الاجتهاد ومسيس الحاجة اليه في عصرنا

الأحد 13 أغسطس 2017
شارك المقال

الاجتهاد وصلة العقل بالنقل ومسيس الحاجة اليه في عصرنا 

الشيخ رائد بدير ،

عضو هيئة العلماء في

القدس الشريف

 تعريف الاجتهاد لغة

الاجتهاد في اللغة مأخوذ من الجهد بفتح الجيم وضمها وهو المشقة ومنه قوله تعالى:)وأقسموا بالله جهد أيمانهم([1] أي بالغوا اليمين واجتهدوا والتجاهد بذل الوسع كالاجتهاد “[2] ،وجاء في لسان العرب : الاجتهاد والتجاهد :بذل الوسع والمجهود ، وفي حديث معاذ  ” اجتهد رأيي “[3] بذل الوسع في طلب الأمر ، وهو افتعال من الجهد الطاقة ، والجهد : الغاية يقال : بلغت به الجهد أي الغاية ، والجهد أيضا : بلوغك غاية الأمر الذي لا تألو على الجهد فيه تقول: جهدت جهدي و اجتهدت رأيي ونفسي حتى بلغت مجهودي”[4] ، وعلى هذا المعنى إذا قيل اجتهد الرجل في الأمر أي بذل وسعه وطاقته في طلبه، ليبلغ مجهوده ، ويصل إلى نهايته. والملاحظ من خلال التعريف اللغوي أن الاجتهاد لا يستعمل إلا فيما فيه جهد ومشقة لذا قال الغزالي : ” لا يستعمل الاجتهاد إلا فيما فيه كلفه وجهد فيقال اجتهد في حمل حجر الرحا ولا يقال اجتهد في حمل خردلة “[5] .

 

الاجتهاد في الاصطلاح

ذكر الأصوليون للاجتهاد في الاصطلاح كثيرا من التعريفات , وكثير من هذه التعريفات لا تختلف إلا في استعمال العبارة حيث عرفه الغزالي بقوله : ” والاجتهاد التام أن يبذل الوسع في الطلب بحيث يحس من نفسه بالعجز عن مزيد طلب”[6] .

وعرفه الشوكاني : ” بذل الوسع في نيل حكم شرعي عملي بطريق الاستنباط “[7] ، وعرفه ابن أمير الحاج : ” الاجتهاد فعل المجتهد وهو بذل وسعه في طلب الحكم الشرعي “[8] ، وقال الزركشي : ” الاجتهاد في الاصطلاح بذل الوسع في نيل حكم شرعي عملي بطريق الاستنباط”[9]، وقال عبد العزيز البخاري : ” صار الاجتهاد في اصطلاح الأصوليين مخصوصا ببذل المجهود في طلب العلم بأحكام الشرع ، وقيل : هو بذل الجهد في استخراج الأحكام من شواهدها الدالة

عليها بالنظر المؤدي إليها ، وقيل هو طلب الصواب  بالإمارة الدالة عليه وقيل : هو استفراغ الفقيه الوسع في معرفة حكم شرعي من دليل تفصيلي “[10] . وعرفه عبد القادر عودة : ” الاجتهاد: بذل الجهد للوصول إلى معرفة حكم شرعي من دليل تفصيلي ، من الأدلة التي يضعها الشارع للدلالة على الأحكام ” [11] ، وقال أبو زهرة : ” الاجتهاد : بذل الفقيه وسعه في استنباط الأحكام العملية من أدلتها التفصيلية ” [12].

ولقد جمعت نادية شريف العمري في رسالتها – اجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم-  جمعت تعريفات كثيرة للاجتهاد وقالت : “لو أتيح لي وضع تعريف يبين حقيقة الاجتهاد،لاخترت تعريف الكمال بن الهمام بعد حذف كلمة الفقيه حتى يكون هذا التعريف : بذل الطاقة في تحصيل حكم شرعي عملي عقليا كان أو نقليا ، قطعيا كان أو ظنيا[13] ، وقد اخترت هذا التعريف لانه يتميز بالوضوح والبيان ، ولانه عام يتناول الاجتهاد في القطعيات وغيرها ، ولانه يشمل الاجتهاد الجماعي والفردي ، ولان ما قد يرد عليه قليل بالنسبة لغيره من التعريفات  “[14] .

