الفتوى في الداخل الفلسطيني 48

الثلاثاء 30 نوفمبر 2021
شارك المقال

الشيخ رائد بدير- دار الافتاء والبحوث الاسلامية 48

نحن فلسطينيون وجزء أصيل وعريق من الشعب الفلسطيني الذي جزأته الاتفاقيات وشتته الظروف حتى بات يُعرف بالأرقام: 1948، 1967، او المواصفات: الداخل، والخارج، والشتات، او الجغرافيا: الضفة وغزة والقدس، او الألوان الخط الأخضر والاحمر او الهندسة: والمثلث او الجهات: الشرقية والغربية …الخ من الجزئيات وما زال مسلسل تجزيء المجزأ يعصف بفلسطين ارضا ووطنا وشعبا الى ما نهاية. وتعتبر هذه حالة نادرة من توصيف وطن وشعب.   إنّ نازلة ” إسرائيل” لن تغيير من اصالتنا او عراقتنا او قوميتنا أي شيء كنا فلسطينيين وسنظل فلسطينيين، وكل ما يتعلق بالجنسية الإسرائيلية التي نحملها ما هي الا نازلة وظرف طارئ نزل بالأمة الإسلامية على وجه العموم وفلسطين على وجه الخصوص، ولن ولم تغيير الجنسية الإسرائيلية التي نحملها من حقيقة هويتنا القومية، ووفق هذا التوصيف نحن لسنا أقلية نحن جزء من الفلسطينيين والذين هم جزء من امة عربية وإسلامية نزلت بها النوازل حتى باتت مفرقة وبعيدة عن الوصف القرآني والنبوي لها.

ووفق هذا التوصيف فنحن لسنا اقلية كأقليات المسلمين الذين يعيشون في دول الغرب او الشرق، التي تحكمها أنظمة غير إسلامية، فلا نظامهم الغير الإسلامي يقاس على ” إسرائيل” ولا شعوبهم ” تقاس على “يهود إسرائيل” ولا المسلمين الذين يعيشون في بلادهم كأقليات يقاسون على الفلسطينيين في الداخل الفلسطيني 1948 ” وعليه لا يُقاس علينا ولا نقيس أنفسنا على أحد بسبب.  ” إسرائيل” لا يشبهها أي كيان على وجه الأرض من حيث المنشأ والولادة والتواجد الجغرافي وهي في تكييف الفقهاء وتوصيفاتهم مختلفة تماما عن أي نظام غير مسلم آخر. وعليه فكل فقه الأقليات الذي نشأ من عقود في غير بلاد المسلمين من غير ” إسرائيل ” لا نحتكم اليه ولا يحتكم الينا، وانما الاطلاع عليه من باب الثقافة والعلم. لذا لا نتخذ منهجية في الفتوى وفق مقولة ” الأقلية العربية ” ولا تحتكم لفقه الأقليات بالعرف المشهور عند الفقهاء في تعريف فقه الأقليات. وانما من الاحتكام الى مصادر التشريع الإسلامي ـ بكل أنواعها واقسماها العامة ومصادر خطط طوارئ تشريعية. وعليه لسنا أقليات بالعرف المشهور في تعريف الأقليات من النظرة الفقهية.

