“الزواج السري” جزئية تهدم الكليات واستنفار   الخطط التشريعية الطارئة  لحماية الكليات “فريضة شرعية”

الجمعة 19 يناير 2018
شارك المقال

“الزواج السري” جزئية تهدم الكليات واستنفار الخطط التشريعية الطارئة لحماية الكليات “فريضة شرعية”

ان الزواج السري بعيدا عن الاهل  وان توفرت فيه جزئياته الفقهية انما يمس حقيقية بالأعراض , ويسبب تهما كثيرة للعائلة المصغرة وللفتاة نفسها, ثم انه يضيع الحقوق المادية , ثم فتيات اليوم المتزوجات سرا  كلما حملت تذهب لتجهض عند طبيب خاصة فهو يمس بالنسل وهذه الافعال لا تصدر عن الاسوياء فالعقل مغيب  ,ويرتكب كل من يفعل هذا خطيئة في الدين فهي تمس بالدين وعليه لا يمكن السير قدما والتغاضي عن كل هذا. الزواج السري فرعية تهدم مقاصد الشريعة وتعارضها  ولا بد من استدعاء واستنفار احدى  خطط الطوارئ الشرعية لوقف استعمال الجزئيات عند حدها  وحماية لمقاصد الشريعة وكلياتها نحرم الزواج السري ديانة وتمنعه الدولة قضاء حماية اولا لأحكام الشريعة من ان تعود على نفسها بالتناقض ثم للانسجام والتوافق مع  مقاصد الشريعة جزئياتها وكلياتها  التي وضعت لها ابتداء. على حد سواء.

هذا البحث معد للمجتهد التطبيقي وهو بحث فقهي اصولي .

 

 

أهمية الزواج

تنبع أهمية الزواج في الإسلام كونه السبيل الوحيد الذي يعطي شرعية للاتصال الجنسي بين الرجل والمرأة ، ففي وقتنا المعاصر أبتدع الناس لأنفسهم طرقا كثيرة للاتصال الجنسي بين الرجل والمرأة ، فكثرت سبل الاتصال الجنسي بين الرجل والمرأة ، وزادت وسائل مقدمات وممهدات ومهيئات هذا الاتصال الجنسي ، وأصبحت الدعوة إلى  الجنس العشوائي دعوة علانية عبر كافة وسائل الاتصال بين الناس ولا يلتفت تجار الجنس إلى الفوضى الاجتماعية التي يحدثونها، والشريعة الإسلامية اعتبرت الزواج الصحيح هو السبيل الوحيد من بين السبل الكثيرة للاتصال الجنسي بين الرجل والمرأة ، بل وأكثر من ذلك حيث تفنن الناس وابتدعوا طرقا كثيرة للإنجاب والتناسل ، والشريعة الإسلامية جعلت الزواج هو الدرب الوحيد المشروع الذي يصلح للإنجاب والتناسل فعبر الزواج تنسب الأجيال بعضها لبعض جيلاً بعد جيل .

ومن المسلمات أن الجنس غريزة في الكائن الحي ،والغريزة كما عرفها علماء النفس: ” أنها استعداد فطري جسمي نفسي يدفع الكائن الحي لان يدرك مثيرا خاصا، وينفعل حياله انفعالا خاصا، ثم ينزع أو يشعر على الأقل حياله بالرغبة في النزوع منزعا خاصا “[1] .وقد أجمعت البشرية على أن الجنس غريزة في الكائن الحي، فهو في الكائن الحي له انفعال يسمى الشهوة ، من مميزاته أنه صفة خلقه الله سبحانه وتعالى في الكائن الحي ، وهذه الصفة غير مكتسبة ، والغاية من ذلك استمرارية النوع الإنساني ، يقول حجة الإسلام أبو حامد الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين : ” وإنما الشهوة خُلقت باعثة مستحثة كالموكل بالفحل في إخراج البذر، وبالأنثى في التمكين من الحرث تلطفا بهما في السياقة إلى اقتناص الولد بسبب الوقاع، كالتلطف بالطير في بث الحب الذي يشتهيه ليساق إلى الشبكة ، وكانت القدرة الأزلية غير قاصرة عن اختراع الأشخاص ابتداء من غير حراثة وازدواج ، ولكن الحكمة اقتضت ترتيب المسببات على الأسباب مع الاستغناء عنها إظهارا للقدرة وإتماما لعجائب الصنعة ، وتحقيقا  لما سبقت به المشيئة وحقّت به الكلمة وجرى به القلم “[2] . ونلاحظ أن الغزالي يؤكد على أن الشهوة باعثة مستحثة، وهي صفة غير مكتسبة والغاية من خلقها في الكائن الحي وبالذات النوع الإنساني هو اقتناص الولد لبقاء استمرارية  النوع الإنساني والحفاظ على نظام التناسل ، وهذا كله من باب تنظيم المسببات بالأسباب وترتيب النتائج على الأسباب .

هذه هي طبيعة الإنسان وهذه هي طبيعة حاجته إلى الجنس، فالانفعالات الشهوانية الناتجة عنه وخاصة الشهوة هي صفات غير مكتسبة ، والإسلام أراد بتشريعاته ضبط كافة الانفعالات وتهذيبها ،  فقد حصر على سبيل المثال إشباع انفعال الشهوة والاستجابة له حصره بطريق واحد ، فلا إشباع ولا استجابة لغريزة الجنس والانفعالات الجنسية ولا لأي دافع ومثير جنسي خارجي كان أم داخلي للاتصال الجنسي  بين الرجل والمرأة إلا بهذا الطريق ،طريق رسمته الشريعة الإسلامية وبينت مقاصده وحددت معالمه، ووضّحت كيفية الاستعداد له وشروط السير فيه ووضعت لكل ذلك خطة تضمن سيرا في هذا الطريق صحيحا مقبولا من وجهة نظرها ، هذا الطريق هو طريق الزواج الصحيح الشرعي ، فالشريعة الإسلامية حرمت الاتصال الجنسي بين الرجل والمرأة دون زواج قال الغزالي : ” فالنكاح بسبب دفع غائلة الشهوة مهم في الدين لكل من لا يؤتى عن عجز وعنّة وهم غالب الخلق “[3]. وما أروع هذه اللفتة من حجة الإسلام الغزالي حيث لاحظ أهمية الزواج في الدين لكونه هو الدرب الوحيد الشرعي والصحيح للاستجابة للانفعالات الشهوة والاتصال الجنسي بين الرجل والمرأة ، ولا نستغرب كثيرا حينما نلاحظ من خلال النظر في تعريفات الفقهاء لعقد الزواج انههم قالوا انه عقد يفيد حل استمتاع كل من العاقدين بالآخر ، بل كان جل تركيزهم عند تعريفهم لعقد الزواج على مشروعية الجنس بين الزوجين بعد إجراءه ، ويذكر الشيخ محمد أبو زهره ملاحظاته على تعريفات الفقهاء لعقد الزواج قائلا: ” كلها تدور حول هذا المعنى وان اختلف في التعبير ، وهي تؤدي في جملتها إلى أن موضوع عقد الزواج امتلاك المتعة على الوجه المشروع والى أن الغرض منه في عرف الناس والشرع هو جعل هذه المتعة حلالا، ولا شك ان ذلك من أغراضه، بل هو أوضح إغراضه عند الناس عامة، ولكن ليست هي كل أغراضه ولا أسمى أغراضه في نظر الشارع الإسلامي.”[4]

ومهما حاول الفقهاء توضيح صورة الزواج في بيان أهميته في تحقيق معان اجتماعية ونفسية، دنيوية ودينية، والتي سأبين بعضها في المطلب التالي ، إلا انه وحسب رأيي تظهر أهمية الزواج في الإسلام كونه السبيل الوحيد والطريق المخصوص والمحصور والمنصوص لاستمتاع الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل، وان ثمرات هذا الاستمتاع بالدرجة الأولى الإنجاب والتناسل وثبوت الأنساب على وجه سليم صحيح ، أما غيرها من الأغراض فقد تتحقق بدون زواج ، فالحقوق والواجبات يستطيع المرء أن يتعلمها وينشأ عليها دون زواج،  والراحة النفسية والسكينة والطمأنينة لا ينحصر طرق توفرها في الزواج فقط ، ويكفي أن نعلم أن الزواج بحد ذاته قد يعتريه بعض الأوصاف تخرجه من دائرة المشروع إلى دائرة الممنوع كما نص على ذلك الفقهاء ، فقد يكون الزواج واجبا أو مندوبا أو مباحا أو مكروها أو محرما كما سأبين ذلك لاحقا ، هذا ولا يعني أن الزواج لا يحقق معاني السكينة والرحمة والمودة، بل هو بحد ذاته مدرسة يتعلم فيه المرء الحقوق والواجبات والانتماء والولاء وتحمل المسؤولية ، ولكن هذه المعاني قد يشترك في تعليمها للمرء غير الزواج ، أما الاستمتاع الجنسي لكل من الرجل والمرأة وإشباع الرغبة الجنسية عند الرجل والمرأة وما ينتج عن ذلك من ثمرة الإنجاب فهذا ينحصر فقط في الزواج الصحيح السليم والذي تنطبق عليه كافة المواصفات الشرعية لعقد الزواج . فلا معاشرة جنسية بدون زواج ولا ثبوت نسب بدون زواج ، بل ان الشريعة الإسلامية ذهبت إلى ابعد من ذلك فاعتبرت المعاشرة الجنسية خارج نطاق الزواج ولو كانت برضا الأطراف جريمة واعتبرتها جريمة موجبة للحد وسمّت تلك الجريمة الزنا وما ينتج عن تلك المعاشرة الجنسية من ثمرة كالولد سمّته ولد الزنا وحَرَمته من النسب إلى غير أمه، لذا وحسب رأيي تبرز أهمية الزواج الكبرى انه يضفي المشروعية على الاتصال الجنسي بين الرجل والمرأة ويثبت به النسب وهو درب سليم صحيح مقبول لبقاء النوع الإنساني .

 

فوائد الزواج في الإسلام

تكلم الفقهاء والاجتماعيون قديما وحديثا على فوائد الزواج، ووضعت المؤلفات في بيان تلك الفوائد ، وقد ذكر حاجي خليفة في كتابه كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون بعض المؤلفات التي تحدثت عن فوائد الزواج منها على سبيل المثال كتاب الوشاح في فوائد النكاح للسيوطي[5] ، وقلما تجد كتابا معاصرا موضوعه الزواج أو ما يسمى الأحوال الشخصية إلا ويتحدث عن فوائد الزواج، واليك أهم فوائد الزواج .

الفائدة الأولى : إشباع الغريزة الجنسية لكل من الرجل والمرأة على سبيل مشروع :

مر معنا سابقا أن أهمية الزواج تنبع من انه الطريق الوحيد لشرعية الاتصال الجنسي بين الرجل والمرأة، فالفائدة الأولى له إشباع الغريزة الجنسية لكل من الرجل والمرأة على سبيل مشروع ، وعلى وجه يرضاه الله سبحانه وتعالى، فقد جاء في  صحيح مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه انه قال: ان ناسا من أصحاب النبي  صلى الله عليه وسلم  قالوا للنبي  صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم. قال: أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون، إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهى عن منكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة. قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته  ويكون له فيها أجر؟ قال أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر.”[6] فالزواج وسيلة لنيل رضا الله تعالى في إشباع الرغبة الجنسية ، لان الله عز وجل رضي للرجل والمرأة أن تتم بينهما معاشرة جنسية بزواج، بل أكثر من ذلك أعطى الأجر والثواب على هذا الاتصال، والإنسان بشكل عام قد يرغب ان يلبي نداء الغريزة الجنسية دون الانتباه إلى وسيلة إشباع تلك الرغبة، وقد ينجذب إلى الجنس الآخر ويرغب أن يمارس معه حياة جنسية بزواج او بغير زواج، فقد روى مسلم عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إذا أحدكم أعجبته المرأة فوقعت في قلبه، فليعمد إلى امرأته فلواقعها فان ذلك يرد ما في نفسه”[7]. وان مما حفظناه عن أساتذتنا الكرام حفظهم الله تعالى أن من خصائص الشريعة الإسلامية أنها واقعية مثالية وفي نفس الوقت مثالية واقعية، ووجه إيراد هذا الكلام هنا أن الحديث يشير إلى واقعية الإسلام ومثاليته ومثاليته وواقعيته في وقت واحد، ألا ترى أن الحديث يشير إلى انجذاب الرجل إلى غير زوجته، أو انجذاب المرأة إلى غير زوجها، ولا يتوقف الأمر عند الانجذاب بل يتعدى إلى انطباع صورة المرأة في قلب الرجل أو العكس فيشتهيها إلى نفسه وتشتيته إلى نفسها لإشباع الرغبة الجنسية ، وهذه صورة واقعية يعيشها الناس، فكم رجل قد يشتهي غير زوجته لنفسه وتحدثه نفسه عن إشباع الرغبة الجنسية مع غير زوجته، كم امرأة تشتهي إقامة علاقات جنسية مع غير زوجها وتحدثها نفسها بذلك، والحديث المذكور يصور واقع بعض الناس، وفي نفس الوقت أرشد الحديث إلى عدم الاستجابة لهذا الانجذاب، ووجه إلى معالجة صورة المرأة الأجنبية التي انطبعت في قلب الرجل، نادى الحديث وبكل وضوح وصراحة أن يعمد ذلك الرجل إلى امرأته فليواقعها وهذه الصيغة تدل إلى اشتداد مسيس الحاجة إلى الرغبة الجنسية لحالة هذا الرجل، وعقّب الحديث بان معاشرة الرجل الجنسية لزوجته ترد ما انطبع من صورة لامرأة أجنبية في قلب الرجل،وهذه دعوة إلى تحقيق المثالية بعد بيان الصورة الواقعية.

فالزواج وسيلة يلتمس المسلم من خلالها رضا الله عز وجل في إشباع رغباته الجنسية.

