القرضاوي يسأل ويجيب:” هل نعادي إسرائيل لأنها سامّية؟ هل نعادي إسرائيل لانها يهودية؟

الأحد 2 فبراير 2020
شارك المقال

القرضاوي يسأل ويجيب” هل نعادي إسرائيل لأنها سامّية؟ هل نعادي إسرائيل لانها يهودية؟

 لن ازيد  ولا انقص حرفا واحدا وكل من لديه كتاب فقه الجهاد ،2/1093، مكتبة وهبه ط1 2009م. فليفتحه وليقرأ هذا الاقتباس  :

“( 1 ) هل نعادي إسرائيل لأنها سامّية؟

هل سبب العداوة والحرب المستعرة بيننا – نحن العرب والمسلمين – وبين دولة الصهاينة (إسرائيل): أنها دولة سامية؟

والجواب: أن هذا أبعد ما يكون عن تفكير المسلمين، ولا يُتصوَّر أن يرد هذا بخواطرهم؛ لسببين أساسيين:

الأول: أننا – نحن العرب – ساميُّون، ونحن مع بني إسرائيل في هذه القضية أبناء عمومة، فإذا كانوا هم أبناء إسرائيل – وهو يعقوب – ابن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، فنحن أبناء إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام.

ولا تستطيع إسرائيل أن تزايد علينا في ذلك، ولا أن تتَّهمنا بأننا أعداء (السامية) التي تتاجر بها في الغرب، ونشهرها سيفًا في وجه كلِّ مَن يعارض سياستها، أو ينـتقد سلوكياتها العدوانية واللاأخلاقية، بل اعتبر القرآن المسلمين كافَّة: أبناء إبراهيم، قال تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} [الحج:78].

والثاني: أن المسلمين عالميون إنسانيون بحكم تكوينهم العَقَدي والفكري، وليسوا ضدَّ أيِّ عِرق من العروق أو نسب من الأنساب، وقد علَّمهم دينهم أن البشرية كلَّها أسرة واحدة، تجمعهم العبودية لله، والبنوَّة لآدم، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات:13].

وقال رسولهم الكريم في الجموع الحاشدة في حَجَّة الوداع: “أيها الناس، إن ربَّكم واحد، وإن أباكم واحد”[1] ، “كلُّكم لآدم، وآدم من تراب”[2] .

على أن اليهود اليوم لم يعودوا كلُّهم ساميين، كما يزعمون، فقد دخل فيهم عناصر شتَّى من سائر أمم الأرض، كما هو معروف عن يهود (مملكة الخزر) وغيرهم. ومنهم يهود من (الفلاشا)، ويهود من اليمن، ويهود من مصر، ويهود من المغرب، ومن أجناس شتَّى، وهذا طبيعي، فاليهودية ديانة، وليست جنسية.

وإذا كانت (السامية) ليست واردة في أسباب حربنا وعداوتنا لإسرائيل، فكذلك (اليهودية) باعتبارها ديانة ليست هي السبب.

إن اليهودية في نظر المسلمين (ديانة كتابية) من الديانات السماوية، جاء بها رسول الله موسى الذي اصطفاه الله برسالاته وبكلامه، وأنزل عليه التوراة فيها هدى ونور، وهو من أولى العزم من الرسل، وفي القرآن نقرأ قوله تعالى: {قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ * وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا} [الأعراف:145،144].

والقرآن اختار لليهود والنصارى (لقبًا) يوحي بالقرب والإيناس منهم، وهو {أَهْلَ الْكِتَابِ}، ويناديهم بذلك: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ}، ويعنى به: التوراة والإنجيل، إشعارًا بأنهم – في الأصل – أهل دين سماوي، وإن حرَّفوا فيه وبدَّلوا. ولهذا خصَّهم بأحكام ليست لغيرهم، فأجاز للمسلمين أن يأكلوا ذبائحهم، وأن يتزوَّجوا المحصنات من نسائهم، كما قال تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [المائدة:5].

بل أزيد على ذلك فأقول: إن اليهود – من الناحية الدينية – أقرب إلى المسلمين في كثير من الأمور، من النصارى المسيحيين، لأنهم أقرب منهم إلى مِلَّة إبراهيم عليه السلام، سواء في العقيدة أم في الشريعة.