أعي ومدرك وفاهم وعالم ومطلع على الفجوات الهائلة والمساحات الشاسعة بين صفات وخصائص الامة الإسلامية كما ينبغي ان تكون عليه من صفات وخصائص الواردة في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، والحال الذي آلت اليه في يومنا هذا حتى أصبحت على ما عليه اليوم. أدرك أن كل ما يتعلق بمجالات الحياة البشرية من والسياسية ونظام الحكم والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية والقضائية والجغرافية.. الخ أن الأصل الذي ينبغي ان تكون عليه الامة الإسلامية هو وفق الخصائص والميزات والاحكام والارشادات التي نصت عليها النصوص الشرعية من القران الكريم والسنة النبوية المطهرة.  وهذا مفقود وغير موجود اذ حلّ حلّه ما لا يحتاج الا شروحات ولا تفسيرات. ندعو ليل نهار الى ان تعود الامة الى رشدها من حيث نظام الحكم والاقتصاد والقوة والاجتماع، والوحدة في الكلمة والجغرافية وسائر مناحي الحياة كما كانت راشدة في الماضي، عاقلة وعادلة وسيدة العالم، يعيش في ظلها المسلم وغير المسلم بأمن وامان. الا ان هذا يحتاج الى علم وفهم وعمل وإخلاص ودعاء ورجاء، والى حين تحققه ندرك ان النوازل نزلت بالأمة الإسلامية ، حتى أصيحت 57 دولة ونظام حكم مختلف عن الاخر، وفي الغالب  يعتمد على الخطاب المنفرد على أساس قومي ،  وداخل كل دولة أحزاب وحركات وجماعات تعد بالمئات كل حركة وحزب وجماعه لها خطابها ولونها الفكري ومجموع هذه المركبات اقرب الى الصراع منه الى الوفاق والخلاف منه الى الاتفاق والفرقة منه الى الوحدة،  لسنا بمعزل عن هذا الواقع المر،  والمكان   الذي وصلت اليه لرؤية الفجوة عموديا وافقيا  فيما نزل بالأمة الإسلامية له اعتباراته قلما يصل اليه بعض الافراد من الاطلاع من جميع الجهات والوجهات.

ونعلم علم اليقين  ان الشريعة الإسلامية ليست عاجزة امام المتغيرات والمستجدات مهما كانت نوع تلك المتغيرات وفي كل مجالات الحياة، ونعلم ان في الشريعة الإسلامية اعتبارات للظروف والنوازل والمستجدات  بالفرد والجماعة والأمة،  وقد كتبت كثيرا حول خصوصية الظرف الزماني والمكاني الذي نعيشه تحت حكم الصهيونية لفلسطين المحتلة  وبالتحديد فلسطين 1948، ومنذ سنوات طويلة وانا اكتب فتاوى ومقالات ومؤلفات في كل مجالات حياتنا اليومية تطرقت الى التكييف الفقهي ” لإسرائيل” ، وكيف نشأت، والوصف الفقهي لفلسطين وكتبت حول كثير من القضايا مثل حكم المشاركة في الانتخابات لدخول الكنيست الإسرائيلي، وفي المعاملات المالية والطبية والاحوال الشخصية، السلام والحرب والهدنة وكل ذلك منشور تجده دون عناء في رحلة علمية تزيد عن ثلاثين سنة في صحبة العلماء الاحياء منهم والاموات- رحمهم الله جميعا-  .وفي كل مرة أعاود النظر في كتب الأصول وصحبة علماء الأصول من الامة الإسلامية أكتشف عظمة الفقه الإسلامي المستند الى أصوله.

إن مباحث الاجتهاد بكل أنواعه الاستنباطي والتطبيقي من أهم المباحث في علم الأصول لأنه تعين كوسيلة للنظر والتدقيق في كل مستجدات الحياة ونوازلها من البعثة الى قيام الساعة، وان أهم أدوات الاجتهاد تتعين في القياس وان هم ما في القياس وركنه الأعظم العلة وان ما يجب معرفته في العلة حتى تصل اليها المسالك التي وضعها الاصوليون دون هذا لا يمكن لكائنا من كان ان يتصدر الفتوى في النوازل والمستجدات في كل مجالات الحياة دون استثناء أي مجال منها من نظام الحكم حتى اماطة الأذى عن الطريق.وإن اتباع مسالك تعليل الاحكام التي وضعها الاصوليون عند الفتوى في النوازل والمستجدات هي بمثابة  المفاتيح للوصول الى الحكم، وان وجوب إتباع هذه المسالك هو حماية المفتي  من المزاجية او العشوائية أو الهوى ، وبهذا يتحصل الاجر عند الخطأ والصواب وبهذا يحمي ذاتية التشريع الإسلامي أن يعود على نفسه بالتناقض،   فالثواب والاجر على الاجتهاد وان كان خطأ نتيجة إتباع مسالك الوصول الى الحكم التي وضعها الشارع ،  فلا نتناول احكام الاباحة او التحريم او الوجوب عند الفتوى من باب التشهي وهذا ينطبق على كل من تصدى للفتوى عند النوازل والمستجدات، فالإجماع على سلوك المسالك والخلاف ربما  يكون في النتائج.

