تخريج الفروع المستجدة على نصوص القرآن والسنة مراعاة لنازلة “”فيروس كورونا ” COVID-19 المسالة الأولى ” التباعد الاجتماعي وعدم رص الصفوف وتسويتها عند اقامة الصلاة”

السبت 20 يونيو 2020
شارك المقال

تخريج الفروع المستجدة على نصوص القرآن والسنة مراعاة لنازلة “”فيروس كورونا ” COVID-19

المسالة الأولى ” التباعد الاجتماعي وعدم رص الصفوف وتسويتها عند اقامة الصلاة”

الشيخ رائد بدير عضو دار الافتاء والبحوث الاسلامية.

من فضائل فيروس كورونا المستجد كوفيد 19 العصف الذهني الذي فرضه على فقهاء هذا العصر، والذين لم تتهيأ للكثير منهم لهم ارضا خصبة لتنمي عندهم ملكة الاجتهاد لأسباب لا تعد والا تحصى، بعضها يتعلق بالأنظمة الحاكمة والأحزاب والحركات والجماعات وبعضها يتعلق في بلية هذا الزمن حيث ان سيادة العالم باتت محكومة من غير المسلمين، والذين يكيدون للإسلام والمسلمين ليل نهار، حتى أصبح حال المسلمين كم ورد في الوصف كحال ” القصعة”.

ومع ذلك نزل الوباء فاصطدم علماء هذا العصر في مفهوم كتبت عنه منذ سنوات طويلة وسؤال ذهبي فرضه الفيروس المستجد الا وهو ” ما معنى الدليل في الفقه الإسلامي؟  وحتى لا اتعب القارئ في مسالك أصولية ومصطلحات لا يدرك من اسمها الى شكلها وحتى لو تخرج من كليات الشريعة الضعيفة الهزيلة بسبب المناهج وطريقة التعلم فانه من الصعب أن يعي كيفية تطبيق القواعد تخريج الفروع المستجدة من النصوص القرآنية والسنة النبوية والقواعد الكلية لان العقلية الفقهية الحالية تبحث عن الشبيه والمثيل ي الفروع في الماضي فان لم تجدها سكتت او غضت الطرف وبهذا تأخر الفقه عن احتياجات الناس اليه في معظم المستجدات منذ 40 سنة.  وجاء هذا الفيروس لنغتنم فرصة تعريف اهل العلم بمعنى الدليل، لان فيروس كورونا فرض عليهم مخالفات شرعية ظاهرة وهذه فرصة لإنارة الطريق.

. وعلى هذا الأساس ستكون سلسلة هذه الرسائل في تخريج الفروع المستجدة المخالفة على الأدلة التي حتى يكتشفها صاحب العقل الخامل وبهذا يكون قد فهم العلم من الممارسة العملية العالمية للفقه المستجد في زمن كورونا المستجد. والغاية من ذه الرسائل اكتشاف الأدلة وتخريج الفروع الفقهية الجزئية على الأدلة وتسمية الدليل باسمه وبيان طريق التخريج الفرعي لكل جزئية وجزئية تم فيها المخالفة الشرعية. ووفق هذه المنهجية تتعاطي مع كل نوازل الامة في كل مجالات الحياة حتى تضع الامة قدمها على الصراط المستقيم فتتقدم خطوة واحدة نحو الخلافة الراشدة وهذه الخطوة تحتاج الى عدة قرون اقلها ثلاثة قرون.

لا يختلف اثنان من المسلمين على ان رص الصفوف في الصلاة وسد الخلل من الهيئات المتفق عليها ولا خلاف عليها، وقد نهضت الأدلة من القران الكريم والسنة النبوية والفقهاء على ذلك حتى اصبح من المعلوم من الدين بالضرورة فالمسلم يقف في الصلاة عند اقامتها الى جوار المسلم والقدم الى القدم والكتف الى الكتف ثم يليه الصف الثاني على نفس الهيئة: فعنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( سَوُّوا صُفُوفَكُمْ , فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلاةِ ) رواه البخاري ( 690 ) ومسلم ( 433) , وفي رواية للبخاري ( 723 ) : ( سَوُّوا صُفُوفَكُمْ , فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلاةِ ) . وعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا فِي الصَّلاةِ وَيَقُولُ : ( اسْتَوُوا , وَلا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ ) رواه مسلم (432 ) . وعن النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رضي الله عنهما قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَوِّي صُفُوفَنَا حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بِهَا الْقِدَاحَ، حَتَّى رَأَى أَنَّا قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ ثُمَّ خَرَجَ يَوْمًا فَقَامَ حَتَّى كَادَ يُكَبِّرُ، فَرَأَى رَجُلا بَادِيًا صَدْرُهُ مِنْ الصَّفِّ، فَقَالَ: (عِبَادَ اللَّهِ، لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ). رواه البخاري ومسلم. قال النووي في “شرح مسلم”: قَوْله: (يُسَوِّي صُفُوفنَا حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بِهَا الْقِدَاح) الْقِدَاح هِيَ خَشَب السِّهَام حِين تُنْحَت وَتُبْرَى , مَعْنَاهُ : يُبَالِغ فِي تَسْوِيَتهَا حَتَّى تَصِير كَأَنَّمَا يُقَوِّم بِهَا السِّهَام ، لِشِدَّةِ اِسْتِوَائِهَا وَاعْتِدَالهَا.