إن ما نراه اليوم من مثيرات وإغراءات أمام الرجال والنساء على حد سواء، وذلك من خلال البرامج الهابطة والتي تعرض على بعض الفضائيات العربية والأجنبية، بالإضافة إلى بعض المواقع على شبكة الانترنيت، زد على ذلك واقع بعض المسلمين  في عدم الالتزام بالتعاليم الإسلامية،كل تلك المثيرات تؤثر تأثيرا كبيرا على  الشباب والشابات خاصة، والزواج هو المخرج الذي يخفف حدة الام الشهوة للشاب والشابة اللذان يلتمسان رضا الله عز وجل ولا يقبلان الوقوع في الرذيلة وارتكاب الفاحشة ولعل قول النبي صلى الله عليه وسلم وتوجيه نداءه للشباب خاصة يؤكد هذا المعنى حيث قال:” يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فلتزوج فانه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فانه له وجاء.”[8]

الفائدة الثانية : المحافظة على إبقاء جنس الإنسان بطريق سوي:

إن من فوائد الزواج العظام أن يبقى نوع الإنسان وان يستمر هذا النوع في التكاثر والتناسل، يقول حجة الإسلام الغزالي:” الولد، وهو الأصل وله وُضع النكاح، والمقصود إبقاء النسل وان لا يخلو العلم عن جنس الإنس”[9].فالزواج هو الطريق السوي المشروع المتعارف عليه في الشرائع السماوية كافة وعند أصحاب العقول السليمة لاستكثار البشر، يقول الشيخ محمد أبو زهرة:” وان حفظ النوع الإنساني كاملا يسير في مدارج الرقى إنما يكون بالزواج، فان المساندة لا تحفظ النوع من الفناء، وان حفظته لا تحفظه كاملا يحيا حياة إنسانية رفيعة. واعتبر ذلك بالأمم التي قل فيها الزواج، فان نقصان سكانها يتوالى بتوالي السنين، بينما يتكاثر سكان غيرها ممن يقدم احادها على الزواج ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحث على طلب النسل بالزواج.”[10] ولا شك أن الله عز وجل فطرنا على حب التناسل والإنجاب وحب الولد كل ذلك لغاية استمرار النوع الإنساني.

الفائدة الثالثة: التواصل والائتلاف وتكوين أسرة:

مر معنا أن الزواج طريق سديد ومشروع للاتصال الجنسي بين الرجل والمرأة، والمرأة والرجل، وابتغاء الولد هو إحدى الثمرات المرجوة عن هذا الاتصال، فالفرد يطلق عليه قبل الزواج فردا وبعد الزواج زوجا مع انه بقي فرد في ذاته، والزوجة يطلق عليها قبل الزوج فردا وبعد الزواج زوجا مع أنها بقيت في ذاتها فرد ، والزوجان بعد الإنجاب يطلق عليهما أسرة، والأسرة هي لبنة من لبنات المجتمع الذي يبدأ بالفرد وينتهي بالمجموعة ، فالزواج عنصر هام في المجتمع لتحقيق مبادئ التعارف والتالف والتساكن حيث تتسع دائرة الفرد وعلاقاته بعد أن يكون فردا إلى أفراد ومجموعات داخل المجتمع الكبير المتالف   ويُعَلِّم الزواج مبادىء الحقوق والواجبات ابتداء بالبيت انتهاء بالمجتمع ويرسخ مفهوم ان كل حق يقابله واجب ، فهنالك حقوق الزوجة وواجباتها وهنالك حقوق الزوج وواجباته وهنالك حقوق الأبناء وواجباتهم وهنالك حقوق الإباء والأمهات وواجباتهم وهنالك حقوق الجيران ووجباتهم وهنالك حقوق المجتمع وواجباته تجاه أبنائه وهنالك حقوق الدولة وواجباتها تجاه مواطنيها، فالزواج هو المدرسة الأولى الذي يرسخ ذلك المفهوم أن كل حق يقابله واجب وتكون ممارسة عملية داخل البيت والأسرة الواحدة لترسيخ هذه المبادئ وتلك المفاهيم .

بالإضافة أن الزواج مشروع يرسخ ويعلم مفهوم تحمل المسؤوليات تجاه الآخرين سواء كانوا أفرادا أم جماعات، مؤسسات وسلطات، حيث ينمو مفهوم تحمل المسؤولية  داخل الأسرة ثم سرعان ما تكون الحياة العملية للأسرة مصحوبة بتلك المفاهيم والمبادئ وهذا كله آثار الزواج وفوائده.

هذه ب أهم فوائد الزواج على سبيل المثال لا الحصر، قال ابن نجيم في شرحه على كنـز الدقائق للإمام النسفي بعد أن ذكر الأخير كتاب النكاح بعد العبادات في كتبه مباشرة قال :” ذكره –يعني كتاب الزواج- بعد العبادات لأنه اقرب إليها حتى كان الاشتغال به أفضل من التخلي لنوافل العبادات وقدمه على الجهاد لاشتماله على المصالح الدينية والدنيوية، فالزواج عبادة وقربة إلى الله عز وجل وهو نصف الدين وبه تحصل المنافع الدنيوية والدينية”[11].

إن الزواج في المفهوم الشرعي والتوجه العام الشرعي سنة الأنبياء على مر العصور وما من شريعة إلا رغّبت به وحثّت عليه، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم:” النكاح من سنتي  فمن لم يعمل بسنتي فليس منى وتزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم، ومن كان ذا طول فلينكح، ومن لم يجد فعليه بالصيام فإن الصوم له وجاء.”[12] وهو أمر مرغوب محبوب مطلوب عند الناس، ويعتبر كل فرد في المجتمع أن المحطة الأهم في حياته هي محطة الزواج وتكوين الأسرة  لما يترتب عليه من فوائد عظيمة جدا.

 

الحُكم الفقهي للزواج

هذا المبحث في غاية الأهمية لأنه مبحث في الجانب التطبيقي للزواج حيث يُحقق في مواصفات الشخص الراغب في الزواج أو العازف عنه ويعطيه الوصف الفقهي المناسب له ويوضح الحكم الشرعي المناسب في حكم الزواج بعد تشخيص الشخصية الراغبة فيه أو العازفة عنه، يقول استاذنا د.علي السرطاوي:” تتميز المشروعية الإسلامية عن القانون الوضعي في أنها لا تكتفي بمعيار الصحة والبطلان للحكم على التصرفات، بل نجدها تنقل حكم التصرف من الإباحة إلى الندب ثم الوجوب، ومن الإباحة إلى الكراهة والتحريم.”[13]

وهذا يؤكد أن الأحكام الشرعية وسائل لغايات ولا يتم التحقق من الحكم الشرعي المرتبط بغاية ومقصد وهدف يحقق المقصود منه ابتداء إلا بعد النظر والتدقيق في تصرفات المكلفين وإعطاء التصرف المعين الحكم المعين والمناسب له، وهذا كله يكون عند إنزال أحكام الشريعة على تصرفات المكلفين وواقع حياتهم، من هنا أنشأت الشريعة الإسلامية نوعا من أنواع النظر والتمحيص والتشخيص والاجتهاد عند تطبيق الأحكام على تصرفات المكلفين حيث يضمن تحقيق المصلحة الشرعية والمقصود الشرعي من تشريع الأحكام وهذا النوع من أنواع الاجتهاد التطبيقي هو ما يسمى تحقيق المناط الخاص.

فالمشهور عند الناس أن حكم الزواج في الشريعة الإسلامية مستحب ومندوب، وهذا هو التيار السائد والتوجه العام للشريعة الإسلامية في حكم الزواج فهي تحث عليه وتؤيده وتشجعه لما يترتب عليه من آثار وفوائد دينية ودنيوية عظيمة، الا أن المقْدِم على الزواج والعازف عنه تعتريه بعض الأوصاف والظروف بحيث يصبح الزواج في حقه واجبا أو يصبح الزواج في حقه محرما حسب الأوصاف والظروف التي تعتريه أو تحيط به، ففي مثل هذه الحالات ينتقل الحكم الشرعي للزواج  من الاستحباب إلى الوجوب أو من الاستحباب إلى التحريم أو من الاستحباب إلى الكراهة، قال الدسوقي في سياق حديثه عن النكاح وما يتعلق به من أحكام قال:” وهو باب مهم ينبغي مزيد الاعتناء به وتعتريه الأحكام الخمسة لان الشخص إما أن يكون له رغبة فيه أو لا، فالراغب وان خشي على نفسه الزنا وجب عليه وان أدى إلى الإنفاق عليه من حرام، وان لم يخشه نُدِب له إلا أن يؤدي إلى حرام فيحرم، وغير الراغب إن أداه إلى قطع كره وإلا أبيح إلا أن يرجو نسلا أو ينوي خيرا من نفقة على فقيرة أو صون لها فيندب ما لم يؤد إلى محرم وإلا حرم، والأصل في النكاح الندب.”[14]

وقال ابن رشد:” فأما النكاح فقال قوم: هو مندوب إليه وهم الجمهور، وقال أهل الظاهر: هو واجب، وقالت المتأخرة من المالكية: هو في حق بعض الناس واجب، وفي حق بعضهم مندوب إليه، وفي حق بعضهم مباح وذلك يحسب ما يخاف على نفسه من العنت ……وهو التفات إلى المصلحة.”[15]

فالأصل في حكم الزواج كما ذكر الدسوقي هو الندب، وان تحقيق المقاصد والغايات وعدم تحقيقها من وراء الزواج له الأثر البالغ في تكييف حكمه، وان الحالات والأوصاف التي تصاحب طالب الزواج لها أيضا الأثر في تحديد حكم الزواج، والناظر في أقوال الفقهاء  يدرك هذا، فقد يكون الزواج في حق شخص مثلا فرضاً وواجباً وذلك إذا غلب على ظنه الوقوع في الفاحشة والانحراف عن الجادة وخاصة إذا كان قادراً على القيام بمتطلبات الزواج كتوفير النفقات وتحمل المسؤوليات وغيرها فمثل هذا يجب عليه الزواج ولا ينتظر حتى يقع في الفاحشة، وإذا كان شخص راغبا في الزواج، وتزوج امرأة ليظلمها بأن ينتقم منها أو من أهلها وتزوجها لأهانتها وظلمها فهذا في حقه الزواج محرم ولا ينبغي له ان يقدم عليه كونه كان وسيلة لظلم الزوجة.

ان تثقيف الناس على هذه الأحكام أمر هام جدا وينبغي الاهتمام به بمزيد من العناية، وان بيان هذه الأحكام إلى جانب تشجيع الناس على الزواج سيساعد في ضبط واستمرار الحياة الزوجية وسيخفف من مظاهر الظلم الأسري أو النزعات داخل الأسرة، وسيحد ويخفف من نسبة الطلاق في المجتمعات الإسلامية، فكم من زواج تمّ دون أن يتوفر أدنى المواصفات المطلوبة في الزوج أو الزوجة، ولا أتحدث هنا عن صحة عقد الزواج أو بطلانه أو فساده من الناحية الفقهية ، إنما أتحدث عن المواصفات التي تكون في الزوجين، فما الداعي مثلا أن يزوج الرجل ابنته أو تتزوج المراة رجلا تعلم انه سيظلمها وان الحياة معه لا تستمر كثيرا، وأنها ستعاني في ظل الحياة الزوجية وان الحياة الزوجية ستقف يوما ما، ويعتذر كثير من الناس بما يسمونه القسمة والنصيب، وهذا خطا كبير في الفهم، فالشريعة الإسلامية دعت إلى الزواج ورغبت فيه وحثت عليه وهذا توجهها العام إلى جانب ذلك فقد حرّمته أحيانا، بل ان الشريعة الإسلامية أرشدت إلى مواصفات هامة جدا كالدين والكفاءة والخلق والمسؤولية والأمانة وقدرة الإنفاق وعدم الظلم ودعت إلى العدل والإحسان والمعاشرة بالمعروف ، مما تعين هذه المواصفات والإرشادات على استمرار الحياة الزوجية بشكل صحيح سليم . واليك مثالا واقعا على الزواج المحرم حيث استشارني احد الآباء في تزويج ابنته لرجل اعرفه جيدا، والمستشار مؤتمن وخاصة في الزواج، فقلت له حسب معرفتي بالرجل انه رجل ظالم لا يتق الله عز وجل ولا يبالي، أنصحك أن لا تزوج ابنتك له بل قد تقع في الإثم من وراء هذا الزواج، وبعد مدة زمنية قصيرة سمعت أن بنت الرجل الذي استشارني زُفّت إلى ذلك الشخص ولم يأخذ بنصيحتي، وبعد شهرين من الزواج انتقلت البنت لتعيش في بيت أبيها بعدما طردها زوجها وضربها وأهانها وما مضت ستة أشهر ألا وطلقها زوجها وهي حامل ، وعندما التقيت به أخبرته لماذا لم يلتزم بنصيحتي قال الكلمة المشهورة كل شيء قسمة ونصيب.

لذا ينبغي على الفقهاء والدعاة والمربين أن يلفتوا انتباه الناس ويعملوا على توعيتهم أن الزواج قد تعتريه بعض الأوصاف فتصرفه من الندب إلى التحريم أو تصرفه من الندب إلى الوجوب أو تصرفه من الندب إلى الكراهة، وكما مرّ من قول الدسوقي إن هذا باب مهم ينبغي مزيد العناية به لما في ذلك من فوائد عظيمة على استمرار الحياة الزوجية بشكل سليم وتخفيف نسبة المخالفات الشرعية .

تعريف عقد الزواج

اعتاد الفقهاء في كتبهم أن يعرفوا العقود الشرعية قبل أن يخوضوا في مسائلها، وعقد الزواج أو النكاح في تعريفات الفقهاء لم يأخذ حظه الوافر وحقه الكامل في التعريف، حيث أن تعريفات الفقهاء قديما تدور حول معاني متقاربة جدا فقد عرفه البهوتي بقوله:” النكاح شرعا عقد يعتبر فيه لفظ إنكاح أو تزويج في الجملة والمعقود عليه منفعة الاستمتاع.”[16]

وعرفه الرملي بقوله:” النكاح شرعا عقد يتضمن إباحة وطء بلفظ الانكاح والتزويج.”[17]

وقال النسفي:” عقد يرد على ملك المتعة قصدا.”[18] وعرفه الأنصاري:” عقد يتضمن إباحة وطء بلفظ انكاح أو نحوه.”[19]

هذه بعض تعريفات عقد الزواج على سبيل المثال لا الحصر، وان الناظر في كتب الفقهاء والمراجع ل تعريف عقد الزواج يخرج بنتيجة ان التعريفات في غالبها متقاربة المعنى وان اختلفت في انتقاء العبارة، ومعاني هذه التعريفات تدور في فلك واحد تقريبا مضمونه بان عقد الزواج يتم بين عاقدين بلفظ مخصوص وان المحل المعقود عليه محدد بالاستمتاع وامتلاك منفعة الاستمتاع بالمرأة أو بالبضع كما يسميها بعض الفقهاء، وقد ابرز الفقهاء قديما قضية حق الاستمتاع الجنسي في الغالب للرجل عند تعريف عقد الزواج، وجعلوا الاستمتاع محورا أساسيا في تعريفاتهم الأمر الذي حيث اعتبر بعض المعاصرين أن تعريفات الفقهاء لعقد الزواج تعريفات قاصرة لا تكشف عن حقيقة عقد الزواج.

