حاجة فقهاء ” فلسطين  ” الى الاجتهاد التطبيقي وتحقيق المناط العام والخاص واعمال خطط  الطوارئ التشريعية في المرحلة القادمة

الإثنين 16 أكتوبر 2017
شارك المقال

 

حاجة فقهاء ” فلسطين  ” الى الاجتهاد التطبيقي وتحقيق المناط العام والخاص واعمال خطط  الطوارئ التشريعية في المرحلة القادمة

 

تحقيق المناط بنوعيه العام والخاص هو شبكة حماية وأمان للمجتهد التطبيقي الذي ينظر ويحقق في الحالات أو الصور المعروضة له ، وهذه الشبكة تحميه من التطبيق التقليدي والعشوائي للأحكام ، وهذه الحماية المتمثلة بتحقيق المناط الخاص تجعله ينتقل من تطبيق المناط العام على التصرفات أو الأقوال إلى المناط الخاص بعد التحقيق والنظر فيلجأ أحيانا إلى تطبيق خطط الطوارئ الشرعية أمثال الاستحسان وسد الذرائع أو مراعاة الخلاف وفتح الذرائع ، وتلك الخطط كانت أثرا لتحقيق المناط الخاص كل ذلك حماية لذات الشريعة الإسلامية من أن تعود على نفسها بالتناقض أو الهدم. وحماية للمصلحة ورفع الحرج عن الامة والمجتمع والفرد من هنا ، كان ينبغي دراسة هذه الاصول الشرعية حتى لا نظل في ضمن الاحكام العامة التقليدية التي ربما ان ابقيناها للتطبيق تتعارض كليات الشريعة واصولها وربما بسببها نرتكب أسوأ المظالم للفرد والمجتمع والامة.

نحن الفلسطينيون نعيش وفق ظروف طوارئ وليست اعتيادية في غزة والضفة والقدس والداخل, والواجب ان نستقي من احكام الشرع ايضا خطط الطوارئ التي وضعت لنفس الظروف، وحتى لا يكون الدين والتشريع خاضعا لأهوائنا هنالك مسالك ومعايير وضعتها الشريعة الاسلامية للحكم على أي طارئ اهو فعلا طارئ يستحق حكم الطوارئ ام لا , وآلية تنفيذ ذلك والتحقق من ذلك تمثلت بتحقيق المناط العام والخاص بنوعية  ويشمل ذلك جميع مجالات الحياة الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية .

من هنا نحن في الداخل الفلسطيني استند  مؤسس الحركة الاسلامية الشيخ عبدالله نمر درويش  رحمه الله الى حركة اصولية فقهية استطاعت ان تماشي المتغيرات  الفكرية عند  الحركة  انطلاقا من الدعوة الى اسرة الجهاد الى ميادين السياسية كلها , حركة فكرية اسلامية بحاجة الى حركة اصولية فقهية تسندها وتوجهها , كنا نشد الرحال الى كبار علماء الامة لنعلمهم بالمتغيرات وكانوا يوافقون ما نعمل لكنهم لا يظهرون ذلك على وسائل الاعلام احتراما للخط العام.

كثير من الابحاث الجامعية ومنها رسائل ماجستير ودكتوراه تم بحثها مما يخص شاننا الداخلي ، ، ولم نسلك الا المسلك العلمي الصحيح في الفقه واصوله ، وكما كان الشيخ عبدالله نمر درويش رحمه الله  شجاعا في ميدان الفكر كنا شجعانا في ميدان الفقه واصوله حتى اننا جلسنا الى اكابر علماء الامة من الصف الاول لنطرح عليهم وجهة نظرنا دون خور او خوف اضطراب في كل شيء يتعلق بحياتنا واصدرنا مؤلفات في ذلك.

ان فلسطين مقبلة على مرحلة حرجة ، وان الحركة الفكرية الاسلامية   ستواجه متغيرات ربما في المرحلة القادمة الامر الذي لا بد إن  يواكبها حركة فقهية اصولية تتناول العلم وفق اصوله ليسند  الفكر المتغير. والشريعة الاسلامية غير عاجزة عن اعطاء الحلول مهما كانت الظروف ففيها من الخطط الاصولية تكفي لرفع الحرج عن الفرد  والمجتمع والامة . لذا كان لا بد  من العودة الى الدراسات الاصولية لتبنى عليها احكاما شرعية ليست عامة ولا وفق الخط العام بل وفق خطط الطوارئ التشريعية ومفتاح  كل ذلك في فهم ما يسمى عند الاصوليين تحقيق المناط العام والخاص. من هنا نبعت الحاجة الى هذه الورقات الاصولية .

ان ترك القيادات الاسلامية الفكرية لوحدها تسير نحو متغيرات دون ان تواكبها حركة   اصولية فقهية تحتملها الشريعة وهي من صلبها لمساندتها يجعل الشباب في حيرة ما بعدها حيرة فمحرم الامس اصبح فريضة اليوم, وان واجب علماء  الفقه والاصول دورهم في مساندة المتغيرات الفكرية الاسلامية على الساحة الفلسطينية ودعم المشروع الوطني الموحد وتخريجه وفق خطط الطواريء الشرعية .وهذه الورقة الاصولية هي المفتاح وهي المسلك العلمي الاصولي الصحيح لمعالجة المتغيرات والحكم على الواقع وفق الظروف المستجدة.

 

تحقيق المناط لغة

التحقيق في اللغة العربية له معان كثيرة كلها مرتبطة ببعضها بعضا منها ما قاله ابن منظور في لسان العرب : ” يقال حق الأمر يحق حقا وحقوقا : صار حقا وثبت ، واحق الأمر أثبته وصار عنده حقا لا يشك فيه، ويقال : حقق الرجل إذا قال هذا الشيء هو الحق كقولك صدق ، ويقال أحققت الأمر إحقاقا إذا أحكمته وصححته ، وحقق قوله وظنه تحقيقا أي صدق ، وكلام محقق أي رصين ، والحقّة : حقيقة الأمر ، وثوب محقق إذا كان محكم النسج ، وأنا حقيق على كذا أي حريص عليه”[1]. وجاء في مختار الصحاح : ” أحق الشيء حققه وصار منه على يقين ، وأحقه غيره أوجبه واستحقه أي استوجبه ، وتحقق عنده الخبر أي صح عنده الخبر، وحقق قوله وظنه تحقيقا أي صدقه”[2] .

