“الهدنة” دراسة  مصطلحية  هذه الدراسة المصطلحية “سيتبعها دراسات اخرى حول مفهوم الهدنة وحكمها  وكيف يتناولها المستشرقون الإسرائيليون  لتشكيل الراي العام.

الإثنين 23 سبتمبر 2019
شارك المقال

 

الهدنة” دراسة  مصطلحية  

 

هذه الدراسة المصطلحية سيتبعها دراسات اخرى حول مفهوم الهدنة وحكمها  وكيف يتناولها المستشرقون الإسرائيليون  لتشكيل الراي العام.

 

الشيخ رائد بدير   السيرة العلمية  على هذا الرابط  https://nawazel.net/?page_id=215)

مقدمة:

   لاشك أن الفقه الإسلامي فقه شمل الحياة الإنسانية كلها، واعتنى بعلاقات المسلم ومعاملاته مع غيره من المجتمعات ، بالقدر الذي اعتنى فيه بعلاقته بربه في عقيدته وعبادته.

ولذلك نجد من أبواب الفقه الإسلامي بابا واسعا يعنى بالجانب السياسي في الإسلام تناول  القواعد المنظمة لمعاملة المسلمين مع غير المسلمين في حالتي السلم والحرب ورتب أولوياته فيها، وهو باب الجهاد والسير، حيث تناول فيه الفقهاء معنى السير والجهاد، وأهمية الجهاد وغايته، وحددوا من خلاله أحكام حالة السلم والجهاد، ووضعوا فيه أسس التنظيم والعلاقات في حال الحرب مبيّنين مشروعية الجهاد وشروطه، وسياسة الحرب في الإسلام وتحديد المحارَبين، وبدء الدعوة للحربيين قبل الحرب، وما يتبع ذلك من آثار في الأموال والأشخاص، كما فصّلوا في أحكام المعاهدات والهدنة و المستأمنين، وغير ذلك مما يبحثه اليوم علماء القانون الدولي.

ولما كان موضوع الهدنة من أهم موضوعات الساعة، التي تحتاج إلى بيان شافٍ بغية تصحيح صورة إسقاطها في الواقع المعاصر، فإن ذلك لا يمكن أن يكون عن طريق إطلاق الكلام بغير دليل ولا عن طريق جمع المعلومات وتكديس المعارف، وإنما يمكن ذلك فقط من خلال دراسة مفهوم الهدنة بمنهج محكم يقوم على التقصي والتحري لجزيئات المصطلح والمفهوم من خلال النصوص، حتى يمكن ذلك من الخروج بنتائج مهمة وعميقة، سواء على مستوى تحديد المفهوم، أو على مستوى تتبع أبعاد المفهوم وتجليات قضاياه.

وهذا المنهج هو الذي تجسده الدراسة المصطلحية التي تساعد على ضبط طبيعة المصطلح وبيان إيحاءاته الحضارية من خلال معرفة الأصول في الماضي وتصحيح الوجود في الحاضر وضمان الاستمرار في المستقبل، مما يجعلها تساهم بحظ وافر في نهضة حضارية عميقة.

وبالرغم من أن الدراسة المصطلحية الشاملة لمفهوم الهدنة تحتاج إلى مقام خاص ودراسة مستفيضة، إلا أننا سوف نحاول في مقامنا هذا تناول مفهوم الهدنة على ضوء  منهجية الدراسة المصطلحية، فتكون هذه الورقات العلمية أشبه ما يكون بالمقدمات المنهجية -بتعبير المناطقة- والتي ستبنى عليها كل الأحكام اللاحقة والنتائج اللازمة في ورقات لاحقة بإذن الله تعالى.

المفهوم من حيث اللغة:

يرجع أصل استعمال مادة (هدن) في اللغة إلى معنى ( السكون والاستقامة)، وتفرعت عنه سائر المعاني، بسائر الصيغ والاستعمالات في الباب. قال ابن فارس: ” (هَدَنَ) الْهَاءُ وَالدَّالُ وَالنُّونُ: أُصَيْلٌ يَدُل على سكون واستقامة. سمعت أبا الحسن علي بن إبراهيم القطّان يقول: سمعت ثعلبا يقول: تهادن الأمر: استقام. وقال غيره: ومنه قياس الهدنة.”[1]

وقد فصّل أصحاب المعاجم بدءا من الخليل في هذه المادة دون أن يخرجوا عما أصله ابن فارس فيها.[2]

يقول ابن دريد ” والهُدْنة: السّكون. هدّنت الرجل تهديناً وهادنته مهادنةً، إِذا وادعتَه الحربَ، وَالِاسْم الهُدنة. وَمِنْه حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَآله وسلّم: هُدنة على دَخَنٍ[3] أَي موادعة تحتهَا عَدَاوَة. والهِدان: الرجل الثقيل الجبان. وهِند: اسْم، أَصله التّهنيد يُقَال: هنّدته النساءُ، إِذا سلبن عقله. قَالَ الراجز: شاقَكَ من هَنّادةَ التهنيدُ موعودُها والباطلُ الموعودُ والهِند: جيل مَعْرُوف. وَالسيف المهنَّد وَكَذَلِكَ الهُنْدُواني مَنْسُوب الى الْهِنْد. وَقد سمّت الْعَرَب: هَنّاداً وهُنَيْداً. وهُنَيْدَة: الْمِائَة من الْإِبِل”.[4]

وفي اللسان: ” الهُدْنَة انتقاضُ عَزْم الرَّجُلِ بِخَبَرٍ يأْتيه فيَهْدِنُه عَمَّا كان عليه فَيُقَالُ انْهَدَنَ عَنْ ذَلِكَ، وهَدَنَه خَبَرٌ أَتاه هَدْناً شَدِيدًا، الهُدْنة والهِدَانَةُ الْمُصَالَحَةُ بَعْدَ الْحَرْبِ؛(…) والمَهْدُون: الَّذِي يُطْمَعُ مِنْهُ فِي الصُّلْحِ(…) وهَدَنَ يَهْدِنُ هُدُوناً: سَكَنَ. وهَدَنَه أَي سكَّنه. وهادَنه مُهادنَةً: صَالَحَهُ، وَالْاسْمُ مِنْهُمَا الهُدْنَة(…)، وأَصل الهُدْنةِ السكونُ بَعْدَ الهَيْج. وَيُقَالُ لِلصلح بعد القتال والموادعة بين المسلمين والكفار وبين كل متحاربين: هدنة، وربّمَا جُعِلَتْ للهُدْنة مُدّة مَعْلُومَةً، فَإِذَا انْقَضَتِ الْمُدَّةُ عَادُوا إِلَى الْقِتَالِ(…). والهُدْنَة والهُدُون والمَهْدَنة: الدَّعة وَالسُّكُونُ. هَدَنَ يَهْدِنُ هُدُوناً: سَكَنَ.”[5]

ولعل هذا المعنى هو الملحوظ كذلك في الاستعمال الاصطلاحي؛ حيث تحقق الهدنة اصطلاحا معنى السكون لسكون الفتنة بها، كما تحقق الاستقامة التي تتجلى واضحة في وجوب استقامة الطرفين المتخاصمين على العهد و الوفاء به إلى مدته.

