الاستحسان  إحدى الخطط التشريعية التي عنيت بتحقيق الغاية من وراء كل حكم شرعي

الخميس 26 أكتوبر 2017
شارك المقال

 

 الاستحسان  إحدى الخطط التشريعية التي عنيت بتحقيق الغاية من وراء كل حكم شرعي

 

الشيخ رائد بدير – عضو هيئة العلماء في القدس الشريف

 

تعريف الاستحسان وأهميته التشريعية

الاستحسان في اللغة مشتق من الحُسْن ، قال ابن منظور : ” الحسن ضد القبح ونقيضه ، والحسن نعت لما حَسُن، ويستحسن الشيء يعده حسنا”[1] . وفي القاموس المحيط  ” يحسن الشيء إحسانا أي يعلمه واستحسنه وعده حسنا ، والحسن ما حسن من كل شيء “[2] . فالاستحسان ضد الاستقباح وهو عد الشيء حسنا تقول مثلا استحسن القوم الرأي أي عدوه حسنا وفي اصطلاح الأصوليين اختلفت تعريفاتهم للاستحسان ونعرض بعض التعريفات التي تكفي لبيان معنى الاستحسان في اصطلاح الأصوليين قال السرخسي : ” الاستحسان ترك القياس والأخذ بما هو ارفق للناس ، وقيل طلب السهولة في الأحكام فيما يبتلى فيه الخاص والعام وقيل الأخذ بالسعة وابتغاء الدعة ، وقيل الأخذ بالسماحة وابتغاء ما فيه الراحة ، وتعني هذه العبارات انه ترك العسر لليسر وهو اصل في الدين”[3]. وقال ابن رشد : ” ومعنى الاستحسان في اكثر الأحوال هو الالتفات إلى المصلحة والعدل “[4] . وقال الشاطبي : ” الاستحسان الأخذ بمصلحة جزئية في مقابلة دليل كلي”[5] . وقال عبد العزيز البخاري : ” اختلفت عبارات أصحابنا في تفسير الاستحسان فقال بعضهم هو العدل عن موجب قياس إلى قياس أقوى منه ، وعن الكرخي رحمه الله أن الاستحسان هو أن يعدل الإنسان عن أن يحكم في المسالة بمثل ما حكم به في نظائرها إلى خلافة لوجه أقوى يقتضي العدل عن الأول “[6] .