ونلحظ من خلال التعريف اللغوي أن لفظ التحقيق يشتمل على معان عديدة منها الثبات والتثبيت، والإحكام والحرص والتصحيح ، فنقول مثلا كتاب محقق أو هذا الكتاب محقق وقد حققه فلان، أي أن فلان نظر في هذا الكتاب وصحح ما فيه من أخطاء وثبت ما فيه من معلومات ، وأشار إلى ما ليس له اصل مما وضع في الكتاب حتى اصبح الكتاب محققا ، ويقال  مثلا تحققت وفاة فلان أي صحت وفاة فلان ،

 تعريف المناط لغة:

المناط مصدر ميميّ بمعنى اسم المكان وهو مشتقّ من لفظ الفعل ناط، وناط الشّيء: علّقه. ونيط عليه الشّيء علّق عليه. ونيط به الشّيء علّق، ومنه ذات أنواط اسم شجرة كانت تعبد في الجاهليّة وكانت للمشركين ينوطون بها سلاحهم أي يعلّقونه بها “[i]. فعن أبي واقد اللّيثي  أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لمّا خرج إلى حنين مرّ بشجرة للمشركين يقال لها ذات أنواط، فقالوا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: سبحان الله هذا كما قال قوم موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة والّذي نفسي بيده لتركبنّ سنّة من كان قبلكم”[ii]. وفي الحديث كذلك عن جابر بن عبد الله أنه كان يحدث أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال أوى اللّيلة رجل صالح أن أبا بكر نيط برسول الله صلى الله عليه وسلّم ونيط عمر بأبي بكر ونيط عثمان بعمر فلما قمنا من عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قلنا أمّا الرجل الصالح فرسول الله صلّى الله عليه وسلّم من نوط بعضهم لبعض فهم ولاة هذا الأمر الّذي بعث الله به نبيّه صلى الله عليه وسلّم”[iii] والنوط: كل ما يتعلّق بشيء ويقال منح فلان نوط الجدارة .والتُّنوِط: بضم التاء وكسر الواو اسم طائر يدلّي خيوطه وينسج عشّه كقارورة الدّهن منوطا بتلك الخيوط.

والمناط: موضع التّعليق لذا يقال هو منّي مناط الثّريّا أي شديد البعد، وفلان مناط الثّريّا أي شريف عالي المنزلة”[iv]. يتبيّن من التّعريف اللّغويّ أنّ المقصود بالمناط هو محلّ الإناطة وموضع التّعليق فعندما نقول مثلا نطت الحبل بالوتد فالمحلّ الّذي علّقت عليه الحبل يسمى المناط وهذه في المحسوسات وتقول مثلا أمر الهزيمة والنّصر منوط بمشيئة الله تعالى، أو فوز فريق كرة القدم منوط بقوة إرادتهم، وهذا كلّه يفيد أنّ المناط لغة معناه محلّ الإناطة وموضع التّعليق.

 تحقيق المناط في الاصطلاح

تقاربت تعريفات علماء الأصول لتحقيق المناط في اصطلاحهم على خلاف ما مر في تنقيح المناط ، ولعل أهم أسباب ذلك التقارب ، هو اتفاقهم على هذا النوع من أنواع الاجتهاد والنظر في العلة يقول التفتازاني : ” ولا يعرف خلاف في صحة الاحتجاج  به –أي تحقيق المناط- إذا كانت العلة معلومة بنص أو إجماع “[3] ، ويقول الغزالي : ” أما الاجتهاد في تحقيق مناط الحكم فلا نعرف خلافا بين الأمة في جوازه ، وهو ضرورة كل شريعة “[4] . وقد عرفه الآمدي بقوله: ” أما تحقيق المناط فهو النظر في معرفة وجود العلة في أحاد الصور ، بعد معرفتها في نفسها ، أما إذا كانت معروفة بالنص ، فكما في جهة القبلة فإنها مناط وجوب استقبالها، وكون هذه الجهة هي جهة القبلة في حالة الاشتباه فمظنون بالاجتهاد والنظر ، وأما إذا كانت العلة معلومة بالإجماع  فكالعدالة فإنها مناط وجوب قبول الشهادة ، وهي معلومة بالإجماع، وأما كون الشخص عدلا فمظنون بالاجتهاد ، وأما إذا كانت مظنونة بالاستنباط ، فكالشدة المطربة ، فإنها مناط تحريم الشرب في الخمر ، فالنظر في معرفتها في النبيذ هو تحقيق المناط . “[5]، وذكر الزركشي تعريفه لتحقيق المناط قائلا : ” أما تحقيق المناط فهو أن يتفق على علية وصف بنص أو إجماع ، فيجتهد في وجودها في صورة النزاع ،كتحقيق أن النباش سارق، وكأن يعلم وجوب الصلاة إلى جهة القبلة ، ولكن لا يدرك جهتها إلا بنوع نظر واجتهاد” [6]. وذكر ابن السبكي تعريفه بقوله : “وأما تحقيق المناط فهو أن يتفق على علية وصف بنص أو إجماع ويجتهد وجودها في صورة النزاع كالاجتهاد في تعيين الإمام وكذا تعيين القضاة والولاة وكذا في تقدير التعزيزات وتقدير الكفاية في نفقة القريب وإيجاب المثل في قيم المتلفات وأروش الجنايات وطلب المثل  في أجزاء الصيد”[7].  وقال ابن قدامة : “وأما تحقيق المناط فنوعان: أحدهما لا نعرف في جوازه خلافا ، ومعناه ان تكون القاعدة الكلية متفقا عليها ، أو منصوصا عليها ويجتهد في تحقيقها في الفرع ، كالاجتهاد في القبلة ، فوجوب التوجه إلى القبلة معلوم بالنص ، أما أن هذه جهة القبلة فيعلم بالاجتهاد ، والثاني :ما عرف علة الحكم فيه بنص أو إجماع ، فيبين المجتهد وجودها في الفرع باجتهاده مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم في الهر: “إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات “[8]  ، جعل الطواف علة فبين المجتهد باجتهاده وجود الطواف في الحشرات من الفارة وغيرها ليلحقها بالهر في الطهارة “[9] . ويرى الدريني أن تحقيق المناط هو :  ” إثبات مضمون القاعدة العامة ، أو الأصل الكلي ، أو العلة في الجزئيات إبان التطبيق ، بشرط أن يكون كل من المضمون والعلة متفقا عليه ، فهو ضرب من الاجتهاد بالرأي في التطبيق الذي لا يمكن أن ينقطع حتى فناء الدنيا ، وبيان ذلك أن تطبيق كل من القاعدة العامة ، أو الأصل اللفظي العام ، أو الأصل المعنوي العام ، المتفق على حجية كل أولئك بين الأئمة والمجتهدين على الجزئيات والفروع المستجدة أو المعروضة ، إذا تحقق معناه فيها كملا والمجتهد والفقيه هو الذي يثبت هذا التحقيق والحصول بالبحث والاجتهاد كما يشمل مفهومه أيضا، إثبات وجود علة حكم النص الجزئي المتفق عليها في ذاتها  في الفرع ، الذي لم يرد فيه نص أبان إجراء القياس الأصولي ،سواء أكانت تعرف تلك العلة في ذاتها ، عن طريق النص الشرعي أو الإجماع أو الاستنباط” [10].  ويرى الشاطبي أن تحقيق المناط نوع من أنواع الاجتهاد المتعلق بالمكلفين كافة ولا يمكن أن ينقطع إلى قيام الساعة حيث يقول : “الاجتهاد على ضربين أحدهما لا يمكن أن ينقطع حتى ينقطع اصل التكليف ، وذلك عند قيام الساعة ، وهذا اجتهاد المتعلق بتحقيق المناط وهو الذي لا خلاف بين الأمة في قبوله، ومعناه أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي لكن يبقى النظر في تعيين محله”[11] .