يقول الشيخ محمد أبو زهرة:” كلها تدور حول هذا المعنى وان اختلف في التعبير ، وهي تؤدي في جملتها إلى أن موضوع عقد الزواج امتلاك المتعة على الوجه المشروع والى أن الغرض منه في عرف الناس والشرع هو جعل هذه المتعة حلالا، ولا شك أن ذلك من أغراضه، بل هو أوضح إغراضه عند الناس عامة، ولكن ليست هي كل أغراضه ولا أسمى أغراضه في نظر الشارع الإسلامي ….. وإذا كانت تعريفات الفقهاء لا تكشف عن المقصود من هذا العقد في نظر الشارع الإسلامي فانه يجب تعريفه بتعريف كاشف عن حقيقته والمقصود منه عند الشارع الإسلامي، ولعل التعريف الموضح لذلك أن نقول: انه عقد يفيد حل العشرة بين الرجل والمرأة وتعاونهما، ويحدد ما لكليهما من حقوق وما عليه من واجبات.”[20]

ويقول السرخسي:” ليس المقصود بهذا العقد قضاء الشهوة وإنما المقصود ما بيناه من أسباب المصلحة، ولكن الله تعالى علق به قضاء الشهوة أيضا، ليرغب فيه المطيع والعاصي  المطيع للمعاني الدينية والعاصي لقضاء الشهوة، بمنزلة الإمارة ففيها قضاء شهوة الجاه، والنفوس ترغب فيها لهذا المعنى أكثر من الرغبة في النكاح، حتى تطلب ببذل النفوس وجر العساكر، لكن ليس المقصود بها في الشرع قضاء شهوة الجاه، بل المقصود إظهار الحق والعدل ولكن الله تعالى قرن به معنى شهوة الجاه ليرغب فيه المطيع والعاصي، فيكون الكل تحت طاعته والانقياد لأمره، مع أن منفعة العبادة على العابد مقصورة ومنفعة النكاح لا تقتصر على الناكح بل تتعدى إلى غيره.”[21]

إذن حصر تعريف عقد الزواج في انه امتلاك المتعة أو حل المتعة أو منفعة المتعة أو حق التمتع أو إباحة المتعة أو ملك البضع أو ما يُنتقى من مرادفات لهذه الكلمات لا يعبر عن حقيقة عقد الزواج، وفي نفس الوقت هنالك فارق كبير بين تعريف العقد وبين الآثار والأحكام المترتبة عليه، فعندما يعرف الفقهاء العقود فأنهم يعرفونها مباشرة دون التطرق إلى أحكامها الأخرى أو آثارها، فأحكام العقود وآثارها تختلف كليا عن تعريفها، ففارق بين تعريف العقد وبين بيان أحكامه، وما نلاحظه في تعريف أبو زهرة انه تناول أحكام الزواج وآثاره ولم يتناول حقيقة تعريف العقد حيث أن ما ذكره من تعريف تناوله بعض الفقهاء في كتبهم تحت بيان أحكام الزواج.

قال الكساني:” أما النكاح الصحيح فله أحكام بعضها أصلي وبعضها من التوابع، أما الأصلية منها حل الوطء لا في حيض والنفاس والإحرام، و منها حل النظر واللمس، ومنها ملك المتعة، ومنها ملك الحبس، ومنها وجوب المهر، ومنها ثبوت النسب، ومنها وجوب النفقة والسكنى، ومنها حرمة المصاهرة، ومنها الإرث من الجانبين، ومنها ولاية التأديب بالمعروف.”[22]

وقال ابن نجيم:” وحكم الزواج حل استمتاع كل منهما بالآخر على الوجه المأذون فيه شرعا، وحرمة المصاهرة وملك كل واحد منهما بعض الأشياء على الآخر.”[23]

والملاحظ أن تعريف عقد الزواج عند الفقهاء القدامى يختلف عن أحكامه وآثاره، فهم يميزون بين تعريف العقد وبين بيان أحكامه، ومن ناحية أخرى جاء تعريفهم على نحو كاد أن يفهم منه أن عقد الزواج محصور في إباحة المعاشرة الجنسية للزوج حيث له أن يمتلك زوجته وان يستمتع بها على الوجه المشروع.

والفقهاء القدامى حسب تصوري أكثر دقة واجل فهما عند بيان تعريف الشيء وبيان أحكامه، إلا أن بعضهم اخفق في تعريف عقد الزواج تعريفا مانعا جامعا يعبر عن حقيقة هذا العقد ويكشف عن طبيعته، أما بعض المعاصرين  أمثال أبو زهرة فقد تناول في تعريفه لعقد الزواج أحكام الزواج وآثاره فالحقوق والواجبات والتعاون وإيجاد نسل هذه مقاصد وأحكام وآثار الزواج وليست تعريفا لعقد الزواج. فعقد الزواج مشروع شراكة بين رجل وامرأة، له قدسية مخصوصة، الأصل فيه انه على التأبيد ولا يقطع إلا لعارض، ينشأ عنه حل استمتاع الرجل بالمرأة واستمتاع المرأة بالرجل، وينشا عنه إيجاد وثبوت نسب وتوارث ونفقة وطاعة وسكنى ومعاشرة بالمعروف، وكافة الحقوق والواجبات الأخرى لكلا الزوجين حيث أن كل حق يقابله واجب.

أركان عقد الزواج

بعد تعريف عقد الزواج لا بد من بيان أركانه لان أهم ما في الشيء أركانه، قال ابن أمير الحاج:” الركن معناه ما يقوم به الشيء، فركن الشيء ما يقوم به ذلك الشيء، وكذلك ركن الشيء ما يقوم به أصله، والشيء لا يوجد بدون ركنه.”[24] وعلى هذا فركن الشيء ما كان جزءا أساسيا منه، ولا يتحقق هذا الشيء إلا به، فالأركان هي مكونات الشيء حقيقة،كالجدران للغرفة فبانتفاء الجدران تنتفي الغرفة وبوجود الجدران توجد الغرفة، وكالركوع بالنسبة للصلاة ولا توجد الصلاة بلا ركوع، والزواج من العقود التي تقوم على أركان تحقق ماهيته وبدونها لا يتحقق وجود زواج تماما كالجدران إن انتفت تنتفي الغرفة، والحق أن البحث في أركان الزواج يختلف كليا عن البحث في أي أركان أخرى غير الزواج، كأركان عقود المعاملات أو أركان العبادات مثل الصلاة وغيرها، لان الآثار المترتبة على عقد الزواج لا يضاهيها أي شيء، فبطلان الصلاة لعدم الركوع ليس كبطلان الزواج لعدم توفر ركن فيه من حيث ما يترتب عليه من آثار، ونذكر هنا بعض أقوال أهل العلم في تحديد أركان الزواج، وهذه الأقوال نأتي بها على سبيل المثال لا الحصر، ومن خلال ذلك سنرى اختلاف الفقهاء في تحديد وحصر أركان عقد الزواج، قال ابن مفلح:” لا ينعقد النكاح إلا بإيجاب وقبول بلفظ زوجت أو أنكحت وتزوجتها، أو قبلت هذا النكاح أو رضيته ولو هازلا وتلجئة.”[25]

وقال الحجاوي:” وأركان النكاح، الزوجان الخاليان من الموانع، والإيجاب والقبول، ولا يصح ممن يحسن العربية بغير لفظ زوجت أو أنكحت، وقبلت هذا النكاح أو تزوجتها أو تزوجت أو قبلت، ومن جهلها لم يلزمه تعلمها وكفاه معناها الخاص بكل لسان، فان تقدم القبول لم يصح وان تأخر عن الإيجاب صح ما داما في المجلس ولم يتشاغلا بما يقطعه وان تفرقا قبله بطل.”[26]

وقال البهوتي:” وأركان النكاح ثلاثة، احدهما الزوجان الخاليان من الموانع الآتية في باب محرمات النكاح، والثاني الإيجاب، والثالث القبول، لان ماهية النكاح مركبة منهما ومتوقفة عليهما.”[27]

نلاحظ من أقوال هؤلاء العلماء أن أركان عقد الزواج والتي تعبر عن ماهيته ومتوقف عليها وجوده والتي لا يتم ولا ينشأ ولا يتأسس إلا بها هذه الأركان الإيجاب والقبول والعاقدان، أو بمعنى الصيغة والعاقدان، وبما أن كل عقد يلزمه عاقدان ووجود العاقدين فيه ضرورة لعقده وبما انه من لوازم الصيغة توفر من ينطق بها وبما أن الصيغة مكونة من إيجاب وقبول، يمكن أن نلخص تحديد أركان عقد الزواج عند هؤلاء بالصيغة، فالإيجاب والقبول أو الصيغة هي ركن الزواج عند هؤلاء العلماء، والمعروف أن هذا التيار الذي يعتبر الصيغة هي ركن الزواج هم الحنفية، حيث تلخص عندهم بعد البحث والتمحيص والاعتماد على الدليل أن الصيغة هي ركن الزواج.

أما عن شروط الصيغة والشروط التي يجب أن تتوفر في العاقدين فهذا كله منثور في كتب الفقه القديمة والمعاصرة، وفي بحثنا هذا نكتفي الإشارة إلى الأركان دون الخوض في كافة المسائل المتفرعة عنها والشروط التي يجب أن تتوفر فيها.

وقد رأى بعض أهل العلم أن القول بان الصيغة وحدها هي ركن الزواج غير صحيح، بل هنالك أركان أخرى إلى جانبها، وخلصوا إلى هذه النتيجة بعد الدراسة والتمحيص والاعتماد على الدليل، ونأتي ببعض أقوال أهل العلم على سبيل المثال لا الحصر.

قال الشربيني:” أركان النكاح خمسة: صيغة، وزوجة وزوج، وولي، وهما العاقدان وشاهدان.”[28]

وقال النووي:” أركان النكاح أربعة: الركن الأول: الصيغة، إيجابا وقبولا، والركن الثاني: المنكوحة ويشترط خلوها من موانع النكاح، والركن الثالث: الشهادة فلا ينعقد النكاح ألا بحضرة رجلين مسلمين مكلفين، والركن الرابع: العاقدان وهما: الموجب والقابل، فالقابل هو الزوج ومن ينوب عنه، والموجب هو الولي أو وكيله ولا تصح عبارة المرأة في النكاح إيجابا وقبولا.”[29]

وقال الأنصاري:” أركان[30] النكاح خمسة: زوج وزوجة وولي وشاهدان وصيغة.”

ونلاحظ أن هذا التيار يرى أن أركان الزواج تتعدى الصيغة، حيث إلى جانب الصيغة هنالك الولي وهنالك الشهود، فالولي والشاهدان هما ركنان أيضا إلى جانب الصيغة، ولاحظنا قول النووي أن المرأة غير قادرة على إبرام عقد الزواج لوحدها بدون ولي، فعبارتها لا تصح في الزواج إيجابا وقبولا، وعبارة وليها أو من ينوب عنه هي العبارة الصحيحة والمقبولة لإنشاء عقد زواج صحيح من وجهة نظر النووي وغيره.

إن هذا التيار أو هذا التوجه يمثله جمهور العلماء، فهم لا يكتفون بالصيغة على أنها ركن الزواج، فالزواج عندهم إذا تم بدون شهود أو بدون ولي يعتبر هذا الزواج فاقدا لركن من أركانه، وإذا فقد الزواج ركنا من أركانه فهو زواج باطل.

وهنا يجدر الإشارة إلى أن الحنفية حينما اعتمدوا الصيغة، وعبروا عنها بانها هي ركن الزواج الوحيد، فهذا لا يعني أن الزواج عندهم بلا شهود مثلا زواج مقبول وصحيح، بل هو زواج فاسد واجب الفسخ على الفور، إلا أنهم اختاروا لهذا الزواج أن يكون زواجا فاسدا لا باطلا، لأنه فقد شرطا ولم يفقد ركنا وسنبين لاحقا عند الحديث عن الزواج الفاسد أسباب هذه التسمية وما يترتب عليها من آثار.

والخلاصة أن هنالك في الفقه الإسلامي أراء متعددة حول تحديد أركان الزواج فالبعض حصرها في الصيغة وهم الحنفية، والبعض الآخر زاد على الصيغة الشاهدان والولي والزوجة وهم الجمهور، وقد لاحظت أيضا أثناء بحثي أن هنالك أقوالا أخرى في تحديد أركان الزواج، اكتفيت بالإشارة إلى الآراء المشهورة والمعتمدة والمعمول بها في المحاكم الشرعية في العالم الإسلامي.

شروط عقد الزواج

الشرط عند الأصوليين يختلف عن الركن، وقد عرفوه بتعريفات عدة نذكر منها على سبيل المثال ما ذكره السرخسي حيث قال:” الشرط اسم لما يضاف الحكم إليه وجودا عنده لا وجوبا به.”[31] فالصحة والإقامة مثلا شرط في وجوب الصيام في شهر رمضان، فالصحيح المقيم البالغ المكلف إذا شهد الشهر لزمه الصوم، لكن البالغ العاقل المكلف الصحيح المقيم لا يجب عليه الصوم في غير رمضان. وعقد الزواج له شروط مثل بقية العقود، إلا أن شروط عقد الزواج عند الفقهاء ليست كلها بنفس درجة التأثير في العقد، مما استدعى بعض الفقهاء إلى تقسيمها إلى أنواع مختلفة، كل نوع له نسبة تأثير مختلفة عن الآخر في عقد الزواج.

