المسالة الثالثة: صلاة المنفرد في أي مكان من المسجد وتوزيع المصلين على ما تحتمله مساحة المسجد وساحاته

الجمعة 10 يوليو 2020
شارك المقال

تخريج الفروع المستجدة على نصوص القرآن والسنة مراعاة لنازلة “”فيروس كورونا ” COVID-19

10/07/2020 ( زمن كورونا)

المسالة الثالثة: صلاة المنفرد في أي مكان من المسجد وتوزيع المصلين على ما تحتمله مساحة المسجد وساحاته

الشيخ رائد بدير – عضو دار الافتاء

بحثت فيما مضى:

في المسالة الثالثة اسلط الضوء الفقهي على مسالة صلاة المنفرد في أي مكان من المسجد ،وبالأحرى توزيع المصلين على المسجد فردا فردا دون رص الصفوف او تسويتها، وقد سمّيتُ في المسالة الثانية تباعد المصلين  على  الهيئة التي تمت  في زمن فَيروس كوفيد 19 كورنا ” صلاة المنفرد داخل الصف” بسبب المسافة الهائلة بين المصلين فالتباعد بين المصلي والمصلي شبر او شبرين اطلقت عليه الفرجة او الفتحة او الخلل وسدها واجب او سنة اما اذا كان التباعد كحالنا اليوم بالأمتار فسأنظر اليه على انه اقرب الى صلاة المنفرد المذكور عند الفقهاء خلف الصف لكنه منفردا على مستوى الصف وبخط مستقيم معه  ، ولا يقال الصف موجود فلا انفراد بل مسافة الأمتار واحيانا توزيع المصلين على مساحة المسجد تشكل هيئة انفراد لكل واحد من المصلين. وحينما كان العدد المسموح به تسعة عشر فقط على سبيل المثال شاهدنا مساجد توزع هذا العدد على جميع المسجد.

في المسالة الثالثة ننظر في صلاة المنفرد في أي مكان من المسجد (توزيع المصلين على ما تحتمله مساحة المسجد وساحاته) وتخريجها في زمن الكورونا على الأصول والمبادئ الكلية التي تتعلق بمنع انتشار العدوى وحفظ سهل جدا فقد نهضت كليات الشريعة ومبادئها لتكون خادمة لمبدأ كلي ” حفظ النفس”. لكن كما قلت سأخرج كل الجزئيات والفروع والتفاصيل على ما يشببها ويقاربها من تفاصيل وفروع في الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي.

أقرب ما نجد في الشرع الإسلامي لتخريج المسالة الثالثة على الفروع ما أشبعه الفقهاء بحثا تحت مسمى ” صلاة المنفرد خلف الصف”.  فالمصلي خلف الصف لا يتصل بالصف من حيث تسوية الصفوف ولا يقف بخط مستقيم مع الصف ولا يقف الى جانب مصلي اخر ليرص القدم الى القدم والكتف الى الكتف فهو منفرد بكل معنى الكلمة لا تربطه أي صلة بالصف او بمصلي اخر.

النصوص الواردة في المسالة:

اما فهم المسالة وصناعة الراي بعد استنباط الاحكام وتحليل مفردات النصوص في  الفقه الإسلامي فقد ورد في السنن الدرية عن الموسوعة الفقهية ما يلي:”

