الفارق بين المشروعية الإسلامية والمشروعية في القانون الوضعي غير المسلم عند سن القوانين

الأربعاء 14 يوليو 2021
شارك المقال

 

                       الغاية من المأمورات الشرعية جلب المنافع والغاية من المنهيات درء المفاسد وهذا   محل اعتبار عند تشريع أي قانون في النظام الاسلامي 

 

الشيخ رائد بدير – مدير دار الافتاء والبحوث الإسلامية 48

الغاية من إنزال الشريعة الإسلامية هو تحقيق مصلحة الإنسان وخيره في الدنيا والآخرة، وان كل نص من نصوص الشريعة الإسلامية يحمل بين ثناياه مصلحة تتحقق فور تنفيذه أو العمل به فالأحكام الشرعية ما هي إلا وسائل لغايات، والغاية الكبرى من هذه الوسائل هو تحقيق مصلحة الإنسان ولهذا وتتميز المشروعية الإسلامية عن القانون الوضعي في أنها لا تكتفي فقط بمعيار الصحة والبطلان، للحكم على التصرفات بل نجدها تنقل حكم التصرف من الإباحة إلى الندب ثم إلى الوجوب، ومن الإباحة إلى الكراهة فالتحريم. وهذا الحكم على التصرف وتدرجه بداية من الوجوب انتهاءً إلى التحريم إنما يؤكد أن الأحكام الشرعية ما هي إلا وسائل لغايات، ولا يتم التحقق من أن الحكم المرتبط بغاية وهدف يحقق المقصود من تشريعه ابتداء إلا بعد النظر والتدقيق عند تطبيقه، لذا أنشأت الشريعة الإسلامية نوع أدوات النظر والاجتهاد يضمن تحقيق المصلحة المقصودة من تشريع الأحكام. ومن المعلوم أيضا أن الأحكام وسائل لغايات والأصل في المأمورات منها جلب المنافع والأصل في المنهيات منها درء المفاسد، فاذا حرّم الإسلام امرا ما فإنما يحرمه للمفاسد المترتبة عليه، والى جانب كل هذا فالشريعة الإسلامية لا تهمل واقع الإنسان وطبيعته وتأتى بأحكام ومثل خارجة على نطاق قدراته، أو غير معتبرة لظروفه، فالواقع في الشريعة مادة للدرس والتمحيص والتحليل لمقوماته وسائر عناصره وأهدافه للحكم عليه لا للاحتكام إليه والتسليم به على علاته، وهذا الفارق بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي من حيث منشأ المشروعية ومبدأ التشريع فالقانون الوضعي يحتكم الى الواقع ويبني قوانينه مستندا اليه، وعلى هذا الأساس تم تشريع الزنى برضا الأطراف فوق سن محدد او حتى اختيار الموت للملل في بعض دول أوروبا وتم تشريع الربا بالتراضي وزواج الشواذ…الخ كل هذا استنادا لفلسفة المدرسة الواقعية  والتي ترى ان الواقع على علاته مصدرا من مصادر التشريع القانوني الوضعي،  والتي  لا ترى فيه انه معتل معلول، وانه مادة للدرس والتمحيص،  بل ترى فيه حاجات الفرد حريته،  ومن المنظور الشرعي الإسلامي  مثل هذه القوانين تغرق المجتمع في مفاسد بلا حدود.ولهذا  تتميز المشروعية الإسلامية عن القانون الوضعي ان القيم الإنسانية والمصلحة الشرعية التي انبت عليها المأمورات في جلب المصالح والمنهيات في درء المفاسد تبقى ثابتة الى قيام الساعة، ومراعاة الواقع انها تنقل المجتمع  من الواقع المعتل الى المثالية ولو بالتدرج، فالواقع ليس مادة التشريع بل مادة التمحيص، والسعي نحو المثالية هي الأساس الذي يبني عليه التشريع، وعليه لم يتم إضفاء المشروعية على المجتمع الواقع في  المنهيات والحدود  بل يتم معالجة هذا الواقع مع مراعاة ظروف المجتمع وتنوع الخيارات في العلاج ، خذ مثلا السرقة في عام المجاعة  لم يتم تشريع السرقة على انها مباحة لكن تم تخفيف الحكم مراعاة للظروف، عملا بالقاعدة : ادرؤوا الحدود بالشبهات” وفي الآخر: “ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم” او مثلا تنوع الخيارات في العقوبة مراعاة لأنماط  النفس البشرية مثلا في القتل العمد: القصاص او الدية المغلظة او العفو مطلقا، لم يتم اباحة القتل العمد بل تعددت الخيارات في اثاره،خذ مثلا في الاثار المترتبة على شرب الخمر كما جاء في كتب الفقهاء (( “المهذب” (3/368) “الإنصاف” (27/31) ، “مجموع الفتاوى” (22/240)عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: ” أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَتَيْنِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ. قَالَ: وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ اسْتَشَارَ النَّاسَ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَخَفُّ الْحُدُودِ ثَمَانونَ، فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ ” رواه مسلم (1706). وهذا الحد بالجلد مما اتفق عليه أئمة أهل العلم، مع خلاف في بعض تفاصيله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أما “شارب الخمر”: فيجب باتفاق الأئمة أن يجلد الحد إذا ثبت ذلك عليه، وحده أربعون جلدة أو ثمانون جلدة. فإن جلده ثمانين جاز باتفاق الأئمة.وإن اقتصر على الأربعين : ففي الإجزاء نزاع مشهور: فمذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين : أنه يجب الثمانون.ومذهب الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى عنه : أن الأربعين الثانية تعزير ، يرجع فيها إلى اجتهاد الإمام؛ فإن احتاج إلى ذلك ، لكثرة الشرب أو إصرار الشارب ونحو ذلك : فعل . واختلف العلماء في الشارب الذي يتوب قبل أن يصل أمره إلى القضاء؛ فذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا حد عليه؛ قياسا على جريمة الحرابة؛  ولأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له.وهو مذهب الإمام الشافعي وأحمد ، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله .” لاحظ ان المساحة المعطاة في الاثار المترتبة على مخالفة الشريعة في الحد والتعزير والتوبة اذن هي المساحة المتاحة للنظر والاجتهاد لا شرب الخمر نفسه عند سن القوانين.

فالملحظ هنا في التشريع الإسلامي ان النظر والاجتهاد منصب على الاثار المترتبة على  المنهيات وليس على تأصيل مشروعية المنهيات، لان كل  حكم شرعي سواء في المأمورات او المنهيات  إلا وهو يحقق مصلحة أساسها المحافظة على النفس أو العقل أو الدين أو النسل أو المال ، ولا يمكن أن يكون حكم شرعي إلا هو متجه إلى ناحية من هذه النواحي.  وهذه هي الأصول التي تبنى عليه القوانين المرعية في الشريعة الإسلامية، وكل قانون خرج عن هذه الأصول ليبيح الحرام أو يحرم الحلال فهو مخالف للشرع ولا يجوز مساندته ولا تاييده ومهما كان تؤول المتأولين. وهنالك فارق شاسع بين الفتوى للحاجة او الضرورة لفرد بعينه بعد تحقيق المناط الخاص وبين تشريع القوانين استنادا على الواقع المعتل كتلبية لحاجة من حاجاته.

 

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017