النطف المهربة من السجون الاسرائيلية

الأربعاء 20 سبتمبر 2017
شارك المقال

 يوم الاثنين 17/09/2017 أسير من نابلس يُرزق بتوأم عبر نطف مهربة ، وابو حنيفة بحث هذه المسالة قبل 1300 سنة وعلماء اليوم عجزوا عن تأسيس فقه لسنة واحدة الى الامام بل مئات المسائل القديمة عالقة بلا اجابات 

قالت مصادر محلية فلسطينية “إن الأسير في السجون الإسرائيلية قاسم العكليك (34 عامًا) من مدينة نابلس ومحكوم (17 عامًا)،رزق يوم الاثنين 18/09/2017 بتوأم (ذكر وانثى)،  من خلال عملية اخصاب عبر النطف المهربة، بإشراف ومتابعة من مركز رزان التخصصي لعلاج العقم وأطفال الانابيب”.وأفادت المصادر بأن “الزوجة سهى العكليك (33 عامًا) أنجبت التوأم اللذين أطلقت عليهما العائلة اسمي “عبود” و”هاجر” في المستشفى العربي التخصصي بنابلس من خلال عملية قيصرية”.وأشار مصدر طبي الى أن “صحة الوالدة والتوأم ممتازة، وقد بلغ وزن الذكر (2900 غم)، فيما بلغ وزن الأنثى (3200 غم)”.وذكرت المصادر أن “الأسير العكليك اعتقل عام 2003، وحكم عليه بالسجن مدة 17 عاما، وتبقى له ثلاث سنوات للإفراج عنه، وعند اعتقاله كان لديه توأم آخر وهما “دعاء” و”دلال” واللتان كانتا بعمر 4 شهور عند اعتقال والديهما”.

ان الناظر في كتب التراث الفقهي يجد ان مسالة “الاستدخال” توسع بها الفقهاء، وخاصة فما يتعلق بأحكام العدة او بثبوت النسب عند اختلاط الماء، فكانت الفرضيات عندهم نقل ماء الرجل الى زوجته، او نقل ماء غيره الى زوجته وترتب على كل ذلك احكاما شرعية، وعرف عندهم ما يسمى “بالماء المحترم” والماء “غير المحترم” الى جانب تلك المسألة التي بحثها الفقهاء قديما من غالب جوانبها…

لم يتوقف الامر عند الفقهاء القدامى عند مسألة “الاستدخال”، بل عنون بعضهم في كتب التراث الفقهي عنوانا لباب يسمى “الاستيلاد”، “وهو طلب الولد في اللغة، وهو عام أريد به خصوص، وهو طلب ولد أمته، أي استلحاقه، أي باب بيان أحكام هذا الاستلحاق الثابتة في الأم، وأم الولد تصدق لغة على الزوجة وغيرها ممن لها ولد ثابت النسب وغير ثابت النسب، وفي عرف الفقهاء أخص من ذلك، وهي الأمة التي ثبت نسب ولدها من مالك كلها أو بعضها ” ابن نجيم، زين الدين ابراهين، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، دار الكتاب الاسلامي ، ط2 ج4 ص 392″

وتحت هذا الباب بحثت مسائل كثيرة تتعلق بنقل ماء الرجل دون ان يكون أي اتصال بينه وبين زوجته، فعلى سبيل المثال ذكر ابن نجيم هذه الفرضية عن الامام ابو حنيفة – رحمه الله تعالى – :”عن أبي حنيفة، إذا عالج الرجل جاريته فيما دون الفرج فأنزل فأخذت الجارية ماءه في شيء فاستدخلته فرجها في حدثان ذلك فعلقت الجارية وولدت فالولد ولده والجارية أم ولد له” “ابن نجيم، زين الدين ابراهين، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، دار الكتاب الاسلامي ، ط2 ج4 ص 392. ”

لقد تناول الامام ابو حنيفة – رحمه الله تعالى – في المثال الافتراضي، مسألة نقل الماء، ومسألة الاستدخال، ثم بنى على هذه المسألة الفرضية تولد ولد، ثم بحث مسألة النسب بعد الولد، هذه المسألة الافتراضية التي وردت في زمن كان يعتقد الناس ان خروج الماء من الرجل واختلاطه بالهواء يفسد الحياة في هذا الماء، اذ ان افتراض المسألة من اصلها غير وارد، بينما الامام ابو حنيفة مضى قدما في المسألة ليفترض وقوعها بشتى صور ليؤسس قبل 1300 عام فروعا يمكن الاستناد عليها فيما جد من مسائل الى قيام الساعة.