والملاحظ – والله اعلم – أن التعريفات كلها قريبة من بعضها البعض وان الاختلاف بينهم في استعمال كلمة بدل كلمة أخرى مثل ” بذل ” بدل ” استفراغ ” أو ” فقيه ” بدل ” مجتهد ” ، والمهم أن الاختلاف في استعمال العبارات لم يترتب عليه أي آثار حقيقية زادت في هوة الاختلاف بينهم ، كاختلافهم في تعريف تنقيح المناط مثلا أو أي مصطلح آخر ترتب عليه زيادة الاختلاف في الفروع نتيجة الاختلاف في التعريف ، وانك لتجد الإمام البزدوي لا يعرف الاجتهاد في أصوله وانك لتقرا شرح عبد العزيز البخاري في كشفه عن أسرار أصول البزدوي يقول ” وإنما لم يبين الاجتهاد لشهرته بين الفقهاء ” [15] . وبالرغم من شهرة الاجتهاد بين الفقهاء أرى أن معنى الاجتهاد يدور حول بذل الجهد في طلب حكم شرعي عملي من دليل تفصيلي، ومعاني التعريفات كلها قريبة من بعضها بعضا كما ذكر.

أهمية الاجتهاد

تناول الأصوليون موضوع الاجتهاد في كتبهم قديما وحديثا بإسهاب ، وذلك لأهميته ومنزلته وديمومته فقال السيوطي : ” الاجتهاد من فروض الكفاية ، حتى لو اشتغل بتحصيله واحد سقط الفرض عن الجميع ، وان قصر فيه أهل عصر عصوا بتركه ، واشرفوا على خطر عظيم فان الأحكام الاجتهادية إذا كانت مترتبة على الاجتهاد ترتب المسبب على السبب وان لم يوجد السبب كانت الأحكام عاطلة والآراء متماثلة فلا بد من مجتهد “[16] ، وعد الشهر ستاني في كتاب الملل والنحل الاجتهاد من الفروض قائلا :” وبالجملة نعلم قطعا ويقينا أن الحوادث والوقائع في العبادات والتصرفات مما لا يقبل الحصر والعد ، ونعلم قطعا أيضا انه لم يرد في كل حادثة نص ولا يتصور ذلك أيضا ، والنصوص إذا كانت متناهية والوقائع غير متناهية ، وما لا يتناهى لا يضبطه ما يتناهى عُلم قطعا أن الاجتهاد والقياس واجب الاعتبار حتى يكون بصدد كل حادثة اجتهاد”[17] ، وقال الغزالي : ” في تقدير خلو واقعة عن حكم الله تعالى مع بقاء الشريعة على نظامها وقد جوزه القاضي حتى كان يوجبه وقال : المآخذ محصورة والوقائع لا نهاية لها …. , وقال : والمختار عندنا احالة ذلك وقوعا في الشرع لا جوازا في الفعل .[18] ولهذا عد الشاطبي ” أن من أنواع الاجتهاد ما لا ينقطع حتى ينقطع اصل التكليف وذلك عند قيام الساعة وهو ما يسمى بتحقيق المناط “[19].

ويقول الأستاذ الدريني: “وواقع الأمر أن قضية خلود الشريعة ، وأنها دين الله إلى يوم القيامة لا تصدق دون هذا الاجتهاد القائم على التعقل واصالة الفكر في تفهم نصوصها ومقرراتها وفي تطبيقها على كل ما يجد في الحياة من وقائع ، وما يلم بها من تطور أحدثه الفكر الإنساني”[20] .

