النظر في الأصول من الأصول عند الافتاء ” مقولة الشافعي وابن حنبل في القياس “إنما يُصار اليه للضرورة” انموذجا

الأربعاء 17 نوفمبر 2021
شارك المقال

 

من أصول عند الإفتاء عند الامام أحمد بن حنبل – رحمه الله تعالى،  القياس الملجيءأو القياس للضرورة وقد ذكر  ابن القيم رحمه الله تعالى في الاعلام ذلك وهو يعدد الأصول  الخمسة  لفتاوى الامام ابن حنبل رحمه الله تعالى-  فقال ”  الأصل الخامس عند أحمد: القياس للضرورة فإذا لم يكن عند الإمام أحمد في المسألة نصّ، ولا قول الصحابة، أو أحد  منهم، ولا أثر مرسل، أو ضعيف: عَدَل إلى الأصل الخامس -وهو القياس- فاستعمله للضرورة، وقد قال في “كتاب الخلَّال”: سألت الشافعي عن القياس، فقال: إنما يُصَار إليه عند الضرورة ، أو ما هذا معناه [وقال في “رواية أبي الحارث”: ما تصنع بالرأي والقياس، وفي الحديث ما يغنيك عنه؟وقال في “رواية عبد الملك المَيْموني”: يَجْتنب المتكلم في الفقه هذين الأصلين: المُجْمَل والقياس “[1]

نلاحظ من ترتيبات الام احمد بن حنيل رحمه الله تعالى ، ان الأصل عند الإفتاء استعمال القياس للضرورةـ  بمعنى تركه أولى من استعماله ولا ملجأ اليه الا للضرورة الملجئة له، والامام احمد رحمه الله تعالى وُلد سنة 164 هـ ومات سنة 241 هـ ونحن اليوم في سنة 1443 هـ وهو رحمه الله تعالى كان أقرب الى عهد الصحابة والتابعين واسبق منه الامام الشافعي رحمه الله تعالى وُلد سنة 150ه, ومات سنة 204 ه وهو اقرب الى عهد الصحابة والتابعين من الام احمد رحمهما الله تعالى جميعا. وقد مرت على مقولة الامام احمد رحمه الله تعالى انه لا يُصار الى القياس الى عند الضرورة ما يزيد عن 1200 سنة هــ ، وبالمقارنة ما شكل الحياة في كل مجالات الحياة في زمن الامام احمد رحمه الله تعالى وشكل الحياة في زماننا، وما استجد زمن الامام احمد رحمه الله تعالى بالنسبة لحياة الصحابة والتابعين وما استجد في زماننا بالنسبة لحياة الصحابة والتابعين في مختلف مجالات الحياة لا يدع مجالا للشك ان القياس عن الفتيا في سلم اولياتها وليس عند الضرورة، وهذه وظيفة القياس اصلا عند الفتيا ومعالجة المستجدات والمتغيرات في حياة الناس وشكلها وف يكل المجالات.

قال الدكتور فتحي  الدريني-رحمه الله تعالى – وقد برع في الحديث  عن طبيعة القياس حيث قال : “القياس اجتهاد فكري تحليلي يعتمد أصلا منصوصا يتناول واقعة معينة بحكمه يحلله إلى عناصره المادية أو المعنوية ، ليستخلص منه معقوله أو معنى معناه ، وهو ما يطلق عليه العلة حتى إذا تبينت العلة التي هي السبب الموجب للحكم في غالب ظن المجتهد ألحق واقعة أخرى لم يكن منصوصا عليها بتلك الواقعة المنصوص عليها إذا تبين له اشتراكهما في تلك العلة ……والقياس لم ينشأ  الحكم إنشاء وإنما اظهر ما يسلكه منطق التشريع من الوقائع الجديدة بناء على اصل معين منصوص على حكمه تشترك جميعها في عنصر متحد –العلة- هو الذي استرشد به المجتهد في إحكام ذلك المنطق وتأكيده……والقياس مصدر تشريعي تبعي لا اصلي لانه يعتمد على اصل منصوص عليه في أحد المصادر التشريعية الأصلية الثلاثة الأولى الكتاب، والسنة، والإجماع ، والقياس خطة تشريعية اجتهادية لتحقيق العدالة في جميع مظان حكمها في الفروع المستجدة التي ما لا نهاية لها ، حتى لا تجد بينها تخالفا أو تناقضا، ولا نقصد بمنطق التشريع إلا هذا”[2].

