المتحاورون هم صناع السلام

الأربعاء 8 نوفمبر 2017
شارك المقال

ينشر لاول مرة 

المتحاورون هم صناع السلام

(28/09/2008)

بقلم : مؤسس الحركة الاسلامية الشيخ عبدالله نمر رحمه الله.

الحوار بين الأديان والحضارات والثقافات هو لغة العصر حتى وإن استمرت كتابات بعض العنصريين في الغرب عن صراع الحضارات وعن نهاية التاريخ، فالحضارات على مدار تاريخها لم تدع أهلها للصراع وإنما دعتهم للتعاون ليتم التكامل بين الحضارات وليس الصراع بينها، والذي يظن أن التاريخ الإنساني سيتوقف وينتهي عند اجتهاده الفلسفي أو السياسي أو الإقتصادي.. فإنه لم يقرأ التاريخ الإنساني قراءة صحيحة، فالتاريخ ومنذ آدم عليه السلام لم يتوقف عند فلسفة هنا أو اجتهاد هناك وإنما ظل التاريخ متحركا وظلت الإجتهادات والفلسفات تتجدد وتتطور، ولولا هذا التجدد والتطور الإجتهادي لما حفظ لنا التاريخ حضارة أو مدنية، فالتاريخ الإنساني شاهد على كل أصحاب الإجتهادات على مدار الزمان، وشهادته تقول بأفصح لسان وأوضح بيان بأن كل أصحاب الإجتهادات وفي كل المجالات لم يزعم أحد منهم أن إجتهاده هو الصواب المطلق بينما اجتهاد غيره هو الخطأ المطلق، كما أن أحدا منهم لم يدع أن التاريخ الإنساني قد انتهى عند اجتهاده، وما سمعنا مثل هذه الخرافة البالية إلا في عصرنا عصر العضلات وعصر تغول القوة العسكرية والمادية، هذه القوة الغاشمة التي تريد تطويع العقول والإجتهادات لعقلها واجتهادها بعدما طوعت بعض البلدان بقوتها العسكرية واشترت بعضا منها ببريق أموالها (التي نهب أكثرها من الشعوب المستضعفة)، وإننا نحن المسلمين أول من ينادي بحوار الحضارات وتعاونها وتكاملها بدلا من صراعها وتصادمها، كما أننا أول من ينادي بضرورة صناعة التاريخ من جديد وكتابة الصفحات بأقلام النزاهة الصادقة وألسنة الحوار العاقلة، وصناعة التاريخ السلمي الآمن يمكن أن تتم إذا التقت جهود الخيرين صناع السلام والأمن في هذا العالم مهما اختلفت معتقداتهم وجنسياتهم، وإن القاعدة الذهبية التي يمكن أن تجعل المتحاورين وصناع التاريخ في تحالف أبدي هي تلك القاعدة التي رسخها علماؤنا في كل عهودنا الإجتهادية على مدار التاريخ: ( رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب )، والصواب المطلق فهو وحي الله تعالى المتمثل في كتاب الله المقدس وفيما صدر عن نبيه المعصوم من قول أو فعل أو تقرير، وأما كل ما سوى ذلك فيحتمل الخطأ والصواب، وإذا استثنينا الثوابت الدينية التي جاء بها الوحي ودل عليها دلالة صريحة بأنها ثابتة فإن المجال مفتوح على مصراعيه أمام العقول المجتهدة، وهذه الثوابت لا اجتهاد فيها لأنها هي التي تحفظ على الناس أمنهم واستقرارهم تماما مثلما تحفظ بعض النواميس الكونية الثابتة استقرار هذا الكون أرضا وسماءا، فالوحي كتاب الله المنزل والكون كتاب الله المفتوح ولا تعارض أبدا بين الكتاب المفتوح والكتاب المنزل، ونسبة هذه الثوابت أقل بكثير من عشر نصوص الوحي العظيم كتابا وسنة صحيحة، وباقي النصوص بعد هذه النسبة القليلة فتحت أبوابها للمجتهدين من أصحاب الإختصاص، ولا بد أن ندرك جيدا أن سد باب الإجتهاد هو إنغلاق قاتل للرسالة وأمة الرسالة تماما مثلما أن فتح باب الإجتهاد لكل من هب ودب هو تسيب يشوه الرسالة ويعطل دورها في الحياة، فالإنغلاق مرفوض والتسيب مرفوض والإجتهاد الواعي من أصحاب التخصصات في مختلف الميادين هو بوابة النهضة والإنطلاق، فنحن أمة الإجتهاد والحوار والتعايش الحضاري بين كل العقائد والفلسفات والإجتهادات، ولن يخيفنا الحوار مع كل العقائد والفلسفات والاجتهادات، وإن دعوتنا التي نعتز بها قد جعلت من أهم القواعد في نشرها الحوار والجدال بالتي هي أحسن (ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين)، فعقولنا مفتوحة وأقلامنا مستعدة لكل حوار بين الناس لأن الله تعالى قد جعل التعارف هو الهدف من توزيع الناس شعوبا وقبائل (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) فللتعارف جعلنا الله شعوبا وقبائل، فهل يمكن أن يتحقق هذا التعارف المؤدي للتعاون والتكامل من غير حوار جاد بين كل الناس ليتحقق الهدف من هذا التنوع العرقي والتجاور الجغرافي، ولا يعني الحوار أن يوصل الناس ليصبحوا أمة واحدة على رأي واحد، فبقاء الناس أمما مختلفة الإجتهادات هو أهم أسباب خلقهم (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة .. ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك.. ولذلك خلقهم)، إنهم مختلفون في أمزجتهم واجتهاداتهم وميولهم وألوانهم وألسنتهم..الخ.. وهذا الخلاف هو خلاف تنوع حتى يتحقق التعاون والتكامل وليس اختلاف عداء وصراع وتضاد يأكل الأخضر واليابس.

 

 

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017