الزواج العرفي, تعريفه, احكامه

الأربعاء 8 نوفمبر 2017
شارك المقال

الزواج العرفي, تعريفه, احكامه

 الشيخ رائد بدير – عضو هيئة العلماء في القدس الشريف.

 

تعريف الزواج العرفي

هذا النوع من الزواج من أكثر أنواع الزواج انتشارا في أنحاء البلاد الإسلامية ويقابله الزواج الموثق لدى الدائرة الرسمية في الدولة والذي يجري عادة بواسطة مأذون الأنكحة الشرعية، وقد أكتسب هذه التسمية بسبب بعض الإجراءات التي قامت بها دولة ما من وجوب تسجيل الزواج لدى مؤسساتها ووجوب إجراءه على يد مأذون الأنكحة الشرعية.

والعرفي كلمة منسوبة إلى العرف، والعرف في ميزان الشرع الإسلامي له مكانته وله سلطانه إذا كان معتبراً ولم يكن مخالفا للنصوص الشرعية، والعرف بشكل عام في الشريعة الإسلامية من المصادر التبعية التي تشغل في الفقه الإسلامي حيزاً واسعاً.

يقول الشيخ مصطفى الزرقاء:” العرف مصدر تبعي من مصادر الأحكام، وهو بمثابة نظرية كبرى التي تشغل في الفقه الإسلامي حيزا عظيما، ويقوم على أساسها أحكام متشعبة من شتى الأبواب والأصول الفقهي، لا يحصى عددها، ولا ينتفي تجددها، لان الأحكام التي تخضعها الشريعة الإسلامية للعرف تتبدل بتبدله، فهي في تجدد مستمر وهذا من أعظم عوامل القابلية للخلود في مباني الشريعة الإسلامية وفقهها.. وأما تعريف العرف فهو عادة جمهور قوم في قول أو فعل.”[1]

إذن العرف موضوعه الأحكام التي تتعلق بتصرف الناس وتبدلها وتغيرها وهي في الأصل من إنشاءاتهم لا من إنشاءات الشريعة الإسلامية، فإذا تعارف الناس على شيء ما، وكان هذا العرف معتبراً لا يتصادم مع النصوص الشرعية ولا يتناقض مع أحاكمها بل يحقق مصلحة للناس ويضبط معاملتهم فهذا عرف معتبر صحيح، أما إذا تعارض مع أحكام الشرع فهذا عرف فاسد غير معتبر ويجب العمل على تغييره وتفصيل نظرية العرف والقواعد الفقهية المتعلقة به كل ذلك منثور في كتب الفقه القديمة والمعاصرة.

أما فيما يتعلق بالزواج العرفي فهذا اصطلاح حديث لا تجده بهذه التسمية في التراث الفقهي القديم،  والزواج العرفي ليس معناه أن الناس أنشئوا زواجا أو عادة في عقد الزواج من عندهم بحيث أوجدوا صيغة للإيجاب والقبول من عندهم واوجدوا شروطا لهذا العقد من عندهم وتعارفوا على هذه الصيغة والشروط ليس المقصود ذلك، إنما المقصود من هذه التسمية وسبب تسمية الزواج بالعرفي في الغالب هو عدم تسجيله في المحاكم الشرعية.

فإذا تزوج رجل ما شفويا دون أن يحضر مأذون الأنكحة الشرعية وكان هذا الزواج مستوفياً لأركانه وشروطه أطلق الناس على هذا الزواج زواجاً عرفياً لا لأن الناس ابتدعوا أركاناً وشروطاً معينة تخالف الأركان والشروط التي وصفتها الشريعة في عقد الزواج الصحيح، ولا لأنهم أوجدوا من عندهم طريقة زواج على خلاف الشريعة بل هو نفس ما طلبته الشريعة من أركان وشروط ومواصفات والتسمية جاءت لتعرف أن هذا الزواج غير موثق بوثيقة رسمية عند مأذون الأنكحة الشرعية، وهذا ما عرفته مجلة البحوث الفقهية المعاصرة للزواج العرفي فقالت:” هو اصطلاح حديث يطلق على عقد الزواج غير الموثق بوثيقة رسمية، سواء كان مكتوبا أو غير مكتوب.”[2]

والمقصود من أنه يكون مكتوبا بعض الأحيان أي بين الزوجين نفسيهما لا بوثيقة رسمية صادرة عن المحكمة الشرعية ومدونة في سجلاتها.

