تعليل المتون في حكم النهي عن خروج الصحيح من بلد الطاعون

الأربعاء 8 أبريل 2020
شارك المقال

تعليل المتون في حكم النهي عن خروج الصحيح من بلد الطاعون

الشيخ رائد بدير   السيرة العلمية  على هذا الرابط  https://nawazel.net/?page_id=21

ينشط قلمي في زمن جائحة فيروس كورونا   ” COVID-19، لكتابة متن في أصول الفقه تحت أكثر من عنوان منها” جامع المتون في جائحة فيروس كورونا   ” COVID-19 لبيان أجه الشبه والاختلاف في القياس على مرض الطاعون” ومنها ”  بعنوان ” مناعة القطيع في ميزان الشريعة ” وتخريج المسالة على الأصول والفروع والجزئيات والكليات، وقد  استوقفتني وجهات النظر المختلفة والتي أوردها وبحثها سندا ومتنا وتحقيقا وتعليقا ابن حجر العسقلاني (ت 852 هـ) رحمه الله في كتابه ” بذل الماعون في فضل الطاعون” والتي كانت بين عمر بن الخطاب وعمرو بن العاص- رضي الله عنهما –  وبين أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح ال ومعاذ بن جبل وشرحبيل بن حسنة وغيرهما – رضي الله عنمها- من ناحية أخرى. وسأفرد فيها بحثا مستقلا لألقاء الضوء على منهجية التعاطي مع النصوص الشرعية تأويلا وتعبدا وتعليلا.

واستوقفني الى جانب ذلك النقاش الفقهي الاصولي الذي أورده ابن حجر العسقلاني في الفصل الثالث من الكتاب المذكور تحت عنوان ” ذكر بيان الحكمة في النهي عنم الخروج من البلد الذي وقع فيها الطاعون فرارا منه”. ففي الصحيحين ” رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ، قَالَ: فَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ ثُمَّ انْصَرَفَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

قال أبن حجر رحمه الله:” ذهب بعض اهل العلم، الى أن ذلك تعبدي لا يعقل معناه والسبب عندهم في ذلك، أن الفرار من المهالك مأموره، وقد صح النهي عن الخروج من البلد الذي وقع فيه الطاعون، فكان ذلك لسر فيه لا نعلم حقيقته، فالأولى التسليم وامتثال ما امر به الشارع”.

أقول: هذا هو الرأي الأول الذي نقله ابن حجر العسقلاني عن اهل العلم، ويبين فيه وجهة نظر هؤلاء العلماء أن الفرار من أي ضرر واجب شرعي اذ لا يجوز تعريض النفس البشرية للإتلاف او الهلاك او الاضرار، لكن فيما يخص مرض الطاعون هنالك نص شرعي واضح صريح وصحيح وهو قول الرسول صلى الله عليه: إذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأرْضٍ، فلاَ تَقْدمُوا عَلَيْهِ، وإذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا، فَلا تخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ ” متفقٌ عَلَيْهِ. ولا يحتمل هذا النص الاجتهاد ولا التأويل ولا التعليل، وقول هؤلاء العلماء بالحرف الواحد كما نقل عنهم ابن حجر العسقلاني رحمه الله:” فكان ذلك لسر فيه لا نعلم حقيقته، فالأولى التسليم وامتثال ما امر به الشارع”. اذن لا يمكن البحث عن علة النهي، وقولهم ” أن ذلك تعبدي لا يعقل معناه”. أي لا يحتمل التعليل، فأحكام الشرع تنقسم الى قسمين، قسم تعبدي لا يتم فيها البحث عن التعليل مثل كون صلاة الفجر ركعتين والظهر أربع فالتعبد لله بهذا العدد من الركعات لحكمة لا نعملها وسر اخفاه الله عن عباده، وما على المؤمنين الا الرضى والامتثال للحكم التعبدي ولا مجال للعقل هنا.

