ترجيح  الفتاوى المعتبرة  بعدم احتساب وقوع الطلاق على غيرها عند اختلاف الفقهاء يتفق مع روح التشريع في المبنى الهرمي لمنظومة الطلاق وبتر الجزئيات عن الكليات التي تظلها ساهم في اكبر كارثة اسرية في الامة الاسلامية على لسان اكابر العلماء في تاريخ الامة .  

الأحد 22 سبتمبر 2019
شارك المقال

 ترجيح  الفتاوى المعتبرة  بعدم احتساب وقوع الطلاق على غيرها عند اختلاف الفقهاء يتفق مع روح التشريع في المبنى الهرمي لمنظومة الطلاق وبتر الجزئيات عن الكليات التي تظلها ساهم في اكبر كارثة اسرية في الامة الاسلامية على لسان اكابر العلماء في تاريخ الامة 

الشيخ رائد بدير ( السيرة العلمية https://nawazel.net/?page_id=215)

لقد بنت الشريعة الاسلامية منومة هرمية في احكامها للطلاق فجعلت منه الرجعي والبائن بنوعيه صغرى وكبرى،  ولا شك ان هذا المبنى الهرمي  فيه دلالة واضحة انه ليس ن السهل انهاء الحياة الزوجية  والميثاق الغليظ لمجرد التلفظ بالطلاق. وبيان المبنى الهرمي والتسلسلي في منظومة الاحكام الشرعية للطلاق على  النحو الاتي :

 

أ‌.         الطلاق الرجعي:

وهو الذي يملك فيه المُطَلِق مراجعة مُطَلَقَتِه وإعادتها إلى عصمته وعقد نكاحه مادامت في العدة رضيت أم كرهت، يقول الله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحاً…}(1)، ويقول الله تبارك وتعالى: {الطلاق مرتان فإمساكٌ بمعروف أو تسريحٌ بإحسان…}(2).

والطلاق الرجعي لا يزيل المِلك ولا يُزيل الحِل مادامت العدة قائمة، بل يكون المطلق له كل حقوق الزوج، فله أن يراجعها في العدة في أي وقت شاء ولكن تحتسب عليه الطلقة من الطلقات التي يملكها على زوجته وهي الثلاث، ومعنى الحِل هو كون المرأة حلالاً أن يتزوجها، ومعنى المِلك حقوق الزوجية الثابتة لكل واحد منهما على صاحبه، وإذا انتهت العدة في الطلاق الرجعي زال المِلك ولكن يبقى الحِل، فله أن يعقد عليها في أي وقت شاء(3).

أحوال وقوعه(1):

لما كان الطلاق الرجعي هو الأصل في الطلاق ويسمى طلاق السنة، بمعنى أن الطلاق الذي أذنت السنة في فعله وهو الذي أوقعه الزوج على زوجته المدخول بها بلفظ الطلاق مرة واحدة لا أكثر، وأن تكون طلقة كاملة لا مجزأة وأن يقع على المرأة كلها لا على جزء منها، وأن يكون وقع للمدخول بها في طهر لا في حيض أو نفاس، وأن لا يكون قد وطئها في الطهر الذي يقع فيه الطلاق، وأن لا يكون وقع في عدة المطلقة طلاقاً رجعياً(2).

آثار الطلاق الرجعي:

يترتب على الطلاق الرجعي أمران:-

أولاً: نقص عدد الطلقات التي يملكها الزوج على زوجته.

ثانياً: انتهاء الزوجية بين الزوجين إذا لم يراجعها الزوج قبل انقضاء العدة وقبل أن يصبح هذا الطلاق بائناً بانقضاء العدة.

وعلى ذلك، فالطلاق الرجعي لا يزيل الزوجية بل يُنقِص عدد الطلقات التي يملكها الزوج، فإن كانت ثلاثاً صار الباقي اثنتين، وإن كان الذي يملك قبل الطلاق اثنتين صار الباقي واحدة وللزوج مراجعتها في أثناء العدة في أي وقت يشاء فإذا قضت العدة من غير مراجعة كان بائناً من كل الوجوه.

وفي الطلاق الرجعي يترتب على الزوجين أحكام هي:-

ب : الطلاق البائن:

هو الذي لا يملك فيه المطلق مراجعة مطلقته في العدة أو أن يعاشرها معاشرة الأزواج. وهو نوعان(1):-

 

الأول: طلاق بائن بينونة صغرى:

يمكن فيه استئناف الحياة الزوجية بين المطلق ومطلقته بعقد ومهر جديدين، ولهذا كانت البينونة صغرى ولم تكن كبرى.