إذن الزواج العرفي زواج يتم حسب شريعة الإسلام مستوفيا لأركانه وشروطه الشرعية، من عاقدين وولي وشهود وإعلان أحيانا ومهر وما كانت تسميت بالعرفي إلا لتعارف الناس على إبرامه بعيداً عن الدوائر الرسمية في الدولة، وبعيدا عن مأذون الأنكحة الشرعية، وبعيدا عن الوثيقة التي تحمل رقما معينا، هذه هي سبب تسمية هذا النوع من الزواج بالزواج العرفي.

يقول د. عمر الأشقر:” يظن طائفة من طلبة العلم وكثير من العوام أن المراد بالزواج العرفي اقتران رجل من امرأة من غير عقد، أو بعقد لم تتوافر فيه شروطه وليس هذا هو المراد بالزواج العرفي، فان اقترن رجل بامرأة من غير عقد أو بعقد لم تتوفر فيه شروطه فان هذا لا يعد عقدا، أو هو عقد باطل، وأكثر ما يطلق الزواج العرفي على عقد لم يسجل في المحكمة الشرعية، ولم يجر على يد مأذون، ولم تصدر فيه وثيقة زواج، مثل هذا العقد إن توفرت فيه ركناه الإيجاب والقبول الدالان على رضا الزوجين، ولم يخل من المهر وتوفرت فيه شروط العقد وخلى من التوقيت، فانه زواج صحيح شرعاً ولا يبطل بعدم تسجيله.”[3]

ويقول المحامي كمال صالح البنا:” الزواج العرفي هو زواج استوفى شروطه الشرعية دون أن يوثق رسمياً، وقد أطلق عليه العامة بالزواج العرفي، فهو في نظر الشريعة الإسلامية زواج صحيح ويترتب عليه جميع آثاره الشرعية، يستوي أن يكون الزواج مكتوبا أو غير مكتوب أصلا.”[4]

وعرفه د. أبو سريع أستاذ الفقه الإسلامي المشارك في الرياض:” الزواج العرفي الذي يشهده الشهود والولي، ولكنه لا يكتب في الوثيقة الرسمية التي يقوم بها المأذون أو نحوه، وهو عقد استكمل الأركان والشروط الشرعية المعتبرة في صحة العقد وتثبت به جميع الحقوق للزوجة والزوج شرعا، ولكنه ينقصه الإثبات الرسمي، الذي تصح به المطالبة أمام المحاكم حفاظا للأسرار وصيانة للحياة الزوجية، وقد كان هذا الزواج هو الموجود في الأزمنة الماضية، بل هذا فيه عقد وان كان عرفيا لكنه موجود، وكان في الزمن الأول الزواج يتم أصلا بالإيجاب والقبول شفويا بدون عقد رسمي أو عرفي لان الدين كان متينا عند الناس والضمائر كانت حية والنفوس كانت طيبة ثم جاء العقد العرفي فيما بعد.”[5]

ويقول الشيخ القرضاوي:” الزواج العرفي زواج شرعي غير مسجل ولا موثق، لكنه زواج عادي يتكلف فيه الزوج السكن والنفقة للمرأة وفي الغالب يكون الرجل متزوجا بأخرى ويكتم عنها هذا الزواج لسبب وآخر.”[6]

وعرفه د. عبدالفتاح عمرو:” هو عقد مستكمل شروطه الشرعية إلا انه لم يوثق أي بدون وثيقة رسمية كانت أو عرفية.”[7]

وقد يعرفه المسلمون في الغرب تعريفا آخر، يقول د. محمد الكدي العمراني:” العقد العرفي ما يعقد في المسجد أو المركز الإسلامي.[8]

هذه هي نظرة بعض أهل العلم للزواج العرفي وخلاصة الأمر انه زواج مستوفٍ لأركانه وشروطه إلا أنه بدون وثيقة رسمية صادرة عن المحكمة الشرعية.