ويتضح من خلال هذه التعريفات أن الاستحسان التفات إلى المصلحة والعدل في حاصله، سواء قلنا عنه استثناء جزئي من اصل كلي أم الأخذ بالجزئي مقابل دليل كلي ، أو قلنا انه ترجيح قياس على قياس آخر بدليل أقوى منه ، أو قلنا انه خروج بالحكم وعدم إدراجه تحت القاعدة العامة أو الأحكام العامة التي ينبغي في الأصل أن يدرج تحتها ولو فعلنا هذا لكنا ابعد إلى قصد الشارع من تشريعه للإحكام ، فنعدل عن ذلك لنكون اقرب إلى قصد الشارع من إنزاله للإحكام وهو تحقيق المصالح ودفع المفاسد حتى ولو لم تلحق المسائل بنظائرها قال ابن عابدين: ” الاستحسان كما قال الكرخي قطع المسألة عن نظائرها لما هو أقوى ، وذلك الأقوى هو دليل يقابل القياس الجلي الذي تسبق إليه أفهام المجتهدين نصا أو إجماعا أو قياسا خفيا “[7] . ولا يعني هذا عدم إلحاق المسائل بنظائرها لمجرد عدم الإلحاق او انه لا يوجد مصلحة في إلحاق المسائل بنظائرها ، بل إن كلام الأصوليين يشير أن قطع المسألة عن نظائرها نتيجة أدلة وقرائن وإمارات تؤكد أن في قطعها عن نظائرها مصلحة اكبر ، ولا يعني قطع المسألة عن نظائرها بترها عن الشريعة ، إنما تقطع المسألة عن حكم لتدخل في حكم آخر من نفس الشريعة ، قال ابن بدران : ” واعلم أن قول الفقهاء هذا الحكم مستثنى عن قاعدة القياس ، أو خارج عن القياس، أو ثبت على خلاف القياس ليس المراد منه أنه تجرد عن مراعاة المصلحة حتى خالف القياس وإنما المراد به انه عدل به عن نظائره لمصلحة أكمل وأخص من مصالح نظائره على جهة الاستحسان الشرعي ، فمن ذلك أن القياس يقتضي عدم بيع المعدوم وجاز ذلك في السلم والإجارة توسعة وتيسيرا على المكلفين وأن كل واحد يضمن جناية نفسه وخولف في دية الخطأ رفقا بالجاني وتخفيفا عنه لكثرة وقوع الخطأ من الجناة “[8] ، وهذا يؤكد أن جوهر الاستحسان ما قاله ابن رشد التفات إلى المصلحة والعدل . ومن هنا تبرز أهمية الاستحسان التشريعية حيث نقل الشاطبي عن الإمام مالك رحمه الله انه قال : ” تسعة أعشار العلم الاستحسان ونقل عن غيره أن المغرق في القياس يكاد يفارق السنة وان الاستحسان عماد العلم والأدلة  تعضد ما قالوا”[9] . والإمام مالك وغيره ممن عدوا الاستحسان بهذه الأهمية وهذه المكانة لكونه يلتفت إلى المصلحة والعدل ، والشريعة أُنزلت لبيان وتحقيق ذلك ، يقول الدريني في إحدى محاضراته: “الشارع لم ينزل الأحكام الشرعية ليكون مصيرها