الملائكة – عليهم السلام- وموقفهم  من مسالة خلق الانسان وفق قاعدة  ” دفع  المفاسد المتوقعه من خلق الانسان”

الإثنين 30 أكتوبر 2017
شارك المقال

الملائكة – عليهم السلام- وموقفهم  من مسالة خلق الانسان وفق قاعدة  ” دفع  المفاسد المتوقعه من خلق الانسان”

 

 

 

ذكر الله تعالى اسم ادم عليه السلام في كتابه خمسا وعشرين مره، في خمس وعشرين ايه،  حتى ان الله عز وجل قص علينا القصص فكانت قصته هي القصة الأولى في ترتيب القران الكريم، ” وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33)، سورة البقرة.

عندما تدرس مادة العقيدة الإسلامية في إحدى كليات الشريعة أو كليات أصول الدين او على يد المشايخ تتصور ان الملائكة خلق لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ثم تخرج بتصور بان الملائكة عليهم السلام لا يتحركون ولا يتكلمون ولا يفكرون ولا يجتهدون ولا يدلون بدلوهم بل هم أشبه بالأصنام النورانية لا إرادة لهم ولا رأي لهم وأصحاب هذا التصور جعلوا هاتين الآيتين الانتقائيتين مرآتهم قوله تعالى “لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6) التحريم  وقوله تعالى ” وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (64) مريم. ثم بنوا تصوراتهم الكلية على نصيين جزئيين دون استقراء الشريعة. ذلك لا يمكن الحصول على تصور كلي من خلال الكتاب والسنة الصحيحة حتى تعرف وتعلم حقيقة الملائكة.

ما حصل في قصة ادم أعلاه أن الملائكة أدلوا بدلوهم بصراحة بلجة وإعلان ذائع مستفيض،” قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30)والله تعالى لم يوحي إليهم ولم يؤمرهم ولم يفرض عليهم الإجابة، بل هذا محض رأيهم نابع من إرادتهم دون ضغط أو إكراه أو إيحاء أو خشية، بل إنهم كتموا أشياء وابدوا أشياء  “وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ”  إن مملكة الله لا استبداد فيها، بل سعة في سعة.

الرجل الذي قتل تسعا وتسعين نفسا ثم اختلفت الملائكة في أمره, وخدمتهم لمريم عليها السلام وتنافسهم في ذلك. اسمع الى هاذين الملكين عن عبد الله بن عمر– رض الله عنهما – ان رسول الله صلى الله عليه وسلم – حدثهم ان عبدا” من عباد الله قال :يا رب ، لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك فعضلت بالملكين فلم يدريا كيف يكتبانها ، فصعدا إلى السماء ، وقالا : يا ربنا إن عبدك قال مقاله لا ندرى كيف نكتبها ؟  قال الله – عز وجل – وهو أعلم بما قال عبده – قال : ماذا قال عبدي ؟ قالا : يا رب : انه قال يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك ، فقال الله – عز وجل – : اكتباها كما قال عبدي ، حتى يلقاني  فأجزيه بها. أخرجه النسائي فى سننه .

هذه مملكة فيها حركة وعلم وسؤال واستفسار ورأي، فهم يعودون إلى الله أحيانا بالسؤال وهو اعلم، وهم يعلمون انه اعلم، ثم يجيبوهم الجبار على سؤالهم دون ان يوبخهم، واحيانا يبدي لهم الحكمة من وراء افعاله جل في علاه واحيانا لا يبدي لهم الحكمة، ولكن الذي اعرفه انه مهما صدر عنهم فانه لا يوبخهم ولا يسفههم بل يعلمهم احيانا مباشرة واحيانا مقارعة الحجة بالحجة، استمع: “وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ” (31  . فالاسماء كانت حجة الله على الملائكة ” 31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ” هذه مملكة يحكمها العلم ،  قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ” .

ان الله تعالى أقام الحجة على ملائكته بالعلم وبالدليل والبرهان وبالاختبار، حتى لو أنهم خلقوا من نور، وحتى لو انهم غير مكلفين بمفهوم التكليف الإنساني. ولكن عرضت قضية الحسم فيها كان بالعلم والسبب واضح ان الملائكة أرادت الخلافة في الأرض، كان لها إرادة ورأي ” قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ”

 كان عند الملائكة رأيا وليقل المفسرون سؤالهم استفساري لا إنكاري او استكشافي اعلامي لكنهم قالوها بصراحة ” وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ”  …. ان الله قضى أمرا وكان للملائكة رأيا، فبدل من ان يأمر الله تعالى بان ينفذ قضائه دون الالتفات إلى رأي الملائكة وهو اعلم بهم، أراد الله تعالى ان يفند رأيهم بالحجة والدليل، ما اعظم هذه المملكة لا فوضى فيها ولا حيرة فيها ، ولا أوامر تدبر بليل او نهار، بل علم في علم، وحجة مقابل حجة، والله اعلم بالملائكة وبالخلق أجمعين ففعل ذلك سبحانه وتعالى ففند رأيهم بالدليل واستعمال الوسائل أي الأسماء حيث أن الأسماء كانت مادة الاختبار فالله خلق ادم لعمار الأرض وليس للتسبيح والتهليل فقط لذا علمه كل الأسماء التي يحتاجها إلى عمارة الأرض ولا شان للملائكة بهذا. 

 

الشيخ رائد بدير عضو هيئة العلماء في القدس الشريف

 

 

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017