الازمة الفقهية في التمذهب بمذهب نابعة من انزال الظنيات منزلة القطعيات

السبت 19 أغسطس 2017
شارك المقال

الازمة الفقهية في التمذهب بمذهب  نابعة من انزال الظنيات منزلة القطعيات

 

مرت المذهبية في حياة الامة الاسلامية بمراحل فتارة كانت سببا في ازدهارها وازدهار العلم فيها ، وتارة تسبب فهم اتباعها بتخلف الامة وخراب بيتها  ، والعيب ليس في التمذهب ولا اتباع مذهب انما العيب في عدم الفهم في التمذهب واتباع المذهب، فالمذهبية  والتمذهب بمذهب علم قائم في حد ذاته ، وهو طريق ادركه كبار اتباع من اسس المذاهب، لا تجد مشكلة في فهم مسالة معنى التمذهب بمذهب واحد ، فقد تناولوا مسالة التمذهب بفهم ووعي وادراك ، ووضعوا نصب اعينهم حينما تتلمذوا على يد  مؤسس المذهب  اصول المذهب بالدرجة الاولى، وعدوا انفسهم متبعين لأصول المذهب ، فأصول المذهب هي مرآهم التي ينظرون اليها حينما تعرض المسائل.

حينما كانت اصول المذهب هي التي يحتكم اليها الاتباع كان عصر الازدهار ، وعصر الاجتهاد، وعصر انطلاق العقل لتتفنن في ادراج المسائل الفرعية تحت تلك الاصول، فامتلات  الكتب الفقهية بمسائل فرعية فقهية برع مجتهدوها في تكييفها ، ولا عجب ان تجد الاختلاف في المذهب الواحد في المسالة الفرعية الفقهية الواحد بين مؤسس المذهب نفسه وبين اكبر تلاميذه الذين تتلمذوا على يديه وما ابو حنيفة رحمه الله تعالى وصاحبيه ابو يوسف ومحمد بن الحسن- رحمهما الله- عنا ببعيد ، بل اكثر من ذلك ، فان الامام الشافعي رحمه الله تعالى- اسس الفقه في المسائل الجزئية في العراق ثم اسس فقها اخر في المسائل الجزئية في مصر يختلف عنه ، حتى بات يعرف الشافعي في فقه القديم والشافعي في فقه الجديد ، ويقصد به فقه العراق وفقه مصر مع ان اصول المذهب الشافعي ظاهره للعيان، لكنه رضي الله عنه عرف ان الفروع لا تمذهب فيها انما التمذهب على الاصول فبقيت الاصول هي هي والفروع تكيف وفق الاصول مؤثر فيها نتيجة ومقصد ومال وظرف وواقع وعرف سائد.                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      بعد جيل التأسيسي وبعد ازدها عصر التدوين في الفروع، وكثرت المسائل الفقهية الفرعية، اخذ اتباع كل مذهب التعاطي مع المسائل الفرعية على انها مسائل مذهبية لا يجوز مخالفتها لاتباع المذهب وحملته ، وانزلوها منزلة القطعيات ان كانت المسالة الفقهية الفرعية مسالة ظنية قد تتبدل وتتغير لأي طارئ بسيط جعلوها قطعية، واذا بك ترى في سلوك المسلمين مساجد وجد فيها أكثر من محراب في وقت واحد، يفي بغرض تعدد مذاهب المصلين من حنفي إلى مالكي أو شافعي أو حنبلي، بل وتجد اشكاليات في الزواج والطلاق والمعاملات على مستوى الامة ادى التمذهب بالفروع وانزالها منزلة القطعيات الا تخلفها .

ان التمذهب بمذهب يعني التمذهب بأصول المذهب وتعلم اصوله ، وادراك غايات هذه الاصول ومقاصدها وفهم الاحتكام عليها ، وفهم الفروع التي تندرج تحتها، فالغايات في كل مذهب متحدة في تحقيق مقصد الشارع ، والضوابط والمعالم التي خدمت كل غاية وغاية في كل مذهب متحدة بين المذاهب، انما الاختلاف جاء في الوسائل لتحقيق هذه الغاية ، فالتمذهب بمذهب يتمذهب على اصول المذهب ، ويدرك منهجية الاستنباط فيه، ويعرف ضوابط ومعالم ومسالك الفروع التي تدرج  تحت الاصول، ولا ينزلها في جميع الاحوال منزلة القطعيات فان انزلها منزلة القطعيات اعتبرها دين يقيني من عند الله وبهذا شرع من عند نفسه  لكنه يعتبرها فرعية مدرجة تحت اصل رشح عنه مسالة اجتهادية ظنية قد تكون تحتمل الخطأ وتحمل الصواب، على هذا نتمذهب وعلى هذا تمذهب المتذهبون، ومن لم يدرك هذا الكلام ولم يفهمه ولم يعيه ولم يعرف طريقه فالأولى له ان لا ينادي بالمذهبية ولا اتباع مذهب.

من تمذهب بمذهب عليه ان يحمل بين خلايا ثنايا عقله ان تمذهب بمسائل ظنية محتملة، ومن اتبع فتوى فقيه على ان يحمل نفس العقلية، ومن تمذهب بمذهب وانزل مسائله الفرعية الظنية الاجتهادية  منزلة القطعيات ويريد ان يحمل الناس عليها ويتعاطى معها على انها قطعيات مقضية لا تحمل الظن ولا تحمل ان يكون غيرها اصوب منها فقد افسد في الدين اكثر مما يصلح ويا ليته لم يتمذهب.

من حق المتمذهب بمذهب ان يغلب على ظنه ان الراي الذي يتبناه في مذهبه هو الصحيح، ومن حقه ان ينادي به بين الناس، وان يدعي انه الراجح من اراء الفقهاء، لكن من حيث الاعتقاد واليقين عليه ان يعتقد ان هنالك اراء اخرى محتملة ، فلا رايه ولا الآراء الاخرى تنزل منزلة القطعيات، بهذا يستريح ويريح.

ان مؤسسيي المذاهب الفقهية الكبار عاشوا في اريحية من هذه المسالة ، وان كبار تلاميذهم عاشوا ايضا في اريحية من هذه المسالة، لا تجد مؤسسا لمذهب  اسس مذهبه وانزل فروعه المذهب منزلة القطعيات، بل المتتبع لتصريحاتهم كلهم يدرك انهم صرحوا ودونوا وكتبوا ان مذاهبهم بما حملت من مسائل فقهية كلها ظنينة تحتمل الخطأ وتحتمل الصواب.

 

 

 

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017