يظهر من تعريفات الأصوليين أعلاه أن تحقيق المناط نوعان ، نوع عام ، ونوع خاص ، وسنفرد لكل واحد من النوعين مطلبا خاصا به ، والملاحظ أيضا من خلال جميع التعريفات السابقة أنها تصب في معنى واحد ومتشابه جدا ، وحاصلها التحقيق من وجود مناط الحكم في الواقعة المحكوم فيها أو عدم وجوده ، أو بمفهوم آخر البحث عن وجود وصف اعتبره الشرع علة للحكم فيما هو منصوص عليه في الواقعة الجديدة غير المنصوص عليها ، وهو بهذا ضرب من الاجتهاد التطبيقي للقواعد العامة أو الأصول الكلية أو للعلة في الجزئيات ، وقد لمسنا من خلال التعريف أن هذا الضرب من الاجتهاد ضرورة  لكل شريعة وقانون ، وانه لا ينقطع مهما تبدل الزمان وتغيرت الأحوال ، بل هو حاجة الولاة والائمة والفقهاء ، يقول د.عبد المجيد النجار: “ولما كانت الأحكام المراد تنزيلها أحكاما كلية عامة تتناول أجناس الأفعال والأنواع بحيث لا تسع أفعال الإنسان في تعددها لتعدد الأفراد ، وفي   تغايرها وتجددها بتجدد الزمن ، فان إرجاع هذه الأفراد من الأفعال المتعددة الكثيرة المتغايرة المتجددة إلى تلك الأحكام الكلية العامة لتوجهها، بما يحقق المصلحة ويستلزم جهدا عقليا عظيما متعدد المظاهر متحد الغاية ، وذلك الجهد هو الاجتهاد في التنزيل الذي سماه الشاطبي الاجتهاد لتحقيق المناط”[12] .

والملاحظ من ذلك أن الوظيفة الأساسية لتحقيق المناط هي ضمان تحقيق العدل والعدالة عند إنزال الأحكام سواء كانت عامة تتعلق بالأنواع أو خاصة تتعلق بالأشخاص ، والغرض الأساسي لتحقيق المناط أن ينظر في الصور العملية لافعال الناس وملاءمة تلك الصور بعد الفحص والنظر والأخذ بالاعتبار حتى حالة المكلف نفسه وما يصدر عنه من تصرفات في حالات معينة، والنظر في آثار تلك التصرفات وغايتها ليرجع كل نوع من تلك الأنواع أو تصرف من تلك التصرفات إلى جنسه في الشريعة فيشمله حكمه . وهذه الوظيفة تستلزم جهدا عقليا عظيما تماما كعملية تشخيص المرض لاختيار العلاج المناسب ، والغاية الكبرى من كل هذا هو تحقيق المصلحة التي توخاها الشرع عند تنزيله للشريعة ، ولأهمية قاعدة تحقيق المناط العظمى قال الخضري : ” إن تحقيق المناط لا يستغني عنه فقيه ولا عامي”[13]. وهذا يدعونا للبحث عن اصل تلك القاعدة وهو ما سنبحثه في المبحث التالي إن شاء الله.

اصل قاعدة تحقيق المناط

مر معنا في المبحث السابق أن تحقيق المناط كما قال الشيخ الخضري رحمه الله لا يستغني عنه فقيه ولا عامي ومر معنا انه ضرورة لكل شريعة، وهو نوع من أنواع الاجتهاد بالرأي في التطبيق الذي لا ينقطع حتى ينقطع اصل التكليف ، يقول الدريني : ” إن مبدأ تحقيق المناط الثابت بإجماع الأصوليين والفقهاء ، – وهو مقتضى للتشريع نفسه –  لا يقل عن الاجتهاد بالرأي فيه ، خطرا واثرا ، عن الاجتهاد بالرأي في الاستنباط ،  إذ تتعلق بالتطبيق العملي ثمرات التشريع الإسلامي كله ، بل ومقصد الشارع من إنزال الشريعة لتدبير الحياة الإنسانية على وجه الأرض ، وإلا فاستنباط الأحكام نظريا لا يغني عن تطبيقها عمليا، واجتناء ثمراتها في مواقع الوجود “[14] .