صلاةُ الرَّجُلِ المنفردِ خلفَ الصفِّ :اختَلف أهلُ العِلمِ في صلاةِ الرَّجُلِ المنفردِ خلفَ الصفِّ، على قولين:القولُ الأوَّل: أنَّ الصَّلاة خلفَ الصفِّ منفردًا باطلةٌ يجِبُ إعادتُها، وهو مذهبُ الحَنابِلَةِ وقولُ طائفةٍ مِن السَّلف واختارَه ابنُ حزمٍ  والصَّنعانيُّ ، وابنُ باز  .لأَدِلَّةُ مِنَ السُّنَّة: عن عليِّ بنِ شَيبانَ، أنَّه قال: صليتُ خلفَ رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فانصرفَ، فرأى رجلًا يُصلِّي فردًا خلفَ الصفِّ، فوقَفَ نبيُّ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى انصرَفَ الرجلُ من صلاتِه، فقال له: ((استقبلْ صلاتَك؛ فلا صلاةَ لفردٍ خلفَ الصفِّ)) ( وعن وابصةَ: ((أنَّ رَجُلًا صلى خلفَ الصَّفِّ وَحْدَه، فأمَرَه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يُعيدَ الصَّلاةَ” القول الثاني: أنَّ صلاةَ المنفردِ خلفَ الصفِّ صحيحةٌ، مع الكراهةِ، وهو مذهبُ الجمهور: الحَنَفيَّة  ، والمالِكيَّة) والشافعيَّة وادلتهم ن أبي بَكْرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه انتهى إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو راكعٌ، فركَع قبل أن يَصِلَ إلى الصفِّ، فذكَر ذلك للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: ((زادك اللهُ حِرصًا، ولا تَعُدْ”
وَجْهُ الدَّلالَةِ: أنَّه لو كانَ انفرادُه قادحًا في صلاتِه لأَمَره بالإعادةِ ولأنَّ كلَّ مَن صحَّتْ صلاتُه خلفَ الصفِّ مع غيرِه صحَّتْ صلاتُه منفردًا، كالمرأةِ خلفَ الرِّجالِ ”

وقد أورد ابن قدامه في المغني 3/49 القول الثالث: المسالة فيها تفصيل ، فان صلى خلف الصف منفردا لعذر صحت صلاته، وان لم يكن له عذر لم تصح صلاته، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ”

اما محاورة الفقهاء المعاصرين للمسالة فقد أجاب الشيخ ابن باز- رحمه الله تعالى رحمة واسعة- حينما ورد سؤال حول المسالة فأجاب ” أشير إلى استفتائك المقيد بإدارة البحوث العلمية والإفتاء برقم 3231 وتاريخ 15 / 8 / 1407 هـ الذي تسأل فيه عن رأينا بالنسبة لما اطلعت عليه من رأي ابن تيمية في حكم صلاة المنفرد خلف الصف. (السؤال)

(الإجابة)  وأفيدك بأنني قد اطلعت على كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الذي أرفقته بالرسالة وهو القول بصحة صلاة المنفرد خلف الصف للحاجة إذا لم يجد من يصف معه وهو قول قوي بلا شك، ولكن الأصح منه والأوفق لظاهر السنة عدم الصحة لأمور ثلاثة:أولها: عموم قوله ﷺ: لا صلاة لمنفرد خلف الصف[1] ولم يفصل.
ثانيها: أنه ﷺ أمر من صلى خلف الصف وحده أن يعيد ولم يستفصل منه هل وجد أحدًا أم لم يجد، ولو كان معذورًا عند عدم وجود من يصف معه لاستفصله، ومعلوم أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز عند أهل العلم.
ثالثها: أن في ذلك سدًا لذريعة التساهل بالصلاة خلف الصف منفردا بدعوى أنه لم يجد فرجة في الصف، والغالب أنه لو لم يستعجل لوجد فرجة في الصف أو تمكن من الوقوف عن يمين الإمام.
وفق الله الجميع لما فيه رضاه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته”  https://binbaz.org.sa/fatwas/4990/شرح-الخلاف-في-حكم-صلاة-المنفرد-خلف-الصف

اما الشيخ يوسف القرضاوي- حفظه الله تعالى ورعاه-  فقد أجاب عن المسالة بقوله :

روى أحمد وابن ماجة بسنده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى رجلاً يصلي خلف الصف، فوقف حتى انصرف الرجل (يعني أتم صلاته) فقال له: ” استقبل صلاتك، فلا صلاة لمنفرد خلف الصف” . ومعنى استقبل صلاتك: أعدها. وروى أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن وابصة بن معبد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي خلف الصف وحده، فأمره أن يعيد صلاته.وفي رواية لأحمد قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل صلى خلف الصفوف وحده فقال: “يعيد الصلاة”. والحديثان المذكوران، قد صححهما جماعة من الأئمة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، واستدل بهما طائفة من أئمة السلف على أن صلاة المأموم خلف الصف وحده لا تجوز ولا تصح، وبه قال النخعي والحسن بن صالح وإسحاق وحماد وابن أبي ليلى ووكيع، وهو مذهب إمام السنة أحمد بن حنبل .