 

رأي الفقهاء في الزواج العرفي

 انتهينا فيما سبق أن الزواج العرفي زواج غير موثق بوثيقة رسمية، وأجيب عن السؤال المطروح وهو هل عدم توثيق عقد الزواج يحدث خللاً في صفته الشرعية إذا جرى بين زوجين وبحضور ولي وشهود ومهر وكان مستوفياً لأركانه وشروطه الشرعية، فهل عدم توثيقه يحدث خللا في صحته؟

سبق وان معنا ما قاله الشيخ د. القرضاوي و د. عبدالفتاح عمرو ود. أبو سريع أستاذ الفقه الإسلامي المشارك في الرياض  ود. عمر الأشقر وغيرهم من الزواج العرفي إذا وقع مستوفيا لأركانه فانه عقد زواج صحيح ولا يبطل بعدم تسجيله.

ويقول أسامة الأشقر:” بناء على ما تقدم تستطيع أن تقول إن النكاح العرفي إذا عقد سراً بين رجل وامرأة من غير ولي ولا شهود فهو باطل باتفاق أهل العلم، وإن عقد بولي وشهود وتواصى الجميع على كتمانه فهو باطل عند المالكية، صحيح عند باقي الأئمة، وان عقد بولي من غير شهود فهو باطل عند الأئمة كلهم، خلافا للإمام مالك الذي لا يشترط أثناء العقد حضور الشهود مشترطاً بدلا من ذلك الإعلان والظهور، أما الشهادة عنده فهي واجبة قبل الدخول على ما بينا فان عقد من غير ولي فهو باطل عند الثلاثة صحيح عند الحنفية.”[9]

وهنالك فرق كبير بين الزواج الباطل والفاسد عند الحنفية إذا تم الدخول بين الزوجين، وكذا الأمر إذا عقد بين رجل وامرأة وبحضور الولي ودون شهود فهو فاسد عند الحنفية إذا تم الدخول، أما بخصوص سرية العقد وعدمه فهذه مسألة تثار حول كل نوع زواج سواء كان عاديا أم مسياراً أم عرفيا وتبحث في موضوع الزواج السري، كما مر معنا بحث هذه المسالة في الزواج السري.

يقول ابن تيمية:” أما من كان لها ولي من النسب، وهو العصبة من النسب أو الولاء، مثل أبيها وجدها وأخيها وعمها وابن أخيها وابن عمها وعم أبيها وابن عم أبيها، وان كانت معتقة فمعتقها أو عصبة معتقها فهذه يزوجها الولي بإذنها، والابن ولي عند الجمهور، ولا يفتقر ذلك إلى حاكم باتفاق.”[10]

والملاحظ أن شيخ الإسلام ابن تيمية نقل اتفاق العلماء على عدم حاجة الناس إلى إذن الحاكم أو من ينوب عنه في إجراء عقود زواجهم، وان مسألة توثيق العقد وإذن الحاكم أو فرض الحاكم توثيق الزواج لا يؤثر في صحة العقد من حيث صحته وبطلانه، ويبقى الزواج العرفي صحيحاً إذا وقع مستوفياً لأركانه وشروطه ولو لم يوثق، وليس معنى هذا أن نقلل من أهمية التوثيق بل من حق الدولة أن تفرض على مواطنيها إجراءات تكون سبباً في حفظ الحقوق وتخدم تلك الإجراءات المصلحة العامة للناس كافة وهذا ينقلنا إلى الحديث عن أهمية توثيق عقد الزواج في الشريعة الإسلامية وفي الدولة الإسلامية.

أهمية توثيق عقد الزواج في الشريعة الإسلامية

لا يستطيع احد من المسلمين أن يتملص من الاعتراف أن توثيق معاملات الناس وتصرفاتهم لدى المؤسسة صاحبة الاختصاص في الدولة هو ضمان لحفظ حقوق الناس ومعاملاتهم وصون لها من الإنكار والجحود والنزاع والخصومة، فالمصلحة المتوخاة من التوثيق مصلحة عامة تعود على الناس بالمنفعة، ولا شك أن الإسلام أرشد إلى نظرية التوثيق وأطول آية في القرآن الكريم تتحدث عن هذه النظرية ألا وهي آية الدين قال تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه  ﴾[11].

