الاحداث المصطنعة في قصة يوسف- عليه السلام- واثرها على ما يجري في الشرق الاوسط اليوم

الأحد 25 نوفمبر 2018
شارك المقال

الاحداث المصطنعة في قصة يوسف- عليه السلام-  واثرها على ما يجري في الشرق الاوسط اليوم

الشيخ رائد بدير ، عضو هيئة العلماء في القدس الشريف

تعج منطقة الشرق الاوسط بصناعة الاحداث، فهي منطقة تتوسط الكرة الارضية، ومليئة بالخيرات، ومصالح الافراد والمؤسسات والدول والامم مرتبطة فيها ارتباطا وثيقا، الامر الذي يجعل منها  مسرحا لصناعة الاحداث، تحت ذرائع شتى منها حماية مصالح الافراد والمؤسسات والدول والامم. سأتناول قصة يوسف عليه السلام حسبما وردت في القرن الكريم من زاوية جديدة، أسلط فيها الضوء على  الاحداث المصطنعة، والتي قصد من صنعها وافتعلها ان تحقق له أهدافا، فاعتمد صناعة الحدث كوسيلة لتلك الغاية.

سنمر  بثلاثة أحداث مصطنعة:

اولا :اخوة يوسف وصناعة أحداث لا تمت للواقع بصلة بهدف التخلص من يوسف عليه السلام.

اعتبر اخوة يوسف اخيهم يوسف عليه السلام انه استولى على مساحة ليست من حقه، فأبوه يعقوب عليه السلام قد أعطى نصيبا  من الحب  ليوسف- عليه السلام-  اكثر من اخوته  “إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ” (8 من سورة يوسف)، ولاسترداد تلك البقعة من المساحة كان لا بد فكر احدهم قائلا: ” اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ ” ( 9 من سورة يوسف). استدرك احدهم قائلا :” قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ (10). هذا هو المخطط التنفيذي لاسترداد المساحة. وتم تنفيذ ذلك. اما المبررات لغياب يوسف عليه الاسلام عن حقه الاصيل وحق يعقوب عليه السلام الاصيل في الترابط بينهما والعلاقة كأصل وفرع واب وابن كان التفكير في صناعة حدث.

اما الحدث المصطنع فلم يتوقف على الماديات والاموال بل صناعة مشاعر ودموع، وهذا اخطر صناعة يمكن ان تموه الناس، لان الدماء يمكن فحصها في مختبرات، لذلك وصفها القران بالكذب، اما المشاعر وحالة الفزع والهلع والدموع والحسرة والبكاء هذه امور ستنطوي على الغالب لأنها نابعة من المشاعر حتى في الافلام والمسلسلات اذا كانت هنالك مواقف مشاعرية مع ان المشاهد يعلم انها تمثيل لكنه يبكي مع الممثل. قال تعالى . ”  وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ 16 قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ ۖ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (17) وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ۚ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ (18).

صناعة الحدث الذي لا يمت للواقع ولا للحقيقة بصلة يتمثل في رسم سيناريو مخطط، واستعمال وسائل كاذبة كالدم الكذب، والاخطر من ذلك صناعة الدموع وصناعة مشاعر ليست حقيقية.

ثانيا : امرأة العزيز مع نسوة المدينة.

لم تتوقف نسوة المدينة عن اتهام  السيدة الاولى في بلاط الملك. والاشاعات انتشرت في المدينة  ” وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (30). كان لا بد من التفكير في شيء ما لإسكات هذه الافواه فما كان الحل الا في صناعة حدث. حول اعداد مكان يجمع نساء المدينة واعطاء كل امراة سكينا واثناء ذلك يخرج يوسف عليه السلام ليكون ما يكون.” فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31) لم تظن النساء انها اجتمعت في هذا المكان وحملت السكين لهذا الغرض، ربما ظنت النساء انها ستعد وليمة كبرى لكل سكان المدينة لكن الحدث كان مختلفا.

ان المجتمع الذي يعيش على صناعة الاحداث، يؤثر على كل افراده ان يفكروا بهذه الطريقة والاختلاف يكون في الغايات والمقاصد، لقد فكر يوسف عليه السلام من اجل لم الشمل في صناعة حدث، فالعالم من  حوله يعيش على صناعة الاحداث. لكنه سيصنع حدثا يخدم فيه المبادئ الانسانية والقيم العليا  التي يتفق عليه البشر دون استثناء وتؤيدها شرائع السماء. لم يجد يوسف عليه السلام مفرا من صناعة الحدث. لا بد من صناعة الحدث. ”  فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (70) قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ (71) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (72) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (73) قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ (74) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (75) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76) ”

تتبعوا صناعة هذا الحدث كلمة بكلمة،حدثا حدثا ومشهدا مشهدا . لقد صنع يوسف عليه السلام تهمة لأخيه انه سارق . وصنع لأخوته احزانا وحسرة وبكاء. استطاع ان يقول لهم انا اخوكم وتنتهي المسالة. لكن هذا لا يينفع في عالم   تحدد ملامحه احداثا مصطنعة ولا اساس لها من الصحة. فهو سار على نفس المنوال بما يجري في زمانه.

الشرق الاوسط مسرح لصناعة الاحداث في معظم ما يجري فيه. انظمة تسقط ودول تتدمر تحت احداث مصطنعة . شخصيات تستبعد وشخصيا تبرز نتيجة احداثا مصطنعة. يبدأ الحرب نتيجة حدث مصطنع، ويحل الهدوء نتيجة حدث مصطنع . الحقيقة في مكان والشرق الاوسط في مكان اخر . لقد اثبت يوسف عليه السلام انه قادر على العيش في بيئة تصنع الحدث  فبادر في صناعة حدث لا يمت للحقيقة في شيء، انما اخذ المشروعية بالنظر الى مآله ومقاصده وغاياته.

نعيش في زمان كزمن يوسف عليه السلام من لم يبادر في صناعة احداثا على مستوى الاسرة والمجتمع والدولة والامة وبين الامم لن يكون له مكانا على المسرح. لكن عليه ان يكون في صف يوسف عليه السلام لا في صف اخوته عند صناعة الحدث.

جميع حقوق هذا المقال محفوظة لموقع نوازل 

 

 

 

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017