الأمة بأشد مسيس الحاجة الى فتح مستشفى لعلاج الامراض العقلية الفقهية

الأحد 26 نوفمبر 2017
شارك المقال

الأمة بأشد مسيس الحاجة الى فتح مستشفى لعلاج الامراض العقلية  الفقهية

 

من المعلوم أن  الأحكام الشرعية موصلة إلى غاياتها والتي هي مصالح العباد كما أشار ابن القيم إلى أساس بناء الشريعة والغاية منها فقال : ” إن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد ، وهي عدل كلها ، ورحمة كلها، ومصالح كلها ، وحكمة كلها ، فكل مسالة خرجت عن العدل إلى الجور ، وعن الرحمة إلى ضدها ، وعن المصلحة إلى المفسدة ، وعن الحكمة إلى العبث ، فليست من الشريعة وان أدخلت فيها بالتأويل” (ابن القيم –إعلام الموقعين عن رب العالمين)

ويمكن القول بعد النظر في عبارات ابن القيم ، أن الشريعة وضعت وبنيت على مصالح العباد لتحقيق العدل والعدالة ، فما من حكم تكليفي إلا من وراء تشريعه مصلحة وعدل ورحمة، فإذا خرج عن ذلك اصبح لا يمت إلى الشريعة بصلة ، وكان بعيدا كل البعد عن الشريعة.وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم-المرشد الأول لهذا المنهاج الصحيح والذي يُعني بالفتوى ويحث المفتي على النظر والاجتهاد عند إنزال الفتوى على الواقعة المعروضة، حيث روى البيهقي في سننه عن جابر قال: “خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ، فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ، فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ، ثُمَّ احْتَلَمَ، فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ، فَقَالَ: هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟ فَقَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ، فَاغْتَسَلَ، فَمَاتَ. فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقَالَ: قَتَلُوهُ قَتَلَهُمْ اللَّهُ، أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا؛ فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ، وَيَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا، وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ” رواه ابو داود والبيهقي وغيرهم 

والملاحظ أن أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لم يلتفتوا إلى أي نص آخر غير النص العام  يتعاملون به مع هذه الواقعة ، بل بقي في أذهانهم وعقولهم أن الرجل يقدر على الحركة، وان الماء متوفر موجود ، ولا يمكن التيمم مع استطاعة الرجل ووجود الماء واستندوا إلى الدليل القطعي الثبوت القطعي الدلالة وهو قوله تعالى : ( فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) سورة النساء الآية 43   وافتوا بما هو مشهور إذا حضر الماء بطل التيمم ، وعلى الرغم من استنادهم إلى أدلة قطعية الثبوت وقطعية الدلالة إلا أننا نجد ان الرسول – صلى الله عليه وسلم – قد غلظ عليهم ، بل ونفى عنهم صفة العلم والصق بهم صفة الجهل ونعتهم به وأرشدهم إلى السؤال قبل الإفتاء وشنع على فتواهم هذه والتي كانت سببا في مقتل الرجل ، حيث أن بقاء حكم الغسل من الجنابة  على ما هو عليه فيما يتعلق بالواقعة الجديدة والتي احتفت بظروف معينة لا يناسب، بل وبسبب تلك الظروف انتقل خطاب الله تعالى المتعلق بالواقعة من الغسل إلى التيمم كما بين ذلك الرسول – صلى الله عليه وسلم – حيث يتناسب حكم التيمم مع  تلك الواقعة ، ويأتي منسجما مع روح الشريعة والإسلامية ومقصدها وذلك بعد النظر والاجتهاد ، حتى لو تعلق الأمر بنصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة.

ان استعمال الرسول صلى الله عليه وسلم لكلمة” شفاء ” يدل على انه سيتولى امر الناس مرضى في الفتوى , والمرض الذي اشار اليه الرسول صلى الله عليه وسلم انما اصاب ” عقل المفتي” ,حيث قال ” ألا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال” , والمرض الذي اصاب عقل المفتي كان في فهم فرعية  تتعلق بالشروط التحسينية للصلاة دون قصد او عمد .

ان ما اصاب المفتين في السنوات الاخيرة من داء بحاجة الى علاج فوري – الا من رحم ربي-  الفتوى لا تأخذ طريقها بأريحية الى مستفتيها, و , اجندة كثيرة تتحكم فيها , وتعيش تحت الضغوطات من كل جانب , اصبح المفتي – الا من رحم ربي – كالمخبول وهو بحاجة الى علاج – الا من رحم ربي- هذا ناهيك عن الفتاوى التي يحتاج اصحابها الى غرف انعاش فوري لإنقاذهم ان كان فيهم روح , فان كان الرسول صلى الله عليه وسلم صدر منه هذه التصريحات في حق من ظن انه اجتهد في الفتوى فقتل نفسا غير متعمد, فيا ترى ماذا كان يقول في حق من يستبيح  دماء المسلمين ويعبث بأمنهم وامانهم باسم الدين والاسلام والسنة والملة.

ان التخلص من المرضى عبر اعدامهم , او قصفهم, او تدميرهم ليس هو الحل الامثل للمستقبل , اذ ان ” التعاطف المغفل” موجود في الامة لا يمكن التغاضي عنه, فموروث قادة الامة في المئة سنة الاخيرة لا يشجع على تلاحم بين الشعوب وقادتها, فليست الامة حكاما وشعوبا كالجسد الواحد, لا بد من الحل ولا بد من المحاسبة والمحاكمة لكن الى كل ذلك لا بد من مستشفى لعلاج الامراض العقلية الفقهية, فيه يتم “شفاء العي”  بدواء السؤال والحوار.

الشيخ رائد بدير – عضو هيئة الدعاة والعلماء في القدس

 

 

 

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017