ومما يؤكد هذا الأمر قول صاحب اللسان المذكور سابقا: ” وأَصل الهُدْنةِ السكونُ بَعْدَ الهَيْج ” و كذلك قول ابن فارس في حلية الفقهاء: ” وأمَّا المُهادَنَةُ، فَسَمِعْتُ أبا الحسنِ القَطَّانَ يقولُ: سمعتُ ثَعْلَبًا يقولُ: تَهادَنَ الْأمْرُ. إذا اسْتَقامَ، فيحْتَمِلُ أنْ تكونَ الهُدْنَةُ مِن ذلك.”[6]

أما في اصطلاح الفقهاء:

فالهدنة في تعريف الأحناف : هي ” الصّلح على ترك الْقتال مدَّة بمال أو بغير مال تجوز من الإِمَام إِن رأى الْمصلحَة”[7]

وعرّفها شهاب الدين الرملي الشافعي بأنها ” مصالحة أَهل الحرب على ترك القتال المدّة الآتية بعوض أو غيره “[8]

وحدّها ابن عرفة المالكي بقوله: ” المهادنة عقد المسلم مع الحربِيّ على المسالمة مدّة ليس هو فيها تحت حكم الإسلام “[9]

وقال ابن قدامة الحنبلي: ” ومعنى الهدنة، أن يعقد لِأَهل الحرب عقدا على ترك القتال مدّة، بعوض وبغير عوض”[10]

وفي التعريف المعاصر: هي أن يعقد الامام أو نائبه، لأهل الحرب، عقدا على ترك القتال بعوض، وغيره.[11]

والظاهر أن أدق تعريف بين هذه التعاريف هو الذي حدّه الإمام ابن عرفة، لأنه خلا من جميع المحترزات التي لا تدخل ضمن هذا النوع من أنواع الصلح.

يقول شارح الحدود[12]: ” أشَار بذلك إلى أنَّ هاهنا ألفَاظا للفقهاء الأمانُ والمُهادنة والصّلح وَالِاستِيمان والمعاهدة إلَّا أنّ فِيها أَلفاظا مترادفة ومتباينة فالمترادفة منها المهادنة والصلح والِاستِيمان والمعاهَدة والباقِي متباينٌ(…)  ” قَوْلهُ ” عَقْدٌ ” يعنِي أن ذلك فِيه إيجاب وقبول مِنْ الْمُصْطَلَحين والتزام منهما وقوله ” الْمسْلِمُ ” اُحترز بِهِ من عقد الحربِيِّ مع حربِيٍّ فَإنه لَا يُسمّى ذلك صلحا هنا شرعيا وَلا معاهدة قوله ” مُدَّةً إلَخْ ” قال يخرج بذلك الأمان والِاستيمان لأن الْأمان لا بدّ فيه من أن يكون المؤمّن تحت حكم الإِسلام وكذلك الِاستيمان لا بدّ أن ينزل على حكم الإِسلام مدّة ينقضي بانقضائها على ما سيأتي.”[13]

مرادفات المصطلح

جاء السلم مرادفا للهدنة أو الصلح في قوله تعالى: { وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } (الأنفال61) ” وقرأ جمهور الناس «للسّلم» بفتح السين وشدها وقرأ عاصم في رواية بكر «للسّلم» بكسرها وشدها وهما لغتان في المسالمة، وقرأ جمهور الناس «فاجنح» بفتح النون (…) وعاد الضمير في لَها مؤنثا إذ السلم بمعنى المسالمة والهدنة”[14]

ويَقول ابن كثير: فإِن استمرّوا على حربك ومنابذتك، فقاتلهم وإن جنحوا أي مالوا للسّلم أي المسالمة والمصالحة والمهادنة، فاجنح لها أي فمل إليها واقبل منهم ذلك، ولهذا لمّا طلب المشركون، عام الحديبية الصّلح، ووضع الحرب بينهم وبين رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلّم، تسع سنِين، أجابهم إِلى ذلك مع ما اشترطوا من الشّروط الأخر”[15]

وقد استعمل الفقهاء لفظ المسالمة في التعبير عن الهدنة في غير ما موضع، ونمثل بقول الإمام قال الماوردِيّ: أمّا المهادنة، فهي المسالمة والموادعة عن عهد يمنع من القتال والمنافرة.[16]

سمى الله عزوجل الهدنة فتحا، في سورة الفتح التي نزلت في صلح الحديبية الذي يتضمن هدنة مدتها عشر سنوات، قال تعالى:{إنا فتحنا لك فتحا مبينا} (الفتح1)1.

وسمي ذلك الصلح فتحا لأن هذه الهدنة كانت من أعظم الفتوح؛ يقول الطاهر بن عاشور في تفسير الآية: “افتتاح الْكَلَامِ بِحرف (إنّ) ناشىء على ما أحلّ للمسلمين من الكآبةِ على أن أجيب المشركون إلى سؤالهم الهدنة(…) والفتح: إزالة غلق الباب أو الخزانة قال تعالى: لا تفتَّح لهم أبواب السَّماء [الْأَعْرَاف: 40] ويطلق على النّصر وعلى دخول الغازي بلاد عدوّه لأنّ أرض كلّ قوم وبلادهم مواقع عنها فاقتحام الغازي إيّاها بعد الحرب يشبه إزالة الغلق عن البيت أو الخزانة، وَلذلك كثر إِطلاق الفتح على النّصر المقترن بدخول أرض المغلوب أو بلده(…)

والجمهور على أن المراد في سورة الفتح هو صلح الحديبية، وجعلوا إطلاق اسم الفتح عليه مجازا مرسلا باعتبار أنّه آل إِلى فتح خيبر وفتح مكة، أو كان سببا فيهما فعن الزّهريِّ «لقد كان يوم الحديبية أعظم الفتوح ذلك أن النبيء صَلَّى الله عليه وسلّم جاء إليها في ألف وأربعمائة فلما وقع صلح مشى النّاس بعضهم في بعض، أي تفرّقوا في البلاد فدخل بعضهم أرض بعض من أجل الأمن بينهم، وعلموا وسمعوا عن اللَّه فما أراد أحد الإسلام إلّا تمكن منه، فما مضت تلك السنتان إلا والمسلمون قد جاؤوا إلى مكة في عشرة آلاف» (…)