الإضرار بالناس إنما أصول الأحكام جلب المصالح ، فالاستحسان يتصل بروح الشريعة وبالقاعدة العامة التي قامت عليها الشريعة وهو التفات إلى المصلحة والعدل “[10] . فارتباط الاستحسان بالمصلحة التي هي غاية ومقصود الشارع من إنزاله للإحكام جعلته يحظى بهذه الأهمية والمنزلة ، وخاصة انه يهتم بجانب اليسر بدل العسر في الشريعة الإسلامية يقول د.شعبان إسماعيل : ” إن الاستحسان مسلك من مسالك الرأي والاجتهاد ويمثل جانبا من جوانب التيسير والتخفيف في الشريعة الإسلامية ، ويحقق جانبا من جوانب المرونة والسعة في الشريعة الإسلامية وبخاصة في الاستحسان المبني على الضرورة  والعرف ، فان أعراف الناس تختلف من بلد إلى بلد ، ومن زمن إلى زمن آخر ، وفي مسايرة الشريعة لأعراف الناس التي لا تخالف أصلا من أصول التشريع الإسلامي ، أو تجلب مفسدة من المفاسد ما يجعل هذه الشريعة صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان ، محققه لمصالح الناس في الدنيا والآخرة “[11] . فالهدف من هذا النوع من أنواع الاجتهاد تحصيل المصلحة الشرعية المتوقعة من تطبيق الأحكام فقد تعرض واقعة معينة ، أو تصرف معين يقتضي  عموم النص حكما في الواقعة أو التصرف ، أو يستوجب القياس الظاهر حكما فيهما ، أو الأصل في حكم تلك الواقعة أو حكم ذلك التصرف أن يندرجا تحت قاعدة كلية معينة ويقتضي تطبيق الحكم الكلي للقاعدة عليهما ، إلا أن المجتهد يلحظ ملحظا دقيقا وتظهر له ظروف وملابسات خاصة تصرفه عن تطبيق النص العام ، أو اتباع القياس الظاهر، أو الحكم على الواقعة أو التصرف بحكم القاعدة الكلية ، لانه بعد أن اجتهد ونظر تبين له أن اتباع النظر العام أو الحكم الكلي أو القياس الظاهر يؤدي إلى مفسدة ويفوت مصلحة ، أو يكون اتباع النص العام والقياس الظاهر أو الحكم الكلي للحكم على الواقعة أو التصرف فيه مشقة كبيرة وعسر شديد لا يتفق مع روح الشريعة الإسلامية وطبيعتها من السعة واليسر ، فيصير إلى الاستحسان ويعطي حكما للواقعة أو التصرف متفقا مع روح الشريعة الإسلامية وطبيعتها تجلب فيه وتتحقق المصلحة وتدفع المفسدة، أو يكون ذلك الحكم الجديد سببا في التيسير ورفع الحرج والمشقة ، ومن هنا كانت أهمية الاستحسان والأخذ به يقول الأستاذ الدريني : ” الاستحسان سنن تشريعي اجتهادي لدرء التعسف في الاجتهاد الذي يفضي إليه اضطراد الاقيسة والقواعد لظروف محتفة مستجدة “[12]  .

