“التجسير ” في ميزان الشريعة الإسلامية

الأربعاء 27 يناير 2021
شارك المقال

 

الشيخ رائد مدير – دار الافتاء والبحوث الاسلامية

” تجسير”:

كلمة ” تجسير ” وهي كلمة معروفة في الداخل الفلسطيني 1948 عند ترجمة كلمة גישור بالعبرية، وللوقوف على معنى هذه الكلمة في الدراسات المصطلحية واللفظية يقول الشيخ الدكتور سلمان بن فهد العودة- حفظه الله تعالى -: الجسور: جمع جَسر أو جِسر؛ لغتان بالفتح أو الكسر، والجسر معروف هو: القنطرة بين شيئين، يعني: الجسر قد يكون قنطرة في ضفتي النهر من جهة إلى أخرى أو جبلاً، أو بدلاً من القطيعة.. بدلاً من الأسوار تكون هذه الجسور التي تسهل العلاقة ما بين ضفتين أو ما بين طرفين، جسر.الجسر أيضاً له علاقة بالمعنى الثاني الذي أنت تفضلت فيه مسألة الجسارة، تقول: فلان رجل جسور يعني: أنه صاحب جرأة وصاحب قوة، وربما الأمران لهما علاقة ببعضهما البعض، فمثلاً: الإنسان الجسور هو الإنسان الجريء، ومنه تأتي سائر الاشتقاقات، مثلاً: لما تقول الآن: (التجسير)، هذه كلمة مستخدمة كثيراً، التجسير لما كنا صغاراً نقول: فلان يذهب مع فلان يجسِّره؛ يعني: يجعله يجسر ويجرأ على أن يذهب في الظلام مثلاً أو يتعدى الخطر، فهذا معنى من المعاني اللغوية العربية؛ أن التجسير هو معناه: الدعم والتشجيع والمساندة لإنسان بحيث أنه يكون جسوراً؛ يتجاوز نقطة خطر أو موقف صعب ربما لأول مرة يمر به في حياته، اختبار، حتى الأشياء الجديدة دائماً كما أن لها لذة فلها نوع من المفاجأة والتخوف الذي يجعل الإنسان يحتاج إلى من يجرئه على الإقدام عليها، متى ما كان فيه خير.هذا معنى رائع جداً في معنى الجسور، هو نوع من تجسير الآخرين.أيضاً كلمة (تجسير) تستخدم لإقامة الجسر، تقول: تجسير العلاقة بين -مثلاً- فلان وفلان أو المؤسسة والأخرى، أو البلد والآخر، أو شعب وآخر.. فالمقصود هنا بالتجسير: إقامة الجسور الواصلة التي من شأنها أن تنقل أحياناً البضائع.. أحياناً تنقل الثقافة والمعرفة.. أحياناً تنقل المراسلات.. فالناس بحاجة إلى هذه الجسور في كل الظروف، حتى في حال الحرب هناك حاجة إلى أحد يذهب ويأتي من أجل تلافي الوقوع في المشكلة.”[i]

نلاحظ من خلال المعاني التي أوردها الدكتور سلمان العودة نجد انه من كلمة تجسير نجد معاني متداخله في هذا المصطلح مثل مد الجسور والجرأة والدعم والتشجيع والمساندة وموقف صعب التلاقي قبل وقوع المشكلة والحاجة والتخوف، والحقيقة ان هذه المعاني من الناحية العملية عند يلمسها المجسر عند المتنازعين وما يقوم به هو بناء جسر لنقطة التقاء المتخاصمين ليعبرا النزاع ويرفعان الخصومة وينتقلان الى بر الأمان بالاتفاق بالرضا.

كنت لاستعمل كلمة تصالح بدل التجسير عند النزاع، لان التصالح معناه مفاوضات مباشرة بين طرفين والوصول الى اتفاق لإنهاء الخصومة بينمها دون الحاجة الى القضاء :والصلح عقد وضع لرفع النزاع وقطع الخصومة بين المتخاصمين بتراضيهما ، فاذا ادعى شخص على آخر حقا من الحقوق واتفقا على الصلح كان ذلك جائزا لقوله تعالى {  (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) .[ii]. وقوله عليه الصلاة والسلام ” لصُّلحُ جائزٌ بينَ المسلمينَ إلَّا صلحًا أحلَّ حرامًا، أو حرَّم حلالًا ” .[iii].   وطالب الصلح يسمى مصالِحاً والقابل له يسمى مصالَحاً والشيء المدعى به يسمى مصالحاً عنه والشيء المأخوذ في مقابلته يسمى مصالحاً عليه او بدل الصلح. وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: (ردو الخصوم لعلهم أن يصطلحوا فانه ابرأ للعداء وأقل للمنات)[iv] ،   وفي رواية أخرى: ” رَدِّدوا الخصومَ حتَّى يصطلِحوا فإنَّ فَصلَ القضاءِ يورثُ الضَّغائنَ “.[v]

كل هذا يعني اننا لا نعمل بقواعد الاثبات واصول الاثبات، وهذا لب مفهوم ” التجسير” ، اذ ان التجسير لا ينظر في البيانات الخطية او الشخصية او أي نوع من أنواع البينات فهذا من عمل  القضاء ولي من عمل المصلحين ، ولاحظ مقولة عمر بن الخطاب رضي الله عنه – رَدِّدوا الخصومَ حتَّى يصطلِحوا- وهذا في لب معنى التجسير اذ كلمة – رددوا تشير الى الجلسات المتعددة بين اطراف النزاع حتى يرفع النزاع وقوله ” يصطلِحوا فإنَّ فَصلَ القضاءِ يورثُ الضَّغائنَ ” لعدم البحث عن المبطل من المحق وهذه هي عملية التجسير حقيقة بين اطراف النزاع هي ترديد وتردد ترديد للأشخاص وهي عملية التغذية الراجعة ثم ترديد للخصومة أي تقلبيها ثم البحث عن الاتفاق الذي لا يورث الضغائن ويعني هذا سلامة الصدر ونقاوة القلب وهو لب الرضا الذي يبحث عنه في عملية التجسير اذ ان الرضا شرط من شروطها.