والقياس في اللغة مصدر قَيَس وقاس يقال : قايس يقايس قياسا ومقايسة ، وقاس الشيء يقيسه قياسا ، ويقال قست الشيء بغيره وعلى غيره إذا قدرته على مثاله ، ويقال هذه خشبة قيس إصبع قدر إصبع ، ويقال قيس بين شيئين إذا قادرت بينهما “[3] ، ويقال فلان يقتاس بابيه أي يسلك سبيله ويقتدي به ، ويقال : قاس الشيء بغيره وعلى غيره فانقاس قدره على مثاله “[4]. ويلاحظ أن القياس لغة يأتي بمعنى المقارنة والتقدير المساواة والمماثلة والشبه، فنقول مثلا فلان لا يقاس بفلان في كرمه أي لا يساويه ولا يشبهه ، وتقول مثلا قست الأرض  بالمتر قبل شرائها أي عرفت قدرها ، وتقول مثلا قست النعل بالنعل أي ساويتها ، وكل هذه المعاني المماثلة والمساواة والتشبيه كلها أمور متقاربة في المعنى.

أما القياس في اصطلاح الأصوليين فقد اختلفت عبارات الأصوليين في تعريفه على النحو الآتي:  فقدعرفه صدر الشريعة عبيد الله بن مسعود بقوله : ” (القياس  هو تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع بعلة متحدة لا تدرك بمجرد اللغة) ، أي إثبات حكم مثل حكم الأصل في الفرع المراد بالأصل ومعنى لا تدرك بمجرد اللغة احتراز عن دلالة النص وذكر هذا القيد واجب لاتفاق العلماء على الفرق بين دلالة النص والقياس “[5] ، وذكر النسفي تعريفه فقال : ” القياس في الشرع تقدير الفرع بالأصل في الحكم والعلة  ، وقال واعترضوا عليه بان القياس يجري بين المعدومين، وذكر الأصل والفرع في المعدوم فاسد إذ الأصل اسم لشيء يبني غيره عليه ، والفرع اسم لشيء يبتني على غيره ، والمعدوم ليس بشيء ، والجواب انا نمنع تفسير الأصل والفرع بهذا”[6]. وذكر الميهوي في كتابه شرح نور الأنوار قوله : “وقيل القياس هو إبانة مثل حكم أحد المذكورين بمثل علته في الآخر ، واختير لفظ الإبانة ، لان القياس مظهر لا مثبت وزيد لفظ المثل ، لان المعدى هو مثل الحكم لا عين الحكم “[7] ، وقال الجويني:  ” اقرب العبارات إلى تعريف القياس ما ذكره القاضي الباقلاني إذ قال : القياس حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر يجمع بينهما ، من إثبات حكم ، أو صفة، أو نفيهما  فقوله :حمل معلوم على معلوم ، أراد به اعتبار معلوم بمعلوم ، وذكر المعلوم حتى يشتمل الكلام على الوجود والعدم ، والنفي والإثبات ، فانه لو قال : حمل شيء على شيء لكان ذلك حصرا للقياس في الموجودات ، وسبيل القياس أن يجري في المعدوم والموجود ، ثم فسر الحمل لما كان فيه ضرب من الإجمال عند تقدير الاقتصار عليه فقال : في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما، ثم لما علم أن الحكم بالحمل ليس من القياس بسبيل ، وانما القياس من يتخيل جامعا ، ويبني عليه ما يبغيه ، مبطلا كان أم محقا ذكر الجامع فقال : بجامع ثم صنفه إلى حكم ، وصنفه في نفي أو إثبات  “[8]. واختار الآمدي تعريفا للقياس حيث قال: ” والمختار في حد القياس أن يقال انه عبارة عن الاستواء بين الفرع والأصل في العلة المستنبطة من حكم الأصل ، وهذه العبارة جامعة مانعة وافية بالغرض عرية عما يعترضها من التشكيكات العارضة لغيرها على ما تقدم “[9] ، وعرفه التفتازاني بقوله :  ” القياس في الشرع مساواة الفرع للأصل في علة حكمه ، وذلك انه من أدلة الأحكام فلا بد من حكم مطلوب به وله محل ضرورة والمقصود إثبات ذلك الحكم في ذلك المحل لثبوته في محل آخر يقاس هذا به فكان هذا فرعا وذلك أصلا لاحتياجه إليه وابتنائه عليه “[10] ، وعرفه البيضاوي بقوله : القياس  إثبات مثل حكم معلوم في معلوم آخر لاشتراكهما في علة الحكم عند المثبت”[11]) ، وقال البدخشي في شرحه لتعريف البيضاوي : “وقوله عند المثبت وهو القائس ليعم المجتهد والمقلد”[12] .