يقول الشيخ محمد أبو زهرة:” تنقسم شروط الزواج إلى ثلاثة أقسام، شروط صحة، وشروط نفاذ، وشروط لزوم، أما شروط الصحة، فهي الشروط التي لا يعتبر العقد بغيرها موجودا وجودا يحترمه الشارع، وتثبت فيه الأحكام التي ناطها بالعقد، وشروط النفاذ هي الشروط التي لا تنفذ أحكام العقد على كل عاقديه بغير وجودها، ويستمر العقد موقوفا إذا لم تتوفر هذه الشروط حتى تكون الإجازة فيكون النفاذ، وشروط اللزوم هي الشروط التي لا يلزم العقد كلا طرفيه إلا بوجودها وبغيرها يكون لأحد العاقدين أن يفسخ العقد.”[32]

هذه ثلاثة أنواع للشروط المتعلقة بعقد الزواج، نوع إذا لم يتوفر في عقد الزواج فلا يعتبر العقد موجودا بدونها ، فوجود صحة العقد يعتمد عليها وتسمى شروط الصحة، ونوع آخر يمكن للعقد أن يكون موجودا بدونها إلا انه لا تنفذ أحكامه، بل يبقى العقد معلقا وموقوفا إلى حين توفرها وتسمى شروط نفاذ، ونوع لا يلزم العقد كلا طرفيه ولا يكون لازما إلا إذا توفرت، وبغيرها يكون لأحد طرفي العقد حق الفسخ وتسمى شروط اللزوم.

وسنلقي الضوء على كل نوع من أنواع هذه الشروط لما في ذلك من حاجة ماسة إلى معرفتها في بحثنا هذا.

الفرع الأول: شروط صحة العقد

تعتبر شروط صحة العقد الأكثر نسبة في التأثير على عقد الزواج، بل إن عقد الزواج يتوقف على وجودها، حيث أن بوجودها يصح العقد وبعدمها يكون حكم العقد غير صحيح ويسمى باطلا أو فاسدا على اختلاف المذاهب الفقهية في تكييفه الفقهي.

يقول العمروسي في بيان شروط صحة الزواج:” هي شروط صحة يجب أن تتوفر في الصيغة بحيث تكون الصيغة على التأبيد، وان تكون بحضور شاهدين، وشروط صحة يجب أن تتوفر في الزوجين بحيث لا يكون بينهما سبب من أسباب التحريم المؤبدة أو المؤقتة، وكذلك كفاءة الزوج والزوجة عند تزويج فاقد الأهلية، وكفاءة الزوج للزوجة إذا زوجت البالغة العاقلة نفسها.”[33]

أما أبو زهرة فيقول:” يشترط لصحة عقد الزواج شرطان: احدهما حضور الشاهدين، وثانيهما أن المرأة محلا للعقد، بان تكون غير محرمة على الرجل مؤقتا أو مؤبدا.”[34]

إن الناظر في كتب الفقه يجد أن الفقهاء اختلفوا في تحديد شروط صحة الزواج،  واختلفوا في شرح هذه الشروط وفي تفريع المسائل عليها، كما أنهم اتفقوا أحيانا على شروط صحة كأن تكون المرأة محل العقد غير محرمة على الرجل، سواء كانت محرمة بسبب القرابة، كأصول الرجل مثل أمه أو جدته، أو فروع الرجل مثل بنته وبنت بنته، أو فروع أبوية مثل أخواته، وفروع الأجداد والجدات كالعمات والخالات، وكذلك المحرمات بسبب المصاهرة مثل زوجة أبيه وزوجة ابنه وأم زوجته وبنت زوجته بشرط الدخول بها لان العقد على البنات يحرم الأمهات والدخول بالأمهات يحرم البنات، وكذلك المحرمات بسبب الرضاع فتحرم عليه أمهاته من الرضاعة وابنته من الرضاعة وأخته من الرضاعة، وكذلك المحرمات على الرجل بصورة مؤقتة، كالجمع بين الأختين أو زواج الخامسة وهذا كله على سبيل المثال لا الحصر.

كذلك لا بد من شاهدين عند من قال إن الشهادة شرط صحة وليست ركناً في الزواج، ولا بد أن تكون الصيغة على التأبيد، صيغة تفيد الاستمرارية لا أن تكون صيغة موضوعة على التأقيت أو محددة بزمن معين كان يقول تزوجتك لشهر أو تزوجتك حتى انهي دراستي، فهذه صيغة باطلة لا يقوم بها عقد زواج، ولا يستمر معها عقد زواج.

هذا وان هذه المسائل والتفريعات عليها واختلاف الفقهاء في التكييف الفقهي النهائي لها منثور في كتب الفقه، وأكتفي بتسليط الضوء عليها.

الفرع الثاني: شروط نفاذ عقد الزواج

بعد أن انتهيت من تسليط الضوء على شروط الصحة، والتي لاحظت مدى أهميتها ومدى أثرها في عقد الزواج نسلط الضوء على شروط النفاذ.

قال الشيخ محمد أبو زهرة:” يشترط لنفاذ العقد أن يكون الذي تولى إنشاءه له ولاية إنشائية، فإذا كان الذي تولى عقد الزواج كامل الأهلية، وعقد لنفسه فعقده صحيح نافذ، وكذلك إذا  عقد لمن هو في ولايته، أو من وكله في إنشاء العقد، ففي هذه الأحوال كانت له ولاية الإنشاء بالأصالة بالأولى، وبالولاية الشرعية في الثانية وبالوكالة في الثالثة.”[35]

والملاحظ أن مجال شروط النفاذ ليس في وجود العقد أو عدمه إنما في نفاذه أو عدم نفاذه، فمثلا لا بد أن يكون العاقد بالغا حرا كامل الأهلية، بحيث يتمكن أن يعقد لنفسه ويمكن أن يعقد لمن هو في ولايته ويعتبر في الولاية الولي الأقرب لا الأبعد. ثم إن من شروط نفاذ العقد أن يكون الذي تولى إنشاءه له ولاية إنشائية، فالشخص الفضولي ليس له الحق في إنشاء عقد الزواج وتصرفه موقوف على إجازة الولي عند الحنفية والمالكية.

والمرأة ليس لها أن تزوج نفسها بنفسها، وان العقد لا ينشأ بعبارة النساء، والولي هو الذي يتولى مباشرة العقد وهذا عند جمهور العلماء، أما عند الحنفية فالمرأة البالغة العاقلة لها كامل الولاية في شان زواجها، كما أن عبارتها صالحة لإنشاء عقد الزواج د ، ولوليها خيار المطالبة بفسخ العقد إذا ثبت أن زوجها لا يمتلك المواصفات الشرعية  لزواج أمثالها كالكفاءة مثلا، وإلا فليس للولي أي سلطة إجبارية لإنشاء عقد الزواج بدل المرأة عند الحنفية.

والحقيقة أن هذه المسالة لها الأثر البالغ في اختلاف الفقهاء المعاصرين حول مشروعية بعض أنواع الزواج المعاصرة كما سيأتي معنا لاحقا.

الفرع الثالث: شروط لزوم عقد الزواج

انتهيت من شروط الصحة وشروط النفاذ ولاحظت أن شروط الصحة أقوى أثرا في عقد الزواج من شروط النفاذ، فشروط الصحة تؤثر في العقد بحيث يكون أو لا يكون، أما شروط النفاذ فالعقد موجود إلا أنها تؤثر فيه بحيث ينفذ أو لا ينفذ، بمعنى أن ينفذ العقد أو أن يكون موقوفا، أما شروط اللزوم فأثرها في العقد من حيث لزومه للإطراف أو عدم لزومه، مع أن الأصل في عقد الزواج انه لازم لعاقديه ليس لأحدهما حق فسخه، ولكي يكون كذلك يجب أن تتوفر فيه شروط تلزم طرفيه يقول الشيخ محمد أبو زهرة:”  عقد الزواج عقد لازم في أصل حقيقته، ليس لأحد أن ينفرد بفسخه…والحنفية قالوا إن شروط لزومه أن يكون الذي تولى تزويج فاقد الأهلية من مجنون أو صغير هو الأب أو الجد أو الابن، وان لا يقل المهر عن مهر المثل إذا زوجت البالغة نفسها من غير إشراك وليها، وان لا تزوج البالغة العاقلة نفسها من غير كفء، وان لا يكون بالزوج عيب لا يتأتى معه الغرض المقصود من الزواج، أو تتضرر به الزوجة، ولا يتأتى معه حسن المعاشرة فإذا اتصف الزوج بعيب منها كان الزواج غير لازم وكان للزوجة الحق في رفع الأمر إلى القضاء.”[36]

وقد يختلف الفقهاء في شروط اللزوم وقد يختلف الفقهاء في بيان أنواع الشروط، وقد يختلف الفقهاء أيضا في المسائل المتفرعة على الشروط، وهذا كله منثور في كتب الفقه.

لاحظنا أن شروط اللزوم قد تتراخى عن العقد، فلو تزوجت امرأة بلا مهر، فعقد الزواج قائم نافذ صحيح وكل ما في الأمر أن يقضى لها بمهر المثل لان المهر من لوازم العقد، ولا يُهدم العقد لعدم ذكر المهر أو تسميته بل العقد نافذ صحيح لا يهدم لعدم تسمية المهر.

والخلاصة أنني حاولت بيان أنواع هذه الشروط ونسبة تأثيرها في العقد لما في ذلك أهمية كبيرة جدا في الفصول القادمة إن شاء الله ، مع الإشارة إلى أن الفقهاء قد اختلفوا في تحديد هذه الشروط وتكيفيها وتصنيفها واختلفوا في المسائل المتفرعة عليها وكل ذلك له الأثر الكبير في الآثار المترتبة على عقد الزواج وما ينشا عنه من تبعات .

الزواج الصحيح والباطل والفاسد

انتهيت فيما سبق من بيان أركان عقد الزواج ، وانتهيت من الإشارة إلى شروط عقد الزواج، وفي هذا المبحث سأتناول أقسام الزواج من حيث صحة العقد وبطلانه أو فساده، فالزواج الصحيح له أحكامه وترتب عليه آثاره وكذلك الزواج الباطل والفاسد له أحكامه الخاصة به .

الصحيح في تعريف الأصوليين معناه كما قال إمام الحرمين الجويني :” الصحيح ما يتعلق به النفوذ ويعتد به.”[37] ومعنى النفوذ في التعريف أي البلوغ إلى المقصود، فإذا أجرى المكلف عقد بيع صحيح كان له أن ينتفع في الشيء الذي اشتراه، وكذلك من أجرى عقد زواج صحيح حلَّ له الاستمتاع بالزوجة وحلّ للزوجة الاستماع بزوجها، فحل الاستمتاع بعد إجراء عقد الزواج الصحيح، وحل امتلاك الشيء والانتفاع به بعد إجراء عقد البيع مثلا هذه الحِلّية هي اثر من آثار الصحة، فلو جرى عقد زواج بين اثنين وفقد هذا العقد ركنا من أركانه أو شرطا من شروط صحته لم يكن هذا العقد صحيحا، ولعدم صحة العقد تنعدم الآثار الشرعية المترتبة على العقد الصحيح فلا يحل الاستمتاع مثلا، من هنا تنبع أهمية صحة العقد وذلك لأهمية الحكم على آثاره وتبعاته لان  الصحة والبطلان لهما اثر كبير فيما ينشأ عن العقود من آثار.

يقول د. محمود السرطاوي في تعريفه لعقد الزواج الصحيح :” هو كل عقد استوفى المقومات والشرائط الشرعية المتممة له، ويترتب على هذا العقد جميع آثار عقد الزواج من حل استمتاع كل منهما بالآخر ومهر ونفقة ونسب وتوارث وحرمة مصاهرة.”[38]

هذا هو العقد الصحيح الذي من مواصفاته أن تتوفر فيه أركانه وشروطه المتممة له، فهذه الصحة تعطي وتضفي الصفة الشرعية للاستفادة من كافة الآثار والأغراض الموضوعة ابتداء لعقد الزواج الصحيح والتي جعلها الله سبحانه وتعالى ثمرة من ثمراته وتبعة من تبعاته،  فللزوج أن يتمتع بزوجته، وللزوجة أن تتمتع بزوجها، وللزوج أن يرث زوجته وللزوجة أن ترث زوجها، وللزوج على زوجته حق الاحتباس له وللزوجة على زوجها حق الإنفاق عليها مقابل الاحتباس له، وهكذا دواليك في كافة الآثار المترتبة على العقد الصحيح.

إن إبرام عقد زواج صحيح يستوفي جميع مقوماته ويستوفي كافة الشرائط الشرعية المتممة له، هو من تمام النعمة على المسلم والمسلمة وخاصة بعدما عرفنا أن الصحة لها الأثر البالغ من حيث الاعتداد بالعقد والاستفادة والانتفاع على وجه مشروع من كافة الفوائد المتعلقة بعقد الزواج.

أما الزواج الباطل كما عرفه د. محمود السرطاوي:” هو كل عقد فقد احد مقومات العقد الصحيح أو شرطا من شرائط هذه المقومات.”[39] وأمثلة ذلك إذا تزوجت المسلمة بغير المسلم، أو إذا تزوج المسلم بامرأة غير كتابية، أو إذا تزوج الرجل امرأة دون حضور شاهدين وولي فهذا زواج باطل عند الجمهور لأنه فقد بعض أركانه كما مر معنا، أو إذا فقد الزواج إحدى مقوماته كأن يكون الزواج على التأقيت أي محدد بمدة زمنية فهذا أيضا باطل عند الجمهور لان من شروط صحة عقد الزواج أن يكون على التأبيد لا على التأقيت.

والملاحظ أن بطلان عقد الزواج يعني بطلان آثاره وعدم التمكن من الاستفادة منها فلا استمتاع ولا توارث ولا نسب ولا نفقة ولا احتباس ولا أي حقوق من الحقوق الأخرى.