ويتضح من كل ما تقدم أن الأخذ بالاستحسان معناه الأخذ بالمصلحة واتباع اليسر ودرء المفسدة ودفع المشقة ، ونستطيع أن نقول أن أهمية الاستحسان تبرز لكونه يعالج الحالات الطارئة في الظروف الاستثنائية في أي مجال من مجالات الحياة الإنسانية العسكرية منها أو الاجتماعية أو الاقتصادية وغيرها ، وهو شبيه بقوانين الطوارئ أو التعليمات الاستثنائية في أي دولة أو مؤسسة والتي يعطيها صناع القرار في تلك الدول أو المؤسسة بناء على ظروف خاصة حفاظا على المصلحة ،  فكذلك الغرض من الاستحسان تحقيق روح الشريعة الإسلامية وأهدافها تحقيق المصلحة المقصودة من إنزال الشريعة ورفع الحرج ورعاية المصالح.

 

اثر الاستحسان كخطة تشريعية في تحقيق المناط الخاص عناية بتحقيق غايات الاحكام

انتهينا فيما مر معنا في المبحث السابق أن الاستحسان التفات إلى المصلحة والعدل ، وهو إحدى الخطط التشريعية التي عنيت بتحقيق الغاية من وراء كل حكم شرعي سواء تعلق بالفرد أو بالأمة ، ويمكن القول أن الاستحسان انتقال من المناط العام الى المناط الخاص ، وتفعيل المناط الخاص مقابل المناط العام ولا يكون ذلك إلا إذا تحقق المجتهد من وجوده أي المناط الخاص في مسالة معينة أو واقعة جديدة أو تصرف معين ، قال البصري : ” الاستحسان هو ترك وجه من وجوه شامل الاجتهاد غير شمول الألفاظ لوجه هو أقوى منه ، وهو في حكم الطارئ على الأول “[13] ، والبصري يؤكد وجود أحكام عامة واحكام طارئة ، وتحل الأحكام الطارئة مكان العامة لتحقق المصلحة والعدالة فيها على وجه أتم واكمل من الأحكام العامة بسبب الظروف المحتفة بالحالة أو الواقعة المعروضة أو المكلف نفسه ، وعلى المجتهد التطبيقي أن ينظر في الحالات أو التصرفات قبل الحكم عليها ، فان تحققت المصلحة بتطبيق المناط العام عليها أجرى الأحكام العامة وان تم التحقق من وجود مناط خاص قطع الحالة أو التصرف عن الأحكام العامة وانتقل إلى الأحكام الأخرى الطارئة عليها . يقول السرطاوي : ” الملاحظ على جميع التشريعات والنظم العالمية أنها عندما تضع قوانينها فإنها تضع الأحكام بناء على المعيارية الموضوعية ، أي أنها لا تكترث بالظروف الخاصة للإفراد حتى تضمن تطبيق القاعدة على الناس بالتساوي في حالة تحقق موجبها أو مناطها العام، ولكن أدرك أهل النظم والتشريعات الوضعية أن هنالك بعض الحالات تدخل ضمن إطار المناط العام ظاهرا ولكن تطبيق حكمه عليها يكون مجافيا لروح العدالة ، فاحتاج أهل النظم الوضعية إلى قواعد أخرى بجانب العدل فنشا عندهم قانون العدالة ، ولم يوجد حتى هذا الوقت قواعد تضبط عندهم العدالة وتوضح المقصود بها وآلية تطبيقها ، فهم أدركوا أهميتها ولم يصلوا إلى آلية تحقيقها واقعا ” [14]. ثم يتابع السرطاوي كلامه ليبين ميزة الشريعة الإسلامية في ذلك فيقول : ” والشريعة الإسلامية تتميز عن النظم الوضعية أن الأحكام الشرعية فيها لا تفرق بين عدل وعدالة ، فهي محققة للاثنين معا، ولا يمكن أن يقبل أن يكون حكم شرعي مجلبة للمفسدة ، والذي يضمن لنا ذلك أن الشريعة لم تكتفِ  بالنظر إلى المناط العام بل أوجبت على المجتهد التطبيقي أن ينظر في المناط الخاص للحالة أو الواقعة المراد تطبيقها ، وان يهتم بظروفها الخاصة وان يصدر الحكم الشرعي المناسب الذي يضمن حصول الغاية من وراء تشريعه ، ولا يجوز أن يعطي حكما يبتر فيه بين الحكم وغاية تشريعه ، فالمعيارية التشريعية في الشريعة قائمة على الجمع بين المعيار الموضوعي والمعيار الشخصي ولم تكتفِ الشريعة بذلك بل وضعت الخطط التشريعية التي تضمن حصول ذلك ، فالاستحسان فيه تحقيق المناط الخاص  ومن خلاله ينظر المجتهد إلى الظروف المحتفة  بالواقعة أو بشخص المكلف حتى إذا وجدها تخرج بالشخص أو الواقعة عن مصلحة المناط العام ادخلها بناء على ما يحتف بها من ظروف في قاعدة هي اجدر بها في تحقيق المصلحة والعدل “[15] .