فإن النصارى غيَّروا كثيرًا من أصول الدين وفروعه، على حين احتفظ اليهود ببعض هذه الأشياء مما ورثوا من مِلَّة إبراهيم أبي الأنبياء عليه وعليهم السلام.

فاليهود لا يقولون بالتثليث الذي يقول به النصارى، ولا يؤلِّهون موسى كما يؤلِّه النصارى المسيح عيسى عليهما السلام.

وإن وقع اليهود في تشبيه الخالق بخلقه، كما يبدو ذلك بجلاء لكلِّ من يقرأ أسفار التوراة، وحديثها عن الألوهية.

على أن كلَّ ما يؤمن به اليهود فيما يتعلَّق بالألوهية والنبوة، يؤمن به المسيحيون، لأن التوراة وملحقاتها (كتاب مقدَّس) عندهم.

ويزيدون على اليهود ما انفردوا به من تأليه المسيح أو القول بالتثليث.

واليهود يخْتِنون أبناءهم على سُنَّة إبراهيم عليه السلام، كما يَخْتِن المسلمون، والنصارى لا يختِّنون.

واليهود يشترطون الذبح لحلِّ أكل الحيوانات والطيور. كما يفعل المسلمون، والمسيحيون لا يذبحون لأن (بولس) قال لهم: كلُّ شيء طاهر للطاهرين[3]!

واليهود يحرِّمون الخنزير، كما يحرِّمه المسلمون في حين أحلَّه النصارى.
واليهود يحرِّمون التماثيل التي تصنع للملائكة أو للأنبياء والقديسين، كما يحرِّمها المسلمون، في حين لا يحرِّمها النصارى، ولذلك امتلأت كنائسهم ومعابدهم بهذه الصُور والتماثيل من كلِّ حجم ولون.

فلو كنا نحارب اليهود من أجل العقيدة، لحاربنا معهم – بل قبلهم – النصارى المسيحيين أيضًا [4].

ومن أجل هذا يتبيَّن لنا خطأ بعض عوام المتدينين الذين يتوهَّمون أن الحرب القائمة بيننا وبين اليهود حرب من أجل العقيدة. ومعنى هذا: أننا نقاتل اليهود، لأنهم يهود كفروا برسالة محمد، وحرَّفوا كلام الله عن موضعه، وشوَّهوا حقيقة الألوهية في كتابهم، فقد شبَّهوا الخالق بالمخلوق، كما شبَّه النصارى بعدهم المخلوق بالخالق، ولوَّثوا صورة الرسل والأنبياء … إلى آخر ما هو معروف عنهم، مما حكاه القرآن من قتلهم الأنبياء بغير حقٍّ، وتطاولهم على الله حتى قالوا: {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} [المائدة:64]، وقالوا: {إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} [آل عمران:181]!

وهذه النظرة التي قد تخطر في بال بعض الناس – حتى بعض علماء الدين أنفسهم – خاطئة تمامًا، فاليهود كما رأينا يعتبرهم الإسلام أهل كتاب، يبيح مؤاكلتهم، ويبيح مصاهرتهم، وقد عاشوا قرونًا بين ظهراني المسلمين، لهم ذمَّة الله تعالى، وذمَّة رسوله، وذمَّة جماعة المسلمين، وقد طردهم العالم، ولا سيما في أوربا، ولفظهم لفظ النواة، من أسبانيا وغيرها، ولم يجدوا صدرًا حنونًا، إلا في دار الإسلام، وأوطان المسلمين، ولم يفكِّر المسلمون يومًا أن يحاربوا اليهود.

بل هم قد بلغوا في بعض الأقطار الإسلامية من النفوذ والغنى والقرب من الخلفاء والأمراء مبلغًا عظيمًا، جعل بعض المسلمين يغبطونهم عليه أو يحسدونهم، وقال في ذلك الشاعرالمصري الساخر الحسن بن خاقان:

يهود هـذا الـزمان قـد بلغوا * غاية آمـالهم وقد ملكوا
الـمجد فيهم، والمال عندهمـو * ومنهم المستشار والملك!
يا أهل مصر، إني نصحتُ لكم * تهوَّدوا، قـد تهوَّد الفلك !