أما قصد الشارع من إنزال الشريعة فيقول الشاطبي : ” والمعتمد إنما هو أنا استقرينا من الشريعة أنها وضعت لمصالح العباد استقراءً لا ينازع فيه الرازي ، ولا غيره”[15] . ويقول د.حامد العالم : “وما من حكم شرعي إلا وهو يحقق مصلحة أساسها المحافظة على النفس أو العقل أو الدين أو النسل أو المال ، وان هذا يبدو من الشريعة في جملة مقاصدها ، ولا يمكن أن يكون حكم شرعي إلا هو متجه إلى ناحية من هذه النواحي”[16] .

إذن الهدف والغاية من إنزال الشريعة الإسلامية هو تحقيق مصلحة الإنسان وخيره في الدنيا والآخرة ، وان كل نص من نصوص الشريعة الإسلامية يحمل بين ثناياه مصلحة تتحقق فور تنفيذه أو العمل به، وقاعدة تحقيق المناط هي بمثابة شبكة الأمان التي تضمن تحقيق المصلحة المنشودة عند تطبيق الأحكام الشرعية، وهي بمثابة الموجه الذي لا يمكن لاحد أن يستغني عنه عند تطبيق الأحكام ، فالأحكام الشرعية ما هي إلا وسائل لغايات ، والغاية الكبرى من هذه الوسائل هو تحقيق مصلحة الإنسان ولهذا قال د. علي السرطأوي : “تتميز المشروعية الإسلامية عن القانون الوضعي في أنها لا تكتفي فقط بمعيار الصحة والبطلان ، للحكم على التصرفات بل نجدها تنقل حكم التصرف من الإباحة إلى الندب ثم إلى الوجوب ، ومن الإباحة إلى الكراهة فالتحريم “[17] . وهذا الحكم على التصرف وتدرجه بداية من الوجوب انتهاءً إلى التحريم إنما يؤكد أن  الأحكام الشرعية ما هي إلا وسائل لغايات، ولا يتم التحقق من أن الحكم المرتبط بغاية وهدف يحقق المقصود من تشريعه ابتداء إلا بعد النظر والتدقيق عند تطبيقه ، لذا أنشأت الشريعة الإسلامية نوع من أنواع النظر والاجتهاد يضمن تحقيق المصلحة المقصودة من تشريع الأحكام وهذا النوع هو قاعدة تحقيق المناط يقول الشاطبي : “لما ثبت أن الأحكام شرعت لمصالح العباد ، كانت الأعمال معتبرة بذلك لانه مقصود الشارع منها ، فإذا كان الأمر في ظاهره وباطنه على اصل المشروعية فلا إشكال ، وان كان الظاهر موافقا ، والمصلحة مخالفة ، فالفعل غير صحيح وغير مشروع ، لان الأعمال الشرعية ليست مقصودة بنفسها وإنما قصد بها أمور أخرى هي معانيها وهي المصالح التي شرعت لاجلها ،فالذي عمل من ذلك على غير هذا الوضع ، فليس على وضع المشروعات “[18] . ويضيف الأستاذ  الدريني شارحا هذا الكلام : “الشريعة الإسلامية لم تشرع الحقوق وما تستلزم من أعمال كغايات ، حتى يكون صاحبها مطلق التصرف فيها، بل شرعت كوسائل لتطبيق مصالح ، ووضعت الحقوق في يد الفرد لهذا الغرض، وبذلك اصبح كل حق في الشرع مقيدا بغايته، والانحراف عن هذه الغاية التعسف بعينه”[19] . ووجه إيراد هذا الكلام لنبين أن قاعدة تحقيق المناط هي وسيلة الكشف والنظر والتمحيص للحكم على التصرفات لتظهر أهي موافقة للشرع نصا وروحا ،منطوقا ومنطقا بداية وغاية ام لا؟ ولهذا انشأت هذه القاعدة الجليلة وأنيطت   بها تلك المهمة ، والأمثلة على ذلك كثيرة منها ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: ” لفظ الربا يتناول كل ما نهي عنه من ربا النسأ وربا الفضل، والقرض الذي يجر منفعة متناول لهذا كله ، لكن يحتاج في معرفة دخول الأنواع والأعيان في النص إلى ما يستدل به على ذلك ، وهذا الذي يسمى : تحقيق المناط  “[20]. وقال أيضا : ” كان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال : ” لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر”[21]. وعمل بهذا أهل الحديث ومتابعوهم فنهى عن بذل المال في المسابقة إلا في مسابقة يستعان بها على الجهاد ، الذي هو طاعة لله عز وجل ، فكيف يجوز أن يبذل الجعل لمن يعمل دائما عملا ليس طاعة لله تعالى ،وهذه قاعدة معروفة عند العلماء : لكن قد تختلف أراء الناس وأهواؤهم في بعض ذلك ، ولا يمكن هنا تفصيل هذه الجملة ولكن من له هداية من الله تعالى لا يكاد يخفى عليه المقصود من غالب الأمر، وتسمي العلماء مثل هذه الأصول تحقيق المناط”[22].

والمقصود من المثال أن العلماء متفقون أن يبذل الجعل في مسابقة يستعان بها على الجهاد، والجهاد هو طاعة لله تعالى إلا انهم يختلفون في صرف الجعل في إعمال تكون طاعة لله عز وجل ، والتي يمكن أن نعدها نوعا من أنواع الجهاد كالجهاد بالقلم أو الجهاد باللسان كالدعوة إلى الله عز وجل ، أو أن يصرف الجعل لأي عمل من الأعمال الدالة على البر وفعل الخير وهذا كله يختلف الناس فيه . بمعنى آخر قد يختلف العلماء في نوع العمل هل تتحقق فيه معاني الجهاد التي صرف الجعل لها أم لا ؟ حيث أن العلماء تسمي مثل هذا التحقق تحقيق المناط . بعد بيان اصل هذه القاعدة وبيان المهمة التي أنيطت بها لا بد أن نذكر أن جميع الخطط التشريعية والتي عنيت بتحقيق المصلحة والغاية من وراء إنزال الشريعة بحيث لا يعود تطبيق الحكم على عكس ما قصد منه عند تشريعه ، بل تبقى الغاية المتواخاه عند تطبيقه ثابتة لا تتغير ولا تتبدل ، جميع تلك الخطط التشريعية تندرج تحت هذه القاعدة العظيمة ، يقول الأستاذ الدريني : ” إن منشأ تحقيق المناط الخاص هو-كما قال الشاطبي-اصل النظر في مآلات الأفعال ، وتأسيسا على ذلك يندرج في هذه القاعدة مبدأ سد الذرائع ومبدأ فتح الذرائع والتعسف في استعمال الحق ومبدأ الاستحسان”[23] . كل مبدأ من هذه المبادئ تمثل خطة تشريعية تطبيقية هامة في حياة الأمة الإسلامية بكافة أشكالها السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية على مستوى الأمة أو قطر منها شعوبا وأفرادا ، وهذه المبادئ التي تندرج تحت قاعدة تحقيق المناط إنما هي على سبيل المثال لا الحصر وقد أفردنا فصلا كاملا نتـناول فيه بعض الخطط التشريعية التي تفرعت على قاعدة تحقيق المناط وسيأتي معنا في الفصل القادم إن شاء الله .