أما الزواج الفاسد وهذه التسمية عند الحنفية ، حيث يختلف جمهور العلماء مع الحنفية في هذه التسمية،، بحيث عند الجمهور إما أن يكون الزواج صحيحا، أو يكون باطلا لا غير، والحنفية أضافوا تسمية للزواج وهي الزواج الفاسد، فهم يفرقون بين الزواج الفاسد والزواج الباطل بعد الدخول أي بعد أن تزف العروس إلى بيت الزوجية ، أما قبل الدخول فلا فرق عندهم بين الزواج الفاسد والزواج الباطل، والفرق بين الزواج الفاسد والزواج الباطل عند الحنفية في بعض الآثار المترتبة على عقد الزواج إذا وقع فاسدا، ولا يعني هذا أن عقد الزواج الفاسد عند الحنفية يستمر قائما بل يجب فسخه في الحال، فإذا وقع دخول في الزواج الفاسد فانه يترتب على هذا الدخول بالرغم من عدم مشروعيته بعض آثار عقد الزواج الصحيح، كالنسب ووجوب المهر والعدة وحرمة المصاهرة ولا تلزم النفقة ولا الميراث، ويكون الزواج فاسدا عند الحنفية في حالات معينة مثل عقد الزواج بلا شهود، وعقد الزواج بالإكراه، أو إذا كان احد الزوجين غير حائز على شروط الأهلية حين العقد، أو زواج الرجل من خامسة وفي عصمته أربع نساء، أو زواج الرجل من مطلقته البائن بينونة كبرى قبل أن تتزوج من آخر، أو إذا عقد الزواج على إحدى المرأتين الممنوع الجمع بينهما، بسبب حرمة النسب أو الرضاع، أو إذا كان الزواج متعة، أو إذا كان الزواج مؤقتا، فهذه كلها زيجات فاسدة وليست باطلة عند الحنفية. ومنشأ الخلاف بين الجمهور وبين الحنفية هو في تكييف مقومات عقد الزواج، فالشاهدان مثلا عند الحنفية شرط صحة أما عند الجمهور فهما ركن من أركان الزواج، والزواج إذا تم بلا شهود عند الجمهور فَقَد ركنا من أركانه فهو باطل، أما عند الحنفية فإذا تم الزواج بلا شهود فهو زواج فاسد لأنه فقد شرطا من شروط صحته وليس ركنا من أركانه. وهكذا اختلفوا في التكييف الفقهي لمقومات عقد الزواج ومتمماته وأركانه وشروطه ونتج عن ذلك اختلافهم في الآثار المترتبة عليه.

تعريف الزواج السري

الزواج السري من أهم أنواع الزواج التي ينبغي أن تبحث بمزيد من الرعاية والعناية والاهتمام، وسبب ذلك أن الآثار التي تترتب على هذا الزواج آثارٌ سرية، وأهمها نسب الأولاد إلى أبيهم سراً، وقبل أن أخوض في تلك المسائل لا بد من بيان ماهية الزواج السري، ولا بد من معرفة صوره عند الفقهاء، حيث اعتادوا أن يسموا هذا الزواج في كتبهم القديمة نكاح السر.

قال الجرجاني في التعريفات:” نكاح السر أن يكون بلا تشهير.”[40]

وقال السيواسي:” نكاح السر ما يحضره شهود فإذا حضروا فقد أعلن.”[41]

وقال الشيباني:” نكاح السر إذا شهد عليه العدول قال محمد : قال أبو حنيفة: نكاح السر جائز إذا شهد عليه العدول وان استكتموا، وقال أهل المدينة: لا يجوز نكاح السر وان شهد عليه العدول إذا استكتموا ذلك.”[42]

وقال الدسوقي:” قال ابن عرفة:نكاح السر باطل والمشهور أنه ما أُمِر الشهود حين العقد بكتمه.. ونص الباجي إن اتفق الزوجان والولي على كتمه ولم يعلموا البينة بذلك فهو نكاح سر. وفي المعونة إذا تواصوا بكتمان النكاح بطل العقد خلافا للشافعي وأبي حنيفة  وذكر شيخنا العدوي ما حاصله الأولى إبقاء كلام المتن على ظاهره وان المعنى فسخ موصى بكتمه، هذا إذا كان المتواصي بكتمه الشهود والزوجة والولي بل ولو كان المتواصي بكتمه الشهود فقط، دون الزوجة والولي، والذي يوصى بكتمه هو الزوج فقط أو هو مع الزوجة، فالمدار على إيصاء الشهود بالكتم أوصى غيرهم أيضا أو لا، وعلى كون الموصى بالكتم هو الزوج سواء انضم لذلك غيره أم لا، فلو استكتمت الزوجة والولي الشهود دون الزوج لم يؤثر شيئا، أو اتفق الزوجان والولي على كتمه ولم يوصوا الشهود بذلك فكذلك. والحاصل أن في  نكاح السر طريقتين طريقة الباجي وهي كما لو تواصى الزوجان والولي على كتمه ولم يوصوا الشهود بذلك، ورجحها البدر القرافي، وطريقة ابن عرفة هي أن نكاح السر إذا أوصى الشهود على كتمه وأوصى غيرهم أيضا على كتمه. ولا بد أن يكون الموصى الزوج انضم له أيضا غيره كالزوجة، وكلام المصنف ممكن تمشيته على كل من الطريقتين فيحتمل أن المعنى وفسخ موصى بكتمه هذا إذا كان المتواصي بكتمه الزوجة أو الولي أو هما معا بل ولو كان المتواصي بكتمه الشهود وهي طريقة الباجي ويحتمل وفسخ موصى بكتمه هذا إذا كان المتواصي بكتمه الزوجة والولي والشهود بل ولو كان المتواصي بكتمه الشهود فقط وهي طريقة ابن عرفة.”[43]

وقال ابن قدامة:” فإن عقده بولي وشاهدين فأسروه أو تواصوا بكتمانه كره ذلك وصح النكاح، وبه يقول أبو حنيفة والشافعي وابن المنذر، وممن كره نكاح السر عمر رضي الله عنه وعروة وعبدالله بن عبيد الله بن عتبة والشعبي ونافع مولى ابن عمر، وقال أبو بكر عبد العزيز النكاح باطل لأن أحمد قال إذا تزوج بولي وشاهدين لا حتى يعلنه، وهذا مذهب مالك والحجة لهما ما تقدم في الفصل الذي قبل هذا، ولنا قوله لا نكاح إلا بولي مفهومه انعقاده بذلك وإن لم يوجد الإظهار، ولأنه عقد معاوضة فلم يشترط إظهاره كالبيع وأخبار الإعلان يراد بها الاستحباب بدليل أمره فيها بالضرب بالدف والصوت وليس ذلك بواجب فكذلك ما عطف عليه، وقول أحمد لا، نهي كراهة، فإنه قد صرح فيما حكينا عنه قبل هذا باستحباب ذلك ولأن إعلان النكاح والضرب فيه بالدف إنما يكون في الغالب بعد عقده ولو كان شرطا لاعتبر حالة العقد كسائر الشروط.”[44]

يمكن أن نخرج بنتيجة أن تعريفات الفقهاء للنكاح السري له عدة صور فإذا تم زواج بين رجل وامرأة وبحضور وليها وشاهدين عدلين فهذا نكاح سري عند بعض العلماء.

وصورة أخرى أن يعقد الزواج بين رجل وامرأة دون حضور وليها وبحضور شاهدين ثم يتواصى الجميع بالكتمان.

وصورة أخرى أن يعقد الزواج بين رجل وامرأة وبحضور وليها وبحضور شاهدين ثم يتواصى الجميع بالكتمان.

وصورة أخرى يعقد الزواج بين رجل وامرأة وبحضور وليها وبحضور شاهدين ثم يتواصى الزوج والزوجة والولي دون الشهود على الكتمان.

هذه هي بعض صور الزواج السري والتي تستدعي أن نتقل إلى المطلب القادم لنعرف أقوال العلماء في حكمها.

أقوال الفقهاء في الزواج السري

مر معنا في المطلب السابق بعض صور الزواج السري، وقد تناول أهل العلم أحكام هذه الصور.

قال ابن تيمية:” ونزاع  العلماء في ذلك على أقوال في مذهب أحمد وغيره فقيل يجب الإعلان أشهدوا أولم يشهدوا فإذا أعلنوه ولم يشهدوا تم العقد وهو مذهب مالك وأحمد في إحدى الروايات، وقيل يجب الإشهاد أعلنوه أو لم يعلنوه فمتى أشهدوا وتواصوا بكتمانه لم يبطل وهذا مذهب أبى حنيفة والشافعى وأحمد في إحدى الروايات وقيل يجب الأمران الإشهاد والإعلان وقيل يجب أحدهما أوكلاهما يذكر في مذهب أحمد،  وأما نكاح السر الذي يتواصون بكتمانه ولا يشهدون عليه أحدا فهو باطل عند عامة العلماء وهو من جنس السفاح.”[45]

وقال الشافعي:” إذا وقع النكاح ثم أمر الزوجان بكتمان النكاح والشاهدين فالنكاح جائز واكره لهما السر لئلا يرتاب بهما.”[46]

وقال الشيباني:” نكاح السر إذا شهد عليه العدول قال محمد : قال أبو حنيفة: نكاح السر جائز إذا شهد عليه العدول وان استكتموا، وقال أهل المدينة: لا يجوز نكاح السر وان شهد عليه العدول إذا استكتموا ذلك، وقال محمد: كيف يبطل هذا وقد شهدت عليه العدول، أرأيتم رجلا زوج ابنته وهي ثيب برضاها وأمرها وبالبينة العدول رجلا كفوا صالحا إلا أنهم يرضون من الصداق جميعا على أمر استحيوا أن لا يعلم به الناس فسألهم أن يكتموا ذلك أيبطل ذلك النكاح؟ أرأيتم رجلا مستخفيا من سلطان زوج ابنته بالبينة العدول واستكتم ذلك من خوف السلطان أيبطل هذا النكاح؟ أو يزوج الرجل نفسه وهو مستخف من السلطان أو من دين عليه فسألهم أن يكتموا لمكان خوفه أيبطل هذا النكاح؟ قالوا: قد جاء في هذا اثر فلا نخالفه، قيل لهم قد سمعنا ذلك وحدثنا به فقيهكم مالك بن أنس يروي أن رجلا تزوج امرأة بشهادة رجل وامرأة واحدة فأبطل ذلك عمر رضي الله عنه وقال هذا نكاح السر لا أجيزه ولو تقدمت فيه لرجمت وهذا عندنا من النكاح الذي لا يجوز لان البينة لم تتكامل فيه ولا يجوز إلا بشاهدين عدلين أو رجل وامرأتين ممن يرضى به من الشهداء فإذا كملت الشهادة التي يحل بها النكاح فذلك نكاح العلانية .”[47]

وروى مالك في الموطأ:” أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتي بنكاح لم يشهد عليه إلا رجل وامرأة، فقال: هذا نكاح السر ولا أجيزه ولو كنت تقدمت فيه لرجمت.”[48]

وقال في المدونة:” عن يونس أنه سأل ابن شهاب عن رجل نكح سرا أشهد رجلين قال: إن مسها فرق بينهما واعتدت حتى تنقضي عدتها وعوقب الشاهدان بما كتما من ذلك وللمرأة مهرها ثم إن بدا له أن ينكحها حين تنقضي عدتها نكحها نكاح علانية، قال يونس وقال ابن وهب مثله قال ابن وهب قال يونس: قال ابن شهاب: وإن لم يكن مسها فرق بينهما ولا صداق لها، ونرى أن ينكلهما الإمام بعقوبة والشاهدين بعقوبة فإنه لا يصلح نكاح السر قال ابن وهب: وسمعت يحيى بن عبد الله ابن سالم يقول مثله ابن وهب عن ابن لهيعة عن يعقوب بن إبراهيم المدني عن الضحاك بن عثمان أن أبا بكر الصديق قال لا يجوز نكاح السر حتى يعلن به ويشهد عليه. وعن ابن وهب عن شمر بن نمير الأموي عن حسين بن عبد الله عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر هو وأصحابه ببني زريق فسمعوا غناء ولعبا فقال ما هذا فقالوا نكح فلان يا رسول الله فقال كمل دينه هذا النكاح لا السفاح ولا نكاح السر حتى يسمع دف أو يرى دخان. قال حسين: وحدثني عمرو بن يحيى المازني عن جده أبي حسين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كره نكاح السر حتى يضرب بالدف. وعن ابن وهب عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أيوب بن شرحبيل مر من قبلك فليظهروا النكاح وليضربوا الدفاف فإنها تفرق بين النكاح والسفاح.”[49]

وقال ابن قدامة المقدسي:” فإن عقده بولي وشاهدين فأسروه أو تواصوا بكتمانه كره ذلك وصح النكاح، وبه يقول أبو حنيفة والشافعي وابن المنذر، وممن كره نكاح السر عمر رضي الله عنه وعروة وعبدالله بن عبيد الله بن عتبة والشعبي ونافع مولى ابن عمر، وقال أبو بكر عبد العزيز النكاح باطل لأن أحمد قال إذا تزوج بولي وشاهدين لا حتى يعلنه، وهذا مذهب مالك والحجة لهما ما تقدم في الفصل الذي قبل هذا، ولنا قوله لا نكاح إلا بولي مفهومه انعقاده بذلك وإن لم يوجد الإظهار، ولأنه عقد معاوضة فلم يشترط إظهاره كالبيع وأخبار الإعلان يراد بها الاستحباب بدليل أمره فيها بالضرب بالدف والصوت وليس ذلك بواجب فكذلك ما عطف عليه، وقول أحمد لا، نهي كراهة، فإنه قد صرح فيما حكينا عنه قبل هذا باستحباب ذلك ولأن إعلان النكاح والضرب فيه بالدف إنما يكون في الغالب بعد عقده ولو كان شرطا لاعتبر حالة العقد كسائر الشروط.”[50]

يلاحظ مما مر معنا أن بعض العلماء وهم المالكية لم يلتفتوا إلى مسألة الإشهاد في عقد الزواج قدر التفاتهم إلى مسالة الإعلان، فاعتبروا الإعلان هو الأساس في الزواج والإشهاد لا يكفي بل لا بد من الإشهار، ولا يجيزون الزواج دون الإعلان على الملأ، بل بفرقان بين الزوجين إذا تم الدخول بينهما دون إشهار وإعلان، بل في بعض أقوال مذهبهم يعاقب الزوجان والشاهدان على ذلك.

جمهور العلماء من الشافعية والحنفية ورواية عند احمد يعتبرون الإعلان حاصل بالحد الأدنى له وهو شهادة الشهود، حتى ولو تواصوا جميعاً بكتمان هذا الزواج، فلا يؤثر شيئا في صحة العقد ولا يحدث خللا فيه، أما الإعلان والإشهار على الملأ والضرب بالدف فمن الأمور المستحبة في الزواج لا من الأمور الواجبة فيه، حيث صرِفَ الأمر الوارد في النصوص الشرعية والتي تشير إلى إشهار الزواج على الناس صرِفَ الأمر من الوجوب إلى الندب لا أكثر، والزواج جائز وصحيح بدون إعلان على الناس إذا حضره شاهدان فقط.

