المناط العام والمناط الخاص 

الخميس 26 أكتوبر 2017
شارك المقال

المناط العام والمناط الخاص 

 

المناط العام :

قد عرفه ابن قدامة بقوله : ” أن تكون القاعدة الكلية متفقا عليها، أو منصوصا عليها ويجتهد في تحقيقها في الفرع”[1] . وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية تعريفا قريبا من ذلك لهذا النوع من أنواع المناط فقال: “هو أن يعلق الشارع الحكم بمعنى كلي فينظر في ثبوته في بعض الأنواع أو بعض الأعيان كأمره باستقبال الكعبة ، وكأمره باستشهاد شهيدين من رجالنا ممن نرضى من الشهداء ، وكتحريمه الخمر والميسر، وكفرضه تحليل اليمين بالكفارة ، وكتفريقه بين الفدية والطلاق وغير ذلك ، فيبقى النظر في بعض الأنواع هل هي خمر ويمين وميسر وفدية أو طلاق، وفي بعض الأعيان هل هي من هذا النوع ؟ وهل هذا المصلي مستقبل القبلة ؟ وهذا الشخص عدل مرضى ؟ ونحو ذلك ،  وهذا النوع من الاجتهاد متفق عليه بين المسلمين بل بين العقلاء فيما يتبعونه من شرائع دينهم وطاعة ولاة أمورهم ومصالح دنياهم واخرتهم “[2] . وقال صاحب الموافقات عن هذا النوع  من أنواع المناط : “معناه أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي لكن يبقى النظر في تعيين محله ، وذلك أن الشارع إذا قال :”واشهدوا ذوى عدل منكم “[3] ، وثبت عندنا معنى العدالة شرعا ، افتقرنا إلى تعيين من حصلت فيه هذه الصفة ، وليس الناس في وصف العدالة على حد سواء ، بل ذلك يختلف اختلافا متباينا ، فانا إذا تأملنا العدل وجدنا لاتصافهم بها طرفين وواسطة:طرف أعلى في العدالة لا إشكال فيه كابي بكر الصديق – رضي الله عنه-وطرف آخر وهو أول درجة في الخروج عن مقتضى هذا الوصف ، كالمجاوز لمرتبة الكفر إلى الحكم بمجرد الإسلام فضلا عن مرتكبي الكبائر المحددين فيها وبينهما مراتب لا تنحصر وهذا الوسط غامض ، لا بد فيه من بلوغ حد الوسع وهو الاجتهاد”[4] .

هذه الأمثلة التي تعرض لها ابن تيمية والشاطبي من هذا النوع من أنواع الاجتهاد ، وغيرها من الأمثلة التي لا تنحصر والمطلوب من المجتهد أن يحقق في هذه الأنواع ليرجع كل نوع إلى جنسه من الأحكام فيشمله حكمه ، ولا يرجع إلى جنس آخر فيشمله حكم آخر ليس الذي أراده الله تعالى يقول الأستاذ الدريني : ” الحكم التكليفي قبل مرحلة تطبيقه ، وتحقيق مناطه في الجزيئات عام ومجرد، حتى إذا جرى الاجتهاد في تطبيقه على متعلقه من واقعة معينة ، أو شخص معين ، فان تحقق مناطه في كل منهما كان الحكم التطبيقي في هذه الحال مساويا للحكم التكليفي، ولا مراء في أن المجتهد يبذل أقصى طاقاته العلمية في سبيل تحقيق هذه المساواة بين الحكم التكليفي العام المجرد ، وبين الحكم التطبيقي الاجتهادي أو الإفتائي ، على الوقائع المعينة المعروضة ، التي يتعلق بها ذلك الحكم التكليفي العام “[5] . وقد نبه الشاطبي إلى أهمية هذا النوع من أنواع الاجتهاد-المناط العام-فقال:  “ولو فرض ارتفاع هذا الاجتهاد لم تنزل الأحكام الشرعية على أفعال المكلفين إلا في الذهن ، لأنها مطلقات وعمومات وما يرجع إلى ذلك، منزلات على أفعال مطلقات كذلك ، والأفعال لا تقع في الوجود مطلقة ، وإنما تقع معينة مشخصة ، فلا يكون الحكم عليها إلا بعد المعرفة بان هذا المعين يشمله ذلك المطلق أو ذلك العام وقد يكون ذلك سهلا وقد لا يكون وكله اجتهاد”[6]. وكما مر معنا أن هذا النوع من أنواع الاجتهاد في تحقيق المناط لا ينقطع حتى ينقطع اصل التكليف وهو مستمر باستمرار الحياة البشرية يقول د. النجار : “وليست هذه الأنواع والصور في الأفعال بمنحصرة حتى تظهر في فترة من الزمن ، ثم يقتصر الإنسان بعد ذلك على تكرارها فحسب ، بل تغاير أوضاع الحياة وانقلابها تأتي من الأنواع بما هو مستأنف ، ولذلك فان التحقيق في هذه الأنواع اجتهاد مستمر، مثاله الواضح اليوم ما يحدث في التعامل المالي من صور عديدة تتجاذبها في الانتماء أجناس المعاملة المالية من بيع وربا وغيرهما”[7].