وعلى هذا فالمجاز في إطلاق مادة الفتح على سببه ومآله لا في صورة الفعل، أي التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي لأنّه بهذا الاعتِبار المجازِي قد وقع فيما مضى فيكون اسم الفتح استعمل استعمال المشترك في معنييه، وصيغة الماضي استعملت في معنييها فيظهر وجه الإعجاز في إيثار هذا التركيب.[17]

وقال الإمام ابن القيم: ” وحقيقة الأمر أن الفتح – في اللغة – فتح المغلق، والصلح الذي حصل مع المشركين بالحديبية كان مسدودا مغلقا حتى فتحه اللّه، وكان من أسباب فتحه صد رسول اللّه صَلَّى اللَّه عليه وسلم وأصحابه عن البيت، وكان في الصورة الظاهرة ضيما وهضما للمسلمين، وفي الباطن عزا وفتحا ونصرا، وكان رسول اللَّه صَلَّى اللَّه عليه وسلّم ينظر إلى ما وراءه من الفتح العظيم والعز والنصر من وراء ستر رقيق، وَكان يعطي المشركين كل ما سألوه من الشروط التي لم يحتملها أكثر أصحابه ورءوسهم، وهو صلَّى اللَّه عليه وسلم يعلم ما في ضمن هذا المكروه من محبوب {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم} [البقرة: 216].”[18]

– الموادعة:

تأتي الموادعة مرادفة للهدنة في استعمال الفقهاء وخاصة الحنفية منهم، فقد ترجموا للباب الخاص بالهدنة ” بَاب موادعة أهل الْحَرْب[19]“، وإنَّمَا سُمِّيَتْ الْمُصَالَحَةُ مُوَادَعَةً لِمَا فِيهَا مِنْ تَرْكِ الْقِتَالِ وَالْوَدَعُ التَّرْكُ[20]

قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : ” لا ينبغي موادعة أهل الشرك إذا كان بالمسلمين عليهم قوة، لأن فيه ترك القتال المأمور به، أو تأخيره، وذلك مما لاينبغي للأمير أن يفعله من غير حاجة، قال الله تعالى: {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} [آل عمران: 139] .وإن لم يكن بالمسلمين قوة عليهم فلا بأس بالموادعة. لأن الموادعة خير للمسلمين في هذه الحالة، وقد قال عزَّ وجلَّ: {وإِن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على اللّه} [الأنفال: 61]”[21]

الصلح:

يعتبر مصطلح الصلح أنضج اصطلاحا من مصطلح ” الهدنة” وهذا شيء طبيعي؛ لأنه لفظ يعبر عن معنى ” الصلح” بطريق الوضع لا بطريق الاستعمال، مما يمنحه قوة و وضوحا في نفسه، وأيضا لأنه مصطلح قديم جدا في هذا المعنى، وهذا واضح جدا في استعمال الفقهاء قديما؛ حيث كان هو الغالب على استعمالهم، ويأتي مصطلح الصلح في استعمالهم إما مرادفا لمصطلح الهدنة وإما عاما في كل نوع من أنواع الصلح وفي جميع المجالات التي يمتد إليها.

يأتي مصطلح الصلح مرادفا للهدنة في معناها الاصطلاحي الشرعي، وذلك حيث يكون من باب إطلاق الكل وإرادة الجزء، يقول ابن القيم في بيان ذلك:” وَهَكَذَا لَفْظُ ” الصُّلْحِ ” عَامٌّ فِي كُلِّ صُلْحٍ، وَهُوَ يَتَنَاوَلُ صُلْحَ الْمُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ، وَصُلْحَهُمْ مَعَ الْكُفَّارِ، ولكن صار في اصطلاح كثيرٍ من الفقهاء أن أهل الذمة عبارة عن من يؤدي الجزية، وهؤلاء لهم ذمة مؤبدة، وهؤلاء قد عاهدوا المسلمين على أن يجري عليهم حكم الله ورسوله، بخلاف أهل الهدنة؛ فإنهم صالحوا المسلمين على أن يكونوا في دارهم، سواء كان الصلح على مال، أو غير مال؛ لا تجري عليهم أحكام الإسلام -كما تجري على أهل الذمة- لكن عليهم الكف عن محاربة المسلمين، وهؤلاء يسمون أهل العهد، وأهل الصلح، وأهل الهدنة.”

و نمثل لورود الصلح مرادفا للهدنة بقول الإمام ابن جزي الغرناطي في القوانين:     “التَّأْمِين ثَلَاثَة أضْرب على الْعُمُوم وينفرد بعقدهما السلطان وهما الصلح والذمة وسيأتيان وَالثَّالِث (وهو الأمان) خَاص بِكَافِر وَاحِد أَو بِعَدَد مَحْصُور”[22]، وقد استعمل الإمام ابن جزي، الصلح هنا مرادفا للهدنة واعتبرها جزءا من الأمان العام. ويشرح البيجرمي ذلك قائلا: مقتضى هذا الصنيع أن الإمام إذا أمن غير محصورين لا يجوز، ولا يسمى أمانا وأن الجزية لا تجوز في محصورين، (…) لأنه حينئذ هدنة وإِن عقد بلفظ الأمان” وسيظهر ذلك جليا عندما نتحدث عن مصطلح الأمان فيما سيأتي.[23]

واستعمله الإمام الشافعي في نفس المعنى في باب المهادنة بقوله: ” فتداعوا الصلح فهادنهم رسول اللَّه – صَلَّى اللَّه عليه وسلّم – إلى مدّة، ولم يهادنهم على الأبد”.[24]

واستعمل الفقهاء الصلح عاما على نوعين :

الأول: وهو أعم من الهدنة، لأنه استعمل عند الفقهاء للدلالة على أهل العهود من المشركين، سواء كانوا أهل ذمة أو أهل أمان أو أهل هدنة، ونمثل بقول الإمام ابن رشد الجد في هذا المعنى “وإن صالحوا على هدنة لم يفادوا منهم إلا عن طيب أنفسهم. وإن صالحوا على أداء جزية فروى يحيى عن ابن القاسم أنهم لا ينزعون منهم”[25]

ومثله قول الإمام أبي الحسن الشيباني: ” أَرَأَيْت الْقَوْم إِذا صَالحُوا فَكَانُوا أهل ذمَّة أيوضع عَلَيْهِم الْخراج على رُؤُوس الرِّجَال أَو على الأَرْض بِقدر مَا يُطِيقُونَ ” [26]