وعقد الزواج من ضمن العقود التي دعت الدولة إلى تنظيمها وتوثيقها لدى المحاكم الشرعية في كل دولة ودولة، وقد وجّه أكثر من عالم إلى ضرورة التوثيق ومرَّ أن الشيخ الزرقاء رحمه الله تعالى ناشد الجهات الرسمية في الدول الإسلامية وناشد العلماء أن يلتفتوا إلى أهمية توثيق عقد الزواج، وان أهمية توثيق عقد الزواج في وقتنا المعاصر لا تقل عن أهمية الإشهاد عليه، حيث إن الشهادة على عقد الزواج إنما جعلت حفظا للحقوق وصوناً للأعراض، والإشهاد على الزواج وسيلة لا غاية، فإذا أصبحت هذه الوسيلة لا تجدي في تحقيق المقصود منها وهو حفظ الحقوق فالشريعة فحينئذ لا تمانع الشريعة من مساندة هذه الوسيلة بوسائل أخرى مثل توثيق الزواج.

قال ابن تيمية:” ولم يكن الصحابة يكتبون الصداقات( المهور) لأنهم لم يكونوا يتزوجون على مؤخر بل يعجلون المهر، وان أخروه فهو معروف، فلما صار الناس يتزوجون على المؤخر والمدة تطول وتنسى صاروا يكتبون المؤخر، وصار ذلك حجة في إثبات الصداق، وفي أنها زوجة له.”[12]

وينبغي أن نقف وقفة طويلة مع قول شيخ الإسلام ابن تيمية حيث أن الغاية من الكتابة كانت لإثبات الصداق، بل أكثر من ذلك أن الكتابة كانت لغاية تثبيت الزواج وان المرأة المكتوبة في الوثيقة هي زوجة شرعية للرجل المذكور في الوثيقة، وذكر شيخ الإسلام أن الكتابة أصبحت عرفا عند الناس حيث لم يكن في السابق على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم أي دائرة رسمية لتوثيق عقد الزواج ولم يكن الصحابة رضي الله عنهم يكتبون عقد الزواج على الرغم من إرشاد القران الكريم لهم كتابة الدين.  وفي زمن ابن تيمية كان الناس يكتبون عقد الزواج عن طيب خاطر منهم حيث أصبح جزءً من المهر مؤجلاً بعدما كان كله معجلاً، وتبدلت أحوال الناس من حيث صلاح الذمم، ولا يوجد أصرح من كلمة ابن تيمية وأوضح منها حينما قال:” وفي أنها زوجة له” أي أن الكتابة لها فائدتان الأولى تثبيت المهر ونوعه كي لا يكون خصومة فيه، والثانية وهي الأهم توثيق الزواج نفسه وتثبيت الزوجية عن طريق التدوين والتوثيق.

وإذا كان الناس بحاجة إلى هذا الأمر في زمن ابن تيمية رحمه الله فهو من باب أولى وآكد في زماننا، ولا يوجد أي مانع شرعي لإلزام الناس من قبل الدولة لتوثيق عقود زواجهم لان هذا يعود عليهم بالمصلحة والمنفعة، ولا يوجد أي مانع شرعي أن تضبط الدولة مواطنيها بضوابط تعود عليهم بالمنفعة، ولا يوجد أي تعارض مع الشريعة الإسلامية إذا فرضت الدولة على مواطنيها نظاما عاما أو إجراءات معينة وأوجدت مؤيدات لمن يخالف هذه الإجراءات ولم يلتزم بالضوابط.

الزواج العرفي بين الوصف الفقهي والتطبيق الواقعي

مر معنا الحكم الشرعي للزواج العرفي إذا وقع مستوفيا لأركانه وشروطه فهو عقد صحيح شرعا، ومر معنا أهمية التوثيق في عقود الزواج، وفي هذا المبحث سأسلط الضوء على الناحية التطبيقية لهذا الزواج بعيدا عن الحكم الفقهي له.

يقول د. عمر الأشقر وهو يتحدث عن خطورة هذا النوع من الزواج:” قد لا يستطيع الزوجان إثبات عقد الزواج مع رغبتهما في إثباته لسبب من الأسباب كهلاك الوالدين قبل تسجيل الزواج، وقد ينتفي أحد الزوجين من الزواج والأولاد، فيتضرر الزوج الآخر، والخاسر الكبير في الغالب هي الزوجة، فقد يغرر بها الزوج فترتبط به بعقد عرفي، ثم يهجرها بعد ذلك، ولا تستطيع أن تثبت زواجها منه، فيضيع ميراثها ومؤخرها ومهرها ونفقة عدتها، وتزداد المشكلة سوءً إذا كانت قد رزقت بأطفال لا يعترف بهم فتقع بين نارين، فهي من جهة فقدت العائل الذي ينفق على أولادها، ومن جهة أخرى لا تستطيع أن تثبت نسب أولادها إلى أبيهم، وقد يحرمون بسبب ذلك من حقوق الجنسية والتعليم والتطبيب .”[13]