اثر تحقيق المناط على الحكم التكليفي

كنا قد انتهينا في المبحث السابق إلى أن اصل قاعدة تحقيق المناط ومهمتها التحقق من جني الثمرات من وراء إنزال الشريعة، وضمان أن الأحكام الشرعية موصلة إلى غاياتها والتي هي مصالح العباد كما أشار ابن القيم إلى أساس بناء الشريعة والغاية منها فقال : ” إن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد ، وهي عدل كلها ، ورحمة كلها، ومصالح كلها ، وحكمة كلها ، فكل مسالة خرجت عن العدل إلى الجور ، وعن الرحمة إلى ضدها ، وعن المصلحة إلى المفسدة ، وعن الحكمة إلى العبث ، فليست من الشريعة وان أدخلت فيها بالتأويل”[24] . ويمكن القول بعد النظر في عبارات ابن القيم ، أن الشريعة وضعت وبنيت على مصالح العباد لتحقيق العدل والعدالة ، فما من حكم تكليفي إلا من وراء تشريعه مصلحة وعدل ورحمة، فإذا خرج عن ذلك اصبح لا يمت إلى الشريعة بصلة ، وكان بعيدا كل البعد عن الشريعة، والمقصود بالحكم التكليفي كما ذكره البيانوني : ” اثر خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال العباد طلبا أو تخييرا”[25] . فالأحكام الشرعية التكليفية مرتبطة بغاياتها ، والهدف من اتباع تلك الأحكام أو تطبيقها والعمل بها الوصول إلى مراد الشارع منها ، وقد يتأثر الحكم الشرعي في الواقعة المعروف أنها مندرجة تحته والأصل أن ينزل على تلك الواقعة المعينة إلا انه يصار إلى غيره بحيث لو بقي على ما كان عليه لخرجت تلك المسالة عن العدل إلى الجور وعن المصلحة إلى ضدها وقد نقل الأستاذ الزرقاء قول العلامة ابن عابدين ” كثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغيير عرف أهله، أو لحدوث ضرورة أو لفساد  أهل الزمان ، بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه للزم منه المشقة ، والضرر بالناس ، ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد”[26].  وقد أكد الأستاذ الزرقاء رحمه الله ذلك بقوله: ” إن الأحكام الشرعية التي أسسها الاجتهاد في ظروف مختلفة عن الظروف الجديدة غير صالحة لتحقيق الغاية الشرعية من تطبيقها، فيجب أن تتغير إلى الشكل الذي يتناسب مع الأوضاع القائمة ، ويحقق الغاية الشرعية من الحكم الأصلي ، وذلك نظير السفينة الشراعية التي تقصد اتجاها معينا في ريح شمالية مثلا ، فان شراعها يقام على شكل يسير بالسفينة في الاتجاه المطلوب ، فإذا انحرف مهب الريح وجب تعديل وضع الشراع إلى شكل يضمن سير السفينة في اتجاهها المقصود ، وإلا انحرفت أو توقفت” [27].

وقد عقب د. علي السرطأوي على هذا المثال الرائع مبينا وشارحا من بيده صلاحية وسلطة التغيير قائلا : “وسلطة التغيير والتطوير هذه جعلتها الشريعة في يد العلماء وولاة الأمر لذا نجد المفتي الذي ينظر في حال كل شخص وفي كل واقعة بعينها ، ناظرا في طبيعة الشخص وقدرته، وما احتف الواقعة من ظروف ، ثم يعطي الحكم الشرعي المناسب الذي يكون محققا لمقصود الشارع”[28].  وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم-المرشد الأول لهذا المنهاج الصحيح والذي يعني بالفتوى ويحث المفتي على النظر والاجتهاد عند إنزال الفتوى على الواقعة المعروضة-تحقيق المناط-  ، حيث روى البهيقي في سننه عن جابر قال: ” خرجنا في سفر فاصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه ثم احتلم ، فقال لاصحابه:هل تجدون لي رخصة في التيمم ، قالوا : ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء ، فاغتسل فمات ، فلما قدمنا على النبي – صلى الله عليه وسلم – اخبر بذلك فقال : قتلوه قتلهم الله ، ألا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال ، إنما كان يكفيه أن يتيمم “[29] .