اما إذا انعقد الزواج بين الزوجين ودون حضور الولي ولا حضور الشهود فهو زواج باطل عند عامة أهل العلم، واعتبره الحنفية زواجا فاسدا إذا جرى فيه الدخول، وكما مر في قول ابن تيمية هو من جنس السفاح، أي من جنس الزنا، لأنه يفقد أركانه عند الجمهور وهم الولي والشهود ويفقد شرط الصحة عند الحنفية وهم الشهود لذا عدوه فاسدا، فهو عقد واجب الفسخ على الفور حيث اتفقت كلمة الفقهاء على عدم قبول هذا العقد الذي تم بلا شهود ولا ولي واتفقت كلمتهم على وجوب فسخه وعدم إستمراريته مع خلاف  في بعض الآثار المترتبة عليه بعد الفسخ بين الجمهور  والحنفية إذا جرى فيه الدخول كما مر معنا سابقا.

أما ذا جرى عقد الزواج بين رجل وامرأة وبحضور شاهدين عدلين ثم تواصى الجميع على كتمانه، فهذا زواج باطل عند المالكية لعدم الإشهار وهو زواج باطل عند الشافعية لعدم حضور الولي وهو زواج جائز عند الحنفية ويتوقف جوازه على موافقة الولي فللولي حق الفسخ إذا وُجدت هنالك مسوغات وأسباب شرعية يمكن أن يطعن فيها الولي على التفصيل المذكور في فقه الحنفية. إذ لا بد أن يطلع الولي على هذا الزواج ولا بد من إعلام المرأة لوليها عن عقد هذا الزواج ولا يجوز للمرأة تفويت حق وليها في اطلاعه على زواجها، بل الواجب عليها أن تعلم وليها بذلك الزواج، وله باسم حق الولاية عليها أن يفسخ الزواج إذا وُجد سبب شرعي لذلك. وهذه لفتة ينبغي أن يدركها الناس فالحنفية عندما لم يعتبروا الولي ركنا من أركان الزواج ولا شرطا من شروط صحته،إلا أنهم أعطوه حق ولاية تتيح له فسخ الزواج، ورتبوا نفاذ العقد على إجازة الولي.

وهنالك صورة أخرى لنكاح السر وهي أن يعقد رجل على امرأة بحضور وليها وبحضور الشهود دون أن يتواصى احد لا على كتمان الزواج ولا على إعلانه، ويبقى في هذا الزواج احتمال الإعلان واحتمال الكتمان، فهذه الصورة جائزة عند الجمهور، اما عند المالكية فان علة قبولهم للزواج وعدم قبولهم أو الإعلان وليس التواصي بالكتمان ، وعلى هذا فكل زواج لم يعلن على الناس فهو باطل ولو لم يتواصى احد بكتمانه وهذه بعض أراء في مذهب المالكية.

زواج السر بين الوصف الفقهي والتطبيق الواقعي

إن صور تطبيق الزواج السري كثيرة وهنالك صورة من صور الزواج السري لا يمكن أن تقبلها الشريعة الإسلامية وهي أن تقوم الفتاة أو البنت بتزويج نفسها لرجل دون حضور احد أو دون حضور الشهود، فهذه الصورة اتفق الفقهاء على بطلان العقد فيها أو فساده، واتفقت كلمة الفقهاء على  حرمة المعاشرة بينهما. وقد اعتاد الناس على إشهار الزواج وإعلانه، حيث تُزَف العروس في الغالب الأعم من بيت أبيها وبحضور أقربائها إلى بيت زوجها، حتى صار متعارفاً عند الناس تسمية هذا اليوم بيوم الزفاف.

ومن خلال نظرة واقعية للأمور نجد أن إعلان الزواج وإشهاره أمر مرغوب فيه شرعا مفروض واقعا، فالواقع الذي نحياه ونعيشه يفرض علينا أن نعلن الزواج وان نشهره بين الناس، يقول د. القرضاوي:” ولا بد أن يرضى الولي وان يأذن في الزواج، وقد روى الحديث: أيما امرأة أنكحت نفسها بدون إذن وليها باطل، باطل، باطل، وليست المرأة الشريفة هي التي تزوج نفسها بدون أذن وليها، فان كثيرا من الشبان يختطفون الفتيات ويضحكون على عقولهن، فلو تركت الفتاة لنفسها ولطيبة قلبها، ولعقلها الصغير لامكن أن تقع في شراك هؤلاء، وان يخدعها الخادعون من ذئاب الأعراض ولصوص الفتيات، لهذا حماها الشرع وجعل لأبيها أو وليها أيًا كان حقها في تزويجها ورأيا في ذلك واعتبر إذنه، واعتبر رضاه كما هو مذهب جمهور الأئمة.”[51]

والزواج مشروع الأسرة الكبيرة، الزوج ثم الأب ثم الجد، الابن ثم الحفيد، والزواج ليس علاقة بين رجل وامرأة تنشأ في فراغ اجتماعي بعيدا عن الناس، بل علاقة تتعدى الزوجين إلى أسرتين وعائلتين هذه العلاقة قائمة على المودة والرحمة والتعارف والتآلف والتناصر والتناصح، فاعلان الزواج وزفاف المرأة من بيت والدها إلى بيت زوجها، ودعوة الناس إلى وليمة الزواج وضرب الدفوف، هي من شعائر الزواج العظيمة والتي لا ينبغي الاستهانة بفوائدها.

قال الشافعي:” إذا وقع النكاح ثم أمر الزوجان بكتمان النكاح والشاهدين فالنكاح جائز واكره لهما السر لئلا يرتاب بهما.”[52] وقد نبه الإمام الشافعي إلى الريبة في زواج السر، وهذه إشارة منه إلى كراهية تطبيق هذا النوع من الزواج حتى لا يرتاب بالزوج أو بالزوجة، ومع أن الإمام الشافعي وغيره يقولون بجواز هذا النوع من الزواج من الناحية الفقهية إلا أنهم يحكمون عليه انه خلاف الأولى وخلاف السنة والتي نصت صراحة على إعلان النكاح وإشهاره.

إن تواجد المرأة مع رجل لا يعلم الناس أنها زوجته، وان تواجد الرجل مع امرأة لا يعلم الناس انه زوجها ليثير حولهما الكثير من الشكوك، وخاصة أن الشيطان يجري من ابن ادم مجرى الدم من العروق، وإذا حسب الزوجان أن كتمان الزواج يحقق لهما مصلحة من وجه إلا انه يضر بهما من عدة وجوه وينبغي أن يكون الإعلان هو الأصل. إلا لظروف خاصة جدا وقاهرة يلجا فيها الزوجان إلى كتمان هذا الزواج.قال الشيباني:”  أرأيتم رجلا زوج ابنته وهي ثيب برضاها وأمرها بالبينة العدول رجلا كفوا صالحا إلا أنهم يرضون من الصداق جميعا على أمر استحيوا أن يعلم به الناس، فسألهم أن يكتموا ذلك أيبطل ذلك النكاح، أرأيتم رجلا مستخفيا من سلطان زوج ابنته بالبينة العدول واستكتم ذلك من خوف السلطان أيبطل هذا النكاح أو يزوج الرجل نفسه وهو مستخف من السلطان أو من دين عليه فسألهم أن يكتموا لمكان خوفه أيبطل هذا النكاح .”[53]

هنالك ظروف قاهرة ملجئة إلى نكاح السر، إلا أن هذا الأمر نادر الوقوع، فالزوج المطلوب للسلطان ويخشى على نفسه الهلاك إن ظهر أو علم به السلطان، وخاصة عندما يكون طَلَبُ السلطان له دون وجه حق، فهذا قد يتضرر إذا أعلن زواجه.

أما ما يجري بين شريحة من طلاب الجامعات، والمعاهد العليا أو بين شريحة من المجتمع التي تقبل بسرية الزواج دون سبب وجيه يذكر فان هذا حتما سيثير الشك والريبة، وهذا أمر مخالف للتوجه العام للشريعة الإسلامية.

لا داعي لأن يكون الزواج سريا فالمصلحة المتوخاة من الكتمان قد تقل بكثير عن المفسدة المترتبة على كتمانه، وان الضرر الواقع والذي يظنه الزوجان من إعلان الزواج قد يكون أخف بكثير من الضرر المتوقع الناتج عن سرية وكتمان الزواج.إن خير الزواج ما كان معلنا على رؤوس الأشهاد وخاصة إذا كان موثقا لدى الدوائر الرسمية في الدولة، حيث أن الخير كل الخير في إتباع الهدي النبوي والسنة النبوية، وان السنة النبوية في إرشادها للناس بإعلان زواجهم لفوائد عظيمة مترتبة على ذلك، فضرب الدُّف وإشهار الزواج وصنع الوليمة ودعوة الأقرباء والأصدقاء وزفاف العروس وخروجها من بيت أبيها يوم زفافها لهو من صلب السنة النبوية، وإن عادة الناس وأعرافهم وواقعهم جرت على هذه السنة من قديم الزمان.

ان متطلبات المرحلة الحالية في واقعنا الإسلامي المعاصر لتحتم علينا أن نوجه الناس إلى إعلان زواجهم ، لان في إعلان الزواج مصلحة كبرى وهي إعلان الحقوق المترتبة عليه، ويخشى إذا كان الزواج سريا أن تكون آثاره المترتبة عليه سرية، فالمهر سري والإنفاق سري والنسب سري والتوارث سري والاحتباس سري والقوامة سرية، وقد ينكر الزوج كل ذلك وقد يموت الولي ويموت الشهود كما حصل في أكثر من قضية  التي كنت فيها وكيلا للزوجة في إثبات زواجها وإلحاق نسبها، وهو عكس ما جاءت به الشريعة الإسلامية وهذه نظرة متفحصة جديرة بالانتباه إليها .

“الزواج السري” جزئية تهدم الكليات واستنفار   الخطط التشريعية الطارئة  لحماية الكليات “فريضة شرعية”

كل ما ناقشت سلفات ينتمي الى علم ” الفرعيات ” أو ” الجزئيات” وهذه الفرعيات او الجزئيات مرتبطة بشكل او اخر ارتباطا متينا بالكليات لا تنفك عنها ولا يمكن بترها عنها , والاصل في كل جزئية في الدين ان تكون خادمة لكلية وتحقق الغاية الجزيئة منها وتنسجم مع الكلية المتعلقة بها ومتفقة مع مقاصد الشريعة الاسلامية العامة.

قال ابو حامد الغزالي رحمه الله :  “أن المصلحة باعتبار قوتها في ذاتها تنقسم إلى ما هي في رتبة الضرورات وإلى ما هي في رتبة الحاجات وإلى ما يتعلق بالتحسينات والتزيينات وتتقاعد أيضا عن رتبة الحاجات ويتعلق بأذيال كل قسم من الأقسام ما يجري منها مجرى التكملة والتتمة لها ولنفهم أولا معنى المصلحة ثم أمثلة مراتبها أما المصلحة فهي عبارة في الأصل عن جلب منفعة أو دفع مضرة ولسنا نعني به ذلك فإن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الخلق وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم لكنا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع ومقصود الشرع من الخلق خمسة وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة”[54].

ان الزواج السري بعيدا عن الاهل وان توفرت فيه جزئياته الفقهية انما يمس حقيقية بالأعراض , ويسبب تهما كثيرة للعائلة المصغرة وللفتاة نفسها, ثم انه يضيع الحقوق المادية , ثم فتيات اليوم المتزوجات سرا  كلما حملت تذهب لتجهض عند طبيب خاصة فهو يمس بالنسل وهذه الافعال لا تصدر عن الاسوياء فالعقل مغيب  ,ويرتكب كل من يفعل هذا خطيئة في الدين فهي تمس بالدين وعليه لا يمكن السير قدما والتغاضي عن كل هذا. الزواج السري فرعية تهدم مقاصد الشريعة وتعارضها  ولا بد من استدعاء واستنفار احدى  خطط الطوارئ الشرعية لوقف استعمال الجزئيات عند حدها  وحماية لمقاصد الشريعة وكلياتها بنحرم الزواج السري ديانة وتمنعه الدولة قضاء حماية اولا لأحكام الشريعة من ان تعود على نفسها بالتناقض ثم للانسجام والتوافق مع  مقاصد الشريعة جزئياتها وكلياتها  التي وضعت لها ابتداء. على حد سواء.

قاعدة سد الذرائع وأهميتها في الاجتهاد التطبيقي لمنع الزواج السري التطبيقي حماية للكليات

لقد بين ابن منظور معنى كلمة ” سد “وكلمة  ” ذريعة ” فقال : السد : الردم والإغلاق لانه يسد به ، والسد أيضا كل بناء شد به موضع ، والسد أيضا يأتي بمعنى الحاجز، والذريعة الوسيلة والسبب إلى الشيء يقال : فلان ذريعتي إليك أي سببي ووصلتي الذي أتسبب به إليك “[55]. فالذريعة لغة ما كان طريقا وسببا الى الشيء ، مثلا سد الباب أي أغلقه . وفي اصطلاح  العلماء عرفها الشاطبي بقوله: “حقيقتها التوسل بما هو مصلحة إلى مفسدة “[56] .  قال الباجي: “الذرائع ما يتوصل به إلى محظور العقود من إبرام عقد أو حله”[57] . وقال ابن النجار:  “سد الذرائع : أي شيء من الأفعال أو الأقوال ظاهرة مباح ويتوصل به الى محرم “[58] . وقال الشوكاني : ” الذريعة هي المسألة التي ظاهرها الإباحة ويتوصل بها الى فعل المحظور “[59] . والباحث في كتب الأصول يجد أن التعريفات كلها متقاربه من بعضها البعض لقاعدة سد الذرائع، وخلاصة معناها أن يكون هنالك أمر غير ممنوع سواء كان قولا أو فعلا، وسواء تعلق بإبرام عقد أو غيره، وهذا القول أو التصرف في ظاهره مباح إلا انه يتوقع من هذا القول أو التصرف المفسدة بدل المصلحة فيحكم على هذا التصرف أو القول بالمنع ، حسما للمفسدة ودرءا لها ، وهذا الأمر عام في جميع التصرفات والأقوال وغيرها.

