسان العرب  -ج 8 ص 96  وانظر ج 3 ص 208

[2]  الشاطبي –  الموافقات   – ج 4 ص 199

[3]   الباجي  – الحدود –  ص 68

  [4] ابن النجار، محمد بن احمد الحنبلي، شرح الكوكب المنير، مكتبة العبيكان الرياض، ص434

 [5] الشوكاني، محمد بن علي، إرشاد الفحول، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت الكبعة السادسة – ص 410

[6]   د.محمود حامد – قاعدة سد الذرائع واثرها في الفقه الإسلامي- دار الحديث القاهرة- ص 62

 [7] ابن القيم الجوزية-إعلام الموقعين- ج 3 ص 135

 [8] نفس المرجع السابق –ج 3 ص 159

[9]  السرطاوي – مبدأ المشروعية – ص183

[10]  الزرقاء – المدخل الفقهي العام – ج2 ص 924

[11] البرهاني – محمد هشام البرهاني – سد الذرائع في الشريعة الاسلامية – دار الفكر – دمشق الطبعة الاولى – 1985 ص 772

[12]   عز الدين بن عبد السلام –  قواعد الأحكام في مصالح الأنام  – دار الكتب العلمية ج2 ص 221

[13]   الزرقاء –  المدخل- ج1 ص 98

[14]  ابن القيم –  إعلام الموقعين  – ج3 ص 159

[15]  ابو زهرة –  أصول الفقه – ص 255

[16]  الشاطبي –  الموافقات  – ج4 ص 198

 [17] السرطاوي- مبدا المشروعية -ص 186

 [18] الشاطبي- الموافقات- ج 4 ص 200

[19]  عبدالله دراز – حاشية الموافقات-ج 4 ص 201

 [20] الزرقاء- المدخل الفقهي العام – ج 1 ص 100 وانظر الحاشية

[21]  السرطاوي –تحقيق المناط الخاص– بحث غير منشور

[22]  ابن رشد  – بداية المجتهد – ج2 ص 105

[23] البرهاني – محمد هشام البرهاني – سد الذرائع في الشريعة الاسلامية – دار الفكر – دمشق الطبعة الاولى – 1985 ص 772

[24] ابن قيم الجوزية، محمد بن أبي بكر الدمشقي، إعلام الموقعين عن رب العالمين، دار الجيل بيروت 3/156

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017