والخلاصة أن تحقيق المناط العام يختص بالأنواع ، يقدر المجتهد بعد النظر والتدقيق في هذه الأنواع إلحاقها والرجوع بها إلى جنسها في الشريعة الإسلامية من الأحكام إذا وجدها مشابهة ومتقاربة منها. وهكذا تحافظ الشريعة الإسلامية على هيمنتها وإحاطتها بالأنواع والصور في الأفعال مهما تنوعت وتشكلت ومهما تغيرت وتبدلت ، حيث يتم وبواسطة تحقيق المناط تصنيف وترتيب تلك الصور في الإطار المناسب لها ويتم ضمها إلى جنسها أو ما يشبهها في الشريعة الإسلامية.

المناط الخاص

المناط العام يرجع إلى الأنواع ويتميز المناط العام عن المناط الخاص أن الخاص يرجع إلى الأشخاص لا إلى الأنواع ، ومما يميز الشريعة الإسلامية أنها اهتمت بواقع الإنسان وطبيعته يقول د.علي السرطأوي: ” الشريعة واقعية ، ولا تهمل واقع الإنسان وطبيعته وتأتى بأحكام ومثل خارجة على نطاق قدراته، أو غير معتبرة لظروفه ، فالواقع في الشريعة مادة للدرس والتمحيص والتحليل لمقوماته وسائر عناصره وأهدافه للحكم عليه لا للاحتكام إليه والتسليم به على علاته “[8] . وهذا النوع من أنواع المناط يختص بالنظر في حالة كل مكلف من جميع نواحي الحياة وشؤونها يقول الشاطبي:  “وعلى الجملة فتحقيق المناط الخاص نظر في كل مكلف بالنسبة إلى ما وقع عليه من الدلائل التكليفية ، بحيث يتعرف منه مداخل الشيطان ومداخل الهوى والحظوظ العاجلة ، حتى يلقيها هذا المجتهد على ذلك المكلف مقيدة بقيود التحرز من تلك المداخل ، هذا بالنسبة إلى التكليف المنحتم وغيره ، ويختص غير المنحتم بوجه آخر: وهو النظر فيما يصلح بكل مكلف في نفسه بحسب وقت دون وقت ، وحال دون حال ، وشخص دون شخص ، إذ النفوس ليست في قبول الأعمال الخاصة على وزان واحد ، فرب عمل صالح يدخل بسببه على رجل ضرر أو فترة ، ولا يكون كذلك بالنسبة للآخر….وصاحب هذا التحقيق الخاص هو الذي رزق نورا يعرف النفوس ومراميها ، وتفاوت إدراكها ، وقوة تحملها للتكاليف، وصبرها على حمل أعبائها أو ضعفها ، ويعرف التفاتها إلى الحظوظ العاجلة أو عدم التفاتها ، فهو يحمل على كل نفس من أحكام النصوص ما يليق بها ، بناء على أن ذلك هو المقصود الشرعي في تلقي التكاليف ، فكأنه يخص عموم المكلفين والتكاليف بهذا التحقيق لكن مما ثبت عمومه في التحقيق الأول العام”[9] . وهذا الكلام من أروع ما يكون في الشريعة الإسلامية بالنسبة لتعاملها مع حملتها ومع اتباعها ، وعليه تتفرع جميع الخطط التشريعية التي عنيت بتحقيق الغاية من وراء كل حكم شرعي المتعلق بالأشخاص ، فمن المعقول مثلا إذا خرج جماعة في سفر معين وكان عدد المسافرين مائة راكب مقسمين إلى خمس مجموعات في كل مجموعة عشرين راكبا ، وتم تقسيم تلك المجموعات على حسب أعمارهم  ، فاعمار أفراد المجموعة الأولى مثلا بين ثمانين وسبعين ، والثانية ما بين ستين وخمسين وهكذا دواليك ، حتى إذا وصلت تلك المجموعات المسافرة إلى نقطة عبور الحدود ، أصر طاقم أفراد نقطة العبور على السماح للمجموعة الأولى فقط العبور لسنهم وضعفهم ، أما باقي المجموعات فطلب منها أن تبقى مدة زمنية على الحدود ، ووجد شخص في المجموعة الخامسة والتي يبلغ أعمار أفرادها ما بين عشرين وثلاثين سنة  مصاب بمرض شديد ولا يستطيع الانتظار يوما على الحدود فمن المنطق والمعقول أن يضم هذا الفرد إلى المجموعة الأولى والتي تتراوح أعمار أفرادها بين الثمانين والسبعين ، والذي أوصلنا إلى عدم السير حسب ترتيب المجموعات الأولى ثم الثانية هو  النظر في حالة هذا الفرد وضمه إلى المجموعة الأولى ليسمح له بمخالفة الترتيب بالرغم من أن  عمره لا يتناسب مع أعمار المجموعة الأولى ، يقول الأستاذ الدريني : ” ليس من المعقول ولا من المقبول شرعا ، أن يحكم واقعة معينة بحكم واحد ، مهما اختلفت ظروفها وملابستها ، ذلك لان لهذه الظروف تأثيرا في نتائج التطبيق ….. والواجب شرعا تطبيق الحكم المناسب لكل شخص على حدة ، في ضوء ظروفه الخاصة ، التي تنهض بدليل تكليفي معين يستدعي حكما خاصا في حقه ، لان تعميم الحكم التكليفي على جميع المكلفين يفترض التشابه في الظروف وقد لا يوجد”[10].