 

والواجب على  كل من يريد ان يصل الى فتوى في الاجتهاد التطبيقي او الاستنباطي عند النوازل عليه ان يبين المسلك الذي سلكه للوصول الى حكم، وعدم بيان المسلك يعني عدم مناسبة الفتوى للواقعة إذا ان النوازل والمستجدات لا تستجلب الاحكام العامة في الفقه وأصوله بل تستعدي خطط الطوارئ التشريعية، ولا يمكن ان يأتي الفقيه من عموم النوص لينزلها على واقع مليء بلنوازل والمتغيرات ، بل يستدعي النصوص التي عالجت أمثال هذه النوازل والمتغيرات، وحتى يكون القياس سليما لا بد ان يصل الى العلة التي تربط بين الأصل الذي هو فالأصل  النص المستثنى من العموم وهو نص أيضا، ثم يسلك احد مسالك التعليل المؤدية الى الحكم ولا يخرج عنها، وان كل من لا يدرك هذا الطريق لا يستطيع ان يفتي في النوازل والمتغيرات وسيفتي بالأحكام العامة وبهذا سيكون التناقض والعشوائية، فالنصوص الشرعية منها ما عالج الاحوال العامة ومنها ما عالج المستجدات والنوازل والطريق اليها في كل مستجد الى يوم القيامة يكون عن طريق الاجتهاد وأول اداة من أدوات الاجتهاد القياس ومن ثم اكتشاف العلة عن طريق احد مسالكها ثم يلحق حكم  المستجد والمتغير بالأصل والذي يكون هو أيضا في مجال الاستثناء والطوارئ والنوازل.ان الواجب الشرعي على الفقيه الاصولي الناظر في النوازل والمستجدات  ان يسير وفق مسالك التعليل للوقوف على مناط الحكم قبل النطق به، فلو اختلفت نتائج الحكم كان الخلاف مشروعا لان الفقيه الاصولي اعتمد مسالك الطريق الى الفتوى الموضوعة للوصول الى الفتوى، اما عدم اعتماد المسالك وتتبع الهوى فهذا امر نهى الشرع عنه ولا اجر عليه، ومسالك التعليل للوصول الى الركن الأعظم    الذي ينبني عليه القياس ، ومدار القياس عليها الا وهو العلة ، لهذا  نبع عند العلماء الاهتمام ببيان الطرق المفضية إليها والدالة عليها ، والتي من خلالها يعرف ما اعتبره الشارع علة للحكم وما لم يعتبره علة له،. وقد اختلف الأصوليون في عدد تلك الطرق فمنهم من عدها عشرة كالرازي مثلا حيث قال : “الطرق الدالة على علية الوصف عشرة : النص ، والإيماء ،  والإجماع ، والمناسبة ، والشبه ، والدوران ، والسبر والتقسيم ، والطرد ، وتنقيح المناط ، وأمور أخرى اعتبرها قوم وهي عندنا ضعيفة، وعدها الأسروي تسعة مسالك فقال : “وهي- أي مسالك العلة- تسعة : النص ، والإيماء ، والإجماع ، والمناسبة ، والسنة ، والدوران، والتقسيم ،والطرد وتنقيح المناط”. وقال الشوكاني: “مسالك العلة أحد عشر مسلكا: الإجماع، والنص، والإيماء، والاستدلال والسبر والتقسيم، والمناسبة، والشبه، والطرد ، والدوران ، وتنقيح المناط ، وتحقيق المناط” . فبواسطة هذه الطرق المحصورة يمكن إثبات العلة.

 