ولا يوجد أعرف وأعلم ممن يعملون في جهاز القضاء الشرعي سواء كانوا قضاة أم محامين، فلا يوجد أعلم منهم في رحلة عذاب من أنكر زوجها زواجها ونفى النسب إذا لم يوجد هنالك وثيقة تفيد انه زوجها وكانت هنالك ظروف لم تستطع الزوجة عرض بينتها كوفاة الشهود أو سفرهم.

كم من ملف يفتح لدى المحاكم الشرعية في البلاد الإسلامية تحت اسم إثبات زواج وإلحاق نسب؟ كم من دعوى شرعية تقام لإثبات الزواج؟ كم من لائحة جوابية تقدم إلى المحكمة الموقرة ينكر فيها الزوج زواجه من زوجته وأحيانا ينفي نسب الأطفال؟

ومن مئات قضايا إثبات الزواج العرفي الشفوي التي تفتح لدى المحاكم الشرعية في البلاد الإسلامية تحت رقم أساس كذا وتحت اسم إثبات زواج وإلحاق نسب ولم يقر الزوج بهذا الزواج حدثت قضية مميزة لا يمكن أن يمر قلمي عن مثل هذا المطلب دون أن يَفرِضَ عليَّ ضميري من سردها وروايتها حتى تكون عبرة لمن يريد أن يعتبر .

أما عن أحداث هذه القضية فقد قامت امرأة ما بتقديم دعوى إثبات زواج وإلحاق نسب ودعوى نفقة لها وللقاصرين ضد أحد الرجال مدعية فيها أنه تركها والقاصرين بلا مال وكنت وكيلها  في هذه القضية، فما كان من الزوج أثناء الجلسة الأولى في دعوى إثبات الزواج وقبل السير في دعوى النفقة، إلا أن أنكر زواجه من المدعية وأنكر نسب القاصرين إليه، وقد كانت المدعية في دعواها ادعت أنها زوجة له مدخول بها أنجبت منه قاصرين. ولخطورة إنكار الزواج كلفتنا المحكمة الموقرة بتوضيح واثبات ما قلناه في دعوى إثبات الزواج العرفي أنها زوجة للمدعى عليه والقاصرين هما أولاده.

قمت سؤال موكلتي عن مكان إجراء عقد الزواج العرفي الشفوي وعن الشهود الذين حضروا العقد وعن وجود احد من أقربائها أثناء عقد العقد أو وليها….الخ.

أجابتني موكلتي أن والدها هو الذي حضر العقد وكان أحد طرفي إبرامه وانه توفي قبل مدة قصيرة، وان الشهود الذين حضروا العقد هم من جماعة زوجها وهي لا تعرفهم، ولم يحضر العقد سوى والدها والشهود. طلبت من قاضي المحكمة الشرعية أن يوجه للزوج عدة أسئلة عن مكان سكناه وملبسه وطعامه ومعاشرته الجنسية فما كان من الزوج إلا أن قال صحيح انه تمت بيني وبينها معاشرة جنسية على آثرها أنجبت طفلتين ولكن كل ذلك جرى بدون عقد شرعي، وعندما سأله القاضي ألا تعلم انك تتكلم بشيء عظيم فما كان منه إلا أن قال هي دعتني لمواقعتها فوقعت عليها.أ.هـ

ولم تكن هذه القضية الوحيدة التي يدعي الزوج انه جامع امرأة برضاها دون أن يقر أنها زوجته مستغلاً في ذلك أن معظم البلاد اليوم لا تعاقب على جريمة الزنا إذا تمت بموافقة ورضا الأطراف وكانت المرأة فوق السن القانوني كما يقولون.