ثم يتابع ابن حجر العسقلاني- رحمه الله تعالى – نقله الراي الاخر للعلماء قائلا:” وذهب كثير من العلماء إلى التعليل وأبرزوا في ذلك حِكَماً: منها: أن الطاعون – في الغالب- يكون عاما في البلد الذي يقع به، فذا وقع والشخص به، فالظاهر مداخلة سببه له، فلا يفيده الفرار منه، بل إن كان أجله حضر فهو ميت، سواء أقام أم رحل، وكذا العكس”.

أقول: ان تعليل النهي عن الخروج من البلد الذي وقع فيه الطاعون ان الشخص المتواجد فيه قد تلبس بمنطقة جغرافية وقع فيها الطاعون وهو بذلك قد تلبس بسبب النهي عن الخروج كونه تداخل مع هذا المرض كونه داخل هذه المنطقة المنكوبة، فتواجده جسديا داخل هذه المنطقة يعني تواجده في بيئة مَوبوءة، فلا يفيده الفرار من هذه البيئة الموبوءة كونه عايشها وخالطها وتداخل معها، فليس له سوى التسليم، وكذا العكس من كان خارج هذه البيئة الموبوءة فلا يدخل اليها كون جسده لم يلامس ولم يتداخل مع بيئة موبوءة.

قال ابن حجر العسقلاني رحمه الله: تصرفات الصحيح في البلد الذي يقع فيه الطاعون كتصرفات المريض مرَضَ الموت (كما سيأتي بيانه في الباب الخامس. فلو كانت المفسدة قد تعينت ولا انفكاك عنها حسنت الإقامة، لما في الخروج من العبث الذي لا يليق بالعقلاء”.

أقول: نلاحظ أنه تم تكييف الصحيح وتصرفاته في البلد الذي يقع فيه الموت كتصرفات المريض مرض الموت، وان كان حالته انه صحيح معافى وليس بمريض، والسبب ان المنطقة الجغرافية باتت موبوءة، وتعينت المفسدة في هذه المنطقة الموبوءة وهو ملازم لها غير منفك عنها فتعين انه في حكم المريض حكما لا حقيقة بل في حكم المريض مرض الموت لان الطاعون يعتبر من الامراض المميتة. اذن الصحيح اكتسب هذا الحكم الاعتباري ليس بالنظر الى بدنه وعافيته انما اكتسب هذا الحكم الاعتباري نتيجة ملازمة للمنطقة الجغرافية الموبوءة بمرض الطاعون.  وعليه ووفق هذا التصنيف الاعتباري الحكمي وليس الحقيقي بات لا يليق به الخروج من هذا البلد الموبوء وأصبح الخروج من باب العبث الذي لا يليق بالعقلاء.

يستمر ابن حجر العسقلاني رحمه الله في التعليل فيقول:” وأيضا لو توارد الناس على الخروج، لبقي من وقع به عاجزا عن الخروج، فضاعت مصالح المرضى، لفقد من يتعهدهم، والموتى لفقد من يجهزهم. ولما في خروج الأقوياء على السفر من كسر قلوب لا قوة له على ذلك. وقد قيل في الحكمة في شدة الوعيد على الفرار من الزحف: لما فيه من تخويف الباقين وازعاجهم وخذلان من كان مستمرا في القتال”

أقول: هنا التعليل بالمصالح والتعاون بين شرائح المجتمع، فالفئة من الناس التي يغلب على الظن انها صحيحة وغير مصابة ولم يظهر عليها عوارض الطاعون لو غادرت البيئة الموبوءة ستغادر لوحدها وتترك خلفها المرضى، وفيه ضرر واضح من عدة نواحي:

لذا كان تشبيه ترك المرضى بسبب الطاعون كالفرار من الزحف وترك سائر الجنود في المعركة وهذا يؤدي الى خذلانهم وهزيمتهم.