اما من حيث الجهة التي تنظر منها  فقد تقرر في الشرع إثبات الأحكام المختلفة نظراً إلى الجهات المختلفة، مثل الصلاة في الدار المغصوبة، فإنها من حيث إنها صلاة سبب الثواب، ومن حيث إنها غصب سبب العقاب، والجهة المقتضية للثواب مشتملة على المصلحة، والجهة المقتضية للعقاب مشتملة على المفسدة … وهذا الوجه مبني على قول الفقهاء الصلاة في الدار المغصوبة عبادة من وجه، ومعصية من وجه آخر فكل من المصلحة والمفسدة هنا معتبر شرعاً، فلو كانت المصلحة تبطل بمعارضة المفسدة، لما صحت الصلاة، ورتب الثواب عليها. ولا اتي بالمثال هنا لاحدد الصلاة بعينها انما اسعى الى المقاصد فإقامة الصلاة مرتبة في المقاصد بحفظ الدين، وغصب الأرض مرتبط بحفظ المال، فمن اغتصب ارضا فقد عارض مقاصد الشرع في حفظ المال وهنا النظرة في الجهة التي تقف عندها ان هنالك انتهاك لمقصد حفظ وان هنالك امر بحفظ الدين، فمن أي جهه اثبت الحكم، وأين أقف لأثبات الحكم. فما من حكم شرعي إلا وهو يحقق مصلحة أساسها المحافظة على النفس أو العقل أو الدين أو النسل أو المال، وان هذا يبدو من الشريعة في جملة مقاصدها، ولا يمكن أن يكون حكم شرعي إلا هو متجه إلى ناحية من هذه النواحي.

 

ولا يتوقف الامر عند مسلك التعليل او الجهة التي تقف عندها بل تمحيص الواقع وتشخصيه وهي أصعب ما الامر لانزال الفتوى ، وهو ما يسمى في علم أصول الفقه تحقيق المناط  وهو كما قال العلماء ، إثبات مضمون القاعدة العامة ، أو الأصل الكلي ، أو العلة في الجزئيات إبان التطبيق ، بشرط أن يكون كل من المضمون والعلة متفقا عليه ، فهو ضرب من الاجتهاد بالرأي في التطبيق الذي لا يمكن أن ينقطع حتى فناء الدنيا ، وبيان ذلك أن تطبيق كل من القاعدة العامة ، أو الأصل اللفظي العام ، أو الأصل المعنوي العام ، المتفق على حجية كل أولئك بين الأئمة والمجتهدين على الجزئيات والفروع المستجدة أو المعروضة ، إذا تحقق معناه فيها كملا والمجتهد والفقيه هو الذي يثبت هذا التحقيق والحصول بالبحث والاجتهاد كما يشمل مفهومه أيضا، إثبات وجود علة حكم النص الجزئي المتفق عليها في ذاتها  في الفرع ، الذي لم يرد فيه نص أبان إجراء القياس الأصولي ،سواء أكانت تعرف تلك العلة في ذاتها ، عن طريق النص الشرعي أو الإجماع أو الاستنباط، وتحقيق المناط نوع من أنواع الاجتهاد المتعلق بالمكلفين كافة ولا يمكن أن ينقطع إلى قيام الساعة حيث يقول : “الاجتهاد على ضربين أحدهما لا يمكن أن ينقطع حتى ينقطع اصل التكليف ، وذلك عند قيام الساعة ، وهذا اجتهاد المتعلق بتحقيق المناط وهو الذي لا خلاف بين الأمة في قبوله، ومعناه أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي لكن يبقى النظر في تعيين محله وهو نوعان، تحقيق المناط نوعان ، نوع عام ، ونوع خاص ، فالتحقيق من وجود مناط الحكم في الواقعة المحكوم فيها أو عدم وجوده ، أو بمفهوم آخر البحث عن وجود وصف اعتبره الشرع علة للحكم فيما هو منصوص عليه في الواقعة الجديدة غير المنصوص عليها ، وهو بهذا ضرب من الاجتهاد التطبيقي للقواعد العامة أو الأصول الكلية أو للعلة في الجزئيات ، وهذا الضرب من الاجتهاد ضرورة  لكل شريعة وقانون ، وانه لا ينقطع مهما تبدل الزمان وتغيرت الأحوال ، بل هو حاجة الولاة والائمة والفقهاء، وحينما كانت الأحكام المراد تنزيلها أحكاما كلية عامة تتناول أجناس الأفعال والأنواع بحيث لا تسع أفعال الإنسان في تعددها لتعدد الأفراد ، وفي   تغايرها وتجددها بتجدد الزمن ، فان إرجاع هذه الأفراد من الأفعال المتعددة الكثيرة المتغايرة المتجددة إلى تلك الأحكام الكلية العامة لتوجهها، بما يحقق المصلحة ويستلزم جهدا عقليا عظيما متعدد المظاهر متحد الغاية ، وذلك الجهد هو الاجتهاد في التنزيل الذي سماه الشاطبي الاجتهاد لتحقيق المناط والوظيفة الأساسية لتحقيق المناط هي ضمان تحقيق العدل والعدالة عند إنزال الأحكام سواء كانت عامة تتعلق بالأنواع أو خاصة تتعلق بالأشخاص ، والغرض الأساسي لتحقيق المناط أن ينظر في الصور العملية لأفعال الناس وملاءمة تلك الصور بعد الفحص والنظر والأخذ بالاعتبار حتى حالة المكلف نفسه وما يصدر عنه من تصرفات في حالات معينة، والنظر في آثار تلك التصرفات وغايتها ليرجع كل نوع من تلك الأنواع أو تصرف من تلك التصرفات إلى جنسه في الشريعة فيشمله حكمه . وهذه الوظيفة تستلزم جهدا عقليا عظيما تماما كعملية تشخيص المرض لاختيار العلاج المناسب، والغاية الكبرى من كل هذا هو تحقيق المصلحة التي توخاها الشرع عند تنزيله للشريعة، ولأهمية قاعدة تحقيق المناط العظمى قال العلماء إن تحقيق المناط لا يستغني عنه فقيه ولا عامي.