هذه هي بعض صور المعاناة الحقيقية من وراء الزواج العرفي عند  التطبيق الواقعي له، فكم من طفل وكم من امرأة تعاني من عدم توثيق عقد زواجها، وكم من رجل تزوج عرفيا من امرأة ثم خرج من بيته المستأجر لها دون أن يعود ودون أن يدفع أجرة المسكن ودون أن يترك عنوانا له، وأصبحت الزوجة هائمة على وجهها لا تدري ماذا تفعل، كم من طفل أوهم أن أباه بموجب العقد العرفي خرج وسيعود وهو في انتظار تحقيق هذا الوهم الذي لم يتحقق أصلا حتى يكبر ويعلم أن أباه تزوج أمه عرفيا ثم خرج ولم يعد.

إن الزواج العرفي من الناحية التطبيقية  زواج محفوف بمخاطر الانهيار والتنكر والتملص من الحقوق المترتبة عليه لذا على المسلمين والمسلمات أن يتجنبوا مثل هذا الأنواع من الزواج.

الزواج العرفي في التطبيق القضائي

(الأردني نموذجا)

مر معنا  مواصفات الزواج الصحيح في القانون الشرعي الأردني[14]  فقد جاء في المادة 14 ” ينعقد الزواج بإيجاب وقبول من الخاطبين أو كليهما في مجلس العقد” وجا ء في المادة 15″ يكون الإيجاب والقبول بالألفاظ الصريحة كالنكاح والتزويج وللعاجز عنهما بإشارته المعلومة”.

أما عن شروط انعقاد الزواج صحيحا فقد جاء في المادة 16″ يشترط في صحة عقد الزواج حضور شاهدين رجلين أو رجل وامرأتين مسلمين (إذا كان الزوجان مسلمين) عاقلين بالغين سامعين الإيجاب والقبول فاهمين المقصود بهما وتجوز شهادة أصول الخاطب والمخطوبة وفروعهما على العقد”. وجاء في المادة 32 ” يكون عقد الزواج صحيحا وتترتب عليه آثاره إذا توفرت في أركانه وسائر وشروطه”.

هذه بعض مواصفات العقد الشرعي الصحيح، فإذا توفرت ترتب على العقد كافة آثاره  من المهر والنفقة وثبت بينهما حق التوارث، وثبت بينهما النسب، ولزم الزوج أن يهيئ المسكن المحتوي على اللوازم الشرعية، وعلى الزوج أن يحسن معاشرة زوجته وعلى الزوجة أن تطيع زوجها في الأمور المباحة وغيرها من الحقوق.

أما مواصفات الزواج الباطل فيما مر معنا حيث جاء في المادة 33 من قانون الأحوال الشخصية الأردني ” يكون الزواج باطلا في الحالات التالية: تزوج المسلمة بغير مسلم، تزوج المسلم بغير كتابية،تزوج الرجل بامرأة ذات رحم محرم منه وهن الأصناف المبينة في المواد 23،24،25، من هذا القانون”، أما عن حكم الزواج الباطل فقد جاء في المادة 41 من قانون الأحوال الشخصية الأردني ” الزواج الباطل سواء وقع به دخول أو لم يقع به دخول لا يفيد حكما أصلا وبناء على ذلك لا تثبت به بين الزوجين أحكام الزواج الصحيح كالنفقة والنسب والعدة وحرمة المصاهرة والإرث”.

وجاء في المادة 43 من قانون الأحوال الشخصية الأردني” بقاء الزوجين على الزواج الباطل أو الفاسد ممنوع، فذا لم يتفرقا يفرق القاضي بينهما عند ثبوت ذلك بالمحاكمة، باسم الحق العام الشرعي، ولا تسمع دعوى فساد الزواج بسبب صغر السن إذا ولدت الزوجة أو كانت حاملا أو كان الطرفان حين إقامة الدعوى حائزين على شروط الأهلية.”

اما عن الزواج الفاسد جاء في المادة 34 من قانون الأحوال الشخصية الأردني” يكون الزوج فاسدا في الحالات التالية: إذا كان الطرفان أو احدهما غير حائز على شروط الأهلية حين العقد، وإذا عقد الزواج بلا شهود، وإذا كان شهود العقد غير حائزين للأوصاف المطلوبة شرعا، وإذا عقد الزواج على إحدى المرأتين الممنوع الجمع بينهما بسبب حرمة النسب أو الرضاع، والزواج المتعة والزواج المؤقت.”