نلاحظ هنا في هذا التعليل انه افترض ان من لم يصبه مرض الطاعون وهو سليم صحيح تكلّف بمهمه للصالح العام وحتى لو تم تعريضه للخطر بالإصابة او العدوى إذا انه بمنزلة من يقوم بواجبات فرضها الشارع عليه ولو كان المقابل التضحية بنفسه تماما كمن يكون في القتال مع احتمالية نيله الشهادة في سبيل الله وربما لا يقتل في المعركة.

ثم ينتقل ابن حجر العسقلاني رحمه الله بالاستشهاد بما ورد عن العزالي ((450 هـ – 505 هـ) فيقول:” وقد جمع الغزالي في الاحياء بين الامرين، فقال: الهواء لا يضر من حيث ملاقاته ظاهر البدن، بل من حيث دوام الاستنشاق، فيصل الى الرئة والقلب فيؤثر فيهما، ولا يظهر على الظاهر الا بعد التأثير بالباطن؟ فالخارج من البلد الذي يقع به، لا يخلص من الاثر إذا استحكم من قبل، ولكنه يتوهم الخلاص، فيصير من الاوهام القادحة في التوكل. ثم انضاف الى ذلك، انه لو رخص للأصحاء في الخروج لما بقي من يتعهد المرضى، وتضيع مصالحهم “

أقول: ما نقله ابن حجر العسقلاني رحمه الله عن الامام الغزالي رحمه الله انه ربما يصاب الصحيح بالمرض دون ان تظهر عليه عوارضه وذلك. اذ ان ظهور المرض يتم بعد التأثير بالباطن ومن دوام الاستنشاق، وفي عدم ظهور عوارض المرض لا يعني ان الصحيح غير مصاب. فخروجه من البلد على انه غير مصاب يدخل في التوهم وهذا على خلاف مبدا اعقل وتوكل. والامر الاخر على فرض انه صحيح فانه لا رخصة له بالخروج وذلك لمصلحة المرضى وتعهدهم.

 

 ومن التعليل أيضا يقول ابن حجر العسقلاني رحمه الله :” ومنها ما تقدم من أن الخارج يقول: لو لم أخرج لمت، ويقول المقيم: لو خرجت كما خرج فلان لسلمت. فيقع في الـ ” لو” المنهي عنها. والى هذا مال ابن عبد البر فقال:” النهي عن الخروج للأيمان بالقدر، والنهي عن القدوم لدفع ملامة النفس. ونقل عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: الطاعون فتنة للمقيم والخارج عنه. فذكر نحو ما تقدم مع ما في الخروج من الفرار من حكم قدرة الله تعالى، وامر بالصبر عليه، وجعل الموت به أجر شهيد. بل للمقيم صابرا محتبسا مثل اجر شهيد، ولو لم يمت بالطاعون، كما تقدم تقريره. ففي الفرار من هذا خسارة كبيرة من الاجر، مع الجهل بان الموت الذي فر منه: هل يسلم منه أو لا كما قال تعالى ((قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا ((. وقال ابن العربي في ” شرح الترمذي”: حكمة النهي عن الفرار، لئلا يموت فينسب الى الطاعون، وانما هو أجل حضر، والأسباب لا يضاف اليها كل ما وجد عندها، وانما يضاف اليها ما أضافه الشرع. وقيل انما منع منه لان سبب المرض تحكم، وقيل لئلا يُتْرَك المرضى بغير قيّم عليهم”.

 

أقول: الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان.”  فـ ” اللو” هنا باب من أبواب الشيطان، فلا المقيم ولا الخارج ينسب موته ولا حياته الى السبب بل الى القدر حيث يحين الاجل ولا ينفع الفرار من الموت إذا حان الاجل. ثم الصبر والاجر، ثم الفرار من الشهادة خسارة كبيرة جدا وخاصة ان الفرار من الموت غير متحقق.

