الفقه الاسلامي المعاصر  في مأزم ,فأين نجد الحل؟

الجمعة 10 نوفمبر 2017
شارك المقال

الفقه الاسلامي المعاصر  في مأزم ,فأين نجد الحل؟

الشيخ رائد بدير – عضو هيئة العلماء في القدس الشريف

عشر سنوات منذ بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم عاشها في مكة المكرمة من ازمة الى ازمة, كان الحديث يدور عن الايمان وعن القيم مثل الصبر وعن التعايش في الحصار او البحث عن مكان فيه عدالة, فالبيئة لا تسمح بإبداعات التشريع الاسلامي ,اما في العهد المدني وبعد الهجرة حيث الاستقرار نسبيا كانت الاحكام التشريعية تنهال بواسطة الوحي في ثلاث عشر سنة , فالبيئة تسمح بالإبداعات والنهضة بالأحكام. ويمكن ان نستفيد من ذلك كلما كان استقرار داخلي في اي بلد  كلما زاد الابداع والحيوية والتطور, اما ان كانت الازمات تعصف باهل بلد ما فحتما التحدي سيكون في الثبات والصبر والبحث عن مخارج وشتان بين الحالتين, ولا اوضح ولا ابين من التوقف عند آيات القران الكريم في العهد المكي والعهد المدني لتجد الفارق, او التوقف عند سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم لتكتشف ذلك. هنالك فارق فيما يطلب منه ” الصمود والثبات والصبر وتجاوز الفتن والمحن” وبين من يطلب منه ” الابداع والتفكر والتطور والتسابق والانتاج …الخ” بيئة مكة المكرمة  قبل الهجرة تمثل الاولى وبيئة المدينة المنورة تمثل الثانية .

الازمات التي تعيشها الامة الاسلامية في كل بلد وبلد , سواء كانت الازمة بفعل تأثير خارجي او داخلي, تؤثر سلبا على الحركة العلمية في جميع المجالات, فحيث يكون الاستقرار والعدالة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية تكون النهضة والتنمية ويكون الابداع,  وحيث لا يتوفر كل ذلك فانه ربما تضيع اجيال بعيدة عن العلم والتعلم  الاساسي وليس فقط الابداع.

من العلوم التي تتأثر ايضا ” الفقه الاسلامي ” , ففي ظل السبق والتطور في العلوم الاخرى الطبية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية والتكنولوجيا والفلكية , وفي ظل التسابق في مجال براءات الاختراع التي تقدر بألاف كل يوم في اوروبا وامريكا والصين واليابان , نحن في منطقة الشرق الاوسط مشغولون في ازماتنا الداخلية والفتن التي نزلت بنا , فقلما تجد بلدا يتوفر فيه ما يتوفر لشعوب والامم الاخرى المتقدمة.

نحن مشغولون بتفسيرات دينية انشغل بها من مات قبل الف سنة ولم تعد الحاجة الى الانشغال بها, خذ مثلا حديث “مَنْ مَاتَ لا بَيْعَةَ عَلَيْهِ مَاتَ مَوْتَةَ جَاهِلِيَّةٍ” رواه مسلم , كل خمس اشخاص يعتبرون أن البيعة تجب لهم, في بعض البلاد العربية  عشرات الفصائل يعتبر الاخر في جاهلية ان لم يبايعه. خذ مثلا حديث ” الطائفة المنصورة ” ” لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة “, خذ مثلا مسالة ” الخلافة ” او ” فقه المتغلب” , ازمات يصحبها قتال وعدواه وتدمير وحروبات وتناحر وفساد  , بينما في دول في مناطق ثانية من العالم تجد  الاستقرار  والمجال مفتوح للابداع.

علماء الامة وفقهاؤها يتأثرون بما اعترى الامة من احوال , وهم لا شك في محور ومركزية ما يجري , ووفق ظروف الحال وعمق الازمات فلا مجال للأبداع في بعض المناطق , انما المجال كيف نعبر هذه المرحلة والتي تخلفت فيها الامة عن غيرها باقل عدد من الجهل والموت , ومن يحسب على اهل العلم وهو ليس منهم هو في مركز  ولب الازمة بل هو الازمة بعينها , الامر الذي يؤدي الى تناطح مستمر  وتهم متبادلة وتخوين وتكفير فهذا الحال لو زال لحل مكانه الابداع والسبق فالقران معجز وهو كاف ان عملنا به لان نسبق غيرنا.

لكن هنالك علماء يعيشون في مناطق فيها استقرار وهنا تقع المسؤولية على عاتق هؤلاء في النهوض بالفقه الاسلامي لمواكبة العلوم الاخرى والحفاظ على السبق, ولا اقول ان لا يهتم بالمسلمين او ازماتهم على العكس من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم , لكن لا يكلف نفسه ويستدعي الازمة الى مكان استقراره وينشغل ليل نهار بما يجري في مناطق الازمات .

من يعيش العهد المكي من العلماء قبل الهجرة  فمن الطبيعي ان تكون ملامح دعوته بما جاء في العهد من خصائص, ومن يعيش في مناطق هي اشبه بالعهد المدني بعد الهجرة فليعش وفق حاله , لا يستدعي الحال المكي قبل الهجرة اليه وليخصص بعض الوقت للحديث عن ذلك , لان مهمة الاستمرار في الابداع والنهضة والتطور والحيوية لهذا الدين العظيم اصبحت واجبة عليه وقي مسؤوليته .

سمعت احد العلماء في منطقتنا يقول معركتنا الان معركة الصمود والثبات…..من يعيش في  مناطق الاستقرار الواجب  ان يقول واجبنا الان تحمل مسؤولية الابداع والتطوير والنهضة ويشجع الاول على الثبات لا ان يقلده ويتناول منه ثقافته.من يعش احوال العهد المكي قبل الهجرة فليعش احوالها ومن يعش احوال المدينة بعد الهجرة فلا يستدعي احوال مكة ولا يستجلبها بل يتطور ويبدع ويقدم لهذا القرن ما ينفع القرون القادمة من الاجيال لا ان يكون سببا في اتساع الفارق بين الفقه الاسلامي والعلوم الاخرى. , وفي نفس الوقت يجعل من وقته لاخيه وفق قاعدة ” الجسد الواحد” . من حق الاجيال القادمة على الفقهاء  ان  لا تورثها  لها فراغا فيما يستحدث من تطورات في شتى المجالات.

لقد اسس لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بناء الاجيال النظرة المستقبلية حينما تحدث عن القرن الذي يعيشه ثم الذي يليه ثم الذي يليه وذكرها بالخيرية , لا بد من عين على هذا القرن وعين على القرنيين المقبلين  , من الظلم ان ياتي جيل ولا يجد نموا وسبقا للفقه الاسلامي الى جانب العلوم الاخرى.

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017