والملاحظ أن أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لم يلتفتوا إلى أي نص آخر غير النص العام  يتعاملون به مع هذه الواقعة ، بل بقي في أذهانهم وعقولهم أن الرجل يقدر على الحركة، وان الماء متوفر موجود ، ولا يمكن التيمم مع استطاعة الرجل ووجود الماء واستندوا إلى الدليل القطعي الثبوت القطعي الدلالة وهو قوله تعالى :  ) فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا([30] ، وافتوا بما هو مشهور إذا حضر الماء بطل التيمم ، وعلى الرغم من استنادهم إلى أدلة قطعية الثبوت وقطعية الدلالة إلا أننا نجد ان الرسول – صلى الله عليه وسلم – قد غلظ عليهم ، بل ونفى عنهم صفة العلم والصق بهم صفة الجهل ونعتهم به وأرشدهم إلى السؤال قبل الإفتاء وشنع على فتواهم هذه والتي كانت سببا في مقتل الرجل ، حيث أن بقاء حكم الغسل من الجنابة  على ما هو عليه فيما يتعلق بالواقعة الجديدة والتي احتفت بظروف معينة لا يناسب، بل وبسبب تلك الظروف انتقل خطاب الله تعالى المتعلق بالواقعة من الغسل إلى التيمم كما بين ذلك الرسول – صلى الله عليه وسلم – حيث يتناسب حكم التيمم مع  تلك الواقعة ، ويأتي منسجما مع روح الشريعة والإسلامية ومقصدها وذلك بعد النظر والاجتهاد ، حتى لو تعلق الأمر بنصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة وبهذا الصدد يقول د. علي السرطاوي : ” إن الشريعة الإسلامية وضعت خططا ومناهج تشريعية تضمن أن تجعل الأحكام موصلة إلى غاياتها بعدالة وفق إرادة الشارع ، التي كلفنا تنفيذها وامتثالها اخذين بعين الاعتبار ان إرادة الشارع في أمر من الأمور لا تؤخذ من نص عام واحد فقط مهما كانت قطعية الثبوت والدلالة ، لان هذا النص جزء من كل الشريعة ،فلا يجوز أخذه أو فهمه فيما يناقضها ،لان الأصل الا يتناقض الجزء مع الكل وشرع الله لا تناقض فيه”[31].  هذه طبيعة الدين وهذه طبيعة الشريعة، وتحقيق المناط هو إحدى المناهج الشرعية التي لها الأثر البارز في التأثير على الأحكام الشرعية وصرف دليل الأصل المقطوع به لواقعه معينة إلى دليل آخر بدله بعد النظر والتدقيق في الظروف التي تحيط بالواقعة والتي بسببها نشأ دليل قوي يصرف دليل الأصل كما بينا في المثال السابق ، لذا يبقى تحقيق المناط أحوج الأدوات التي لا يستغني المجتهد عنها في صناعة الفتوى على احسن وجه بما يلائم مقصد الشارع وهذا بدوره يبرز أهمية هذه القاعدة في التأثير على الحكم الشرعي التكليفي كما مر معنا في المثال السابق.

 

المناط العام

سبق القول أن تحقيق المناط نوعان نوع عام ونوع خاص وسنتناول في هذا المطلب النوع العام منه وقد عرفه ابن قدامة بقوله : ” أن تكون القاعدة الكلية متفقا عليها، أو منصوصا عليها ويجتهد في تحقيقها في الفرع”[32] . وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية تعريفا قريبا من ذلك لهذا النوع من أنواع المناط فقال: “هو أن يعلق الشارع الحكم بمعنى كلي فينظر في ثبوته في بعض الأنواع أو بعض الأعيان كأمره باستقبال الكعبة ، وكأمره باستشهاد شهيدين من رجالنا ممن نرضى من الشهداء ، وكتحريمه الخمر والميسر، وكفرضه تحليل اليمين بالكفارة ، وكتفريقه بين الفدية والطلاق وغير ذلك ، فيبقى النظر في بعض الأنواع هل هي خمر ويمين وميسر وفدية أو طلاق، وفي بعض الأعيان هل هي من هذا النوع ؟ وهل هذا المصلي مستقبل القبلة ؟ وهذا الشخص عدل مرضى ؟ ونحو ذلك ،  وهذا النوع من الاجتهاد متفق عليه بين المسلمين بل بين العقلاء فيما يتبعونه من شرائع دينهم وطاعة ولاة أمورهم ومصالح دنياهم واخرتهم “[33] . وقال صاحب الموافقات عن هذا النوع  من أنواع المناط : “معناه أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي لكن يبقى النظر في تعيين محله ، وذلك أن الشارع إذا قال :”واشهدوا ذوى عدل منكم “[34] ، وثبت عندنا معنى العدالة شرعا ، افتقرنا إلى تعيين من حصلت فيه هذه الصفة ، وليس الناس في وصف العدالة على حد سواء ، بل ذلك يختلف اختلافا متباينا ، فانا إذا تأملنا العدل وجدنا لاتصافهم بها طرفين وواسطة:طرف أعلى في العدالة لا إشكال فيه كابي بكر الصديق – رضي الله عنه-وطرف آخر وهو أول درجة في الخروج عن مقتضى هذا الوصف ، كالمجاوز لمرتبة الكفر إلى الحكم بمجرد الإسلام فضلا عن مرتكبي الكبائر المحددين فيها وبينهما مراتب لا تنحصر وهذا الوسط غامض ، لا بد فيه من بلوغ حد الوسع وهو الاجتهاد”[35] .

هذه الأمثلة التي تعرض لها ابن تيمية والشاطبي من هذا النوع من أنواع الاجتهاد ، وغيرها من الأمثلة التي لا تنحصر والمطلوب من المجتهد أن يحقق في هذه الأنواع ليرجع كل نوع إلى جنسه من الأحكام فيشمله حكمه ، ولا يرجع إلى جنس آخر فيشمله حكم آخر ليس الذي أراده الله تعالى يقول الأستاذ الدريني : ” الحكم التكليفي قبل مرحلة تطبيقه ، وتحقيق مناطه في الجزيئات عام ومجرد، حتى إذا جرى الاجتهاد في تطبيقه على متعلقه من واقعة معينة ، أو شخص معين ، فان تحقق مناطه في كل منهما كان الحكم التطبيقي في هذه الحال مساويا للحكم التكليفي، ولا مراء في أن المجتهد يبذل أقصى طاقاته العلمية في سبيل تحقيق هذه المساواة بين الحكم التكليفي العام المجرد ، وبين الحكم التطبيقي الاجتهادي أو الإفتائي ، على الوقائع المعينة المعروضة ، التي يتعلق بها ذلك الحكم التكليفي العام “[36] . وقد نبه الشاطبي إلى أهمية هذا النوع من أنواع الاجتهاد-المناط العام-فقال:  “ولو فرض ارتفاع هذا الاجتهاد لم تنزل الأحكام الشرعية على أفعال المكلفين إلا في الذهن ، لأنها مطلقات وعمومات وما يرجع إلى ذلك، منزلات على أفعال مطلقات كذلك ، والأفعال لا تقع في الوجود مطلقة ، وإنما تقع معينة مشخصة ، فلا يكون الحكم عليها إلا بعد المعرفة بان هذا المعين يشمله ذلك المطلق أو ذلك العام وقد يكون ذلك سهلا وقد لا يكون وكله اجتهاد”[37]. وكما مر معنا أن هذا النوع من أنواع الاجتهاد في تحقيق المناط لا ينقطع حتى ينقطع اصل التكليف وهو مستمر باستمرار الحياة البشرية يقول د. النجار : “وليست هذه الأنواع والصور في الأفعال بمنحصرة حتى تظهر في فترة من الزمن ، ثم يقتصر الإنسان بعد ذلك على تكرارها فحسب ، بل تغاير أوضاع الحياة وانقلابها تأتي من الأنواع بما هو مستأنف ، ولذلك فان التحقيق في هذه الأنواع اجتهاد مستمر، مثاله الواضح اليوم ما يحدث في التعامل المالي من صور عديدة تتجاذبها في الانتماء أجناس المعاملة المالية من بيع وربا وغيرهما”[38].