إن خصائص التشريع الإسلامي ومميزاته من المرونة والعموم ، والثبات والتطور، والكليات والجزيئات وغيرها من الخصائص والمميزات هي التي فرضت على المؤمنين بهذا التشريع العظيم ، وخاصة أولى الألباب منهم ، النظر والبحث والتأمل والتدبر والتعقل واستفراغ الطاقة والوسع عند تناول هذا التشريع العظيم ، وهو ما يسمى بالاجتهاد في اصطلاح الأصوليين بكافة أبعاده المختلفة والتي لخصها الأستاذ الدريني بقوله:  إن للاجتهاد بالرأي أبعادا مختلفة تمثل مناهجه وتتناول روح التشريع ، ومقاصده الأساسية فضلا عن نصوصه منها الاجتهاد بالرأي في نطاق النص لاستهلاك طاقاته في كافة دلالاته على معانيه ، ولاسيما في دلالاته العقلية التي هي من لوازم عبارته ، كدلالة الإشارة ودلالة النص أو فحوى الخطاب ، ودلالة الاقتضاء ، ودلالة مفهوم المخالفة ،  ومن هذه الأبعاد أيضا البعد الاجتهادي فيما لا نص فيه وهو على أنواع منها الاجتهاد القياسي الذي يرد النظير إلى نظيره لعلة جامعه بينهما ، ومنها

الاجتهاد القائم على تقرير المصالح المتجددة التي لم يرد فيها نص وهي من التكاثر والتجدد بحيث لا تحصى كثرة ، ومن هذه الأبعاد أيضا للاجتهاد بالرأي استقراء الجزيئات التي اختلفت موضوعاتها ، ليستنبط منها مفاهيم كبرى يسلك كل مفهوم منها عديدا من هذه الجزيئات بحكم واحد ، لوحدة الهدف والغاية المتصلة بمفهوم العدل ، ومنها منهج الاجتهاد بالرأي القائم على سياسية التشريع التي تستلزمها الظروف المستجدة العامة ولا سيما الاستثنائية منها ، ومن هذه الأبعاد أيضا الاجتهاد بالرأي في التطبيق فهو قسيم الاجتهاد بالرأي في الاستنباط والتفريع وتبدو خطورة الاجتهاد بالرأي في التطبيق وعظيم أثره وضرورته أن القران الكريم إذ اتخذ في بيانه للأحكام المنهج الكلي لا التفصيلي لذا لزم أن يكون الاجتهاد  بالرأي هو السبيل الوحيد الذي لا مناص منه للاصطلاح بمهمة التطبيق الواقعي لتلك الكليات على الوقائع الجزئية التي تنتاب المجتمع في كل عصر وبيئة بما يحتف بها من ظروف وملابسات متجددة ومتغايرة لا تنحصر مقترنا هذا الاجتهاد بالتبصر الواعي بمآلات التطبيق ونتائجه المتوقعة ، وتقدير تلك النتائج بميزان المصالح المعتبرة شرعا بحيث يحفظ على الحياة الإنسانية كيانها ، ويوفر لها كل أسباب النمو ، والتقدم والازدهار والمنعة، ويجنبها عوادي الانهيار والتهافت[21].

هذا المفهوم لمعنى الاجتهاد بكافة أبعاده يجعل الشريعة الإسلامية في كل عصر ومصر تساير عوامل النمو والارتقاء ويجعلها شريعة وافية بمطالب الحياة الإنسانية كلها من جميع جوانبها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، والعسكرية…….الخ ويقود الحضارة الإنسانية الى معالم الحق، وتسهم في عمارة الأرض ، وتجعلها شريعة صالحة لكل زمان ومكان ، ويجعل كلمة الشريعة هي العليا في زمن تحاول جميع الشرائع الوضعية ان تكون لها الكلمة العليا معتمدة على ما وصلت إليه من إنجازات في مجال العلوم ، ظانة بنفسها أن العقل البشري وحده يستطيع أن يدير الحياة الإنسانية بكافة أنواعها وأشكالها دون الحاجة إلى مرشد وموجه له ، وهذا كله ينقلنا إلى بحث ومعرفة مدى صلة العقل بالنقل

 صلة العقل بالنقل

العقل في اللغة هو مصدر عقل يعقل عقلا ورجل عاقل هو الجامع أمره ورأيه مأخوذ من عقلت البعير إذا جَمْعت قوائمه”[22] ، وفي القاموس المحيط العقل  هو ” العلم بصفات الأشياء من حسنها وقبحها وكمالها ونقصانها أو العلم بخير الخيرين وشر الشرين ، وهو نور روحاني به تُدرك النفس العلوم الضرورية والنظرية ، وابتداء وجوده عند اجتنان الولد ثم لا يزال إلى أن يكمل عند البلوغ”[23] .

