الفوارق بين ” الخلل الفقهي” والاختلاف الفقهي من خلال مثال توضيحي

السبت 13 يناير 2018
شارك المقال

 

الفوارق بين ” الخلل الفقهي” والاختلاف الفقهي” من خلال مثال توضيحي 

 

روى البهيقي في سننه عن جابر قال: ” خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه ثم احتلم ، فقال لأصحابه:هل تجدون لي رخصة في التيمم ، قالوا : ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء ، فاغتسل فمات ، فلما قدمنا على النبي – صلى الله عليه وسلم – اخبر بذلك فقال : قتلوه قتلهم الله ، ألا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال ، إنما كان يكفيه أن يتيمم ” والملاحظ أن أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لم يلتفتوا إلى أي نص آخر غير النص العام  يتعاملون به مع هذه الواقعة ، بل بقي في أذهانهم وعقولهم أن الرجل يقدر على الحركة، وان الماء متوفر موجود ، ولا يمكن التيمم مع استطاعة الرجل ووجود الماء واستندوا إلى الدليل القطعي الثبوت القطعي الدلالة وهو قوله تعالى :  ) فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا(سورة النساء 43، وأفتوا بما هو مشهور “إذا حضر الماء بطل التيمم” ، وعلى الرغم من استنادهم إلى أدلة قطعية الثبوت وقطعية الدلالة إلا أننا نجد ان الرسول – صلى الله عليه وسلم – قد غلظ عليهم ، بل ونفى عنهم صفة العلم والصق بهم صفة الجهل ونعتهم به وأرشدهم إلى السؤال قبل الإفتاء وشنع على فتواهم هذه والتي كانت سببا في مقتل الرجل ، حيث أن بقاء حكم الغسل من الجنابة  على ما هو عليه فيما يتعلق بالواقعة الجديدة والتي احتفت بظروف معينة لا يناسب، بل وبسبب تلك الظروف انتقل خطاب الله تعالى المتعلق بالواقعة من الغسل إلى التيمم كما بين ذلك الرسول – صلى الله عليه وسلم – حيث يتناسب حكم التيمم مع  تلك الواقعة ، ويأتي منسجما مع روح الشريعة والإسلامية ومقصدها وذلك بعد النظر والاجتهاد ، حتى لو تعلق الأمر بنصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة وبهذا الصدد يقول استاذنا د. علي السرطاوي حفظه الله تعالى : ” إن الشريعة الإسلامية وضعت خططا ومناهج تشريعية تضمن أن تجعل الأحكام موصلة إلى غاياتها بعدالة وفق إرادة الشارع ، التي كلفنا تنفيذها وامتثالها اخذين بعين الاعتبار ان إرادة الشارع في أمر من الأمور لا تؤخذ من نص عام واحد فقط مهما كانت قطعية الثبوت والدلالة ، لان هذا النص جزء من كل الشريعة ،فلا يجوز أخذه أو فهمه فيما يناقضها ،لان الأصل الا يتناقض الجزء مع الكل وشرع الله لا تناقض فيه” أ.هـ

ان الفتوى الصادرة في الحديث السابق بعدم اعتبار الظرف وعدم السماح بالرخصة لا يمكن اعتبارها من قبيل الاختلاف الفقهي كونها اعتمدت على اية من كتاب الله أو حديث سنة نبيه صلى الله عليه وسلم بل هي خلل فقهي واضح تسبب هذا الخلل في مقتل الرجل كما مر مما أثار غضب النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كانت من قبيل الخلاف الفقهي المشروع لكان رد النبي صلى الله عليه وسلم اجتهدوا فاخطئوا ولهم اجر وهذا لم يكن ……فشتان بين “الخلل الفقهي” وبين “الاختلاف الفقهي”…..

ان الجهل في كيفية استعمال الأدلة الشرعية في موضعها الصحيح يسبب خللا فقهيا واستشهدت  فيما رواه البهيقي في سننه عن جابر قال: ” خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه ثم احتلم ، فقال لأصحابه:هل تجدون لي رخصة في التيمم ، قالوا : ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء ، فاغتسل فمات ، فلما قدمنا على النبي – صلى الله عليه وسلم – اخبر بذلك فقال : قتلوه قتلهم الله ، ألا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال ، إنما كان يكفيه أن يتيمم ” وقلت أن الفتوى الصادرة في الحديث بعدم اعتبار الظرف وعدم السماح بالرخصة لا يمكن اعتبارها من قبيل الاختلاف الفقهي كونها اعتمدت على اية من كتاب الله أو حديث سنة نبيه صلى الله عليه وسلم بل هي خلل فقهي واضح تسبب هذا الخلل في مقتل الرجل كما مر معنا مما أثار غضب النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كانت من قبيل الخلاف الفقهي المشروع لكان رد النبي صلى الله عليه وسلم اجتهدوا فاخطئوا ولهم اجر وهذا لم يكن .

ونقطة أخرى ينبغي أن نلاحظها أن شرف صحبة هؤلاء النفر لرسول الله صلى الله عليه وسلم- رضي الله عنهم- ومقام الصحبة لم يشفع لهؤلاء في التجاوز أو التغافل عن فتواهم واعتبار فتواهم من قبيل العلم أو الاجتهاد، بل النقد اللاذع كان واضحا منه صلى الله عليه وسلم في وصفهم ونعتهم بالجهل.