وقال الاسنوي كذلك في شرحه لتعريف البيضاوي :  ” وقوله عند المثبت أن يكون اشتراكهما في العلة في نظر القائس ، وانما لم يقل عند المجتهد إذ المفهوم من إطلاقه المجتهد مطلقا ، فيخرج عنه قياس المجتهد في المذهب كالفقيه المقلد لأبي حنيفة أو الشافعي مثلا ، وهذا التعريف أولى مما قاله غيره، بان  القياس تحصيل حكم الأصل في الفرع لاستوائهما في علة الحكم عند المجتهد”[13].

والملاحظ من جميع التعريفات السابقة والتي جاءت على سبيل المثال لا الحصر أنها كلها تشمل في عباراتها لتعريف القياس أربعة عناصر( اصل ، وفرع ، وحكم ، وعلة) وهي ما تسمى باركان القياس ، فمهما اختلفت تلك العبارات إلا أنها جاءت متفقة على شمل الأصل، والفرع، والحكم، والعلة عند التعريف ، فهذا محل اتفاق بين الأصوليين حيث لا يتم تعريف القياس إلا إذا اشتمل التعريف  على تلك العناصر أو الأركان . كما ان بعضهم استخدم عبارة حمل معلوم على معلوم كالجويني والغزالي وأرادوا بالحمل أي إثبات حكم لهما ، والبعض اختار لفظ التعدية كصدر الشريعة حيث اعتبر القياس تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع  ، والبعض اختار لفظ تقدير كالنسفي وعبر عن القياس بتقدير الفرع بالأصل ، والبعض اختار عبارة الابانه كما جاء في تعريف الميهوي وعبر عن القياس ابانة مثل حكم أحد المذكورين بمثل علته ، والبعض عبر عنه بالاستواء ومساواة بين الفرع والأصل كالامدي والتفتازاني ، والبعض عبر عنه بأنه إثبات مثل حكم معلوم كالبيضاوي على ما مر معنا من تنوع استخدام اللفظ أو العبارة ، إلا انه ومهما اختلفت عبارات الأصوليين في اختيار اللفظ الجامع المانع الوافي الذي لا يرد عليه التشكيك أو الاعتراض وبذل كل واحد منهما الوسع في اختيار التعريف المناسب للقياس ، فان الحقيقة هي عند إجراء القياس على واقعة معينه لم يرد  في حكمها نص فان جميع العلماء يجتهدون في الوصول إلى حكم تلك الواقعة الجديدة عند اجراء القياس سواء عبروا عند تعريفه إثبات أو تعديه، أو بيان ، أو مساواة……..الخ فالنتيجة العلمية العملية عند التطبيق وان اختلفت الألفاظ شكلا إلا أنها في جوهرها متفقة ، وخير شاهد على ذلك علة الربا عند الشافعية والتي اقتصرت على الأثمان والمطعومات ، فمن التطبيقات العملية للقياس في علة الربا تجد النتيجة واحدة عند علماء الشافعية وان اختلفوا في تعريف القياس كما بينا أعلاه ، وهناك أمر آخر يلاحظ من التعريفات وهو ما أشار إليه الشوكاني قال : ” قال الأستاذ أبو إسحاق –الشيرازي- : اختلف أصحابنا فيما وضع له اسم القياس على قولين : أحدهما انه استدلال المجتهد وفكرة المستنبط ، والثاني انه المعنى الذي يدل على الحكم في اصل الشيء وفرعه قال وهذا هو الصحيح”[14] ، وما ذكرنا من التعريفات السابقة للامدي والتفتازاني تشير أن القياس ما هو إلا دليل شرعي لمعرفة الأحكام وتعريفها وخاصة قول التفتازاني القياس مساواة الفرع بالأصل في علة حكمه وذلك انه من أدلة الشرع على ما مر معنا في التعريف وهؤلاء يعتبرون أن القياس دليل شرعي نصبه الشارع كالقرآن والسنة، أما غيرهم كالبيضاوي مثلا فانه عبر بصريح العبارة على أن القياس استدلال المجتهد أو المثبت كما سماه ، ولقد حاول ابن عبد الشكور الجمع بين كونه دليلا شرعيا وفعلا للمجتهد بقوله: ” إطلاق القياس على الفعل مسامحة لان القياس حجة الآهية موضوعة من قبل الشارع لمعرفة أحكامه ، وليس هو فعلا لاحد ، لكن لما كان معرفته بفعل المجتهد ربما يطلق عليه مجازا “[15]