من لا يتم الصفوف) , وأورد فيه بسنده عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَقِيلَ لَهُ : مَا أَنْكَرْتَ مِنَّا مُنْذُ يَوْمِ عَهِدْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ: (مَا أَنْكَرْتُ شَيْئًا إِلا أَنَّكُمْ لا تُقِيمُونَ الصُّفُوفَ) رواه البخاري

وقد قال صلى الله عليه وسلم ” سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، فإنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِن إقَامَةِ الصَّلَاةِ.”(رواه البخاري)

هذه بعض النصوص في المسالة اما عن الحكم الفقهي لرص الصفوف وتسويتها فقد جاء في الموسوعة الفقهية نقلا عن الدرر السنية ما يلي:

حُكْمُ تسوِيَةِ الصُّفوفِ اختلف العلماءُ في حُكْمِ تَسْوِيَةِ الصُّفوفِ على قولينِ:

القول الأول: تُسنُّ تسويةُ الصُّفوفِ في الصَّلاة، وهذا باتِّفاقِ المذاهبِ الفقهيَّة الأربعة: الحَنَفيَّة، والمالِكيَّة، والشافعية والحنابلة.

القول الثاني: تجبُ تسويةُ الصُّفوف، وهو قولُ ابنِ حزمٍ، وابن تيميةَ، وابنِ حجرٍ، والعينيِّ، والصنعانيِّ، وابنِ عثيمينَ، وبه أفتتِ اللجنةُ الدَّائمة “. انتهى الاقتباس.

ووفق نقل اراء الفقهاء في مسالة تسوية الصفوف ورصها هنالك راي وهو الأغلبية ان تسوية الصفوف سنة وانه من تمام الصلاة وليس من شروطها او صحتها والراي الاخر انه واجب ومنشأ الخلاف بين الفقهاء هو دلالات النصوص والامر الوارد فيها هل تحمل على الندب ام تحمل على الوجوب فمن حملها على الندب قال سنة ومن حملها على الوجوب قال واجب.

ويرشح عن هذه الآراء عدم تسوية الصفوف ورصها عند الصلاة ينتج عنه اما صحة الصلاة مع الكراهة او عدم صحتها لعدم اكتمالها وسواء قلنا ان هذه المخالفة مكروه او تبطل الصلاة فإنها مصنفة تحت كليات الشرع على انها تحت النهي والترك.

لقد فرض “”فيروس كورونا ” COVID- مسالة ” التباعد الاجتماعي”، وفرض عدد التجمعات البشرية في بعض اوقاته، الامر الذي اقتضى الاجتهاد لرص صفوف الصلاة وتسويتها على نحو لم يعده المسلمون في احكامهم ولا اعرافهم، اذ تعارف المسلمون على ان رص الصفوف في الصلاة وسد الخلل والكتف الى الكتف والتقدم الى القدم هم من اعمال الصلاة المعلومة من الدين بالضرورة سواء كان الحكم سنة او واجبا.

ان التباعد الاجتماعي اثناء أداء الصلاة بحيث يبعد المصلي عن أخيه المصلي مسافة مترين، او توزيع المصلين على مساحة المسجد خشية العدوى والاصابة وخشية انتشار فيروس كورنا يمكن تخريجه على الفروع من النصوص بحث ان هذه سنن يمكن التنازل عنها للظرف ولا تتعدى المخالفة الكراهة.  ويمكن تخريجها على النصوص الفرعية الأخرى التي تعنى بحفظ النفس ولها علاقة بالصلاة وواجباتها.

ومن هذه النصوص العملية في تخريج الفروع الفقهي المتعقلة بالصلاة على الأصول الكلية المتعلقة بحفظ النفس  فقد روى أبو داود عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السُّلَاسِلِ فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنَ الِاغْتِسَالِ وَقُلْتُ إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ ( وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ) فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا” وفي صحيح البخاري “أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ أَجْنَبَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فَتَيَمَّمَ وَتَلَا ( وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ) فَذَكَرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُعَنِّفْ “.