الثاني: وَالصُّلْحُ فيه أَعَمُّ مِنْ الهدنة، لكنه لا يتناولها، وقد عقد له الفقهاء بابا وَسَمُوهُ بباب الصلح، والأصل فيه: قَوله تَعَالى: {وَالصُّلْحُ خَير} [النساء: 128]،[27] ولم يضعوا تحته عقد الهدنة، لأنها من المحترزات التي لا تدخل تحته، ويكتسب الصلح في هذا السياق اصطلاحا خاصا يقول الإمام ابْنِ عَرَفَةَ في حدّه: أَنَّهُ انْتِقَالٌ عَنْ حَقٍّ أَوْ دَعْوَى بِعِوَضٍ لِرَفْعِ نِزَاعٍ، أَوْ خَوْفِ وُقُوعِهِ[28] وقوله ” لدفع المنازعة” يخرج به الصلح الذي لا يدفع المنازعات بل يوقفها مؤقتا”[29] وَقوله ” بعوض ” يتعلّق بانتقال يخرج به الانتقال بغير عِوض[30]، وقد بين الرافعي أن الفقهاء يستعملون لفظة الصلح في المسائل التي يكون فيها سبق المخاصمة غالبا والمزاحمات المحوجة إلى المصالحة تارة تقع في الأملاك وتارة في المشتركات كالشوارع وغيرها[31]، وهو يقع بين المسلمين وبين المسلمين وغير المسلمين وبين أهل الذمة الذين ارتضوا أحكام دار الإسلام، ولكن لكل نوع من أنواع الصلح شروطا وأحكاما خاصة.[32]

وبذلك تخرج الهدنة لأنها صلح مؤقت بين المسلم والحربي يجوز فيه المصالحة على مال أو على غير مال.

جاءت المعاهدة في القرآن وفي استعمال الفقهاء مرادفة للهدنة، كما في قوله تعالى:  { براءة من اللَّه ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر إلى قوله فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التَّوبَة: 1، 5]. يقول ابن عاشور في تفسيرها: ” فإنها صرحت بإبطال العهد الذي عاهد المسلمون المشركين على الهدنة، وهو العهد الواقع في صلح الحديبية لأنه لم يكن عهدا مؤقتا بزمن معين ولا بالأبد، ولأن المشركين نكثوا أيمانهم”[33]

يقول ابن قدامة: ” ومعنى الهدنة، أن يعقد لأهل الحرب عقدا على ترك القتال مدة، بعوض وبغير عوض. وتسمّى مهادنة وموادعة ومعاهدة”[34]

وقد تأتي المعاهدة كذلك عامة في أهل العهود، كما يظهر من خلال نص ابن القيم من كتابه أحكام أهل الذمة في ” فصل [أقسام أهل العهد من الكفار]: الكفار إمّا أهل حرب وَإمّا أهل عهد، وأهل العهد ثلاثةُ أَصنَاف: أهل ذمة، وأهل هدنة، وأهل أمان. وقد عقد الفقهاء لكلّ صِنفٍ بابًا، فَقَالوا: بَابُ الهُدنةِ، بَابُ الأمَان، بَابُ عقدِ الذّمّة. ولفظُ ” الذمة والعهد ” يتناول هؤلاء كلهم في الأصل.[35]

قد يأتي مصطلح الأمان في استعمال الفقهاء مرادفا للهدنة، وذلك أن الأمان ينقسم عندهم إلى عام وخاص، فعند الشافعية: ” ينقسم إلى عام وهو ما تعلّق بأهل إقلِيم أو بلد، وهو عقد الهدنة، ويختص بالإِمام وولاته،(…) وإِلى خاص وهو ما تعلّق بآحاد، ويصحّ من الولاة والآحاد”[36]

ويقول القاضي زكريا الأنصاري الشافعي: ” فِي الأمان مع الكفَار العقود التي تفيدهم الأمن ثلاثة: أمان وجزية وهدنة؛ لأنّه إن تعلّق بمحصور فالأمان، أو بغير محصور فإِن كان إلى غاية فالهدنة، وإلا فالجزية، وهما مختصّان بالإِمام بخلاف الأمان وستعلم أحكام الثلاثة”.[37]

وأَمَّا الحنفية فيقسمون الأمان إلى: أمان مؤقت، وأمان مؤبد: أما المؤقت فنوعان أيضا: أحدهما الأمان المعروف، وهو أن يحاصر الغزاة مدينة أو حصنا من حصون الكفرة، فيستأمنهم الكفار فيؤمّنوهم (…) والثاني، الموادعة وهي: المعاهدة والصلح على ترك القتال يقال: توادع الفريقان أي تعاهدا على أن لا يغزو كل واحد منهما صاحبه (…)(وأما) الأمان المؤبد فهو المسمى بعقد الذمّة”[38]

استعمال المصطلح في القرآن الكريم:                      

لم يأت استعمال لفظ الهدنة في القرآن الكريم، وإنما سمى الحق سبحانه وتعالى الهدنة  بثلاثة مصطلحات مرادفة لها وهي: الفتح، والمعاهدة، والسلم، في الآيات التالية:

الفتح :

قال سبحانه و تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} (الفتح1)

قال ابن عطية في تفسير الآية :”والصحيح الذي تعضده قصة الحديبية أن قوله: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ إنما معناه: إن ما يسر الله لك في تلك الخرجة فتح مبين تستقبله، ونزلت السورة مؤنسة للمؤمنين، لأنهم كانوا استوحشوا من رد قريش لهم ومن تلك المهادنة التي هادنهم النبي عليه السلام فنزلت السورة مؤنسة لهم في صدهم عن البيت”[39]

السلم:

قال تعالى في سورة الأنفال: {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم} (الأنفال61).

قال ابن عطية: “وقرأ جمهور الناس «للسّلم» بفتح السين وشدها وقرأ عاصم في رواية بكر «للسّلم» بكسرها وشدها وهما لغتان في المسالمة، ويقال أيضا «السّلم» بفتح السين واللام ولا أحفظها قراءة، وقرأ جمهور الناس «فاجنح» بفتح النون وهي لغة تميم، وقرأ الأشهب العقيلي بضم النون،(…) وعاد الضمير في لَها مؤنثا إذ السلم بمعنى المسالمة والهدنة، وقيل السلم مؤنثة كالحرب ذكره النحاس، وقال أبو حاتم يذكر السلم[40]

 

كما قال سبحانه وتعالى:{فلا تهنوا وتدعوا إلى السّلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم} (محمد35).