أحوال وقوعه:

آثار الطلاق البائن بينونة صغرى(2):

ت: الطلاق البائن بينونة كبرى:

وهو الذي لا يستطيع فيه المطلق مراجعة مطلقته في العدة كالطلاق الرجعي، ولا استئناف الحياة الزوجية بينهما بعقد ومهر جديدين، كالطلاق البائن بينونة صغرى، بل تحرم عليه المرأة حرمة مؤقتة لا تنتهي إلا إذا تزوجت بزوج آخر زواجاً شرعياً صحيحاً ويدخل بها أو يموت عنها وتنقضي عدتها منه(1).

أحوال وقوعه:

لا يقع هذا النوع من الطلاق إلا في حالة واحدة وهي إذا كان مسبوقاً بطلقتين أي أن هذه الطلقة تكون المكملة للثلاث(2).

آثار الطلاق البائن بينونة كبرى:

هذ المبنى بحد ذاته يشير الى التوجه العام للشريعة الاسلامية في مبناها انها لا تتسرع في انهاء عقد الميثاق الغليظ.

هذا المبنى العام في الشريعة الاسلامية يستفاد منه انها ترجح الاجتهادات الاستنباطية التي تمنع وقوع الطلاق على التي تجيز وقوعه .

لقد امتلأت كتب الفقه الاسلامي منذ القرن الاول الهجري وحتى يومنا هذا بمباحث حول الطلاق والظروف التي يقع بها ، فدرس الفقهاء على اختلاف مدارسهم: انواع الطلاق
، الطلاق البدعي، الطلاق السني ،  شروط الطلاق وشروط المُطلِق، ومن يقع منه الطلاق، طلاق الغضبان، وطلاق السكران، وطلاق الهازل، .وطلاق المخطئ، .وطلاق المجنون، وطلاق المعتوه.، والطلاق بالكتابة،  والإشارة والرسالة. ومن يقع عليها الطلاق ( محل الطلاق).والعدد في الطلاق، والطلاق المنجز والمضاف إلى زمن والمعلق على شرط.

عشرات الالاف  من الصفحات بل ربما تصل الى مئات الاف، اذا اضفنا اليها الابحاث المعاصرة من خلال الجامعات  من الصفحات منذ عصر التأليف والكتابة في الفقه الاسلامي وحتى اليوم .

والمطلوب في زماننا اعادة قراءة هذا النظام من النصوص المعتمدة والوقوف عند الاجتهادات التي تتوافق مع روح الشريعة ومقاصدها ، ولا نتداول هذه الاجتهادات منفردة بعدا عن النصوص الاخرى سواء كانت جزئية توازيها او كلية تظلها .

ان المبنى الهرمي لمنظومة الطلاق في الشريعة الاسلامية ترجح  فتاوى عدم احتساب وقوع الطلاق على غيرها عند اختلاف الفقهاء وبتر الجزئيات عن الكليات التي تظلها ساهم في اكبر كارثة اسرية في الامة الاسلامية.

لقد ورثنا كوارث فقهية في بعض احكام الاسرة، ومن السخرية في الاسلام ان تظل هذه الاقوال منثورة لتنتقل من جيل الى جيل ، لقد ضرب الفقهاء امثلة في كتبهم وبالغوا فيها من باب التقيد في التعريفات التي حصرتهم خذ على سبيل ما جاء في احياء علوم الدين  المثال :

القسم الثاني أن يعرف الحل ويشك في المحرم, فألاصل الحل وله الحكم. كما إذا نكح إمرأتين رجلان وطار طائر, فقال أحدهما: إن كان هذا غرابا فامرأتي طالق, وقال الاخر: ان لم يكن غرابا فامراتي طالق. والتبس امر الطائر فلا يقضي بالتحريم في واحدة منهما ولا يلزمهما اجتنابهما, ولكن الورع اجتنابهما وتطليقهما حتى يحلا لسائر الازواج, وقد أمر مكحول بالاجتناب في هذه المسألة, وأفتى الشعبي بالاجتناب في رجلين كانا قد تنازعا, فقال أحدهما للآخر: انت حسود, فقال الاخر احسدنا زوجته طالق ثلاثا, فقال الاخر: نعم, واشكل الامر , وهذا ان اراد به اجتناب الورع فصحيح وان اراد تحريم المحقق فلا وجه له ..”[i].(

هل وجد الطلاق في الاسلام من اجل المراهنة على طير؟ ما ذنب الزوجة والاولاد وما علاقتهم ان الطير غراب او حمامة؟ 