إن حاجة الناس إلى القياس لا تنقطع ، فما دامت الحوادث تتجدد والوقائع تتكرر والقضايا تتطور دون أن يكون لها حد  دامت حاجة الناس إلى القياس ، ولعل طبيعة الشريعة الإسلامية وخصائصها وخاصة مسالة الثبات والتطور لتؤكد على أهمية القياس يقول د.علي السرطاوي : “كانت مسألة التشريع سببا لكثير من الاشكالات في العصر الحاضر ، فبسبب التخلف العلمي والسياسي للمسلمين في الوقت الحاضر وسيرهم وراء التشريعات والنظم الغربية واتهام بعضهم الشريعة بالجمود وعدم الصلاحية ، كتب كثير من علماء المسلمين دفاعا عن الشريعة أنها شريعة مرنة متطورة صالحة لكل الأزمنة والأمكنة ، حتى اصبح الناس يقرون بهذه الفكرة ويسلمون بها “[16] . والقياس عامل أساسي من عوامل تطور هذه الشريعة الإسلامية كونه يعالج ما استجد من قضايا وأحداث في جميع مجالات الحياة ، وخاصة أن النصوص مقصورة محصورة والحوادث غير محصورة ، يقول الجويني في بيان منزلة القياس وضرورته : ” القياس مناط الاجتهاد واصل الرأي ، ومنه يتشعب الفقه ، وأساليب الشريعة ، وهو المفضي إلى الاستقلال بتفاصيل أحكام الوقائع ، مع انتقاء الغاية والنهاية ، فان نصوص الكتاب والسنة محصورة ، ومواقع الإجماع مأثورة فيما ينقل منها تواترا ، فهو المستند إلى القطع ….، ونحن نعلم قطعا أن الوقائع التي يتوقع وقوعها لا نهاية لها  والرأي المبتوت المقطوع به عندنا انه لا تخلو واقعة عن حكم الله تعالى  متلقى من قاعدة الشرع ، والأصل الذي يسترسل على جميع الوقائع القياس، وما يتعلق به من وجوه النظر والاستدلال ، فهو إذا أحق الأصول باعتناء الطالب ، ومن عرف مآخذه وتقاسمه ، وعرف مجاريها ومواقعها فقد احتوى على مجامع الفقه ، وان نحن خصصنا هذا الكتاب بفصل بسط ، فسببه ما نبهنا عليه من عظم خطره ، واشتداد مسيس الحاجة إليه ، وابتنائه على إفضائه إلى ما لا نهاية له مع انضباط ماخذه “[17]. ونجد إمام الحرمين يبين مدى الحاجة إلى القياس ، وأهميته حيث اعتبره يفضي إلى ما لا نهاية ، وهذا تجاوب وانسجام بين الشريعة الإسلامية الخالدة وبين الواقع المتجدد ، فمحال أن ينزل بالأمة الإسلامية على مستوى شعوبها أو أفرادها في جميع مجالات الحياة  في كل الأزمنة والعصور نازل ، دون أن يكون له حكم لازما في الشريعة الإسلامية يقول الشافعي :  ” كل ما نزل بمسلم فيه حكم لازم ، أو على سبيل الحق فيه دلالة موجودة ، وعليه إذا كان فيه حكم بعينه وجب اتباعه ، وإذا لم يكن فيه بعينه طلب الدلالة على سبيل الحق فيه بالاجتهاد والاجتهاد القياس “[18].