يقول د.محمود حامد عثمان بعد أن عرض تعريفات عدة   لقاعدة سد الذرائع :  “والتعريف المختار للذريعة هي ما كان ظاهرة الإباحة ويتوصل أو يمكن أن يتوصل به إلى محظور”[60] . فكل شيء مباح سواء كان قولا أو تصرفا لكنه يفضي إلى محظور أو ممنوع فيمنع حسما للفساد، وهذا يشير إلى أن موارد الأحكام تنقسم قسمين ، مقاصد ووسائل  وكل وسيلة تأخذ حكم القصد الذي تفضي إليه يقول ابن القيم الجوزية : ” لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها ، كانت طرقها وأسبابها تابعة لها معتبرة بها، فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها الى غايتها وارتباطها بها ، ووسائل الطاعات والقربات في محبتها والإذن فيها بحسب إفضائها الى غايتها ،  فوسيلة المقصود تابعة للمقصود ، وكلاهما مقصود ، لكنه مقصود قصد الغايات  وهي مقصودة قصد الوسائل ، فإذا حرم الرب تعالى شيئا وله طرق ووسائل تفضي إليه فانه يحرمها ويمنع منها ، تحقيقا لتحريمه ، وتثبيتا له  ،ومنعا أن يقرب حماه ، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضا للتحريم ، وإغراء للنفوس به، وحكمته تعالى وعلمه يأبى ذلك كل الإباء “[61] . والثمرة التي تجنى من هذه القاعدة الجليلة أن لا تعود الأحكام على الشريعة بالتناقص حيث تمنع الأقوال والتصرفات وإن كان ظاهرها موافقة للشرع حسما لمادة الفساد ، ودرءًا للشر المتوقع ، وكي تتحقق المقاصد المراد تحقيقها من الأحكام والتي وضعت لها أصلا وهذا يرفع من مكانة تلك القاعدة وأهميتها فعدها ابن قيم الجوزية واعتبرها أحد أرباع الدين حيث قال : “وباب سد الذرائع أحد أرباع التكليف ، فانه أمر ونهي، والأمر نوعان ، أحدهما: مقصود لنفسه ، والثاني : وسيلة الى المقصود ، والنهي نوعان أحدهما : ما يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه ، والثاني : ما يكون وسيلة الى المفسدة ، فصار سد الذرائع المفضية الى الحرام أحد أرباع الدين “[62] . فالشرع أوجد مثل هذه القاعدة واهتم بها كي يضمن سلامة النتائج المتوقعة من التصرفات المشروعة ، حيث أن المهمة التي أنيطت بهذه القاعدة الجليلة ضمان إفضاء التصرفات المشروعة للغرض الذي وضعت له ابتداء ، فكانت إحدى شبكات الأمان الشرعية التي تضمن تحقيق مراد الشارع وقصده من إباحة تلك التصرفات والأقوال .

يقول د.علي السرطاوي : ” يتفرع على أصل النظر في مآلات الأفعال قاعدة سد الذرائع  وهي قاعدة تشريعية عظيمة تحمي ذاتية التشريع ، وتضمن أن تصل التصرفات المشروعة إلى غاياتها ، وان تكون النتائج المترتبة عليها هي عين النتائج التي قصدها الشارع عند تشريعه للأحكام “[63] . ونرى الأستاذ الزرقاء رحمه الله يعتبر مبدأ سد الذرائع من المبادئ الشرعية الثابتة فيقول : ” أما الأحكام الأساسية التي جاءت الشريعة لتأسيسها وتوطيدها بنصوصها الأصلية الآمرة الناهية ، كحرمة المحرمات المطلقة ، وكوجوب التراضي في العقود والتزام الإنسان بعقده ، وضمان الضرر الذي يلحقه بالغير ، وسريان إقراره على نفسه دون غيره ، ووجب منع الأذى وقمع الأجرام ، وسد الذرائع إلى الفساد ، وحماية الحقوق المكتسبة ومسؤولية كل مكلف عن عمله وتقصيره ، وعدم مؤاخذة بريء بذنب غيره ، إلى غير ذلك من الأحكام والمبادئ الشرعية الثابتة التي جاءت الشريعة لتأسيسها ومقاومة خلافها ، فهذه لا تتبدل بتبدل الأزمان ، بل هي الأصول التي جاءت الشريعة لإصلاح الأزمان والأجيال  ، ولكن وسائل تحقيقها وأساليب تطبيقها قد تتبدل باختلاف الأزمنة المحدثة “[64] . ويقول د. محمد البرهاني : ” سد الذرائع مما يدخل في السياسة الشرعية ، ويمد ولي الأمر في محيطه الواسع بسلطة يتدارك بها كل ما يمكن أن يجدُ من مضار اجتماعية ، ومشاكل عامة وخاصة ، بهدف النهوض بمستوى الحياة العامة ، وتحقيق العدالة الاجتماعية “[65] . هذا هو الهدف التشريعي من وجود مثل هذه القواعد الثابتة  في الشريعة الإسلامية ، وقد اكتسبت هذه القاعدة الاجتهادية التطبيقية أهميتها كونها تضمن لأحكام الشريعة الإسلامية أن تتصل وتترابط بالغاية والمقصد الذي شرعت لأجله ، فالأحكام وسائل لتلك الغايات ، وتعمل قاعدة سد الذريعة على حجز وسد الأبواب أمام جميع التصرفات الشرعية المباحة أصلا ، وذلك للنتيجة المتوقعة من هذه التصرفات ، وهي غير النتيجة التي وضعت ابتداء لأصل هذه التصرفات المشروعة  ، فتمنع بناء على ما ستؤول إليه من ضرر أو مفسدة متوقعة ، ولا يلتفت الى مشروعيتها ، وهذا يعني أن اصل قاعدة سد الذرائع والمبدأ الذي تفرعت عنه هو أصل النظر في مآلات الأفعال .

ان الشريعة الإسلامية جاءت بقاعدة سد الذرائع لحماية ذاتية التشريع من التناقض ، وضمان وصول التصرفات المشروعة الى غاياتها ، فكل نص شرعي مرتبط بغاية ، وتلك الغاية مشتملة على مصلحة هي ثمرة تشريع الأحكام المقصودة للشارع عند تشريعه إياها ، فكل تصرف مرتبط بغاية ومشتمل على مصلحة ، ولذلك كانت تلك التصرفات مأذونا فيها ، والذي يجعل تلك التصرفات المشروعة وسيلة لتحقيق أغراضه الخاصة ، أو يقوم بتلك التصرفات المشروعة على وجه يعود بالمفسدة ، يُمنع من ذلك ولو فعل ذلك بحسن نية ، لان التصرفات المشروعة تمنع في قاعدة سد الذرائع لما ستؤول إليه من دفع مصلحة أو جلب مفسدة أو جلب مفسدة اشد بدل الأخف بغض النظر عن قصد المكلف ، وقد أوجز العز بن عبد السلام كل ذلك بقوله : ” كل تصرف تقاعد عن تحصيل مقصوده فهو باطل “[66] .

ولقد رسمت الشريعة الإسلامية منهاجا للمجتهدين ليسيروا وفقه في كيفية استعمال تلك القاعدة ، وكيفية إعمالها وتطبيقها فاتت بأمثلة كثيرة لبيان ذلك ، يقول الزرقاء : ” مبدأ سد الذرائع باب واسع يتصل بسياسة التشريع ، ويعتبر فرعا من الاستصلاح ، ويشهد له من نصوص الشريعة شواهد كثيرة جدا في الكتاب والسنة “[67] . وقد أورد ابن قيم الجوزية تسعة وتسعين وجها للدلالة على ثبوت هذه القاعدة في الشرع وذلك على سبيل المثال لا الحصر ، جمع فيها شواهد من الكتاب والسنة ، وقال بعد أن تناول تلك الشواهد: ” ولنقتصر على هذا العدد من الأمثلة الموافق لاسماء الله الحسنى التي من أحصاها دخل الجنة ، تفاؤلا بأنه من أحصى هذه الوجوه ، وعلم أنها من الدين وعمل بها دخل الجنة ، إذ قد يكون اجتمع له معرفة أسماء الرب تعالى ومعرفة أحكامه ، ولله وراء ذلك أسماء وأحكام “[68] .

هذا يؤكد أن الشريعة الإسلامية وضعت للمجتهدين خطة تشريعية ليسيروا على نهجها ، وذلك من خلال عرضها لكثير من الأمثلة على قاعدة سد الذرائع وهذه الأمثلة تناولت جميع نواحي الحياة بكافة أشكالها وأنواعها ، السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية والعبادة وغيرها ، سواء تعلق الأمر بحياة الفرد أم الجماعة ، يقول أبو زهرة : ” نرى من خلال الآثار الكثيرة المثبتة للذرائع ، على أنها اصل للاستنباط ، أساسه النظر الى مآلات الأفعال ” [69]. ويقول الشاطبي : ” الأدلة الدالة على سد الذرائع غالبها تذرع بفعل جائز الى عمل غير جائز ، فالأصل المشروعية لكن مآله ممنوع “[70]. فقاعدة سد الذرائع متفرعة على مبدأ اصل النظر في مآلات الأفعال ، حيث يكون ظاهر التصرف مشروعا ، واصله الجواز لكن بالنظر الى مآله ، والنتيجة المتوقعة يمنع هذا الفعل ، فيصبح ممنوعا بعد أن كان مشروعا ، وليس من السهل في شريعة الإسلام ، أن تمنع ما كان مشروعا ، إذ أن المجتهد بحاجة الى تحقيق المناط الخاص كأداة عملية عند تطبيقه لهذا المبدأ ، فالمجتهد ملزم بالنظر والتحقيق في مآلات الأفعال  يقول د.علي السرطاوي : ” بناء على قاعدة الذرائع يستطيع المجتهد التشريعي أن يمنع التصرفات المشروعة إذا كان التسبب فيها لمؤثر خارجي سيؤدي الى هدم مصلحة المجتمع”[71] . وبما أن المنع وعدمه تعلق باجتهاد المجتهد وما نسميه تحقيق المناط فان ذلك يؤدي الى اختلاف إعمال القاعدة أو عدم إعمالها في التصرفات المعروضة يقول الشاطبي : ” قاعدة الذرائع متفق على اعتبارها في الجملة ، وانما الخلاف في أمر آخر”[72] . ويعلق الشيخ دراز على ذلك قائلا :  “هو في الحقيقة اختلاف في المناط الذي يحقق فيه التذرع وهو من تحقيق المناط في الأنواع “[73] . ووجه إيراد هذا الكلام أن لتحقيق المناط الأثر البالغ في هذه الخطة التشريعية ،حيث لا يمكن العمل بها إلا بعد النظر في مالات التصرفات وتحقيق المناط ، فإذا كان الفعل مؤديا الى نتيجة يأباها الشرع يمنع ، دون الالتفات إلى  قصد الفاعل ، أو اصل مشروعية هذا الفعل . وقد نهج الفقهاء المجتهدون هذا النهج في كثير من اجتهادهم يقول الزرقاء: ” لجأ المجتهدون الى هذا المبدأ –الذرائع-في أحكام اجتهادية قرروها  على أساسه من أن للزوجة المطلقة في طلاق الفرار حق الإرث من زوجها الذي طلقها ، لكيلا يتخذ من حقه في الطلاق ذريعة الى حرمان الزوجة ميراثها المشروع في الميراث وحرمانها منه، فأوجبوا لها الميراث إذا توفي وهي في العدة سدا لهذا الطريق ، ولو كان من المحتمل أن الزوج غير قاصد هذا المقصد وهذا الحكم في الاجتهاد الحنفي”[74]. فحالة الشخص المطلق لها الأثر الكبير في منع التصرف ، بغض النظر عن قصده ، حيث نظر المجتهد فوجد أن الشخص طلق زوجته في مرض موته ، وقد اقدم على هذا الفعل وهو مفارق للدنيا ، والنتيجة المترتبة على اعتبار تصرف هذا الشخص مشروعا دون النظر الى حالته عند التصرف، أي عدم إعمال آلية الفحص والنظر والمتمثلة بتحقيق المناط الخاص يؤدي الى حرمان الزوجة من ميراثها المشروع ، فيمنع هذا التصرف بناء على النتيجة بعد النظر في حالة المتصرف ، ولو لم يقصد الإضرار بالزوجة ، وهذا بحد ذاته حماية لذاتية التشريع من ان يعود على نفسه بالتناقض لو اجزنا هذا التصرف .  يقول السرطاوي : ” سد الذرائع خطة تشريعية تهدف إلى حماية ذاتية التشريع من المناقضة والهدم فالأحكام شرعت كوسائل لتحقيق مقاصد قصدها الشارع ، والأصل ان المكلف عند تلبسه بالأحكام الشرعية أن يكون قصده من التسبب فيها هو من جملة قصد الشارع ، ولا يجوز له أن يبتغي في تكاليف الشريعة غير ما شرعت له أو يناقض قصد الشارع ، وسد الذرائع خطة يستخدمها المجتهد ليكشف من خلالها عن التوجه العام في الأحكام الشرعية فهو يبحث في المناط الخاص ، فان اكتشف أن المشروعات تسبب المكلف فيها لتحقيق قصد ما لم تشرع في الأصل لمثله فقد حصلت المناقضة، أو أن المجتمع اصبح يتخذ المشروعات ذريعة إلى غير مشروع كان على المجتهد بناء على هذا التحقيق الخاص أن يمنع من التسبب فيها “[75]. وهذا يؤكد أن تحقيق المناط الخاص له الأثر البالغ في سد الذرائع كخطة تشريعية تحمي الأحكام الشرعية أن تعود على نفسها بالمناقضة أو الهدم ، فهذا التحقيق الخاص يجري على أقوال المكلفين وتصرفاتهم ويجري على التوجهات العامة للمجتمع فان تبين بعد التحقيق الخاص أن الأفراد أو المجتمع يتخذون الاحكام المشروعة وسيلة لأغراض غير مشروعة منعت تلك التصرفات وان كان ظاهرها مشروعة وللمعاملات المالية نصيب كبير من هذا الباب ، يقول ابن رشد في بيوع  الذرائع  الربوية : “وهنا شيء يعرض للمتبايعين إذا قال أحدهما للآخر بزيادة أو نقصان وللمتبايعين إذا اشترى أحدهما من صاحبه الشيء الذي باعه بزيادة أو نقصان وهو أن يتصور بينهما قصد إلى ذلك تبايع ربوي مثل أن يبيع إنسان من إنسان سلعة بعشرة دنانير نقدا ثم يشتريها منه بعشرين إلى أجل فإذا أضيفت البيعة الثانية إلى الأولى استقر الأمر على أن أحدهما دفع عشرة دنانير في عشرين إلى أجل وهذا هو الذي يعرف ببيوع الآجال”[76] . فالمجتهد التطبيقي يرصد ويراقب التصرفات ويحقق فيها فان تبين أن المكلف تلبس بالأحكام المشروعة ليصل إلى غير المشروع لجأ المجتهد إلى خطة سد الذرائع وعمل بها لضمان تحقيق الأحكام مقاصد الشارع منها ،  وتحقيق المناط الخاص لإعمال خطة سد الذرائع كإحدى خطط الطوارئ التشريعية  يكون في شتى المجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية وغيرها ويتعلق هذا التحقيق بأقوال الفرد وتصرفاته كما انه يتعلق بالمجتمع وتوجهاته ، من هنا يتبين الاثر البارز لتحقيق  المناط الخاص في سد الذرائع. وهذا ينقلنا للحديث عن اثر هذه القاعدة عند التطبيق في الزيجات المعاصرة.