والخلاصة أن تحقيق المناط العام يختص بالأنواع ، يقدر المجتهد بعد النظر والتدقيق في هذه الأنواع إلحاقها والرجوع بها إلى جنسها في الشريعة الإسلامية من الأحكام إذا وجدها مشابهة ومتقاربة منها. وهكذا تحافظ الشريعة الإسلامية على هيمنتها وإحاطتها بالأنواع والصور في الأفعال مهما تنوعت وتشكلت ومهما تغيرت وتبدلت ، حيث يتم وبواسطة تحقيق المناط تصنيف وترتيب تلك الصور في الإطار المناسب لها ويتم ضمها إلى جنسها أو ما يشبهها في الشريعة الإسلامية.

 

المناط الخاص

المناط العام يرجع إلى الأنواع ويتميز المناط العام عن المناط الخاص أن الخاص يرجع إلى الأشخاص لا إلى الأنواع ، ومما يميز الشريعة الإسلامية أنها اهتمت بواقع الإنسان وطبيعته يقول د.علي السرطأوي: ” الشريعة واقعية ، ولا تهمل واقع الإنسان وطبيعته وتأتى بأحكام ومثل خارجة على نطاق قدراته، أو غير معتبرة لظروفه ، فالواقع في الشريعة مادة للدرس والتمحيص والتحليل لمقوماته وسائر عناصره وأهدافه للحكم عليه لا للاحتكام إليه والتسليم به على علاته “[39] . وهذا النوع من أنواع المناط يختص بالنظر في حالة كل مكلف من جميع نواحي الحياة وشؤونها يقول الشاطبي:  “وعلى الجملة فتحقيق المناط الخاص نظر في كل مكلف بالنسبة إلى ما وقع عليه من الدلائل التكليفية ، بحيث يتعرف منه مداخل الشيطان ومداخل الهوى والحظوظ العاجلة ، حتى يلقيها هذا المجتهد على ذلك المكلف مقيدة بقيود التحرز من تلك المداخل ، هذا بالنسبة إلى التكليف المنحتم وغيره ، ويختص غير المنحتم بوجه آخر: وهو النظر فيما يصلح بكل مكلف في نفسه بحسب وقت دون وقت ، وحال دون حال ، وشخص دون شخص ، إذ النفوس ليست في قبول الأعمال الخاصة على وزان واحد ، فرب عمل صالح يدخل بسببه على رجل ضرر أو فترة ، ولا يكون كذلك بالنسبة للآخر….وصاحب هذا التحقيق الخاص هو الذي رزق نورا يعرف النفوس ومراميها ، وتفاوت إدراكها ، وقوة تحملها للتكاليف، وصبرها على حمل أعبائها أو ضعفها ، ويعرف التفاتها إلى الحظوظ العاجلة أو عدم التفاتها ، فهو يحمل على كل نفس من أحكام النصوص ما يليق بها ، بناء على أن ذلك هو المقصود الشرعي في تلقي التكاليف ، فكأنه يخص عموم المكلفين والتكاليف بهذا التحقيق لكن مما ثبت عمومه في التحقيق الأول العام”[40] . وهذا الكلام من أروع ما يكون في الشريعة الإسلامية بالنسبة لتعاملها مع حملتها ومع اتباعها ، وعليه تتفرع جميع الخطط التشريعية التي عنيت بتحقيق الغاية من وراء كل حكم شرعي المتعلق بالأشخاص ، فمن المعقول مثلا إذا خرج جماعة في سفر معين وكان عدد المسافرين مائة راكب مقسمين إلى خمس مجموعات في كل مجموعة عشرين راكبا ، وتم تقسيم تلك المجموعات على حسب أعمارهم  ، فاعمار أفراد المجموعة الأولى مثلا بين ثمانين وسبعين ، والثانية ما بين ستين وخمسين وهكذا دواليك ، حتى إذا وصلت تلك المجموعات المسافرة إلى نقطة عبور الحدود ، أصر طاقم أفراد نقطة العبور على السماح للمجموعة الأولى فقط العبور لسنهم وضعفهم ، أما باقي المجموعات فطلب منها أن تبقى مدة زمنية على الحدود ، ووجد شخص في المجموعة الخامسة والتي يبلغ أعمار أفرادها ما بين عشرين وثلاثين سنة  مصاب بمرض شديد ولا يستطيع الانتظار يوما على الحدود فمن المنطق والمعقول أن يضم هذا الفرد إلى المجموعة الأولى والتي تتراوح أعمار أفرادها بين الثمانين والسبعين ، والذي أوصلنا إلى عدم السير حسب ترتيب المجموعات الأولى ثم الثانية هو  النظر في حالة هذا الفرد وضمه إلى المجموعة الأولى ليسمح له بمخالفة الترتيب بالرغم من أن  عمره لا يتناسب مع أعمار المجموعة الأولى ، يقول الأستاذ الدريني : ” ليس من المعقول ولا من المقبول شرعا ، أن يحكم واقعة معينة بحكم واحد ، مهما اختلفت ظروفها وملابستها ، ذلك لان لهذه الظروف تأثيرا في نتائج التطبيق ….. والواجب شرعا تطبيق الحكم المناسب لكل شخص على حدة ، في ضوء ظروفه الخاصة ، التي تنهض بدليل تكليفي معين يستدعي حكما خاصا في حقه ، لان تعميم الحكم التكليفي على جميع المكلفين يفترض التشابه في الظروف وقد لا يوجد”[41].