 

إن مبدأ تحقيق المناط الثابت بإجماع الأصوليين والفقهاء ، – وهو مقتضى للتشريع نفسه –  لا يقل عن الاجتهاد بالرأي فيه ، خطرا واثرا ، عن الاجتهاد بالرأي في الاستنباط ،  إذ تتعلق بالتطبيق العملي ثمرات التشريع الإسلامي كله ، بل ومقصد الشارع من إنزال الشريعة لتدبير الحياة الإنسانية على وجه الأرض ، وإلا فاستنباط الأحكام نظريا لا يغني عن تطبيقها عمليا، واجتناء ثمراتها في مواقع الوجود،  والمعتمد بالاستقراءأن الشريعة وضعت لمصالح العباد استقراءً لا ينازع فيه أحد فما من حكم شرعي إلا وهو يحقق مصلحة أساسها المحافظة على النفس أو العقل أو الدين أو النسل أو المال ، وان هذا يبدو من الشريعة في جملة مقاصدها ، ولا يمكن أن يكون حكم شرعي إلا هو متجه إلى ناحية من هذه النواحي. إذن الهدف والغاية من إنزال الشريعة الإسلامية هو تحقيق مصلحة الإنسان وخيره في الدنيا والآخرة ، وان كل نص من نصوص الشريعة الإسلامية يحمل بين ثناياه مصلحة تتحقق فور تنفيذه أو العمل به، وقاعدة تحقيق المناط هي بمثابة شبكة الأمان التي تضمن تحقيق المصلحة المنشودة عند تطبيق الأحكام الشرعية، وهي بمثابة الموجه الذي لا يمكن لاحد أن يستغني عنه عند تطبيق الأحكام ، فالأحكام الشرعية ما هي إلا وسائل لغايات ، والغاية الكبرى من هذه الوسائل هو تحقيق مصلحة الإنسان وبهذا تتميز المشروعية الإسلامية عن القانون الوضعي في أنها لا تكتفي فقط بمعيار الصحة والبطلان ، للحكم على التصرفات بل نجدها تنقل حكم التصرف من الإباحة إلى الندب ثم إلى الوجوب ، ومن الإباحة إلى الكراهة فالتحريم ، . وهذا الحكم على التصرف وتدرجه بداية من الوجوب انتهاءً إلى التحريم إنما يؤكد أن  الأحكام الشرعية ما هي إلا وسائل لغايات، ولا يتم التحقق من أن الحكم المرتبط بغاية وهدف يحقق المقصود من تشريعه ابتداء إلا بعد النظر والتدقيق عند تطبيقه ، لذا أنشأت الشريعة الإسلامية نوع من أنواع النظر والاجتهاد يضمن تحقيق المصلحة المقصودة من تشريع الأحكام وهذا النوع هو قاعدة تحقيق لذا قال العلماء لما ثبت أن الأحكام شرعت لمصالح العباد ، كانت الأعمال معتبرة بذلك لانه مقصود الشارع منها ، فإذا كان الأمر في ظاهره وباطنه على اصل المشروعية فلا إشكال ، وان كان الظاهر موافقا ، والمصلحة مخالفة ، فالفعل غير صحيح وغير مشروع ، لان الأعمال الشرعية ليست مقصودة بنفسها وإنما قصد بها أمور أخرى هي معانيها وهي المصالح التي شرعت لاجلها ،فالذي عمل من ذلك على غير هذا الوضع ، فليس على وضع المشروعات كما أن الشريعة الإسلامية لم تشرع الحقوق وما تستلزم من أعمال كغايات ، حتى يكون صاحبها مطلق التصرف فيها، بل شرعت كوسائل لتطبيق مصالح ، ووضعت الحقوق في يد الفرد لهذا الغرض، وبذلك اصبح كل حق في الشرع مقيدا بغايته، والانحراف عن هذه الغاية التعسف بعينه،. ووجه إيراد هذا الكلام لنبين أن قاعدة تحقيق المناط هي وسيلة الكشف والنظر والتمحيص للحكم على التصرفات لتظهر أهي موافقة للشرع نصا وروحا، منطوقا ومنطقا بداية وغاية ام لا؟ ولهذا انشأت هذه القاعدة الجليلة وأنيطت   بها تلك المهمة.