وفي الاصطلاح عرفه المحاسبي :” العقل غريزة  يتهيا بها إدراك العلوم النظرية ولا يعرف إلا بفعاله في القلب والجوارح ، لا يقدر أحد أن يصفه في نفسه ، ولا في غيره بغير أفعاله ، لا يقدر أن يصفه بجسمية ولا بطول ولا بعرض ولا طعم ولا شم ولا يعرف الا بأفعاله”[24] ، وقال الغزالي في الإحياء :  اعلم أن الناس اختلفوا في حد العقل وحقيقته وذهل الاكثرون عن كون هذا الاسم مطلقا على معان مختلفة فصار ذلك سبب اختلافهم ، والحق الكاشف للغطاء فيه أن العقل اسم يطلق بالاشتراك على أربعة معان ، الاول : الوصف الذي يفارق الإنسان به سائر البهائم وهو الذي استعد به لقبول العلوم النظرية وتدبير الصناعات الخفية الفكرية ، والثاني : هي العلوم التي تخرج إلى الوجود في ذات الطفل المميز بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات كالعلم بان الاثنين اكثر من واحد ، وان الشخص لا يكون في مكانين في وقت واحد ، والثالث: علوم تستفاد من التجارب بمجاري الأحوال فان من حنكته التجارب وهذبته المذاهب يقال انه عاقل في العادة ، والرابع : أن تنتهي قوة تلك الغريزة إلى أن يعرف عواقب الأمور[25]. والملاحظ أن الغزالي-رحمه الله – تناول تعريف العقل في جميع مراحل التطور التي يمر به هذا العقل منذ أن يولد به الإنسان طفلا حتى يكون كهلا مع بيان الغاية التي نيطت بالعقل السوي والإشارة إلى الوظيفة العقلية في كل مرحلة من مراحل النمو الإنساني .

والناظر في التعريف اللغوي والاصطلاحي للعقل لا يكاد يميز الفرق بينهما ، وهذا يشير إلى مدى الترابط بين الدلالة اللغوية للعقل والدلالة الاصطلاحية له ومدى صلتهما ببعض ، وان هذه المعاني اللغوية والاصطلاحية رمزت إلى الوظائف العقلية التي تتمثل في سلوك وتصرفات الإنسان سواء كانت قولية او فعلية. أما النقل لغة ” فهو تحويل الشيء من موضع إلى موضع”[26].

واما في اصطلاح الأصوليين فالنقل والسمع لفظان لمدلول واحد وقد عرف الدريني النقل بعبارة موجزة  بقوله : ” السمع عبارة عن النصوص التشريعية كتابا وسنة “[27] ، ولعل الرابط بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي هو انه تم عملية نقل وتحويل الخطاب الشرعي عبر الوحي للرسول صلى الله عليه وسلم ومن ثم الى الناس كافة.