والملاحظ أن تحقيق المناط الخاص هو آلية إعمال الخطة التشريعية الاستحسانية ، فلا يصار إليها ولا يمكن إعمالها دون تحقيق المناط الخاص سواء تعلق الأمر بواقعة أو بمكلف أو بالأمة الإسلامية ، فالمجتهد التطبيقي ينظر  الظروف والمؤثرات في كل حالة معروضة ، ويتوقف عن تعميم الحكم قبل النظر في الظروف والمؤثرات حيث أن لتلك المؤثرات والظروف اثارا كبيرة في نتيجة تطبيق الحكم العام عليها فإذا كان الأمر كذلك امتنع عن تطبيق الحكم العام  للحالة المعروضة وانتقل إلى حكم آخر . واللافت للنظر أن تحقيق المناط الخاص هو بمثابة صمام الأمان لضبط وحماية تلك الخطة التشريعية من التطبيق العشوائي ، وأيضا هو بمثابة الضوء الاخضر الذي يفسح المجال للحكم الطارئ أن يحل مكان الحكم العام ، وان صمام الأمان هذا متعلق بقدرة المجتهد التطبيقي ومدى تقديره وحكمه على الظروف المؤثرة في الواقعة المعروضة ، كل هذا التفات إلى المصلحة وتحقيق العدل وطلب اليسر والسهولة ورفع الحرج حتى فيما يتعلق بالأشخاص ، يقول أبو زهرة : ” إذا كانت المصالح هي مقصد الأحكام التكليفية للارتباط الوثيق بينهما ، فان الأحكام الشرعية كلها يلاحظ فيها اعتبار مصلحة الشخص ، ولا نترك هذه المصلحة إلا إذا كانت معارضة لمصلحة اكبر…..وان من المصلحة رفع الحرج ، ورفع الحرج يكون إذا تعارضت المصلحة الشخصية مع بعض المنهيات ، فانه في هذه الحال يوازن بين ضرر الشخص الذي ينزل به بسبب الترك ، والضرر الذي ينزل بسبب الفعل ، فأي الضررين كان اكبر رفع ، وكان ذلك رفعا للحرج  ، ومنعا للتضييق”[16]. والاستحسان بهذا المعنى الذي ذكره أبو زهرة ، يعمل على تحقيق المصلحة ورفع الحرج وان تعلق الأمر بالفرد وما نزل به من ظروف طارئة ، وقد مر معنا أن اصل منشأ قاعدة تحقيق المناط الخاص هو أصل النظر في مالآت الأفعال ، وأن الاستحسان إحدى القواعد الهامة التي تندرج تحت هذا الأصل أيضا يقول الشاطبي : “ومما ينبني على هذا الأصل-اصل النظر في مالآت الأفعال-قاعدة الاستحسان”[17] .  وعقب السرطاوي على ذلك قائلا : ” وهذا نظر دقيق منه – الشاطبي- رحمه الله تعالى ، لان الاستحسان كقاعدة تشريعية في الاجتهاد التطبيقي تضمن دائما أن تكون النتائج المترتبة على تطبيق الأحكام الشرعية متفقة مع المشروعية الإسلامية العليا ، بحيث تتغير وتتكيف مشروعيتها من جديد لتدور حول محور غايات ومقاصد الشارع على شرط أن يكون هذا التغيير والتكييف الجديد مستندا إلى أصول تشريعيه ، وهدفه تحقيق مقصود الشارع “[18] . ولا يكون ذلك إلا بعد النظر الدقيق  ، يقول الدريني : ” والعدول في الاستحسان بعد إمعان النظر هو من اجل جلب المنفعة أو دفع الضرر أو لإيثار مصلحة راجحة “[19]  والمقصود بإمعان النظر  الذي ذكره الأستاذ الدريني قبل العدول عن الحكم العام إلى حكم آخر هو تحقيق المناط الخاص ، وقد بين الأستاذ الدريني العلاقة بين قاعدة الاستحسان وتحقيق المناط وأصل النظر في مالات الأفعال قائلا : “إن منشأ تحقيق المناط الخاص هو اصل النظر في مالآت الأفعال وتأسيسا على ذلك يندرج في هذه القاعدة مبدأ الاستحسان إذ أن مآل التطبيق ذو أثر في تكييف الفعل ، ووصفه الشرعي ، فيصبح غير مشروع في ظل ظروف معينة بالنظر إلى النتيجة غير المشروعة الواقعة أو المتوقعة ، ويصبح مشروعا بل واجبا إيجاده وتحصيله إذا اقتضت الحاجة الماسة ذلك، دون الافتئات على دليل أو اصل قطعي ، ومن هنا نشأت قاعدتا الاستثناء الاستحسان والذرائع ، وبذلك تفادى الأصوليون بهاتين القاعدتين ، التطبيق الآلي العشوائي الذي لا يقدر الظروف  القائمة التي لها مدخل في تشكيل علة الحكم ، وبالتالي في نتائج التطبيق العملي ، لان الشريعة الإسلامية لا تحل في فراغ ، وليست شريعة تقرر مجرد قواعد نظرية دون مراعاة لواقع المجتمع”[20] .

