الصوم بين فقه المفطرات وفقه المضيعات

الخميس 30 مارس 2017
شارك المقال

الصوم بين فقه المفطرات وفقه المضيعات

بقلم:أ رائد عبدالله بدير

كم نحن بمسيس الحاجة الى فهم ” فقه المضيعات” كما فهمنا ” فقه المفطرات”، كم نحن بحاجة إلى فهم ان ” التقوى” وهي الغاية الكبرى من فرض الصيام، لا تأتي إلا إذا فقهنا المفطرات في الصيام وفقهنا المضيعات للصيام.

يحفظ أطفال المسلمين عن ظهر قلب ” مفطرات الصوم”، فكل المسلمين ذكورهم وإناثهم صغارهم وكبارهم عربهم وعجمهم يدركون ان الطعام والشراب من المفطرات في رمضان، فمن تناول طعاما أو شرابا عامدا متعمدا معتديا على حرمة نهار رمضان فقد افطر.حتى انك لا تجد من يفعل ذلك من الصائمين، بل الصائم يحرص كل الحرص على اجتناب المفطرات ، وإذا شرب ناسيا أو سهوا حدثته نفسه انه هلك، ولولا أن تداركه فتوى المفتي بإتمام الصوم لرفع الحرج عن الناسي لعد نفسه من الهالكين.

لقد تواصت الأمة الإسلامية فيما بينها في فقه المفطرات حتى أتقنتها وحفظتها وحققت مفهوم التقوى والغاية من الصيام في هذا الجانب ، لكنها غابت كل الغياب عن “فقه المضيعات”،   والحديث عن الأمة الإسلامية جمعاء، وليس عن أفراد هنا وهناك، حيث ان التماس التقوى تارة يكون على مستوى الأفراد وتارة يكون على مستوى الجماعة، فالفرد قد يلتمس التقوى ويحقق مواصفاتها، لكن القران الكريم تحدث عن المجتمع وعن الجماعة التي تسعى لتحصيل التقوى، وليس فقط عن الأفراد يقول الله تعالى:﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف).

لقد حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يبين لنا المفطرات في الصوم وحرص ان ينبهنا الى المضيعات أيضا فعن عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ، ‏ عَنِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ: “‏مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ“. اخرجه البخاري وغيره.

انتبهوا إلى عظمة هذا الحديث بهذا اللفظ فهو بين ثلاث مسائل هامة جدا، المفطرات، والفقه، والمضيعات، ففي الشطر الأول تناول المضيعات ، أي مضيعات الصيام، وان اجتناب المفطرات دون اجتناب المضيعات ما هو الا كالعاملة الناصبة، ثم بين رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتناب الجهل، وهذا دلالة قوية على تعلم فقه المفطرات وفقه المضيعات، لان الصائم لا يقرب الماء والطعام اثناء صومه لان في اقترابه منهما حركة سلوكية يشعر بها ثم انه ييتناول شيئا محسوسا.

اما ان تقول كلمة باطل باللسان عن عمرو او زيد فهذا سهل على اللسان وغير محسوس وهو في نفس الوقت مضيع للصيام.

ان تعلم فقه المضيعات أولى من تعلم فقه المفطرات، لان النجاة لا تكون بأحدهما دون الآخر بل النجاة تكون بالاثنين معا، ولا يمكن تحصيل التقوى الا بالاثنين معا وهو الغاية من الصيام.

انتبهوا الى هذا الحديث الذي يبين مدى أهمية “فقه المضيعات”، يقول أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ” قَالُوا الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: “إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ”. أخرجه أحمد (2/334 ، رقم 8395) ، ومسلم (4/1997 ، رقم 2581) ،وغيرهم

انتبهوا الى ان المفلس في هذا الحديث قد قبل الله تعالى منه صلاته وزكاته وحجه وصومه بدليل ان سجل له حسنات في ميزانه لكن الذي قضى عليه انه كان غائبا عن” فقه المضيعات” فلم ينتبه انه أضاع حسناته بسبه وشتمه وضربه وسفكه للدماء.

هذا الحديث يتناول رجال ونساء اخلصوا العمل لله لان الله يتقبل فقط العمل الخالص وإلا فكيف سجل لهم حسنات، هذا الحديث يتناول الصالحين الذين غابوا عن “فقه المضيعات”، فضاعت إعمالهم الصالحة والخالصة لوجه الله تعالى، لأنهم حققوا الشطر الأول من الفقه الا وهو فقه الأركان وفقه السنن وفقه المفطرات وفقه الإخلاص، لكنهم غابوا كل الغيب عن فقه المضيعات فضاعوا وضاعت أعمالهم.

 

 

 

 

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017