نلاحظ ان  عمرو بن العاص لم يسال أحدا وتيمم للظرف الذي نزل به كما قال بالحرف الواحد: ” فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ” ولم يلتفت إلى أحكام الغسل عند الجنابة، وعندما عاد إلى المدينة المنورة سأله الرسول صلى الله عليه وسلم قائلا:” يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ” فقال :” نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ شَدِيدَةِ الْبَرْدِ فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلَكَ وَذَكَرْتُ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ( وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ) فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ” “رواية احمد”. الدليل الذي استند إليه عمرو بن العاص في فتواه أو في الرخصة التي نهجها دليل لا علاقة له لا بالماء ولا بالغسل ولا بأحكام الجنابة الأخرى إنما دليل كلي ينص على حفظ النفس. وهذه المنهجية والملكة الفقهية التي اقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بل واعجبته وضحك منها ورضي بها عند التعارض والتخريج ووضع النصوص في منازلها.

ان غسل الجنابة امر هام في الشريعة الإسلامية وجاء في اسلام ويب” غسل الجنابة فرض بإجماع المسلمين، قال تعالى: وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ {المائدة:6

ولا يحل لمسلم أن يترك غسل الجنابة بحال، وإذا كان الوعيد الشديد قد ورد في حق من قصر في تعميم شعره وبشرته بالماء في غسل الجنابة، فكيف بمن تركه بالكلية، فعن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من ترك موضع شعرة من جنابة لم يصبها الماء فعل الله به كذا وكذا من النار. رواه أحمد وأبو داود.

ومن يترك الغسل للجنابة لا يخلو من أحد حالين، إما أن يترك الصلاة فيكون متعرضا لسخط الله وعقوبته العاجلة والآجلة ويكون مرتكبا لكبيرة هي من أكبر الكبائر، وهي أكبر من الزنى وشرب الخمر وقتل النفس، بل يكون بذلك كافرا خارجا من الملة عند كثير من العلماء، ولتنظر الفتوى رقم: 130853. وإما أن يصلي في حال جنابته فيكون أيضا مرتكبا لكبيرة من أكبر الكبائر يعد بها خارجا من الملة عند بعض العلماء وهم الحنفية، فإنهم يقولون إن من تعمد الصلاة بغير طهارة يكفر بذلك خلافا للجمهور، ولا تجزئه صلاته تلك بالإجماع ولا تبرأ بها ذمته، ولتنظر الفتوى رقم: 128707 انتهى الاقتباس.

دقق في العبارات التي استعملها عمرو بن العاص – رضي الله عنه وقف عند الدليلين …وانظر كيف صنع لنفسه فتوى اقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم… ان منهجية عمرو بن العاص- رضي الله عنه- في صناعة الفتوى وإقرار الرسول صلى الله عليه وسلم لهذه المنهجية بل ضحكه لها ما هي الا إقرار لإنشاء وتدريب عقليات وملكات تواجه الازمات فالمسالة تتعدى الصلاة وتتعدى الجنابة.. انها مدرسة لتعلم تناول النصوص من القران والسنة ووضعها في هرمها المناسب عند النوازل… انها اذن باستعمال هذه الهرمية من النصوص.. انها إقرار بالهرمية …انها الشريعة التي أنزلت ليوم القيامة انهم العلماء ورثة الأنبياء.

التباعد الاجتماعي عند إقامة الصلاة في الفقه الإسلامي وعدم رص الصفوف مخافة العدوى في زمن فيروس كورونا ” COVID-19   امر مشروع فهو على تخريج ان تسوية الصفوف سنة لا تتعدى المخالفة “الكراهة” وعلى تخريج انه “واجب” فلن يكون وجوبه اشد  وأعظم من وجوب غسل الجنابة للصلاة وقد صلى بعض المسلمين عن علم وهم على جنابة مخافة الهلاك من الغسل. وعليه: فان  الصلاة مع التباعد الاجتماعي وعدم رص الصفوف وتسويتها صحيحة والاستمرار على هذا النحو الى حين اختفاء الوباء او اللقاح امر مشروع مهما طالت المدة. والمسالة منوطة بان التباعد الاجتماعي صفة تمنع انتشار العدوى ما امكن . 

في الحلفة القادمة …. سأخرّج بأذن الله كل مفردات المسالة” التباعد الاجتماعي اثناء عند إقامة الصلاة “: كلمة كلمة.، وسناتي ” بالموافقات ” وسنخرجها مسألة مسألة …. حتى نصنع فقها جديدا مبنيا على النصوص من الكتاب والسنة زمن فيروس كورونا ” COVID-19 ….. وسنعمل بهذا الفقه لأقرب الاجلين اما اختفاء الكورونا او توفر اللقاح لكل الناس أو زوال الموانع من الجهات المختصة .

سنقف عند المفردات الواردة في هيئة الصلاة من  تسوية الصفوف  ورصها  و والبعد بين الصفوف والبعد بين المصلين انفسهم ووجود حائط وعدد المصلين ….الخ سنتاول حكم كل هيئة منفردة ثم تخريجها من جديد في زمن الكورونا.باذن الله والاهم اننا سنبين الطريق والمنهجية.

يتبع………………………….

 

 

 

 

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017