المقصود  بعبء الإثبات من الذي يكلف بقامة الدليل، وهي مسالة ذات أهمية كبيرة في القضاء فإذا عرف القاضي من المكلف بالإثبات أمِنَ طريق الحق والعدل في سيره في القضية، وذلك لان تكليف شخص بالإثبات لم يكلفه الشرع بذلك فيه من الظلم ما لا تحمد عقباه، فقد يعجز عن الإثبات ويكسب الطرف الآخر القضية دون وجه حق  والقاعدة في تحمل عبء الإثبات ” البينة على من ادعى واليمين على من أنكر”[vi] فالبينة هي عبء الإثبات وهي على المدعي ومتى عرف المدعي اتضح عبء الإثبات وهذا يتطلب مراجعة بحث أطراف  الدعوى لمعرفة المدعي من المدعى عليه من خلال المعايير أو التعريفات التي قبلت في التمييز بينهما.

لكن في التصالح والمصلحة والتجسير يتخلى المجسر والمصلح عن عبء الاثبات، والتخلي عن عبء الاثبات ورد في حديث كعب بن مالك رضي الله عنه أنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كانَ له عليه في عَهْدِ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في المَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أصْوَاتُهُما حتَّى سَمِعَهَا رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو في بَيْتٍ، فَخَرَجَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلَيْهِمَا حتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ، فَنَادَى كَعْبَ بنَ مَالِكٍ، فَقالَ: يا كَعْبُ، فَقالَ: لَبَّيْكَ يا رَسولَ اللَّهِ، فأشَارَ بيَدِهِ أنْ ضَعِ الشَّطْرَ، فَقالَ كَعْبٌ: قدْ فَعَلْتُ يا رَسولَ اللَّهِ، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: قُمْ فَاقْضِهِ.” [vii]

نلاحظ في هذا الحديث ” فَضِيلةُ الصُّلحِ، وحُسْنُ التَّوسُّطِ بيْن المتخاصِمَيْن” دون اعمال قواعد الاثبات ودون استحضار الأصل الوارد في الحديث الصحيح ” لو يُعطى النَّاسُ بدعواهم لادَّعى رجالٌ أموالَ قومٍ ودماءَهم لَكنَّ البيِّنةَ على المدَّعي واليمينَ على من أنْكرَ” اذن نحن نتحدث عن مساحة أخرى اباحها الإسلام فالله سبحانه وتعالى امر بالعدل وهذا يعني اعمال قواعد  الاثبات وامر بالإحسان وهذا يعني اعمال قواعد أخرى غير قواعد الاثبات واتخاذ مسالمك أخرى مثل الصلح او التجسير والتي لا تعنى بقواعد الاثبات بل بالإحسان ونلاحظ في قوله تعالى ان الله تعالى امر بالمسلكين مسلك العدل ومسلك الاحسان قال تعالى ” ۞ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ .” [viii]  .قال ابن مجد: “استحب الجمهور من غير المالكية للحاكم أن يشير بالصلح بين الأقارب والأرحام وغيرهما وان ظهر الحق”. [ix] وقال ابن عابدين: “انما يجوز للقاضي أن يأمر بالصلح ليس للأقارب فقط وانما للأجانب ايضا لأن القضاء يورث الضغينة فيحترز عنه ما أمكن” .[x]وقالوا: (انما يجوز للقاضي أن يأمر بالصلح اذا تقاربت المحبة بين الخصمين، غير ان احدهما يكون الحسن بمحبة من الآخر، أو تكون الدعوى في أمور درست وتفاقمت وتشابهت أما اذا خشي القاضي من تفاقم الأمور بين المتخاصمين أو خاف الفتنة فانه يجب أن يأمرهما بالصلح ).[xi]

اذن في عملية التجسير لا نبحث عن البينات ولا نبحث عن المحق من المبطل. نما نبحث عن رفع النزاع الواقع او النزاع المحتمل وفق وسائل الاحسان والتوصل الى اتفاق وحتى ان ظهر الحق عن أحدهما فلا يلتفت اليه بل يلتفت الى ابرام عقد مصالحة.

المراجع :

[i] جسور (salmanalodah.com)بتصرف.

[ii]. النساء : 128

[iii].رواه أبو داود حديث رقم 3594 حديث صحيح.

 [iv] المصباح المنير ص 1

[v] كنز العمال 5/805 المغني لابني قدامة 11/399 معين الحكام ص123 التبصرة 2/36، اخبار القضاة وكيع ج1 ص75، اعلام الموقعين ج1 ص 117.

[vi]  أصل هذه القاعدة الحديث الشريف الذي رواه ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم انظر الحديث في روايات البخاري مع الفتح 5/140- 247، صحيح مسلم بشرح النووي 12/352، السنن الكبرى 10/352 مسند الإمام احمد 1/253- 228

[vii]  رواه البخاري حديث رقم 2710 .

[viii] سورة النحل 227

[ix] البهجة شرح التحفة 1/38

[x] حاشية ابن عابدين 5/423 لسان الحكام ص219

[xi] معين الحكام ص 123 , المغني لابن قدامة البهجة شرح التحفة 1/37

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017