الزواج السري  وقاعدة سد الذرائع

مر معنا أهمية قاعدة سد الذرائع الكبرى ودورها الكبير في الاجتهاد التطبيقي، وهذا ما نحتاج إليه في بعض أنواع الزيجات المعاصرة، والتي ذهب إلى جوازها بعض أهل العلم مثل زواج المسيار وزواج البوي فرند والزواج العرفي وغيرها، وقد كان أهل العلم سابقا لا يلتفتون إلى المسالة من حيث جزئياتها دون ربطها بالمصلحة العامة الكبرى للمسلمين، ومما حفظنا عن استأذنا السرطاوي حفظه الله تعالى أنه ردد كثيرا عبارة على المفتي أن ينظر إلى الكليات حين تعرض له مسالة جزئية، وفي نفس الوقت لا يهمل حيثيات وتفصيلات المسالة المعروضة يجب على المفتي أن لا يبتر الجزئي عن الكلي ويجب عليه أن يعود بالكلي على الجزئي. وقاعدة سد الذريعة هي من كليات الشريعة الإسلامية وتدخل في كثير من أبواب تصرفات المسلمين في الدولة الإسلامية وما معنا ما قاله د. محمد البرهاني : ” سد الذرائع مما يدخل في السياسة الشرعية ، ويمد ولي الأمر في محيطه الواسع بسلطة يتدارك بها كل ما يمكن أن يجدُ من مضار اجتماعية ، ومشاكل عامة وخاصة ، بهدف النهوض بمستوى الحياة العامة ، وتحقيق العدالة الاجتماعية “[77] .

ولنضرب مثالا واقعيا على الزواج العرفي كمسالة جزئية ثم نطبق قاعدة سد الذرائع عليها.

مر معنا في البحث المتواضع بحث الزواج العرفي من الناحية القضائية ومن الناحية الفقهية، والنتيجة التي حصلنا عليها انه زواج جائز لا ريب فيه وان عدم توثيقه لا يحدث خللا في العقد، وهذا كله مر معنا بالتفصيل والقوال بالجواز هو القول في مسالة جزئية.

ولا يختلف اثنان على حجم الأضرار الواقعة والمتوقعة من الزواج السري ؟ بلى يستطيع المفتي ويستطيع الحاكم أن يمنع ذلك باسم سد الذرائع وباسم الحفاظ على المصلحة العامة مع الأخذ بعين الاعتبار انه لا يجوز الإفراط في الأخذ بهذه القاعدة، وكذلك يجب أن ترجح المصالح بصورة ظاهرة لان إعمال القاعدة لا يكون  لمجرد التخمين أو الأخذ بالأحوط فهنالك فرق كبير بين قاعدة سد الذرائع والأخذ بالأحوط.

يقول ابن قيم الجوزية في ختامة كلامه عن بعض أنواع الزواج مثل المؤقت أو المتعة أو التحليل أو غيرها:” فإذا تدبرت حكمة الشريعة وتأملتها حق التأمل رأيت تحريم هذه الأنواع من باب سد الذرائع وهي من محاسن الشريعة وكمالها.”[78]

هذه القاعدة سد الذرائع قاعدة جليلة هامة في الاجتهاد التطبيقي ينبغي أن تُستعمل بدقة متناهية وبنظرة استقرائية علمية موضوعية، لا تستعمل إلا بعد التشخيص والفحص والتجربة لأنها من قواعد الاجتهاد التطبيقي.

إن عظمة الشريعة الإسلامية تتجلى في أنها لا تقف عند حد الاجتهاد التشريعي، إنما تتجلى عظمتها أنها طلبت من حَمَلَتِها الحرص على الاجتهاد التطبيقي وذلك عند إنزال الأحكام على واقع الناس وتصرفاتهم. فالغاية الكبرى من إنزال الشرعية تحصيل المصالح للناس ودفع المفاسد عنهم.

 

  الشيخ رائد بدير – عضو هيئة العلماء في القدس الشريف- وعضو دار الافتاء والبحوث

[1] كامل محمد عويضة (إعداد) ، سلسلة علم النفس ، علم نفس الشخصية ، ص 49 دار الكتب العلمية بيروت ، ط 1 1996م.

[2]  الغزالي : أبو حامد محمد بن محمد الغزالي ، إحياء علوم الدين ، دار الصابوني ، 2/23 .

[3] نفس المرجع 2/27

[4] أبو زهرة ، الأحوال الشخصية ، دار الفكر العربي ، القاهرة ط2 ص19

[5] حاجي خليفة، كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، دار الكتب العلمية،بيروت، 1992م 2/81

[6]  مسلم، مسلم بن الحجاج أبو الحسين النيسابوري، صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي بيروت، 2/697 ت.فؤاد عبدالباقي.

 [7] مسلم، صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي بيروت، 2/1021 ت.فؤاد عبدالباقي.

[8] صحيح مسلم 2/118

[9]  الغزالي، إحياء علوم الدين، 2/23

[10] أبو زهرة، الأحوال الشخصية، 21

[11] ابن نجيم، زين الدين بن اتبراهيم ، البحر الرائق شرح كنز الدقائق ، دار الكتب العلمية بيروت ط1 3/136

[12]  ابن ماجة، محمد بن يزيد أبو عبدالله القزويني، سنن ابن ماجه، دار الفكر بيروت، 1/532 تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.

[13] د. علي محمد السرطاوي، مبدأ المشروعية في الشريعة الإسلامية، رسالة دكتوارة، الجامعة الأردنية عمان 1997 ص81 .

1 الدسوقي، شمس الدين الشيخ محمد عرفه، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، دار الفكر العربي،ط1 1998 2/340.

[15] ابن رشد، محمد بن احمد القرطبي الأندلسي، بداية المجتهد ونهاية المقتصد،دار الكتب الإسلامية، ط2 1983 2/17.

[16] البهوتي،منصور بن يونس بن إدريس، الروض المربع شرح زاد المستنقع، مكتبة الرياض الحديثة 1390هـ3/60.

[17] الرملي، شمس الدين محمد بن أبي العباس ابن شهاب الدين، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، دار الكتب العلمية،1993 2/176.

[18] النسفي، أبو البركات عبدالله احمد بن محمود، كنز الدقائق، دار الكتب العلمية 1997 3/136 ، ومعه البحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم.

[19] الأنصاري، زكريا بن محمد بن احمد، فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب، دار الكتب العلمية بيروت، 1418هـ ط1 2/53.

[20] أبو زهرة، الأحوال الشخصية 19

  [21]السرخسي، محمد بن أبي سهل السرخسي أبو بكر، المبسوط، دار المعرفة، بيروت 1406هـ 4/194

 

[22] الكاساني، علاء الدين الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، دار الكتاب العربي بيروت 1982 2/331 بتصرف بسيط.

[23] ابن نجيم، زين الدين بن إبراهيم بن محمد، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، دار الكتب العلمية بيروت 1997 3/138

[24] ابن أمير الحاج، محمد بن محمد بن حسن، التقرير والتحبير شرح التحرير، دار الفكر بيروت 1996 ط1 3/166 . وانظر السرخسي، أحمد بن أبي سهل، أصول السرخسي، دار الكتب العلمية بيروت 1993، 1/303 وانظر النفراوي، احمد بن غنيم بن سالم المالكي، الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني، دار الكتب العلمية بيروت 1418هـ، ط1،2/53.

[25] أبو عبدالله المقدسي، محمد بن مفلح المقدسي، الفروع، دار الكتب العلمية بيروت ط1، 5/123.

[26] أبو النجا المقدسي، موسى بن احمد بن سالم المقدسي، زاد المستقنع، مكتبة النهضة الحديثة، مكة المكرمة،1/166.

[27] البهوتي، منصور بن يونس بن إدريس البهوتي، كشاف القناع عن متن الإقناع، دار الفكر بيروت 5/37.

[28] الشربيني، محمد الشربيني الخطيب، الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع، دار الفكر بيروت،2/408. وانظر للشربيني أيضا مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، دار الفكر 3/139.

[29] النووي، محي الدين يحي بن شرف أبي زكريا، روضة الطالبين وعمدة المفتين، دار الفكر بيروت1995 ، 6/29 بتصرف.

[30] الأنصاري، فتح الوهاب،2/58

[31] السرخسي، أحمد بن أبي سهل، أصول السرخسي، دار الكتب العلمية بيروت 1993،2/302

[32] أبو زهرة، الأحوال الشخصية،52

[33] أنور العمروسي، موسوعة الأحوال الشخصية، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية 2/100 بتصرف

[34] أبو زهرة، الأحوال الشخصية،52

[35] أبو زهرة، الأحوال الشخصية،52

[36] أبو زهرة، الأحوال الشخصية ص61 وما بعدها بتصرف

[37] الجويني، عبدالملك بن عبدالله بن يوسف، الورقات، 1/8 تحقيق عبداللطيف محمد العبد

[38] د. محمود علي السرطاوي، شرح قانون الأحوال الشخصية، دار الفكر للنشر والتوزيع عمان 1997، 1/148

[39] نفس المرجع 2/149

[40] الجرجاني، علي بن محمد الجرجاني، التعريفات، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 1/315 تحقيق إبراهيم الابياري.

[41] السيواسي، محمد بن عبدالواحد، شرح فتح القدير، دار الفكر، بيروت، الطبعة الثانية، 3/200 .

[42] الشيباني: أبو عبدالله محمد بن الحسن، الحجة، دار النشر عالم الكتاب، بيروت، الطبعة الثالثة، 3/222.

[43] الدسوقي،  حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، دار الفكر العربي، 2/237 بتصرف.

[44] ابن قدامه، المغني في فقه الإمام احمد بن حنبل الشيباني7/63

[45] ابن تيمية، الفتاوى، 33/158

[46] الشافعي، الأم، 5/22

[47] الشيباني: أبو عبدالله محمد بن الحسن، الحجة، دار النشر عالم الكتاب، بيروت، الطبعة الثالثة، 3/222.

[48] مالك بن انس، الموطأ، دار إحياء التراث العربي، مصر، 2/535 تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي.

[49] مالك بن انس، المدونة الكبرى، بيروت 4/194

[50] ابن قدامه، المغني في فقه الإمام احمد بن حنبل الشيباني7/63

[51] يوسف القرضاوي، فتاوى معاصرة، دار المعرفة 2/86

[52] الشافعي، الأم، 5/22

[53] الشيباني: أبو عبدالله محمد بن الحسن، الحجة، دار النشر عالم الكتاب، بيروت، الطبعة الثالثة، 3/222.

[54]  المستصفى في علم الأصول ,المؤلف : محمد بن محمد الغزالي أبو حامدالناشر : دار الكتب العلمية – بيروتالطبعة الأولى ، 1413 تحقيق : محمد عبد السلام عبد الشافي ص174
[55]  ابن منظور ، لسان العرب  -ج 8 ص 96  وانظر ج 3 ص 208

[56]  الشاطبي –  الموافقات   – ج 4 ص 199

[57]   الباجي  – الحدود –  ص 68

  [58] ابن النجار، محمد بن احمد الحنبلي، شرح الكوكب المنير، مكتبة العبيكان الرياض، ص434

 [59] الشوكاني، محمد بن علي، إرشاد الفحول، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت الكبعة السادسة – ص 410

[60]   د.محمود حامد – قاعدة سد الذرائع واثرها في الفقه الإسلامي- دار الحديث القاهرة- ص 62

 [61] ابن القيم الجوزية-إعلام الموقعين- ج 3 ص 135

 [62] نفس المرجع السابق –ج 3 ص 159

[63]  السرطاوي – مبدأ المشروعية – ص183

[64]  الزرقاء – المدخل الفقهي العام – ج2 ص 924

[65] البرهاني – محمد هشام البرهاني – سد الذرائع في الشريعة الاسلامية – دار الفكر – دمشق الطبعة الاولى – 1985 ص 772

[66]   عز الدين بن عبد السلام –  قواعد الأحكام في مصالح الأنام  – دار الكتب العلمية ج2 ص 221

[67]   الزرقاء –  المدخل- ج1 ص 98

[68]  ابن القيم –  إعلام الموقعين  – ج3 ص 159

[69]  ابو زهرة –  أصول الفقه – ص 255

[70]  الشاطبي –  الموافقات  – ج4 ص 198

 [71] السرطاوي- مبدا المشروعية -ص 186

 [72] الشاطبي- الموافقات- ج 4 ص 200

[73]  عبدالله دراز – حاشية الموافقات-ج 4 ص 201

 [74] الزرقاء- المدخل الفقهي العام – ج 1 ص 100 وانظر الحاشية

[75]  السرطاوي –تحقيق المناط الخاص– بحث غير منشور

[76]  ابن رشد  – بداية المجتهد – ج2 ص 105

[77] البرهاني – محمد هشام البرهاني – سد الذرائع في الشريعة الاسلامية – دار الفكر – دمشق الطبعة الاولى – 1985 ص 772

[78] ابن قيم الجوزية، محمد بن أبي بكر الدمشقي، إعلام الموقعين عن رب العالمين، دار الجيل بيروت 3/156

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017