ان الفقه الافتراضي، والذي هو اجتهاد الفقيه في وضع الحكم الشرعي لما لم يقع بعد من الحوادث والنوازل المقدرة، والذي وضع اسسه ومنهاجه وتناوله حقيقة الامام الاعظم ابو حنيفة – رحمه الله تعالى- قد اخرج الامة من كثير من المآزق، ولا اخفي سرا على المستوى الشخصي لما اصادفه واواجهه من علماء فان قلبي يئن ويعتصر لانعدام هذه العقلية في زماننا المعاصر لنؤسس لمن سيأتون بعدنا، فنفترض احكام للصوم في الفضاء، او احكاما للصلاة على القمر.. والبلية التي نعاني منها اننا لا نسير بنفس الساعة في ايجاد اجابات شرعية لسائر تقدم العلوم من حولنا، ومن أسباب ذلك عدم تبني الاصول للانطلاق بفروع جديدة مستأنسين بالفروع القديمة.

لا يمكن ان نقدم مسائل افتراضية في زمانا لانا اصلا لم نقدم إجابات لكل ما بين ايدينا من واقع، ومعنى هذا الكلام، انه حتى المدارس الفقهية التي كانت لا تفتي في المسألة الا اذا وقعت، فحتى في هذه لم نحسنها ولم نتقنها، فكثير هي المسائل التي هي بحاجة الى بحث وتقديم حلول واجابات ما زالت عالقة على جداول المؤتمرات الفقهية، او غير منظورة اصلا على جداولها، فما بالك بالمساحة التي بيننا وبين العقلية الفقهية الافتراضية التي اوجدت إجابات وحلولا، بل واخذت تفترض لما سيقع من نوازل !!

لقد اوضح ابو حنيفة – رحمه الله تعالى – فلسفته من خلال تأسيسه للفقه الافتراضي بهذه الحادثة حين نزل قتادة الكوفة، فقام إليه أبو حنيفة، فسأله: يا أبا الخطاب‍ ما تقول في رجل غاب عن أهله أعوامًا، فظنت امرأته أن زوجها مات، فتزوجت، ثم رجع زوجها الأول. ما تقول في صداقها؟ وكان أبو حنيفة قد قال لأصحابه الذين اجتمعوا إليه: لئن حدَّث بحديث ليكذبن، ولئن قال برأي نفسه ليخطئن. فقال قتادة: ويحك أوقعت هذه المسألة؟ قال: لا. قال: فلِمَ تسألني عما لم يقع ؟ قال أبو حنيفة:” إنا لنستعد للبلاء قبل نزوله، فإذا ما وقع، عرفنا الدخول فيه والخروج منه ” ” تاريخ بغداد: تاريخ البغدادي 13/348″

ارايت لو وجدت بيننا عقلية اصولية فقهية تتبنى الفلسفة التي بنى عليها ابو حنيفة – رحمه الله تعالى- فقهه الافتراضي، الاستعداد للبلاء والدخول فيه والخروج منه لكان حالنا الفقهي افضل.

اذن نستطيع ان نجزم بما لا يدع مجالا للشك والريب ان فقهاء الامة القدامى – رحمهم اله تعالى – قد عرفوا الاستفادة من الكتاب والسنة لتشكيل عقلية يمكن ان تتناول كثير من القضايا، والتي ربما نظن انها معاصرة لكنها على وجه التحقيق قضايا قديمة وما جد فيها سوى ” الماكنة” أي آلية تناول هذه القضايا، فالفقهاء عرفوا وبحثوا وقدموا اجابات لمسألة “الاستيلاد” ومسألة “الاستدخال” قبل مئات السنين.

 

 الشيخ رائد بدير – عضو هيئة الدعاة والعلماء في القدس الشريف-

 

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017