الاقرار ” بالتغريدة ” لا يكفي من علماء البلد الحرام

الخميس 5 أكتوبر 2017
شارك المقال

الاقرار ” بالتغريدة ” لا يكفي من علماء البلد الحرام 

الجدل الاكبر الذي دار حول ” قيادة المرأة  للسيارة” في المملكة العربية السعودية ، ودور علماء البلد الحرام – حفظهم الله تعالى – في تناول هذه المسالة نجد ان – علماء البلد الحرام – غير مهيئين للمتغيرات التي ستمر بها المملكة العربية السعودية، ولا نجدهم يدلون بكل جهدهم في  الاستدلال والتعليل والتبرير وفق المتغيرات فعلى سبيل المثال امام مثل الشيخ بن باز رحمه الله تعالى له فتوى بتحريم قيادة المرأة للسيارة مع تفسيرات وتعليلات ، وايضا ائمة اخرون لهم وزنهم لطالما فندوا ودافعوا عن المملكة منعها المرأة من قيادة السيارة. يأتي علماء اليوم ويخاطبون الشعب السعودي والعالم بكلام مقتضب لا تبرير ولا تعليل من الناحية الشرعية.

ليس المطلوب من العلماء ان يتحدثوا بصيغة الاقرار عبر تغريدة في التوتير  للمرسوم الصادر عن جهة الحاكمة ، انما المطلوب منهم البيان الكافي والوافي من الجهة الشرعية على جواز قيادة المرأة للسيارة مع الشرح الشافي في تبيان الفوارق والاختلاف  بين فتواهم اليوم وفتوى الامام الشيخ  بن باز رحمه الله على هذا  الرابط http://www.binbaz.org.sa/article/399  . وممن كتبوا على مر عشرات السنين  بعدم جواز قيادة المرآة للسيارة.

في مسالة قيادة السيارة لا يتوقف الامر عند قيادتها للسيارة بل لا بد من بحث جوانب اخرى  هي خط احمر في فتاوى علماء البلد الحرام والتي عللوا فيها التحريم ، مثل مسالة ” المحرم” وغيرها.

المجتمع السعودي يختلف كليا عن كثير من المجتمعات وله ظروفه وله طبيعته وله علمائه، وهو مجتمع متدين في الغالب والعرف عندهم له سلطانه، ورمزية العلم السعودي تمثل شعار المسلمين، والنظام  في المملكة حكم ملكي له خصائصه وطبيعته ، ونقل هذا  المجتمع الى متغيرات اجتماعية وربما سياسية واقتصادية  هائلة وفق الاسلوب المقتضب مع التغاضي عن السابق سيحدث بلبلة كبيرة في داخل صفوف العلماء انفسهم اولا وعند الناس.

سمعنا من الشيخ صالح المغامسي، إمام وخطيب مسجد قباء في السعودية يقول  “إن تغطية وجه المرأة  فيه خلاف فقهي معتبرا، وان  تغطية وجه المرأة “صناعة فقهية”. “سمعنا عن مشاهدة النساء للعبة كرة القدم ثم الاحتفال باليوم الوطني المختلط  ثم دور السينما، ثم اعادة غناء ام كلثوم الى القناة الرسمية السعودية  وهنالك الكثير مما يتلازم مع رؤية 20/30 .

كان من المفروض على العلماء مناقشة من سبقهم فيما كتبوه وفيما افتوا به بدراسات فقهية عميقة، وكان من المفروض ان يعطي الشيخ ابن باز رحمه الله حقه في مناقشة فتواه على الاقل القائلة بالتحريم في كل ما يستجد. هذا كله يقرب المسافة ويسهل تجاوزها والانتقال الى مرحلة جديدة. وخاصة ان علماء كبار وفقهاء عظماء من خارج المملكة ناقشوا الشيخ بن باز رحمه الله في فتواه وعارضوها لكنها لم تلق أي صدى في المملكة.

في غالب بلاد المسلمين لا نقحم الدين في كثير من المسائل ، لكن طبيعة المملكة العربية السعودية ورمزيتها  يستوجب هذا النقاش وهذا الحوار ، ان الشعب السعودي بأكمله سمع على   مدار عشرات السنين من كبار العلماء حرمة سياقة المرأة للسيارة ، وسمع على مدار السنين حرمة كذا كذا ،  ولم يفسح المجال لإعطاء علماء كبار مناقشة هذه الآراء على الفضائيات السعودية وعلى الاقل القول في حينه راي ظني يحتمل الخطأ او التغيير.