قال ابن كثير: ” ثم قال جل وعلا لعباده المؤمِنين: فلا تهنوا أي لا تضعفوا عن الأعداء وتدعوا إلى السّلم أي المهادنة والمسالمة ووضع القتال بينكم وبين الكفّار فِي حال قوتكم وكثرة عددكم وعددكم،…”[41]

المعاهدة:

قال سبحانه و تعالى في سورة التوبة:{ براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين(1) فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين(2) وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله فان تبتم فهو خيرٌ لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذابٍ أليم(3) إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً ولم يُظهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم الى مدتهم إن الله يحب المتقين(4) فاذا انسلخ الأشهر الحُرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فان تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم (5)} (التوبة1-5).

يقول ابن عاشور في تفسير الآية: “فإنها صرحت بإبطال العهد الذي عاهد المسلمون المشركين على الهدنة، وهو العهد الواقع في صلح الحديبية لأنّه لم يكن عهدا مؤقتا بزمن معين ولا بالأبد، ولأن المشركين نكثوا أيمانهم”[42]

استعمال مصطلح الهدنة في الحديث النبوي:

جاء  استعمال مصطلح الهدنة في حديثين شريفين على سبيل المثال :

الحديث الأول:

أخرج البخاري في صحيحه في باب ما يحذر من الغدر: عن عوف بن مالك أنه قال: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ، فَقَالَ: “اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ: مَوْتِي، ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ المَقْدِسِ، ثُمَّ مُوْتَانٌ يَأْخُذُ فِيكُمْ كَقُعَاصِ الغَنَمِ، ثُمَّ اسْتِفَاضَةُ المَالِ حَتَّى يُعْطَى الرَّجُلُ مِائَةَ دِينَارٍ فَيَظَلُّ سَاخِطًا، ثُمَّ فِتْنَةٌ لاَ يَبْقَى بَيْتٌ مِنَ العَرَبِ إِلَّا دَخَلَتْهُ، ثُمَّ هُدْنَةٌ تَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِي الأَصْفَرِ، فَيَغْدِرُونَ فَيَأْتُونَكُمْ تَحْتَ ثَمَانِينَ غَايَةً، تَحْتَ كُلِّ غَايَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا “[43]

يقول أبو الحسن القاري في شرح الحديث: “( ثم هدنَة) أي: مصالحة ( تكون بينكم وبين بني الأصفر) أَيِ: الأروام؛ سموا بذلك لأن أباهم الأول وهو الروم بن عيصو بن يعقوب بن إسحَاق، كان أصفر في بياض، وقيل: سموا باسم رجل أسود ملك الروم، فنكح من نسائها فولد له أولاد في غاية الحسن؛ فنسب الروم إِليه، (فيغدرون) أي: ينقضون عهد الهدنة (فيأتونكم تحت ثمانين غاية) أي: راية وهي العلم. قال الطِّيبِي – رحمه اللَّه تعالى: ومن رواه بالباء الموحدة أراد بها الأجمة، فشبه كثرة رماح العسكر بها.( تحت كلّ غاية اثنا عشر ألفا) أي: ألف فارس.[44]

الحديث الثاني:

عن حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، أنه قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْخَيْرِ، وَأَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ، وَعَرَفْتُ أَنَّ الْخَيْرَ لَنْ يَسْبِقَنِي، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَبَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: ” يَا حُذَيْفَةُ، تَعَلَّمْ كِتَابَ اللهِ، وَاتَّبِعْ مَا فِيهِ “، ـ ثَلَاثَ مِرَارٍ. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَبَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: ” فِتْنَةٌ وَشَرٌّ ” قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَبَعْدَ هَذَا الشَّرِّ خَيْرٌ؟ قَالَ: يَا حُذَيْفَةَ، تَعَلَّمْ كِتَابَ اللهِ وَاتَّبِعْ مَا فِيهِ ” ثَلَاثَ مِرَارٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَبَعْدَ هَذَا الشَّرِّ خَيْرٌ؟ قَالَ: ” هُدْنَةٌ عَلَى دَخَنٍ، وَجَمَاعَةٌ عَلَى أَقْذَاءٍ “، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، الْهُدْنَةُ عَلَى دَخَنٍ، مَا هِيَ؟ قَالَ: ” لَا تَرْجِعُ قُلُوبُ أَقْوَامٍ عَلَى الَّذِي كَانَتْ عَلَيْهِ “، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَبَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: يَا حُذَيْفَةَ، تَعَلَّمْ كِتَابَ اللهِ وَاتَّبِعْ مَا فِيهِ ” ثَلَاثَ مِرَارٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَبَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟  قَالَ: ” فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ صَمَّاءُ، عَلَيْهَا دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ النَّارِ، وَأَنْتَ أَنْ تَمُوتَ يَا حُذَيْفَةُ، وَأَنْتَ عَاضٌّ عَلَى جِذْلٍ، خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَتَّبِعَ أَحَدًا مِنْهُمْ “[45]

وعلق الشيخ أبو زهرة على الحديث بقوله: “واقرأ قوله عليه الصلاة والسلام فى المعاهدات التى تعهد والنفوس على أحقادها ولا تستل منها سخائمها: «هدنة على دخن» فإن كل إنسان يفهم أن القلوب فاسدة، وأن الصلح الظاهري لا يصيب الأحقاد التى طويت عليها القلوب”[46] ويذكر هذا الحديث ضمن كتب الدلائل والكتب اللغوية لإبراز بلاغته صلى الله عليه وسلم.

 

تطور استعمال مصطلح الهدنة

أثير سابقا أن لفظ الهدنة يدل في أصل وضعه اللغوي على معنى السكون والاستقامة، ولاشك أن العرب – وهم الذين توسعوا جدا في المجاز اللغوي- استعملوا هذا اللفظ في معانٍ مجازية جديدة في سياقات متعددة تتنوع بتنوع التجارب و بحسب ما يكتنفها من ظروف وملابسات تساهم في تطور استعمال اللفظ، ومن ذلك استعمال لفظ الهدنة للدلالة على الصلح بعد الحرب، يقول الزمخشري في تعريفه للهدنة في اللغة ” ومن المجاز: هادنه: صالحه مهادنة. وتهادنوا: تصالحوا. وبينهم هدنة.”[47]وقال صاحب التاج ” و مِن المجازِ: الهُدْنَةُ، (بالضَّمِّ: المُصالَحَةُ) بعْدَ الحَرْبِ والمُوادَعَةُ بينَ المُسْلمين والكفَّارِ، وبينَ كلِّ مُتَحارِبين، وأَصْلُ الهُدْنَةِ السُّكُون بعْدَ الهَيْج”[48]

وقد كان العرب يستعملون لفظ الهدنة في التعبير عن هذا المعنى قبل الإسلام، يقول  أُسَامَة الْهُذلِيّ ( وهو شاعر مخضرم):

فَسامونا الهِدانَةَ مِنْ قَرِيبٍ … وهُنَّ مَعا قِيامٌ كالشُّجوبِ[49]

وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي كِتَابِ ” دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ ” مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَامِرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْن أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِا مَالِك بنِ سِنَانٍ يَقُول: جئتُ بني عبد الأشهل يوما لأتحدث فيهم، ونحن يومئذ فِي هُدنةٍ مِنَ الْحَرْبِ، فَسَمِعْتُ يُوشَع اليهودي يقول: أظل خروج نبي يقال له أحمد يخرج من الحرم.