بعد هذا التقديم لا بد من بيان مدى صلة العقل بالنقل ومدى ارتباطهما حيث إن الناظر في القرآن الكريم والسنة النبوية يجد كثيرا من النصوص تشير إلى أهمية العقل الإنساني ووظيفته في الحياة الإنسانية ومنها على سبيل المثال قوله تعالى :   )كذلك نفصل الايات لقوم يعقلون([28]،  يقول القرضاوي : ” جاءت مادة (ع ق ل)في القران الكريم تسعا واربعين مرة كلها إلا واحدة جاءت بصيغة الفعل المضارع وخصوصا ما اتصل به واو الجماعة تعقلون ويعقلون “[29]. وقد اهتم المسلمون ببيان أهمية الترابط بين النصوص الشرعية والعقل ومدى صلة تلك النصوص الشرعية بالعقل ، وبينوا كذلك مكانة العقل البشري من تلك النصوص حيث يقول ابن رشد في كتابه ” فصل المقال في ما بين الحكمة والشريعة من اتصال ” يقول في موقف الإسلام من العقل: ” فأما الشرع فقد دعا إلى اعتبار الموجودات بالعقل وتطلب معرفتها به ، فبين في غير ما آيه من كتاب الله تبارك وتعالى مثل قوله )فاعتبروا يا أولي الأبصار([30] ، فلما بلغ جانب من البشر هذا المستوى الرفيع من العقل ثم حمل العقلاء تبعاتهم كلها نحو أنفسهم ونحو الآخرين في جميع طبقات البشر انتقل قبس من نور النبوة إلى عقلاء من النوع الإنساني فإذا العلماء ورثة الأنبياء “[31] ، وقال الغزالي :” واشرف العلوم ما ازدوج فيه العقل والسمع ، واصطحب فيه الرأي والشرع وعلم الفقه وأصوله من هذا القبيل ، فانه يأخذ من صفو الشرع والعقل سواء السبيل ، فلا هو تصرف لمحيض العقول ، بحيث لا يتلقاه الشرع بالقبول ، ولا هو مبني محض التقليد الذي لا يشهد له العقل بالتأييد والتسديد “[32] . وتابع حجة الإسلام الغزالي كلامه حول تظاهر العقل والشرع وافتقار أحدهما إلى الآخر قائلا: ” اعلم أن العقل لن يهتدي إلا بالشرع ، والشرع لم يتبين إلا بالعقل ، فالعقل كالأس والشرع كالبناء ، ولن يغني أس ما لم يكن بناء ولن يثبت بناء ما لم يكن أس ، وأيضا فالعقل كالبصر والشرع كالشعاع ، ولن يغني البصر ما لم يكن شعاع من خارج ، ولن يغني الشعاع ما لم يكن بصر ، فلهذا قال الله سبحانه وتعالى: ) قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين ، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات الى النور( [33]، وأيضا فالعقل كالسراج والشرع كالزيت الذي يمده فما لم يكن زيت لم يحصل السراج ، وما لم يكن سراج لم يضيء الزيت “[34] . وقد اهتم العلماء المعاصرون ببيان الصلة بين الوحي والعقل ، والترابط المتين بينهما وخاصة في عصرنا الحاضر حيث بلغ العقل في فترة وجيزة جدا ما لم يبلغه في عصور طويلة حتى اصبح لدينا في كل لحظة تقريبا معلومة جديدة او اكتشاف جديد في شتى أنحاء العالم. يقول الدريني :” لا بد لنا من بيان الصلة التي احكمها الإسلام بين العقل الإنساني العلمي المتخصص، والتشريع الإلهي والتي نوه إليها أئمة المذاهب والمجتهدون ، وحتى اجمعوا على إحكام الصلة بين العقل الإنساني والتشريع الإلهي لكنهم اختلفوا في تحديد مداها”[35] ،  وقد أسهب الدكتور محمد عمارة في كتابه معالم المنهج الإسلامي في مدى ارتباط العقل والنقل ذاكرا المناهج الأخرى غير الإسلام حول هذه المسألة حيث قال : ” فمنهج الإسلام هو المنهج الذي لا يذهب به الغرور العقلاني الى الحد الذي ينكر فيه ما لا يستقل العقل بإدراكه وإدراك كنه حقائقه المنهج ،  الذي يؤمن بما هو اكثر من عالم الشهادة ، المنهج الذي لا يقف بسبل الوعي عند الحواس والعقل واحد منها…… المنهج الذي يعقل النقل فيغدو فيه تصديق النقل برهانا عقليا ، تلك هي حقيقة منهج الإسلام، ولهذه الحقيقة من حقائق المنهج الإسلامي ، كان تجاور النقل مع العقل في سبله للوعي وتحصيل المعرفة ، وهذا التجاور ليس تجاور السكون والانفصال بين سبيلين يستقلان في الوظائف والموضوعات وميادين الأعمال ، وانما هو تجاور الزمالة والمؤاخاة والائتلاف والتآزر والتساند والاجتماع ، على النحو الذي جعل منها بالوسطية الجامعة سبيلا واحدا يجمع ويؤلف ما يمكن ويجب جمعه من خصائصهما ، الآمر الذي جعل العقلانية الإسلامية متدينة والنقل الإسلامي عقلانيا، وقد تفرد المنهج الإسلامي بهذا الإنجاز”[36] ، ويقول د.عبد المجيد النجار: ” لا أحد منهما – أي العقل والنقل- يمكن أن يكون بديلا للآخر ولا أحد منهما يمكن أن يغني عن الآخر ، وكل منهما من عند الله تعالى فالنقل هبة الله تعالى للبشرية ليهديها سبلها ويخرجها من الظلمات إلى النور والعقل هو الطاقة المستقبلية للوحي القادرة على تلقية وفهمه والاستفادة به وتنزيله على الواقع”[37]، ويقول د.علي السرطاوي في إحدى محاضراته : ” إن من فوائد التشريع الإسلامي أن لا تكون الحياة البشرية حقلا للتجارب فالعقل الإنساني قاصر وهو بحاجة إلى النور الرباني هذا من ناحية ومن ناحية أخرى جاءت رسالة الإسلام في بيانها للأحكام على نحو كلي في الغالب وذلك بعد مرحلة من نمو العقل البشري ، ليقوم العقل بدوره في تفهم هذه الرسالة وتطبيقها على وجه تتحقق فيه المصلحة البشرية ومصلحة عمارة الأرض”[38].