أما الأئمة الثلاثة فقالوا: بصحة صلاة المنفرد خلف الصفوف مع الكراهة.

وظاهر الأحاديث يشهد لمذهب أحمد ويؤيده، كما أن حكمة الإسلام في تشريعه وتوجيهه تقويه وتعضده، فالإسلام يحب الجماعة، ويكره الشذوذ، يحب الاتحاد ويكره الانفراد، يحب النظام ويكره الفوضى، وصلاة الجماعة وسيلة من وسائل الإسلام في تربية أبنائه على هذه المعاني الحية. ولهذا كان صلى الله عليه وسلم يقبل على المأمومين بوجهه قبل أن يكبر، ويقول: “تراصوا واعتدلوا” (متفق عليه) . ” سووا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة” (متفق عليه)، ” لا تختلفوا فتختلف قلوبكم ” (رواه أحمد وأبو داود والنسائي) ” لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم ” (رواه الجماعة).

فظهر بهذه الأحاديث الصحيحة أن الجماعة في الصلاة، مظهر قوي للتطبيق العملي لمبادئ الإسلام الاجتماعية في النظام والتراص والاعتدال واستواء الصفوف، ووحدة الاتجاه، وهي مرآة تعكس المعاني والأفكار التي يتبناها المجتمع المسلم، ولا عجب بعد هذا إذا أبطل الإسلام صلاة المنفرد خلف الصف، وأمره أن يعيد صلاته، فإنه مظهر من مظاهر الشذوذ عن الجماعة، لأن الدين الذي يقول: ” إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم يأخذ الشاة القاصية والناحية ” (رواه أحمد عن معاذ) ويقول ” يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ إلى النار “. (رواه الترمذي وقال: غريب، والطبراني ورجاله – كما قال الهيثمي – ثقات، وقال ابن حجر: له شواهد كثيرة منها موقوف صحيح).

وهذا كله فيمن صلى خلف الصف وحده بلا عذر، أما إذا كان له عذر بأن جاء والصفوف مكتملة، ولم يجد له فرجة ولا سعة في الصف، فالأظهر أن صلاته حينئذ صحيحة، واستحب بعض العلماء أن يجتذب إليه رجلاً من الصف يقف بجانبه، ويستحب لمن جذبه أن يساعده على ذلك، وكره ذلك آخرون، حتى قال بعضهم: إن جذب الرجل من الصف ظلم.

والله أعلم”. https://fatwa.islamonline.net/12047

وعليه فان صلاة المنفرد خلف الصف اما ان تكون باطلة او صحيحة مع الكراهة او صحيحة ان وجد العذر ومنشأ الخلاف كعادة الفقهاء في مئات المسائل الفرعية حمل مفردات وكلمات النص على الندب ام الاستحباب ام الظرف ام الاطلاق ام التخصيص ام التقييد ام ضعيف او صحيح او ناسخ ومنسوخ وكل ما يمكن ان يستنفذ من أدوات أصولية للوصول الى صناعة فهم في قولب حتى يصير رايا فقهيا.

اذن المسالة فيها سعة فقهية وعليه فان صلاة المنفردين والموزعين في المسجد تخريجا على الفروع في زمن كورونا صحيحة ولا غبار عليها، ولو حضر من حضر من الفقهاء لزمن كورونا ممن قالوا ببطلانها  لاتفقت كلمتهم على صحة الصلاة تخريجا على الكليات ومراعاة لظرف الواقع.

يتبع……………………………………….

 

 

 

 

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017