السؤال الاكبر : وهو وضع منظومة الطلاق للمراهنة على نوع الطائر؟ ام ان التصور العام للمذهب جعل العقليات متجذرة عند الالفاظ .وقدكنت قد اقترحت من خلال موقعي ” نوازل ” رسالة ماجستير / دكتورة في اصول الفقه تعالج  هذه المسالة : التعريف الاصطلاحي عند القدماء   ودوره  في زماننا المعاصر   في تخريج مسائل تناقض قصد الشارع ( اضغط الرابط ) https://nawazel.net/?p=1206

ان كل من تلفظ بالطلاق امام القاضي او امام المفتي يحمل الحكم على هذا اللفظ  من  خلال الظروف المحيطة بها ، ليس لمجرد انه تلفظ  فيتم الحكم به، فان تبين من بعد البحث انه وقع فيحكم به انه وقع، والا فلا. وليس ذلك يعني عدم قبول الطلاق ممن تلفظ به، بل المسالة هي النظر في  الظروف، ومن الطبعي انه من يصر على تطليق زوجته وفق الظروف او دونها فان طلاقه معتبر، لكن المسالة هنا لمن تسرع في هذا اللفظ فلا نقيده لمجرد نطق بأحرف عربية بعيدا عن الظروف والدوافع الداخلية والخارجية وبعيدا عن المقاصد والنيات.

ان شكل  المبنى العام لنظام الطلاق في الاسلام الخارجي ومحتواه الداخلي يوحي من خلال المنطق الاسلامي الى ان الحكم على الاسرة بالهدم يسبقه خطوات، وهذا يؤيد ان نأخذ عند التعارض والترجيح للأحكام الاجتهادية المستنبطة التي تفتح المجال على استمرار الاسرة على هدمها .

ان ارادة  التشريع ان يكون الطلاق رجعيا ابتداء ثم عدة ثم يكون بائنا بينونة صغرى ثم عدة ثم بائن بينونة كبرى ثم عدة فان هذا المنهاج بحد هذه هو الخارطة المستفادة من الدلالة على التوجه العام في تقديم لم الاسرة على هدمها او تفريقها، وعليه ينبغي السير في الجزئيات.

(1) سورة: البقرة، آية: 228 .

(2) سورة: البقرة، آية: 229 .

(3) انظر: الإمام محمد أبو زهرة: الأحوال الشخصية ص312-313، الناشر دار الفكر العربي ط3، سنة 1957.

(1) انظر: تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الحكام: ج1، ص85، “لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن فرحون المالكي، المتوفى سنة 799هـ، الطبعة الأولى، جزئين، الناشر دار الكتب العلمية، بيروت”، وسيُشار إليه عند وروده فيما بعد، ابن فرحون: تبصرة الحكام .

(2) انظر: تبيين المسالك لتدريب السالك إلى أقرب المسالك: ج3، ص128، “للعلامة الشيخ عبد العزيز بن حمد آل مبارك الإحسائي المالكي، توفيَّ سنة 1986 بدولة الإمارات العربية المتحدة”، شرح الشيخ الشيباني بن محمد، الناشر مطبعة دار الغرب الإسلامي، وسيُشار إليه فيما بعد، عبد العزيز آل مبارك: تبيين المسالك .

(1) مختصر من قواعد العلائي وكلام الأسنوي: ج2، ص532، “تأليف أبي الثناء نور الدين محمود بن أحمد الحموي الفيومي الأصل المعروف بأبي خطيب الدهشة الشافعي، توفيَّ سنة 750-834هـ”، تحقيق مصطفى محمود البنجويني، الدوحة، الناشر دار الكتب القطرية، وسيُشار إليه فيما بعد عند وروده، أبي خطيب الدهشة: العلائي وكلام الأسنوي.

(1) انظر: د. زكريا البري: بداية المجتهد في أحكام الأسرة المسلمة، ص228 .

* الإمام محمد أبو زهرة: الأحوال الشخصية، ص310 .

(2) سورة: الأحزاب، آية: 49 .

(3) سورة: البقرة، آية: 229 .

(1) انظر: أ.د. عثمان التكروري: شرح قانون الأحوال الشخصية الأردني، ص196 .

(2) المرجع السابق، ص197 .

* أ. د. محمد فوزي فيض الله: الطلاق ومذاهبه، ص34 .

(1) السيد سابق: فقه السنة، ج2، ص305، الناشر طبعة دار الفتح للإعلام العربي، 1995 .

(2) انظر: د. زكريا البري: بداية المجتهد، ص229 .

(3) رواه الحاكم: المستدرك، ج2،  ص217، وابن ماجه: السنن، ج2، ص60 .

(4) انظر صفحة: 13 .

[i] أبو حامد (الغزالي,”ت505ه”  إحياء علوم الدين, جزء2, “ص92”, دار الصابوني

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017