نحن في الداخل الفلسطيني 1948 لا نتصدى للفتوى دون دخول أي مسالك من هذه المسالك لتعليل ما وصلنا اليه في كل مجالات الحياة، ومن المتفق عليه أن” إسرائيل” أكبر نازلة من نوازل هذا العصر، فالفتوى بالنسبة لنا نحن في الداخل الفلسطيني 1948 وما الت اليه ظروفنا الزمنية والمكانية والبيئة والجغرافية معظمها تدخل في النوازل والطوارئ. ونبحث دائما عن الأصل الشرعي من القران الكريم والسنة النبوية الصحيحة ومصادر التشريع الأخرى والذي يعين كنص طاريء ويوصف بالاستثنائي او والذي هو أصل أيضا من النصوص فنختار أحد مسالك العلة للوصل الى مناط الحكم ثم نبحث المستجد الأصل الشرعي الاستثنائي سواء كان هذا الأصل جزئي ام كلي. والشواهد كثيرة على استدعاء الكليات، منها  أن عمروَ بنَ العاصِ في غزوةِ ذاتِ السلاسلِ صلى بأصحابِه بالتيممِ وكان جنبًا ، فذكروا ذلك للنبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا عمروُ صليتَ بأصحابِك وأنت جنبٌ ؟ فقال: نعم ، ذكرتُ قولَ اللهِ تعالى : { وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا } فتيممتُ وصليتُ ، فضحك رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم ولم يقلْ شيئًا ( خرجه أبو داود (334) واللفظ له، وأحمد  (17845)فافهم وتدبر فهذا الحديث صعب المورد لكنه عذب المذاق .

نحن ملتزمون عند الفتوى في التعاطي مع نازلة ” إسرائيل” في كل مجالات الحياة فيها،   ببيان مسلك التعليل للوصول الى الحكم الشرعي والراي الفقهي الذي نعتمده، وملتزمون ايضا ببيان الجهة التي ننظر منها،  وملتزمون بتشخيص الواقع عند إنزال الحكم او الراي، فلا نغفل هذه الاصول عند الافتاء،  وهذه المنهجية في أصول الفتوى تحمينا من تناول الاحكام بالتشهي او المزاجية ونعتقد اعتقادا جازما ان الثواب على الفتوى ليس بالنتيجة انما باعتماد المسالك المؤدية اليها والجهد الذي تبذله للوصول اليها من خلال المسالك الشرعية،  والا لما كان الاجر على الخطأ عند الاجتهاد. والاصل فيمن وصل الى نتيجة غير التي وصلنا اليها  ان يبين ايضا مسلك تعليل الحكم والجهة التي ينظر منها  وتحقيق المناط عندها يكون الخلاف مشروعا للاجماع على النهج المتفق عليه للوصول الى الحكم  وان اختلفت النتيجة.وهذا هو منهج السلف عند الخلاف .

 

 

 

 

 

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017