وجاء في قانون قرار حقوق العائلة المادة 52 ” إذا كان الطرفان غير حائزين على شرائط أما عن حكم الزواج الفاسد فقد جاء في المادة 42 من قانون الأحوال الشخصية الأردني” الزواج الفاسد الذي لم يقع به دخول لا يفيد حكما أصلا، أما إذا وقع به دخول فيلزم به المهر والعدة ويثبت النسب وحرمة المصاهرة ولا تلزم الأحكام كالإرث والنفقة قبل التفريق وبعده”.

وجاء في المادة 43 من قانون الأحوال الشخصية الأردني” بقاء الزوجين على الزواج الباطل أو الفاسد ممنوع، فذا لم يتفرقا يفرق القاضي بينهما عند ثبوت ذلك بالمحاكمة، باسم الحق العام الشرعي، ولا تسمع دعوى فساد الزواج بسبب صغر السن إذا ولدت الزوجة أو كانت حاملا أو كان الطرفان حين إقامة الدعوى حائزين على شروط الأهلية.”

والملاحظ من خلال كافة مواصفات الزواج الصحيح والفاسد والباطل انه لا يوجد ذكر لما يسمى الزواج العرفي، وعليه فان الزواج العرفي في القانون الأردني يؤخذ حكمه بناء على مواصفاته فإذا وقع صحيحاً يكون صحيحاً وإذا وقع فاسداً ينطبق عليه أحكام الزواج الفاسد وكذا إذا وقع باطلا مع الإشارة أن عدم التوثيق لا يحدث خللا في العقد من حيث صحته وبطلانه إلا انه موجب لعقوبة معينة.

جاء في المادة 17 من نفس القانون:” أ. يجب على الخاطب مراجعة القاضي أو نائبه لإجراء العقد. ب. يجري عقد الزواج من مأذون القاضي بموجب وثيقة رسمية وللقاضي بحكم وظيفته في الحالات الاستثنائية أن يتولى ذلك بنفسه بإذن من قاضي القضاة. ج. وإذا جرى الزواج وبدون وثيقة رسمية فيعاقب كل من العاقد والزوجين والشهود بالعقوبة المنصوص عليها في قانون العقوبات الأردني وبغرامة على كل منهم لا تزيد عن مائة دينار…  .”

والملاحظ إن هذه المادة لا تحدث خللا في عقد الزواج إذا تم بصورة عرفية ودون توثيق ، بل يبقى العقد صحيحا وتفرض غرامة مالية أو عقوبة معينة لمخالفة الإجراءات والنظم المعمول بها في الدولة.

 

الحقوق محفوظه لموقع نوازل

 [1]الشيخ مصطفى الزرقاء، المدخل الفقهي العام 2/832 بتصرف بسيط

 [2]مجلة البحوث الفقهية، العدد 36 السنة9 ،1418هـ، 97/1998م.

 [3]د. عمر سليمان الأشقر، أحكام الزواج في ضوء الكتاب والسنة، دار النفائس، الأردن، الطبعة الأولى 1997  ص175

[4] المحامي كمال صالح البنا، الزواج العرفي ومنازعات البنوة  في الشريعة والقضاء، دار الكتب القانونية، مصر،ص6.

[5] د. محمد عبدالهادي أبو سريع، زواج المتعة، الدار الذهبية، ص99

[6]  د. يوسف القرضاوي، زواج المسيار حقيقته وحكمه، ص10

[7]  د. عبد الفتاح عمرو، السياسة الشرعية في الأحوال الشخصية، ص43

[8] د. محمد العمراني، فقه الأسرة المسلمة في المهاجر، ص 375

[9] الأشقر، أسامة عمر، مستجدات فقهية في قضايا الزواج والطلاق، دار النفائس، الطبعة الأولى 2000م ص161

[10] ابن تيمية، احمد بن عبد السلام الحراني، الفتاوى، 32/34.

[11] سورة البقرة الاية282

[12] ابن تيمية، احمد بن عبد السلام الحراني، الفتاوى، 32/131

 [13]د. عمر سليمان الأشقر، أحكام الزواج في ضوء الكتاب والسنة، دار النفائس، الأردن، الطبعة الأولى 1997  ص175

[14] قانون الأحوال الشخصية، من كتاب أعده وجمعه المحامي د.محمد أبو بكر، دار الثقافة عمان 2005.

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017