إن أقوال أهل العلم سابقا وحاضرا لتشير صراحة على أهمية ارتباط العقل والنقل ومدى صلة الواحد بالآخر ، حيث لا يمكن أن ينقطع الواحد عن الآخر، أو أن يستغني الواحد عن الآخر فهما كجناحي الطائر لا يمكن أن يستغني بجناح عن الآخر ، ولا يطير إلا بجناحيه معا ، وان هذه الرابطة المتينة بين العقل والنقل رابطة طبيعية ، حيث لم يشأ الله البقاء لرسالة قط إلا رسالة الإسلام ، لذا حملت هذه الرسالة عناصر الخلود فهي تصلح لكل زمان ومكان ، وهي تخاطب كل الأجيال البشرية جيلا بعد جيل ، ولا يختلف اثنان أن الحياة البشرية اليوم ليست كالأمس ، وهي غدا ليست كاليوم ، وان التفكير البشري يتغير ويتبدل ، وان نواحي الحياة الإنسانية في تغيير مستمر، وان رسالة الإسلام للناس كافة من هنا ارتبط العقل بالنقل ، وانيط بالعقل مهمة تكييف الخطاب الشرعي بما يتلاءم مع  كل عصر وعصر ، وطبيعة الشريعة الإسلامية وخصائصها من المرونة والعموم والتطور تساعد  على ذلك بما يحقق ويتناسب مع المصلحة التي قصد الشارع تحقيقها للناس كافة من إنزاله للشريعة ولهذا يقول الشاطبي : ” إن الشريعة الإسلامية لم تنص على حكم كل جزئية على حدتها ، وانما أتت بأمور كلية وعبارات مطلقة تتناول أعدادا لا تنحصر ، ومع ذلك لكل معين خصوصية ليست في غيره ولو في نفس التعيين، وليس ما به الامتياز معتبرا في الحكم بإطلاق ولا هو طردي بإطلاق ، بل ذلك منقسم إلى ضربين ، وبينهما قسم ثالث  يأخذ بجهة الطرفين فلا يبقى صورة من الصور الوجودية المعينة إلا وللعالم فيها نظر سهل أو صعب ، حتى يحقق تحت أي دليل تدخل ، فان أخذت بشبه الطرفين فالأمر اصعب ، وهذا كله بين لمن شدا في العلم”[39] ،  وهنا يشير الشاطبي إلى ارتباط العقل بالنقل ليس فقط في فهم العقل للنقل وانما دور العقل في تنزيل الأحكام على الوقائع من أفعال وتصرفات الإنسان بعد النظر في مالاتها والاطمئنان أن هذا الحكم يحقق ما قصده الشارع من مصلحة عند تشريعه ، وهنا تبرز أهمية ودقة العقل في التعامل مع النقل ومدى ارتباطه وصلته ،به ولعل القضايا المعاصرة اليوم مما لم يسمع بها الشاطبي وغيره مثل الاستنساخ ، وتشريح الإنسان والتبرع بأعضائه ، والرتق العذري وبعض المعاملات المالية المعاصرة مثل نظام التامين ، وسوق الأوراق المالية “البورصة” والمصارف ، وفي الحياة الحربية أنواع الحروب وأشكال الحروب ، والعلاقات الدولية بين مختلف الأمم والحكومات فيما يجري بينهم من معاهدات واتفاقيات……، كل ذلك يؤكد على الصلة المتينة بين العقل والنقل والدور الذي أنيط بالعقل ليبين الرسالة الإسلامية بلسان حاضرها ولسان قومها مهما تقدم الزمن وتبدلت فيه أحوال الحياة الإنسانية بكافة ومختلف أشكالها .

