جواز طواف الافاضة للحائض

الأحد 3 سبتمبر 2017
شارك المقال

علماء الامة يرجحون في زماننا قول شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- القائل  “بجواز طواف الافاضة للحائض”

“سئل شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية – رحمه الله – عن طواف الحائض لتكميل حجها، فأجاب بما يدل على جواز طوافها للضرورة والحاجة، واسند قوله بالادلة الواضحة ، والبراهين القطعية،  واحسن التاويل وأورد هذه المسألة والأجوبة عليها من صفحة 436 إلى 456 من المجلد الثاني من الفتاوى”أهـ

لم يعد عالم واحد على وجه الارض يفتي بان الحائض وجب عليها الانتظار حتى  تطهر لتطوف طواف الافاضة فيما يخص الحجاج من خارج المملكة  ، لان تفويج الحجاج مرهون بمواعيد سفر توجبها الأنظمة المعاصرة ، ولم يعد البقاء في مكة  تحت ارادة واختيار الحجاج، فالطائرات والحافلات والسفن تسير وفق جدول زمني اجباري ليس للحاج أي اختيار فيه، وعليه ما كان امام العلماء الا ترجيح فتوى شيخ الاسلام ابن تيمية ومن معه من العلماء بجواز طواف الحائض، مع ان في زمانه لم يكن جدول زمني مرتبط بالطائرات مثلا، لكنه حسب وجهة نظري غير مقتنع ابدا  بان الحيض يعيق مناسك الحج ، وقد ناقش ابن تيمية رحمه الله   الأدلة بعمق وخاصة  ما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «الحائض تقضي المناسك كلها إلا الطواف بالبيت»( وقال لعائشة: «اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري»، وصح عنه أنه قال: «لا يطوف بالبيت عريان» وقد أحسن النقاش والتأويل فتبنى اكابر علماء هذه الامة راي شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله تعالى .

 

سئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : امرأة حاضت ولم تطف طواف الإفاضة وتسكن خارج المملكة وحان وقت مغادرتها المملكة ولا تستطيع التأخر ويستحيل عودتها للمملكة مرة أخرى فما الحكم ؟

فأجاب : “إذا كان الأمر كما ذكر امرأة لم تطف طواف الإفاضة وحاضت ويتعذر أن تبقى في مكة أو أن ترجع إليها لو سافرت قبل أن تطوف ، ففي هذه الحالة يجوز لها أن تستعمل واحداً من أمرين : فإما أن تستعمل إبراً توقف هذا الدم وتطوف ، وإما أن تتلجم  بلجام يمنع من سيلان الدم إلى المسجد وتطوف للضرورة ، وهذا القول الذي ذكرناه هو القول الراجح والذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية “.

 

يقول الشيخ الدكتور القرضاوي :

“أجاز شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم للحائض أن تتحفظ أى تضع قطنة حتى لا ينـزل منها دم وتطوف وتسعى لأن هذه الأشياء الإنسان مطالب أن يؤديها عند القدرة، وعند العجز تسقط عنه كما قال الله تعالى (فاتقوا الله ما استطعتم) وقال النبي صلى الله عليه وسلم “إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم” ولا يكلِّف الله نفساً إلا وسعها” حتى قالوا وليس عليها دم ولا شيء لأنها أدت ما قدرت عليه”

ويتم القرضاوي كلامه  بخصوص طواف الوداع للحائض فيقول :

ان المتفق عليه أن طواف الوداع ليس من أركان الحج، ركن الحج هو طواف الإفاضة ،إنما طواف الوداع إما واجب وإما سنة، والنبي صلى الله عليه وسلم قال للمرأة الحائض أن تسافر دون طواف الوداع لأنه ليس أمراً أساسياً، فالحج إن شاء الله صحيح وهو مقبول إن شاء الله. انتهى

ويقول الإمام ابن القيم بعد أن أورد آراء العلماء كلها في المسألة :

لا ريب أن النبي صلى الله عليه وسلم أسقط طواف القدوم عن الحائض وأمر عائشة لما قدمت وهي متمتعة فحاضت أن تدع أفعال العمرة وتحرم بالحج فعلم أن الطواف مع الحيض محظور لحرمة المسجد أو للطواف أو لها، والمحظورات لا تباح إلا في حالة الضرورة ولا ضرورة بها إلى طواف القدوم لأنه سنة بمنزلة تحية المسجد ولا إلى طواف الوادع فإنه ليس من تمام الحج ولهذا لا يودع المقيم بمكة وإنما يودع المسافر عنها فيكون آخر عهده في البيت فهذان الطوافان أمر بهما القادر عليهما إما أمر إيجاب فيهما أو في إحداهما أو استحباب كما هي أقوال معروفة وليس واحد منهما ركنا يقف صحة الحج عليه ” .أ.هـ

 

اقول لاهل العلم والاصول : اصحاب وتلاميذ الامام مالك رحمهم الله تعالى ناقشوا مسالة طواف الحائض قبل شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله، ولم يكن هنالك حينها تفويج اجباري للحجاج، ولكنهم ناقشوها من باب ان احتباس المجموعة من اجل الحائض او احتباس محرمها فيه مشقه كبيرة، ثم شرعوا في البحث عن مخارج لتاويل  النصوص الشرعية الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الا أن جاء شيخ الاسلام ابن تيمية وغاص في النصوص لعمق اكبر  ووجهة نظري لمن درس الاصول واستخراج العلل انه  لا بد من الوصول  الى عمق اغمق من النقطة التي وصل اليها شيخ السلام ابن تيمية رحمه الله واعتبارها وصف واحد من مجموعة اوصاف يجب اكتشافها  ، فالامة الاسلامية انتظرت حتى سنة 700 للهجرة اي قدوم ابن تيمية رحمه الله ليغوص في عمق النص الثابت بادوات التاويل والتنقيح والتحقيق ، وقد سبقه من هو اعلم منه واشار الى المسالة لكنه لم يناقشها بعمق ابن تيمية رحمه الله. اليوم 1438هـ رايه السائد والمشهور. ففي الحساب البسيط الرسول حج 10 هـ وابن تيمية جاء 700 هـ وحتى اقتنع جميع اهل العلم 1438هـ. بمعنى يستغرق :700 سنة يستغرق الوقت لمراجعة النصوص والكشف عن معاني اخرى محتملة يحتملها النص، وهنالك من يختار للامة الاسلامية  البقاء اسيرة افهام السابقين وحتى لو وقعت في الحرج. خذ على سبيل المثال لولا الاف القتلى نتيجة فتوى الرجم عند الزوال ما تحركت افهام العلماء الى افهام اخرى للنصوص محتملة .وعلى هذا المنوال يمكن ان تقيس كيف تتعامل الامة مع الافهام السابقة في كل المجالات  وهي ظنية على انها افهام قطعية غير قابلة للنقاش .

يجب علينا ان لا نتتظر 700 سنة اخرى للغوص من جديد في كل ما يتعلق بالاحكام التكليفية التي تسبب المشقة والحرج للامة وفق الطرق والشروط والضوابط والمسالك والادوات التي اتفقت عليها الامة…لا ان  نظل في حرج شديد نتيجة افهام لنصوص تحتمل افهاما. تماما كما فعل شيخ الاسلام ابن تيمية في مسالة طواف الافاضة للحائض استطاع ان ان يناقش النصوص ويستخرج منها افهاما اخرى محتملة وليست شاذة ولا بعيدة حتى اصبحت الامة اليوم في معظمها تتبنى رايه.

 

الشيخ رائد بدير – عضو هيئة العلماء في القدس الشريف

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017