إذن مكانة القياس في الشريعة الإسلامية ومنزلته لا تقل عن منزلة الاجتهاد، ولا يختلف اثنان على أهمية الاجتهاد وضرورته في التشريع الإلهي ، والحقيقة أن أول أدوات الاجتهاد القياس ، وليس الاجتهاد هو القياس قال الغزالي: ” قال بعض الفقهاء:القياس هو الاجتهاد ، وهو خطأ لان الاجتهاد أعم من القياس، لأنه قد يكون بالنظر في العموميات ودقائق الألفاظ وسائر طرق الأدلة سوى القياس، ثم انه لا ينبيء في عرف العلماء إلا عن بذل المجتهد وسعه في طلب الحكم،ولا يطلق إلا على من يجهد نفسه،ويستفرغ الوسع،فمن حمل خردلة لا يقال اجتهد ، ولا ينبىء هذا عن خصوص معنى القياس، بل عن الجهد الذي هو حال القياس “[19].  ومعرفة القياس من الشروط الواجبة التي يجب أن تتوفر في المجتهد يقول الاسنوي :” لا بد للمجتهد أن يعرفه – أي القياس – ويعرف شرائطه المعتبرة وهو قاعدة الاجتهاد والموصل الى تفاصيل الأحكام التي لا حصر لها “[20].

اكتسب القياس هذه الأهمية وهذه المنزلة في الشريعة الإسلامية ، من الشريعة نفسها ، حيث أناطت به دورا هاما لمعالجة القضايا المستجدة يقول الدريني: ” قرر القران الكريم نفسه وكذلك السنة بوجه خاص ، حجية هذا المنهج الأصولي من مناهج الاجتهاد بالرأي تأكيدا لمنطق الشرع والعقل معا، فأحال القران الكريم المجتهدين على القياس كمنهج أصولي لاستنباط الأحكام على أساسه في الوقائع التي لم يرد فيها نص ، قياسا على نظائرها من وقائع أخرى معينة قد ورد النص بحكمها إذا اشتركت معها في العلة التي بنى المشرع الحكم عليها “[21] .

وقد ذهب ابن قيم في كتابه إعلام الموقعين عن رب العالمين الى اعتبار القياس الميزان الذي أنزله الله سبحانه وتعالى مع كتابه حيث قال : “قال تعالى : الله الذي انزل الكتاب بالحق والميزان ([22] ، وقال تعالى : ) والسماء رفعها ووضع الميزان ([23] ، والميزان يراد به العدل والآلة التي يعرف بها العدل وما يضاده ، والقياس الصحيح هو الميزان ، فالأولى تسميته بالاسم الذي سماه الله به ، فانه يدل على العدل ، وهو اسم مدح واجب على كل واحد في كل حال بحسب الإمكان “[24].

إن ابرز ما جاء في أقوال العلماء لبيان أهمية القياس هو طبيعة التشريع الإلهي ، والذي جاءت نصوصه محصورة ، والوقائع غير محصورة بل هي متجددة دائما ومتنوعة وعلى سبيل المثال لو نظرنا إلى الواقع المالي المعاصر اليوم لوجدنا صورا متنوعة من المعاملات المالية المعاصرة ، سواء كانت على مستوى الدول أو المؤسسات أو الأفراد ، ولعلمنا مدى حاجة العلماء  المعاصرين إلى القياس ليكشف لهم عن مراد الشارع في صورة من الصور أهي منتمية إلى الصور الربوية الممنوعة أم منتمية إلى الصور المالية المشروعة ؟ أهي من الحلال المشروع أم من الحرام الممنوع ؟ وان عدم مواكبة الوقائع المتجددة في شتى الميادين السياسية والعسكرية والاجتماعية والاقتصادية واحتواء تلك الوقائع في كافة ميادين الحياة  وفق ما يتلاءم مع الشريعة الإسلامية بما يتحقق فيه مصلحة الناس لهو سبب رئيسي في هيمنة النظم الغريبة والوضعية على حياة الناس العامة والخاصة وعلى حياة الدول، من هنا تبرز أهمية القياس في الشريعة الإسلامية، حيث بواسطته يستطيع العلماء احتواء وإحاطة جميع الوقائع والأحداث المتجددة في كل عصر ومصر ، مما يجعل هيمنة التشريع الإسلامي على غيره من الشرائع الوضعية .

وقد وصف الأستاذ الزرقاء القياس بقوله : ” القياس راس الاجتهاد وهو اغزر المصادر الفقهية في إثبات الأحكام الفرعية للحوادث ، وهو طريق هام لتوسيع دائرة النصوص المحددة حتى يشمل ما لا يتناهى من الحوادث الجديدة “[25].

وعلى هذا الأساس فان أصول الفتيا في زماننا استعمال القياس والحاجة اليه ليس للضرورة بل ان شكل الحياة المتغيره تجعلنا استعمال هذه الأداة في كل ميادين الحياة حتى تخرج الفتوى وفقه منهاجها السليم فالمستجدات من الفروع قد تغيرت في معظم ميادين الحياة وما القياس الا هو الإدارة التي يحتاجها المفتي على مدار الساعة لتحريج المستجدات من الفروع على أصولها وفق طريق واضح وبين ومسلمك معلوم من مسالك العلة.