وربما كان سبب اعتقاد كثير من المسلمين أن اليهود أسوأ في العقيدة من النصارى: هو سوء موقف اليهود من دعوة الإسلام، ومن رسول الإسلام، عليه الصلاة والسلام. كما يتجلَّى ذلك في موقف يهود المدينة: بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة.

فهو موقف في غاية السوء والعداوة للدين الجديد، والنبي الجديد، رغم أنهم كانوا يبشِّرون قبل ذلك بنبي قد قرُب زمانه، وكانوا يهدِّدون جيرانهم من العرب – الأوس والخزرج – أنهم سيؤمنون به، وينضمُّون إليه، ويقتلونهم معه قتل عاد وإرَم[6] ! ويبدو أنهم كانوا يظنُّونه من بني إسرائيل، فلما وجدوه من بني إسماعيل، منعهم البغي والحسد أن يؤمنوا به.

وجاء في ذلك قول الله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ * بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَهُمْ} [البقرة:89-91] [7].

ومع كفرهم برسالة محمد، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم، بعد الهجرة، عاهدهم وأقام معهم اتفاقية تقوم على التعايش والتناصر معًا، وكتب معهم (الصحيفة)[8] الشهيرة، التي اعتبرها الكثيرون بمثابة (الدستور) الذي يحدِّد العَلاقة بينهم وبين المسلمين. كما يحدِّد عَلاقة المسلمين بعضهم ببعض.

ولكنهم سرعان ما غلبت عليهم طبيعتهم في نقض العهود، وتعدِّي الحدود، والكيد للرسول وأصحابه، والانضمام إلى الوثنيين في حربهم للرسول، حتى تحالفت بنو قريظة مع المشركين المغيرين على المدينة، الذين أرادوا استئصال شأفة المسلمين، وإبادة خضرائهم.

وكان لا بد أن يقع الصدام بين الفريقين، الذي انتهى بجلاء بني قينقاع، وإجلاء بني النضير، وقتل مقاتلة بني قريظة، وقتال أهل خيبر.

ونزلت آيات القرآن في سور: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأحزاب والحشر وغيرها، تندِّد بموقف اليهود وشدَّة عداوتهم للمسلمين، كما في قوله تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا}، في حين تبيِّن قرب مودَّة النصارى للمسلمين، حيث تقول الآية نفسها: {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ} [المائدة:82].

ولهذا تجد الذين دخلوا في الإسلام من اليهود معدودين، نتيجة لتعصُّبهم وغرورهم، وزعمهم أنهم شعب الله المختار، على حين دخلت شعوب كاملة من النصارى في الإسلام، مثل الشام ومصر وشمال أفريقية والأناضول وغيرها.

ثم كان من كيد اليهود للمسلمين بعد ذلك ما يحفظه التاريخ، وما ترك أثره العميق في أنفس المسلمين.

والواقع أن المعركة بدأت بيننا وبين اليهود، بسبب واحد لا شريك له، وهو: أنهم اغتصبوا أرضنا – أرض الإسلام، أرض فلسطين – وشرَّدوا أهلنا، أهل الدار الأصليين، وفرضوا وجودهم الدخيل بالحديد والنار، والعنف والدم.

………………….. تكلَّم السيف فاسكت أيها القلم!

وستظلُّ المعركة قائمة بيننا وبينهم ما دامت الأسباب قائمة، وسيظلُّ الصلح مرفوضًا إذا كان مبنيًا على الاعتراف بأن ما اغتصبوه من الأرض حق لهم، إذ لا يملك أحد أن يتنازل عن الأرض الإسلامية، إنما يمكن إقامة هدنة بيننا وبين إسرائيل، لفترة من الزمن، تقصر أو تطول، يكفُّ فيها الطرفان عن الحرب، قن الدماء، ويسود فيها الأمن، وتُتبادل بعض العَلاقات مع بعض.

أما مبدأ (الأرض مقابل السلام) فهو مبدأ غريب حقًّا، فرضه منطق القوة الغاشمة للعدو، لا غير. لأن الأرض أرضنا، لا أرضه، حتى يتفضَّل بتنازله عنها، مقابل سلامه هو!

وحتى هذا السلام الأعرج، رفضته إسرائيل في النهاية. فهي تريد أن تأخذ ولا تعطي شيئًا.”

إعداد الشيخ رائد بدير

 

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017