مقابل هذا المشهد سنعرض مشهدا آخر وهو ما حدث مع عمرو بن العاص رضي الله عنه  فقد روى أبو داود عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السُّلَاسِلِ فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنَ الِاغْتِسَالِ وَقُلْتُ إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ ( وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ) فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا” وفي صحيح البخاري “أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ أَجْنَبَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فَتَيَمَّمَ وَتَلَا ( وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ) فَذَكَرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُعَنِّفْ ”

فالمشترك بين المشهدين أن الرجل في حديث البيهقي وعمرو بن العاص في حديث ابي داود كانا على سفر ، وأنهما  احتلما أي إصابتهما الجنابة، والرجل في الحديث الأول لم يستطع الغسل من الجنابة بسبب ضربة حادة في رأسه وطلب من  أصحابه رخصة التيمم فمنعوه استنادا للأدلة الشرعية الجزئية التي تتكلم وعن أحكام الغسل وأحكام الجنابة وأحكام التيمم وشروطه فاغتسل فمات ، بينما عمرو بن العاص لم يسال أحدا وتيمم للظرف الذي نزل به كما قال بالحرف الواحد: ” فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ” ولم يلتفت إلى أحكام الغسل عند الجنابة، وعندما عاد إلى المدينة المنورة سأله الرسول صلى الله عليه وسلم قائلا:” يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ” فقال :” نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ شَدِيدَةِ الْبَرْدِ فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلَكَ وَذَكَرْتُ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ( وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ) فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ” “رواية احمد”. الدليل الذي استند إليه عمرو بن العاص في فتواه أو في الرخصة التي نهجها دليل لا علاقة له لا بالماء ولا بالغسل ولا بأحكام الجنابة الأخرى إنما دليل كلي ينص على حفظ النفس.

المشاهدان متشابهان من حيث الحدث والظرف ولكنهما مختلفين من حيث الفتوى والنتيجة، ففي المشهد الأول صدرت الفتوى مكتفية بالاعتماد على أدلة لها علاقة مباشرة بأحكام الجنابة وغفلت عن أدلة أخرى كلية اكبر منها واهم منها، بل وغفلت الفتوى عن أدلة تعتبر من  كليات الشريعة  فكانت العاقبة وخيمة نتيجة الجهل في استعمال الدليل. أما المشهد الثاني مشهد عمرو بن العاص فقد التفت عمرو إلى الكليات التي تتحدث عن حفظ النفس وعرف كيف يستعمل الدليل المناسب في المكان المناسب في الظرف المناسب فكانت النتيجة صحيحة سليمة موافقة لإرادة الشارع عز وجل. ولنقف هنيئة مع رد رسول الله صلى الله عليه وسلم على المشهدين أما المشهد الأول فرد النبي بغضب شديد قائلا: “قتلوه قتلهم الله ، ألا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال” وأما المشهد الثاني وفعل عمرو بن العاص فكان الرد بان ” َضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا “.

ما فعله عمرو بن العاص هو الفقه بعينه، بحيث نال رضا وإقرار وضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما صدر في الحديث الأول من فتوى جاهلة هو الخلل الفقهي بعينه فاستحق غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكل ذلك بسبب عدم الفهم في استعمال الدليل المناسب في المكان المناسب في الظرف المناسب في الواقع المناسب في البيئة المناسبة، فاستعمال الدليل المناسب قضية هامة جدا، بل فهم الدليل قضية أهم من استعماله، والمعرفة أصلا  ما المقصود بالدليل قضية في غاية الأهمية، فتجربة عمرو بن العاص وغيرها من النصوص فتحت بوابة على ما صنفه العلماء في أصولهم من نظريات، نظرية الضروريات، أو نظرية الحاجيات ، أو نظرية التحسينيات، والمقام لا يتسع لشرحها أو تفسيرها.

.. ان أول خطوة في إصلاح الخلل الفقهي ينبغي أن نعترف بأنه يوجد خلل فقهي، وان تبرير الخلل الفقهي أو تفسيره عقبة كبرى في الإصلاح لأنه لا يمكن إصلاح الخطأ إلا إذا اعترفنا أن هذا الشيء خطا فإذا ما بررناه أو فسرناه بقي الخطأ…..واخطر شيء في تبرير الخلل الفقهي هو اعتباره من قبيل الاختلاف الفقهي وعدم الاعتراف به كخلل فقهي، ولا يسعني أن أقول هنا إلا كما قال الشاطبي رحمه الله تعالى في موافقاته   هذا المجال صعب المورد، إلا انه عذب المذاق ، محمود الغب جار على مقاصد الشريعة ، هذا النظر في بيان الفتوى الصادرة عن خلل الفقهي وعدم اعتبارها من قبيل الخلاف الفقهي نظر  عذب المذاق على الرغم انه صعب المورد، والغاية الكبرى من عدم اعتبار الفتوى الناشئة عن خلل فقهي فتوى صالحة من قبيل الاختلاف الفقهي هو حماية الشريعة الإسلامية من أن تعود على نفسها بالتناقض…………

الشيخ رائد بدير – عضو هيئة العلماء  في القدس الشريف.

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017