ان التحديات القادمة للعلماء في المملكة العربية السعودية لا تتوقف على هذه المسالة هنالك متغيرات اجتماعية وسياسية هائلة قادمة لم يعتد عليها هذا الشعب الطيب المعطاة. وان لم يسبق هذه المتغيرات نقاشات وحوارات علنية على الفضائيات فيما سبق وفيما هو ات لا شك ان البلبلة ستحدث في صفوف المتعلمين والعلماء والناس اجمعين.

صحيح ان المتغيرات تصدر وفق مراسيم ، لكن هذا لا يكفي وان كان السمع والطاعة والبيعة من النظام الملكي في المملكة العربية السعودي، لان بعض تلك المراسيم له علاقة بما تناوله علماء البلد الحرام في الماضي وتناولوه بأبحاث ودراسات وفتاوى منشورة ومعللة ومستندة الى ادله ،لذا ينبغي ان يستمر هذا النهج عند بحث المتغيرات لا ان يصدر المرسوم ثم ياتي الاقرار في سطور مقتضبة على التويتر فهذا سيمس  بهيبة العلماء ومكانتهم ثم لا يلقى اذانا صاغية تعودت على فتاوى  عمالقة العلماء مثل ابن باز وابن عثيمين رحمهم الله. وهذا يعيق الانتقال من الزمن الماضي الى الواقع الحاضر ثم المتوقع المستقبل.

إن افضل ما يمكن أن يقول به علماء البلد الحرام هو دراسة كل المتغيرات على الساحة السعودية من النواحي الاجتماعية والسياسية والاقتصادية …الخ  ، فكما اعلن في المملكة عن رؤية 2030 يجب ان تعلن عن رؤية دينية 2030 للحديث عما هو ات بأريحية وسعة ونقاش عميق في كل المستجدات .

ان كل الذين سخروا من المملكة العربية السعودية في هذه المسالة  فليسخروا من انفسهم وليتفقدوا احوالهم واحوال بلادهم واحوال فنادقهم واحوال شواطئهم واحوال شوارعهم وليقارنوها بالمملكة العربية السعودية ،  فعلى الاقل لا احد يمكن ان يتهم المملكة العربية السعودية وحتى لو منعت النساء من السياقة انها ارتكبت منكرا محرما، فهذه مسالة ليست ذات بعد ديني قطعي وخاصة ان المنع استند الى ادلة ومنها ان  اهل مكة ادرى بشعابها. ولا يمكن ان يشكك  احد في  المملكة العربية السعودية ان رات ان تسمح للنساء بقيادة السيارات فهي اعرف وادرى فيما يجب فعله والتحديات من وراء هذه الخطوة.

ان الغيرة على بلد مثل السعودية يجعلني اسمع صوتي لصاحب رؤية 20/30 ان على رسلك وليشارك كل الشعب السعودي في هذه الرؤية وخاصة المؤسسات الدينية، ولتحافظ المملكة على  خصوصياتها ومكانتها الدينية ، لا نريد سياحة بمواصفات عالمية تباح فيها الخمور، ولا نريد فنادق خمس نجوم ولا شواطئ التعري، ولا نريد ديمقراطية يساوي فيها ميراث الرجل بالمرأة، او يباح فيها الزنا اذا كان برضا ، ان كثيرا مما حرم الله تعالى يرتكب باسم الحريات والديمقراطيات ، ولا يعني اننا ضد الحرية على العكس لكننا نريد حرية تتوقف عند حكم الله تعالى. وتغيرات تقف عند حدود الله تعالى كما عهدنا المملكة وكما عهدنا حكامها عى مدار الزمن.