 

فقال له خليفة بن ثعلبة الأشهلِي، كالمستهزئِ به: ما صفته؟ فقال رجل ليس بالقصير ولا بالطويل، في عينيه حُمرة، يلبَس الشَّمْلَةَ ويركب الحمار، سيفه على عاتقه وهذا الْبَلَدَ مُهَاجَرُه…”[50]

ولعل لفظ الهدنة لم يكن بتلك القوة في الاستعمال للتعبير عن هذا النوع من الصلح مثل لفظ الصلح نفسه، فقد حلّت السنة السادسة للهجرة التي أبرم فيها النبي صلى الله عليه وسلم صلحا تاريخيا مع كفار قريش حلت به الهدنة محل الحرب، فسميت معاهدته ” صلح الحديبية” ، وهيمن لفظا الصلح والمعاهدة على نص الوثيقة[51] ، كما أن الآيات القرآنية التي تحدثت عن صلح الحديبية لم تخرج عن لفظ السلم؛ وهو الصلح[52]، ولفظ المعاهدة، ولفظ الفتح.

ولكن مصطلح الهدنة ظل يستعمل بعد صلح الحديبية للتعبير عنها، فقد روى عبد الله بن عبّاس عن أبي سفيان بن حرب أنه قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ مِنْ فِيهِ قَالَ كُنَّا قَوْمًا تُجَّارًا وَكَانَتِ الْحَرْبُ قَدْ حَضَرَتْنَا حَتَّى نَهَكَتْ أَمْوَالَنَا فَلَمَّا كَانَتِ الْهُدْنَةُ هُدْنَةُ الْحُدَيْبِيَةِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عليه وسلم لَمْ نَأْمَنْ أَنْ وَجَدْنَا أَمْنًا فَخَرَجْتُ تَاجِرًا إِلَى الشَّامِ مَعَ رَهْطٍ مِنْ قريش …”[53]

وعن أبي سلمة، ويحيى بن عبد الرحمن بن حَاطِبٍ، قالا: كانت بين رسول اللَّه صلَّى الله عليه وسلّم وبين المشركين هُدنَةٌ، فكان بين بني كعب، وبين بني بكر قتال بمكةَ , فَقَدِم صريخ بني كعب على رسول اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلّم فقال:

اللَّهُمَّ إِنِّي نَاشِدٌ مُحَمَّدًا … حِلْفَ أَبِينَا وَأَبِيهِ الْأَتْلَدَا

فَانْصُرْ هَدَاكَ اللَّهُ نَصْرًا عُتَّدَا … وَادْعُ عِبَادَ اللَّهِ يَأْتُوا مَدَدَا

فمَرَّت سحابة فَرَعَدَتْ فقال رسول اللَّه صلَّى الله عليه وسلَّم: ” إِنَّ هَذِهِ لَتَرْعَدُ بِنَصْرِ بَنِي كَعْبٍ، ثُمَّ قَالَ لِعَائِشَةَ: ” جَهِّزِينِي وَلَا تُعْلِمِنَّ بِذَلِكَ أَحَدًا، فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ فَأَنْكَرَ بَعْضَ شَأْنِهَا، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَتْ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أُجَهِّزَهُ، قَالَ: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَتْ: إِلَى مَكَّةَ، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا انْقَضَتِ الْهُدْنَةُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ بَعْد…[54]

و لاشك أن حدثا عظيما مثل الحديبية لخليق بأن يساهم في تطوير هذا المصطلح و تكرار استعماله، فمن قانون وسنن اللغة أن الكلمات لا تستقر على حال لأنها تتبع الظروف، والكلمات الجديدة لا تطرد القديمة دائما، لأن الذهن يروض نفسه على وجود المترادفات والمتماثلات، ويوزعها على وجه العموم على استعمالات مختلفة، ذلك أن طبيعة الحياة تشجع على تغير المفردات لأنها تضاعف الأسباب التي تؤثر في الكلمات.[55]

أما بالنسبة لتطور استعمال مصطلح الهدنة عند الفقهاء، فمن خلال استقراء لكتب الفقهاء نستطيع أن نتبين أن أول من استعمل مصطلح الهدنة من الفقهاء هو الإمام أبو يوسف صاحب أبي حنيفة في رسالته الصغيرة “الخراج”[56]، وقد تحدث عن الهدنة في آخر فصل من الكتاب وهو ” فصل في قتال أهل الشرك وأهل البغي وكيف يدعون”  وتناولها في صفحات قليلة عنونها بقوله: ” القول في موادعة المشركين” ورغم استعماله لمصطلح الهدنة في هذا الكتيب إلا أن استعماله لمصطلحي الموادعة والصلح كان غالبا، وجاء استعماله للهدنة كمرادف للموادعة في سياق عرضه لأحداث الحديبية: ” ثم هاجرت النساء في هذه الهدنة وحكم الله فيهم وأنزل: {إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ} [الممتحنة: 10] الآيَةَ. فأمروا أن يردوا الأصدقة على أزواجهن. فلم تزل الهدنة حتى وقع بين بني كعب وبني بكر قتال…”[57]

ومن المعلوم أن الإمام أبا يوسف قد كتب كتيبات صغيرة في مواضيع محددة مما يطلعنا على الحاجة الملحة التي كانت لتلك المواضيع في تلك الفترة، وقد جاء تأليفه لهذا لكتاب الخراج استجابة لرسالة من أمير المؤمنين هارون الرشيد في أن يضع له كتابا في مالية الدولة وفق أحكام الشرع الحنيف، والسبب وراء وضعه أحكام الهدنة ضمن هذا الكتاب أن لَفْظَة الخراج عرفت منذ الأيام الأولى للإِسلام وتعني الضريبة السنوية المفروضَة على الْأَرَاضِي المزروعة، يَدْفَعهَا الْمزَارِع لصاحب الأَرْض الإقطاعية ليؤديها بدوره إِلَى خزانَة الدولة بعد استقطاع مُخْتَلف المصروفات.