وقد عد السرطاوي قاعدة الاستحسان من أهم القواعد في الاجتهاد التطبيقي حيث قال : ” إن الاستحسان من القواعد التشريعية  المهمة في الاجتهاد التطبيقي التي تضمن تطبيق نتائج الأحكام واتساقها مع الأصل العام الذي قامت عليه الشريعة “[21] . والمقصود بالأصل العام الذي قامت عليه الشريعة هو جلب المصالح ودرء المفاسد ، حيث ينظر في الأحداث والوقائع فإذا تحقق فيها مناط خاص ، بسبب ظروف معينة أو اعتبارات شخصية ، أو بعد النظر إلى مال التطبيق بحيث إذا أدرجت تلك الحادثة أو الواقعة تحت الأصل العام أو الحكم العام وكان المتوقع على خلاف مقصود تشريع الإحكام ،  عدلنا عن كل ذلك بعد تحقيق المناط الخاص إلى قاعدة الاستحسان التفاتا الى المصلحة وتحقيق العدل، ودفع الحرج ، يقول الشاطبي : ” إن حقيقة الترخصات ترجع إلى اعتبار المآل في تحصيل المصالح أو درء المفاسد على الخصوص ، حيث كان الدليل العام يقتضي منع ذلك  ، لانا لو بقينا مع أصل الدليل العام لأدى إلى رفع ما اقتضاه ذلك الدليل من المصلحة ، فكان من الواجب رعي ذلك المال إلى أقصاه وان كان الدليل العام يقتضي المنع وهذا يؤكد صحة القول بقاعدة الاستحسان وعليها بني مالك واصحابه “[22] .

والخلاصة أن الاستحسان إحدى الخطط التشريعية في الاجتهاد التطبيقي توجب على المجتهد أن يحقق المناط الخاص لكل مسالة من المسائل والظروف المحتفة بالحالة أو بالمكلف ، وأن ينظر في اثر هذه المعطيات الجديدة على الواقعة ، ثم ينظر هل تطبيق موجب المناط العام في ظلها يحقق المصلحة التي من أجلها شرع الحكم العام أم لا ؟ ، فإن وجد هذه الظروف الخاصة لها اثر على الواقعة ويغلب على ظنه أن تطبيق موجب المناط العام يناقض غاية مشروعيته أو لا يحققها وجب عليه استثناء هذه الواقعة من موجب المناط ، وان يبحث لها عن موجب شرعي آخر يضمن أن يكون تطبيق موجبها عليها أجدر بتحقيق المصلحة والعدل.

 

 [1] ابن منظور –-لسان العرب  -ج 13 ص 117

 [2] الفيروز ابادي  – القاموس المحيط – ج 4 ص 216

[3]  السرخسي-   المبسوط   –  ج 10 ص 145

 [4] ابن رشد  – بداية المجتهد ونهاية المقتصد – ج 2 ص 140

 [5] الشاطبي  – الموافقات – ج 4  ص 206

[6]  عبد العزيز البخاري – – كشف الأسرار – ج 4  ص 4

[7]  ابن عابدين – محمد امين بن عمرو بن عبدالعزيز –  رد المحتار على الدر المختار – دار الفكر بيروت 1386 الطبعة الثانية ج1 ص 219

[8]    ابن بدران – المدخل – ج1 ص 313

 [9]   الشاطبي- الموافقات – ج 4 ص 209+210

[10]    سرطاوي- مبدأ المشروعية –     ص 238

 [11] د.شعبان محمد إسماعيل- الاستحسان بين النظرية والتطبيق – دار الثقافة – الدوحة – قطر- الطبعة الأولى 1988- ص 95 +96

[12]  الدريني- محمد فتحي الدريني- الحق ومدى سلطان الدولة في تقيده– مؤسسة الرسالة – ص 182

[13]  البصري – المعتمد في اصول الفقه – ج2 ص 296

[14]  السرطاوي – تحقيق المناط الخاص – بحث غير منشور

[15]  المرجع السابق

 [16] أبو زهرة – محمد أبو زهرة – تاريخ المذاهب الإسلامية – دار الحديث – 1987-ج 1 ص 396

 [17] الشاطبي- الموافقات –    ج 4 ص 205

 [18] السرطاوي- مبدا المشروعية  – ص 238

[19]  نفس المرجع ص 238

[20]  الدريني- بحوث مقارنة في الفقه وأصوله – ج 1 ص 121 وانظر ص 143 بتصرف يسير

[21]  السرطاوي- مبدأ المشروعية -ص 233

 [22] الشاطبي –   الموافقات  –  ج 4 ص 207

الحقوق محفوظة لنوازل

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017