يستمر ابن حجر العسقلاني- رحمه الله تعالى-  أيضا قائلا ” وأما حكمة منع القدوم عليه، فالذي عندي أن الله تعالى أمر ألا يتعرض أحدٌ للحتف، وإن كان لا نجاة من قدر الله، إلا أنه من باب الحذر الذي شرعه. وفيه الصيانة عن الشرك، لئلا يقول القائل: لو لم أدخل لم أمرض، ولو لم يدخل فلان لم يمت. قال: وقيل: إن حكمة منع الدخول، لئلا يتعلق بهم من الوهم أكثر مما يتعلق بالخارج والله أعلم” 

أقول: هنا يتطرق ابن حجر العسقلاني للحكمة لمنع القادم الى البيئة الموبوءة بمرض الطاعون، والامر الأول ألا يتعرض لأسباب الموت حيث أوجب الشرع ذلك، مع أنه لا شيء يمكن أن يرد الموت إذا جاء الاجل لكن من باب الحذر الذي امر به الشرع. وحتى لا تصدر تصريحات ينسب فيها الموت الى السبب وهذا شرك بحد ذاته فمنعه من القدوم هو وقاية من الشرك في الاعتقاد أن السبب الذي يحي أو يميت.

الخلاصة:

  1. تلبس من تواجد في البقعة الجغرافية بهذا المرض وان لم يظهر عليه العوارض سبب كاف لمنعه عن الخروج.
  2. توصيف من تلبس بهذه المنطقة الموبوءة وتصرفاته على أنه مريض حكما  لا  حقيقة.
  3. المصلحة العامة التي تفرض وجود من يقوم على رعاية المرضى ودفن الموتى.
  4. الدعم النفسي والمعنوي للمرضى.
  5. نيل الشهادة في سبيل الله تعالى وهي الخيار الأفضل للموت من الموتة العادية.
  6. عدم الوقوع في محاذير تنافي العقيدة الإسلامية وتؤدي بصاحبها الى الشرك.
  7. والمنع من القدوم لعدم التعرض لأسباب الهلاك.

هذه الحكم والعلل التي عليها بني حكم النهي عن الدخول والقدوم الى البلد الموبوءة في مرض الطاعون.

هل يمكن القول إن علة نهي الصحيح من الخروج من بلد الطاعون هو من اجل المصلحة العامة التي تتعلق بحقوق المسلمين من مرضى الطاعون، حيث يتوجب على تقديم الدعم الصحي والنفسي والتطبيب للمرضى والدفن للموتى ولا يتركون هكذا بلا عناية ولا رعاية وكانت المنزلة لهذه التضحية درجة الشهادة، والصبر والثبات وتعزيز العقيدة في القلوب ان المحي والمميت هو الله عز وجل. والأمر الاخر أن النهي عن الخروج لسبب خفي في الأوبئة المعدية اذ ان عوارضها لا تظهر على الصحيح ابتداء وربما تظهر لاحقا، فيكون بخروجه قد نقل الوباء الى منطقة غير موبوءة لذا فهو في حكم المريض حكما لا حقيقة بسبب البيئة الموبوءة التي تلبس وتداخل بها وان بدا وظهر صحيحا معافى. إذا كانت التعليل على النحو فهل يمكن تخريج مناط حكم النهي بعلل أعمق في زماننا بعد التقدم العلمي في علم الأوبئة؟

سيتم التوسع فيما خلصت اليه وسيضم لها شروحات أصولية أخرى في هذه المسالة ونقل آراء المذاهب الفقهية في الفروع، ومن ثم جمع متون كورونا   لنشر بحث آخر تحت عنوانجامع المتون في جائحة فيروس كورونا   ” COVID-19 لبيان أوجه الشبه والاختلاف في القياس على مرض الطاعون” وآخر تحت عنوانمناعة القطيع في جائحة فيروس كورونا COVID-19 في ميزان الشريعة”.

 

تم بحمد الله وفضله.

 

 

 

 

 

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017