سيظل  الرجل السعودي كما نعرفه ولتبقى المرأة السعودية كما نعرفها ونعتز بها، وليظل العلم السعودي مرفرفا عاليا بشعاره ، وليظل الملك وولي عهده كما عودونا الى جوار العلماء والعلماء الى جوارهم،  وهذا لا يعني عدم التغيير وخاصة في الفكر والحريات والتطور والعمران لكن وفق اصول الشريعة  وثوابتها. فلا مانع ان تقود المراة السيارة او حتى تخرج بلا محرم ان وجدالامان ولا مانع ان تشاهد لعبة كرة قدم اذا خصص مكان للنساء ولا مانع ان تذهب الى السينما ان كانت الافلام مباحة وتراعي حدود الله وكانت السينما خاصة بالنساء ولا مانع ان تترشح للفتوى او ادارة المجالس المحلية او تكون قاضية او تكون محامية او تكون عضو مجلس شورى او تكون وزيرة لكن كل ذلك نريده من المملكة العربية السعودية وهي محافظة على اصول الشريعة وثوابتها. وابحاث عميقه من علمائها لا اقرار عبر ” تغريده” بعد مرسوم ملكي فهذا لا يكفي في تحقيق المتغيرات المشروعة.

رؤية 20/30 يجب  ان تثبت ان لا تعارض بين الشريعة وثوابها وبين التقدم، وهذه الفرصة  لان تبنى  افضل الفنادق على سواحل جدة بلا خمور ولا برك سباحة مختلطة، هذه فرصتك لان تقدم الفن الاصيل والذي يراعي احكام الشرع، وهذه فرصتك لان تفتح مجال  الحريات والفكر المشروع والذي لا يتعارض مع كتاب الله وسنة نبيه او يحدث فتنة في المجتمع السعودي، يمكن ان يحدث تغيير جذري ولسنا ضد التغيير لكننا نريدها ان تظل المملكة العربية السعودية بمكانتها الدينية . عنونت  بعض الصحف ” البكيني قريبا على شواطيء السعودية ” . هذه الفئة التي تدعو الى  الانحلال هي بنفس درجة الفئة الضالة التي تقتل المسلمين عند المسجد النبوي وكليهما خطر على المملكة.

لست مع السعودية في خلافها مع قطر ولست مع قطر في خلافها مع السعودية وانما انا من الفئة الثالثة التي ذكرها الله عز وجل عند خلاف طائفتين من المؤمنين، ولنا أحبة ومشايخ كثر في المملكة ولنا مشايخ واحبة في قطر ولا احد ينكر دور دول الخليج كلها فيما يخص الشعب الفلسطيني. حفظ الله تعالى  علماء البلد الحرام وحفظ الله تعالى  المملكة العربية السعودية من الفتنة ، وشرح الله صدور حكامها للحق وللراي الاخر.

تعجل موسى عليه السلام  الى ربه سبحانه وتعالى فاحدث فارقا بينه وبين قومه فافتتن قومه نتيجة عجلته وهو موسى عليه السلام والامر امر الاخرة ، وعجلته احدثت مساحة تسببت بالفتنة بينه وبين قومه قال تعالى ”  وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى (83) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (84) قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (85 ” .ومن المؤكد اننا لسنا مثل موسى عليه السلام، لكن المؤكد ان الامة تمر بمرحلة جعلتها اقرب الى قوم موسى في النزاع والشقاق والاختلاف والخلاف.

ان المهمة صعبة والتحدي كبير امام  علماء البلد الحرام، والتغريدة لا تكفي لما هو ات، امامكم الكتاب والسنة والمدارس الفقهية التي استنبطت الاحكام منها، لا مانع من التغيير ، ولا مانع من تبني اراء اخرى ممن احتمل الدليل، ولا مانع ان لا يبقى الراجح  راجحا  والمرجوح مرجوحا  فقد تهب قرائن تجعل من الراجح مرجوحا ومن المرجوح راجحا في زمن سرعة المتغيرات ، ولا ينبغي الخوف مما هو جديد او الحرص الزائد على عدم التغيير وهذا يتطلب رؤية دينية لما هو متوقع  لعشرات السنوات القادمة،  وتكليف اهل العلم واطلاب العلم الشرعي بأبحاث ودراسات عما هو ات من متغيرات اصبح فريضة شرعية، لان الشعب السعودي يثق بعلمائه وان اغلبيته مرتبط بعلمائه ولا يقبل الفتوى من خارج المملكة وهذا يضعكم امام تحدي أكبر ….لا تكتفوا “بالإقرار  عبر التغريدة ” للمراسيم الملكية .لا بد من رؤية دينية تلازم رؤية  20/30.

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017