إن المتغيرات اليومية في شكل حياتنا المعاصرة في مطلع القرن الواحد والعشرين تفرض علينا الاجتهاد والعودة الى النصوص مرة اخرى ربما لاستخراج علل جديدة  في نص يسمح فيه ان يغوص المجتهد الى عمق تجاوز اعماق القرون الماضية ، ربما نحن مقبولين على عصر جديد وعصور اخرى لا نجد فروعا يقاس عليها ومن المبالغة ان نقول ما من مسالة معاصرة الا وتتطرق لها الفقهاء ، لكن ليس من المبالغة ان نقول ان كل مسالة معاصرة ولو بعد مليون سنة يمكن ان ندرجها تحت كلية من كليات الشريعة كفرع جديد.

الشيخ رائد بدير عضو هيئة العلماء في القدس الشريف

 [1] سورة النور آية 53.

 [2] الفيروز ابادي-مجد الدين محمد بن يعقوب-القاموس المحيط-فصل الجيم،باب الدال الجزء 1 ص 296 .

[3]  أبو داود – سليمان بن اشعث السجستياني- سنن أبى داود– دار الفكر – الجزء 3 ص 303 باب اجتهاد الرأي في القضاء حديث رقم 3592 .

 [4] ابن منظور- أبو الفضل مجد الدين محمد بن مكرم- لسان العرب – دار الفكر الطبعة الثالثة- حرف الدال-فصل الجيم ج 3 ص 133.

 [5] الغزالي – ابو حامد محمد بن احمد – المستصفى ومعه – دار الارقم بيروت ج 2 ص 510 .

[6]  الغزالي- المستصفى – ج 2 ص 510

 [7] الشوكاني-محمد بن علي الشوكاني-إرشاد الفحول– مؤسسة الكتب الثقافية – بيروت  ص 417 تحقيق محمد البدري .

[8]   ابن امير الحاج – محمد بن محمد بن حسن بن علي – التقرير والتحبير في علم اصول الفقه – دار الفكر بيروت سنة 1996 ج1 ص  20 .

[9]   الزركشي – بدر الدين محمد بن بهادر – البحر المحيط في اصول الفقه – دار الكتب العلمية بيروت سنة 2000 ج4 ص 488.

[10]  علاء الدين البخاري – عبد العزيز بن احمد بن محمد – كشف الأسرار عن أصول البزدوي – دار الكتب العلمية بيروت 1997 – ج4 ص20 .

[11]  عبدالقادر عودة – التشريع الجنائي الإسلامي – مؤسسة الرسالة سنة 1997 الطبعة 14 ج1 ص 207 .