يتبين من كل ذلك أن تحقيق المناط الخاص يأتي بعد النظرة المتمعنة والمتفحصة المتعلقة بإنزال الأحكام على الأشخاص عند التطبيق لذا عبر عنه الشاطبي بقوله: ” أما الثاني وهو النظر الخاص فاعلى وادق من هذا –العام- وهو في الحقيقة ناشئ عن نتيجة تقوى الله عز وجل المذكورة في قوله تعالى)ان تتقوا الله يجعل لكم فرقانا([11]  وذلك لما يترتب على العمل بهذه القاعدة من اثار حيث يتنقل الحكم من الوجوب في اصله إلى الحرمة أو من الحرمة إلى الوجوب يقول الزحيلي: ” قد يطرا على الإنسان حالة من الخطر أو المشقة الشديدة بحيث يخاف حدوث ضرر أو أذى بالنفس أو بالعضو أو بالعرض أو بالعقل أو بالمال وتوابعها ويتعين أو يباح عندئذ الحرام ، أو ترك الواجب أو تأخيره عن وقته دفعا للضرر عنه في غالب ظنه ضمن قيود الشارع”[12] . ونرى د.علي السرطاوي يوسع من نطاق هذه القاعدة لتعود إلى الأمة بشكل عام حيث قال : ” وإذا كانت لطبيعة الحال والظروف الملابسة اثر في تغيير الحكم الشرعي للشخص الواحد ، فمن باب أولى أن تكون طبيعة الحال والظروف التي تمر بالأمة اثر في تشكيل علل الأحكام التي تطبق على الأمة بكاملها ، لذا أعطي ولي الأمر سلطة التغيير والتطوير هذه “[13] . وقد برع الخليفة الثاني للدولة الإسلامية ، عمر بن الخطاب  – رضي الله عنه –  في استعمال تلك القاعدة في مسائل كثيرة ،منها عام المجاعة والزواج من الكتابيات وحبس الأراضي وعدم تقسيمها بين الغانمين وغيرها من المسائل لذا لا يمكن أن يستغنى عن قاعدة تحقيق المناط الخاص عند الإفتاء وصناعة الفتوى أو عند القضاء وإصدار الأحكام ،حيث تبقى هذه القاعدة الجليلة هي أهم الآلات والأدوات التي يملكها المفتي أو القاضي أو والي الأمر لصناعة ما يصدره من أحكام على احسن وجه بما يتلائم مع مقصد الشارع من إنزال الشريعة من جلب المصالح ودرء المفاسد ،ولعل الأهم من ذلك عند استعمال تلك القاعدة يمكن أن تظهر صورة الشريعة الإسلامية متحدة كلها متناسقة كلها متحدة في غاية واحدة ، مهما زادت فروعها وتبدلت وسائلها ويخشى على الفقيه أو القاضي أو والي الأمر عدم إدراك تلك القاعدة وفهم المهمة التي أنيطت بها وكيفية استعمالها عند تطبيق الأحكام الشرعية بحيث تكون نتيجة التطبيق بعكس ما قصد من وضع الشريعة تجلب المفاسد وتدرء المصالح ، إذ أن الشريعة وضعت لجلب المصالح ودرء المفاسد ،وان عدم الالتفات إلى قاعدة تحقيق المناط الخاص قد يؤدي إلى نتيجة عكسية غير النتيجة المتوقعة والتي هي مراد الشارع من تشريع الأحكام الشرعية  وحق إذا قيل تحقيق المناط لا يستغني عنه أحد.

 [1] ابن قدامة– روضة الناظر وجنة المناظر– ج 3 ص 801

[2]  ابن تيمية – كتب الرسائل وفتاوى ابن تيمية– ج 19 ص 16

[3]  سورة الطلاق- الآية رقم 2

[4] الشاطبي- الموافقات– الجزء 4 ص 90

[5]  الدريني– بحوث مقارنة في الفقه وأصوله ج 1 ص 133

[6] الشاطبي – الموافقات – ج 4 ص 93

[7]  عبدالمجيد النجار – خلافة الإنسان بين الوحي والعقل-  ص 124

[8]   السر طاوي – مبدأ المشروعية – ص63

[9]   الشاطبي – الموافقات – ج4  98

 [10] الدريني– بحوث مقارنة في الفقه وأصوله -ج 1 ص 134

 [11] سورة الانفال  – اية رقم 29

[12]   الزحيلي- وهبه الزحيلي- نظرية الضرورة الشرعية-مؤسسة الرسالة-الطبعة الخامسة1997

[13]   السرطاوي –  مبدأ المشروعية – ص 81

 

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017