فقد فتحت أراضي السواد[58] حرباً زمن عمر بن الخطاب بعد القادسية وأمر ببقائها في أيدي أصحابها على غلَّة كل سنة، وَلذَلِك سمي خراجا، ثمَّ قيل لاحقا للبلاد الَّتِي فتحت صُلحا ووُظّف مَا صولحوا عَلَيْهِ على أَرضهم، خَرَاجِيَّة؛ فشبّه ذلك التوظيف بالْخراج، لِأَن جملَة معنى الْخَراج هي الْغلَّة.

ثم تناول المسلمون عقد الهدنة بعد ذلك ضمن دراساتهم التي تناولت موقف الإسلام من باب الهدنة وغيرها من أحكام السلم والحرب والحياد، وكل ما يتعلق بأحكام الجهاد ومعاملة غير المسلمين والتي أطلقوا عليها اسم ” السير”[59] وكان من أول ما دون في ذلك كتاب السير الصغير لمحمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة، وذلك تلبية لحاجة العصر الذي كان من الواجب الملح فيه بيان أحكام الإسلام في التعامل مع الآخرين، والمسلمون يقومون بواجب الجهاد، فكتب السير الصغير أولا ثم السير الكبير. وليس معنى هذا أن الشيباني قد اخترع كتابه اختراعاً، فالمعروف أن بعض الفقهاء الذين تتلمذ لهم الإمام محمد تحدثوا عن السير، كالإمام أبى حنيفة و الأوزاعي وأبي يوسف، ولكن كل ما جاء عن هؤلاء الأئمة في هذا الموضوع كان يدور في نطاق محدود من القضايا، وكان أشبه بالمحاولات الأولى بالنسبة للبحث الشامل المفصل الذي كتبه الإمام محمد الشيباني.[60]

وقد صنف الشيباني عقد الهدنة في السير الصغير تحت أبواب الصلح، لكنه لم يستعمل لفظ الهدنة في جميع كتابه، واختار لفظتي الصلح و الموادعة بدلا عنها. وأرجع الإمام السرخسي أثناء شرحه للسير الكبير سبب هذا الاختيار إلى أنه لا مسالمة ولا مصالحة حقيقة بين المؤمنين والمشركين، وإنما يكون بينهم المعاهدة كما قال الله سبحانه وتعالى، والموادعة هي المعاهدة[61]. كما أدخلها في كتابه “الأصل” الجامع لمسائل الفقه تحت “باب الصلح” من “كتاب السير في أرض الحرب”[62]، ويلاحظ أن الإمام الشيباني قد تراجع عن تصنيف مبحث الهدنة أو الموادعة تحت أبواب الصلح في كتابه السير الكبير -وهو آخر ما ألفه الإمام الشيباني- وتحدث عنها في باب مستقل سمّاه باب الموادعة.

وصارت كلمة السير مصطلحاً فنياً يشيع استعماله بين الفقهاء في كتبهم للتعبير عن مباحث الفقه في السلم والحرب، إلى أن تم استبدالها بمصطلح الجهاد ليصبح تصنيف عقد الهدنة تحت أبوابه بدءا من كتاب الأم للإمام الشافعي، وكذلك فعل فقهاء مختلف المذاهب في تصنيف الهدنة، باستثناء فقهاء الحنفية الذين حافظوا على اصطلاح السير في الترجمة لهذا الباب ورفضوا مصطلح الجهاد، ولم يكن اختيارهم هذا عبثا، فقد جاء في البدائع: ” فَالسِّيَرُ جمع سيرة، والسّيرة في اللغة تستعمل في معنيين، أحدهما: الطريقة، يقال: هما على سيرة واحدة أي طريقة واحدة، والثّاني: الهيئة، قال اللَّه – سبحانه وتعالى – {سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى} [طه: 21] أي هيئتها، فاحتمل تسمية هذا الكتاب كتاب السّير لما فيه من بيان طرق الغزاة وهيئاتهم مما لهم وعليهم وأما الجهاد فِي اللغة فعبارة عن بذل الجهد بالضم وهو الوسع والطّاقة، أو عن المبالغة في العمل من الجهد بالفتح، وفِي عرف الشرع يستعمل في بذل الوسع والطاقة بالقتال في سبيل اللّه – عز وجل – بالنفس والمال واللّسان، أو غير ذلك، أو المبالغة في ذلك واللَّه – تعالى – أعلم.[63]

وقد عقد الإمام الشافعي للهدنة فصلا عنونه بالمهادنة[64]، ومنذ ذلك الحين والفقهاء يستعملون مصطلح الهدنة[65] أو المهادنة أكثر من غيرها، وخاصة في الترجمة للباب الخاص بها، حتى شاع استعمالها في الفقه السياسي المعاصر أكثر من غيرها.

ويمكن تفسير شيوع استعمال الهدنة أكثر من مصطلح الصلح، بأن مصطلح الصلح عند الفقهاء يستعمل باصطلاحين متباينين، ويتعلق عندهم بمجالات متعددة كما بيّنا سابقا، ولذلك فأبواب الصلح في كتب الفقه لم تتناول عقد الهدنة والصلح، نظرا لاحترازهم من تشابك المواضيع، فحرصوا على وضع الصلح بين المسلم والحربي، تحت أبواب السير والجهاد، واستعمال مصطلح الهدنة بدلا عن مصطلح الصلح. و ما يزيد هذا الأمر تأكيدا قول  الرافعي عن لفظة الصلح “هذه اللفظة تستعمل عند سبق المخاصمة غالبا والمخاصمات، والمزاحمات المحوجة إلى المصالحة تارة تقع في الأملاك وتارة في المشتركات كالشوارع وغيرها والتعامل تارة يقع بالصلح وتارة بظهور جانب أحد المتنازعين باختصاصه بما يشعر بالاستحقاق فلاشتباك هذه الأمور بعضها ببعض نسلك في الباب في كلام الشافعي رضى الله عنه للأصحاب رحمهم الله”[66].

هذه الدراسة المصطلحية سيتبعها دراسات اخرى حول مفهوم الهدنة وكيف يتناولها المستشرقون الإسرائيليون في تشكيل الراي العام.

المراجع

[1] معجم مقاييس اللغة لابن الفارس، ج6 ص 41.

[2] انظر العين ج4 ص26/ الجيم للشيباني ج2 ص 261 / الصحاح تاج اللغة للفارابي ج6 ص2217 / ) مختار الصحاح الرازي 325/ لسان العرب ج 13 ص 434-435 / القاموس المحيط للفيروز آبادي الجزء 2 ص 636 / معجم اللغة العربية المعاصرة ج3 ص 2335.

[3] سيأتي تخريجه في ما بعد.