الحياة بعد مائة الف سنة من اليوم ستكون مختلفة كليا عن زماننا ولا يسعف الفقه الاسلامي من معالجة احكام ذلك الزمان الا الاجتهاد  باول ادواته القياس. وعندها سنقول القياس ضرورة بدل مقولة القياس للضرورة.

 

الشيخ رائد بدير- موقع نوازل

[1] ابن القيم الجوزية  –  إعلام الموقعين عن رب العالمين ت مشهور – المكتبة الشاملة الحديثة 59/2

[2] الدريني – المناهج الاصولية ص 468 بتصرف

 [3]ابن منظور – لسان العرب – حرف السين فصل القاف الجزء 6 ص 186

 [4] الرازي- محمد بن ابي بكر بن عبد القادر الرازي- مختار الصحاح – مكتبة لبنان بيروت ص 232

[5]  صدر الشريعة-عبيد الله بن مسعود المجبوبي البخاري الحنفي-التوضيح في حل غوامض التنقيح في أصول الفقه-دار الكتب العلمية- بيروت – الطبعة الاولى 1996 الجزء 2 ص 110

 [6] النسفي- ابو بركات عبد الله بن احمد المعروف بحافظ الدين النسفي – كشف الأسرار-دار الكتب العلمية بيروت الطبعة الأولى سنة 1986 الجزء 2 ص 196 (ومعه شرح نور الأنوار على المنار)

 [7] الميهوي-حافظ شيخ احمد المعروف بملاجيون بن ابي سعيد بن عبيد الله الحنفي- شرح نور الأنوار على المنار – دار الكتب العلمية- بيروت الطبعة الأولى سنة 1986 حاشية كشف الأسرار الجزء 2 ص 197

 [8] الجويني-إمام الحرمين أبى المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني- البرهان في أصول الفقه– دار الوفاء المنصورة  سنة 1999الجزء 2 ص 487 تحقيق عبد العظيم محمود .

 [9] الآمدي- سيف الدين ابي الحسن علي بن علي الآمدي- الإحكام في أصول الأحكام – دار الحديث القاهرة جزء 3 ص 237

 [10] التفتازاني- سعد الدين مسعود بن عمر – شرح التلويح على التوضيح – دار الكتب العلمية بيروت الطبعة الاولى سنة 1996 ج 2 ص 112

[11]   البيضاوي- ناصر الدين عبد الله بن عمر منهاج الوصول في علم الأصول – دار الكتب العلمية بيروت جزء 3  ص3

 [12] البدخشي – محمد بن حسن –مناهج العقول– دار الكتب العلمية بيروت جزء 3 ص 5 (ومعه شرح الاسنوي)

 [13] الاسنوي-جمال الدين عبد الرحيم – نهاية السول– دار الكتب العلمية بيروت جزء 3 ص 6

[14] الشوكاني – ارشاد الفحول– ص 338

[15] ابن عبد الشكور- محب الله –  فواتح الرحموت شرح علم الثبوت– دار الارقم بيروت ج2 ص 451

 [16]  علي محمد مصلح السرطاوي – مبدأ المشروعية في الشريعة الإسلامية – رسالة دكتوراه – الجامعة الأردنية – عمان 1997 ص 75

[17]   الجويني- البرهان – ج 2 ص 485

 [18] الشافعي- محمد بن إدريس – المكتبة العلمية بيروت – الرسالة ص 477 تحقيق محمد احمد شاكر

 [19] الغزالي – المستصفى– ج 2 ص 280

 [20] الاسنوي-  نهاية السول – الجزء2 ص 274

[21] الدريني – المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي في التشريع الإسلامي – ص 468

[22]  سورة الشورى آيه 17

[23]  سورة الرحمن آيه 7

5 ابن الجوزية- شمس الدين ابو عبد الله محمد بن ابي بكر – إعلام الموقعين عن رب العالمين-دارالجيل بيروت سنة 1973 الجزء 1 ص 133

[25] الزرقاء-مصطفى احمد الزرقاء- المدخل الفقهي العام– الجزء 1 ص 68 فما بعدها بتصرف.

 

 

 

 

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017