[12]   ابو زهرة – محمد ابو زهرة – أصول الفقه– دار الفكر ص8

[13]  ابن امير الحاج – التقرير والتحبير – ج 2 ص 388

 [14] نادية شريف العمري- اجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم-مؤسسة الرسالة –بيروت-الطبعة الأولى-1988 ص 30.

[15]   عبد العزيز البخاري – كشف الأسرار – ج4 ص 20 .

 [16] السيوطي-عبد الرحمن بن أبي بكر محمد –تقرير الاستناد في تفسير الاجتهاد- دار الدعوة الإسكندرية  الطبعة الأولى  ج 1 ص 30 تحقيق د.فؤاد عبد المنعم احمد.

 [17] الشهرستاني-محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر احمد –الملل والنحل-دار لمعرفة بيروت-الجزء 1 ص 199 تحقيق محمد سيد كيلاني.

 [18] الغزالي-محمد بن محمد أبو حامد –المنخول في تعليقات الأصول -دار الفكر دمشق الطبعة الثانية- ص 485 تحقيق د.محمد حسن هيتو

[19]  الشاطبي- إبراهيم بن إسحاق اللخمي الشاطبي- الموافقات – دار المعرفة بيروت – الجزء 4 ص 89

 [20] الدريني- محمد فتحي – المناهج الاصوليه في الاجتهاد بالرأي في التشريع الإسلامي-مؤسسة الرسالة الطبعة الثالثة 1997-ص 30.

 [21] الدريني- محمد فتحي –  بحوث مقارنة – مؤسسة الرسالة الطبعة الأولى 1994 ص 32 وبعدها

  [22] ابن منظور –لسان العرب-باب اللام- فصل العين -جزء 11 ص 458

 [23] الفيروز ابادي – القاموس المحيط–  فصل العين –  باب اللام-  جزء 4 ص 19

 [24] المحاسبي- الحارث بن اسد بن عبد الله المحاسبي- ماهية العقل– دار الفكر –بيروت- الطبعة الثانية ص 204 تحقيق حسين التوتلي-

 [25] الغزالي-ابو حامد الغزالي-احياء علوم الدين-دار الصابوني-الجزء 1 ص 79 بتصرف

[26] ابن منظور- لسان العرب– فصل النون – باب اللام الجزء 11 ص 675

 [27] الدريني –  بحوث مقارنة في الفقه وأصوله – جزء1 ص 116

 [28] سورة الروم الآية 28

[29]  القرضاوي- يوسف عبد الله القرضاوي- العقل والعلم في القران الكريم– مكتبة وهبه-الطبعة الأولى 1996ص13

 [30] سورة الحشر الاية28

[31]  ابن رشد – ابو الوليد محمد بن احمد بن محمد الأندلسي-فصل المقال في ما بين الحكمة والشريعة من اتصال –   مصر-دار المعارف ص8

 [32] الغزالي- ابو حامد – المستصفى-ج1 ص 12

 [33] سورة المائدة رقم اية 16

[34]  الغزالي- محمد بن محمد بن محمد ابو حامد الغزالي- معارج القدس في مدارج معرفة النفس-دار الآفاق الجديدة بيروت 1975 الطبعة الثانية ص 15

 [35] الدريني-  بحوث مقارنة – ص 110

[36]  محمد عمارة- معالم المنهج الإسلامي -المعهد العالمي للفكر الإسلامي-الولايات المتحدة-دار الشروق الطبعة الأولى-1991 ص 63.

 [37] د.عبد المجيد النجار-  خلافة الانسان بين الوحي والعقل-المعهد العالمي للفكر الاسلامي الولايات المتحدة-الطبعة الثانية دار الغرب الاسلامي1993 ص 15

[38]  علي السرطاوي-محاضرات القيت في مساق، اثر القواعد الاصولية في اختلاف الفقهاء – سنه 1997- جامعة النجاح الوطنية نابلس- فلسطين

[39] الشاطبي- الموافقات– الجزء 4 ص 92

 

ا

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017