[4] جمهرة اللغة لابن دريد، ج 2 ص 687

[5] لسان العرب ج 13 ص 434-435

[6] حلية الفقهاء أحمد بن فارس، ص 201

[7] تحفة الفقهاء السمرقندي ج3  ص 297

[8] نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، شهاب الدين الرملي ج 8 ص 106.

[9] شرح حدود ابن عرفة ص 145.

[10] المغني لابن قدامة ج 9 ص 296.

[11] القاموس الفقهي لغة واصطلاحا الدكتور سعدي أبو حبيب ص 366.

[12] شارح حدود ابن عرفة: محمد بن قاسم الأنصاري، أبو عبد الله، الرصاع التونسي المالكي (المتوفى: 894هـ

[13] شرح حدود ابن عرفة ص 145.

[14] المحرر الوجيز، لابن عطية ج 2 ص 548.

[15] تفسير ابن كثير، ج4 ص 74.

[16] الحاوي الكبير، للماوردي ج 14 ص 350.

[17] التحرير والتنوير لابن عاشور، ج26 ص143-145.

[18] زاد المعاد ج 3 ص 275-276.

[19] السير الصغير للشيباني ص 165/ الأصل للشيباني ج 7 ص 470/ الخراج لأبي يوسف ص 226.

[20] تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشِّلْبِيِّ، ج3 ص 245

[21] شرح السير الكبير السرخسي ص 1689.

[22] القوانين الفقهية، لابن جزي ص 103.

[23] حاشية البجيرمي على منهج الطلاب، ج4 ص 263.

[24] الأم، ج 4 ص 200.

[25] المقدمات الممهدات،لابن رشد الجد ج1 ص 363.

[26] السير الصغير الشيباني باب الصلح ص 152.

[27] بداية المجتهد، ابن رشد الحفيد ج4 ص 77.

[28] شرح حدود ابن عرفة، ص 314

[29] أحكام الصلح في الدماء ص 3 .

[30] شرح حدود ابن عرفة، ص 315.

[31] فتح العزيز بشرح الوجيز، الرافعي ج10 ص294.

[32] الأصل للشيباني، باب الصلح في دار الحرب، ج11 ص 154-157.

[33] التحرير والتنوير، ج2 ص 326

[34] المغني، ج9 ص 296.

[35] أحكام أهل الذمة، ج2 ص: 273

[36] روضة الطالبين الامام النووي ج 10 ص 278/ الماوردي الحاوي الكبير ج14 ص 297.

[37] فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب، زكريا الأنصاري، ج2 ص 215.

[38] بدائع الصنائع للكاساني، ج 4 ص 106-108-110.

[39] المحرر الوجيز لابن عطية، ج5 ص125.

[40] المحرر الوجيز ج 2 ص 548.

[41] تفسير ابن كثير، ج7 ص 298-299

[42] التحرير والتنوير، ج2 ص 326

[43] صحيح البخاري ج4 ص101 رقم 3176 / مسند أحمد ج39 ص411/ المستدرك للحاكم ج3 ص630 رقم 6324/ سنن ابن ماجة ج2 ص1371 رقم 4095 وقال الألباني: صحيح.

[44] مرقاة المفاتيح، علي بن محمد أبو الحسن نور الدين الملا الهروي القاري ج8 ص 3411.

[45] مسند أحمد ج 1 ص 353/المستدرك للحاكم كتاب الفتن والملاحم ج4 ص 479/ السنن الكبرى للنسائي ج7 ص 264/ صحيح ابن حبان ج13 ص 301/ سنن أبي داود ج4 ص 96/ مسند الطياليسي ج1 ص 353.

[46] خاتم النبيين محمد أبو زهرة ج2 ص 749.

[47] أساس البلاغة الزمخشري ج2 ص368

[48] تاج العروس للزبيدي، ج36 ص281

[49] المحكم والمحيط الأعظم لابن سيده المرسي ج4 ص 261

[50] دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني ج 1 ص 79 / السيرة النبوية لابن كثير ج1 ص 213

[51] المغازي لابن شهاب الزهري ص 55/ مجموعة الوثائق السياسية لمحمد حميد الله الحيدر آبادي الهندي ص 80.

[52] جامع الطبري ج4 ص1: 251- 252 / أحكام القرآن لابن العربي ج2 ص 428

[53] دلائل النبوة للبيهقي ج4 ص 381/ المعجم الكبير للطبراني ج 8 ص 19/ مستخرج أبي عوانة ج 4 ص 272

[54] مصنف ابن أبي شيبة ج  7 ص 398.

[55] التطور اللغوي مظاهره وعلله وقوانينه للدكتور رمضان عبد التواب، ص 15-16.

[56] الخراج لأبي يوسف، ص 230.

[57] الخراج ص 130.

[58] سواد العراق هو اسم أطلقه الفاتحون المسلمون على الأراضي الزراعية التي تقع جنوب بلاد النهرين، على أطراف دجلة والفرات وما بينهما. سمي بذلك لسواده بالزروع والنخيل والأشجار لأنه حين تاخم جزيرة العرب التي لا زرع فيها ولا شجر كانوا إذا خرجوا من أرضهم ظهرت لهم خضرة الزرع والأشجار فيسمونه سوادا.

[59] يقول السرخسي في شرحه لكتاب السير الصغير: ” اعلم أن السير جمع سيرة، وبه سمي هذا الكتاب، لأنه بين فيه سيرة المسلمين في المعاملة مع المشركين من أهل الحرب، ومع أهل العهد منهم من المستأمنين، وأهل الذمة، ومع المرتدين الذين هم أخبث الكفار بالإنكار بعد الإقرار، ومع أهل البغي الذين حالهم دون حال المشركين، وإن كانوا جاهلين، وفي التأويل مبطلين” المبسوط10/2.

[60] عثمان جمعة، مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم ديوبند، محرم – صفر 1437 هـ = أكتوبر/ ديسمبر2015م، العدد 1-2 .

[61] شرح السير الكبير، السرخسي، ص1782.

[62] الأصل، ج 7 ص 463.

[63] بدائع الصنائع ج 7 ص 97.

[64] الأم، ج4 ص 199.

[65] استعملها الإمام مالك قبله، انظر المدونة ج3 ص 298/ التلقين للقاضي عبد الوهاب، ج 1 ص91/ المهذب للشيرازي ج3 ص325./ البيان والتحصيل لابن رشد ج3 ص 24/ بداية المجتهد لابن رشد الحفيد ج2 ص150/ الكافي لابن عبد البر ج1 ص469/ الوجيز لأبي حامد الغزالي ج2 ص197/ المغني لابن قدامة ج9 ص296/ مناهج الطالبين للإمام النووي،ص 315.

[66] فتح العزيز بشرح الوجيز، الرافعي، ج10 ص 294.

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017