يتبين من كل ذلك أن تحقيق المناط الخاص يأتي بعد النظرة المتمعنة والمتفحصة المتعلقة بإنزال الأحكام على الأشخاص عند التطبيق لذا عبر عنه الشاطبي بقوله: ” أما الثاني وهو النظر الخاص فاعلى وادق من هذا –العام- وهو في الحقيقة ناشئ عن نتيجة تقوى الله عز وجل المذكورة في قوله تعالى)ان تتقوا الله يجعل لكم فرقانا([42]  وذلك لما يترتب على العمل بهذه القاعدة من اثار حيث يتنقل الحكم من الوجوب في اصله إلى الحرمة أو من الحرمة إلى الوجوب يقول الزحيلي: ” قد يطرا على الإنسان حالة من الخطر أو المشقة الشديدة بحيث يخاف حدوث ضرر أو أذى بالنفس أو بالعضو أو بالعرض أو بالعقل أو بالمال وتوابعها ويتعين أو يباح عندئذ الحرام ، أو ترك الواجب أو تأخيره عن وقته دفعا للضرر عنه في غالب ظنه ضمن قيود الشارع”[43] . ونرى د.علي السرطاوي يوسع من نطاق هذه القاعدة لتعود إلى الأمة بشكل عام حيث قال : ” وإذا كانت لطبيعة الحال والظروف الملابسة اثر في تغيير الحكم الشرعي للشخص الواحد ، فمن باب أولى أن تكون طبيعة الحال والظروف التي تمر بالأمة اثر في تشكيل علل الأحكام التي تطبق على الأمة بكاملها ، لذا أعطي ولي الأمر سلطة التغيير والتطوير هذه “[44] . وقد برع الخليفة الثاني للدولة الإسلامية ، عمر بن الخطاب  – رضي الله عنه –  في استعمال تلك القاعدة في مسائل كثيرة ،منها عام المجاعة والزواج من الكتابيات وحبس الأراضي وعدم تقسيمها بين الغانمين وغيرها من المسائل لذا لا يمكن أن يستغنى عن قاعدة تحقيق المناط الخاص عند الإفتاء وصناعة الفتوى أو عند القضاء وإصدار الأحكام ،حيث تبقى هذه القاعدة الجليلة هي أهم الآلات والأدوات التي يملكها المفتي أو القاضي أو والي الأمر لصناعة ما يصدره من أحكام على احسن وجه بما يتلائم مع مقصد الشارع من إنزال الشريعة من جلب المصالح ودرء المفاسد ،ولعل الأهم من ذلك عند استعمال تلك القاعدة يمكن أن تظهر صورة الشريعة الإسلامية متحدة كلها متناسقة كلها متحدة في غاية واحدة ، مهما زادت فروعها وتبدلت وسائلها ويخشى على الفقيه أو القاضي أو والي الأمر عدم إدراك تلك القاعدة وفهم المهمة التي أنيطت بها وكيفية استعمالها عند تطبيق الأحكام الشرعية بحيث تكون نتيجة التطبيق بعكس ما قصد من وضع الشريعة تجلب المفاسد وتدرء المصالح ، إذ أن الشريعة وضعت لجلب المصالح ودرء المفاسد ،وان عدم الالتفات إلى قاعدة تحقيق المناط الخاص قد يؤدي إلى نتيجة عكسية غير النتيجة المتوقعة والتي هي مراد الشارع من تشريع الأحكام الشرعية  وحق إذا قيل تحقيق المناط لا يستغني عنه أحد.

الحقوق محفوظه لموقع نوازل

 

 [1] ابن منظور – لسان العرب–  حرف القاف، فصل الحاء، جزء 10ص53 وما بعدها.

 [2] الرازي – مختار الصحاح – ج1 ص 62

 [3] التفتازاني – شرح التلويح على التوضيح– ج2 ص 163

 [4] الغزالي – المستصفى– ج2 ص 280

 [5] الآمدي – الأحكام في أصول الأحكام–  ج 3 ص 435

 [6] الزركشي- – البحر المحيط في أصول الفقه– ج2 ص 256

[7]  ابن السبكي- الإبهاج في شرح المنهاج – الجزء 3 ص 82

[8]  الدراقطني – علي بن عمر الدارقطني –  سنن الدارقطني – بيروت 19966 ج1 ص 70 رقم الحديث 22 تحقيق عبدالله المدني.

 [9] ابن قدامة المقدسي- روضة الناظر وجنة المناظر – الجزء 3 ص 801

 [10] الدريني- بحوث مقارنة في الفقه وأصوله– الجزء 1 ص 126

[11]  الشاطبي- الموافقات– الجزء 4 ص 90

[12]عبد المجيد النجار – خلافة الإنسان بين الوحي والعقل -ص 122

 [13] الخضري-  محمد خضري  – أصول الفقه – المكتبة البخارية الطبعة السادسة 1969 ص 323

 [14] محمد فتحي الدريني- بحوث مقارنة في الفقه وأصوله– الجزء 1 ص 180

[15]  الشاطبي- أبو إسحاق الشاطبي- الموافقات  – جزء 2 ص 6

[16]   د. يوسف حامد العالم- المقاصد العامة للشريعة الإسلامية– المعهد العالمي للفكر الإسلامي- الطبعة الأولى 1991 ص 125

 [17] د.علي السرطاوي- مبدأ المشروعية – ص 101

[18]  الشاطبي– الموافقات – ج 2 ص 385

 [19] الدريني-محمد فتحي الدريني- نظرية التعسف في استعمال الحق – مؤسسة الرسالة الطبعة الثانية 1977 ص 53

[20]  ابن تيمية – كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية– الجزء 19 ص 284

[21]  النسائي – احمد بن شعيب أبو عبدالرحمن – السنن الكبرى – دار الكتب العلمية – الطبعة الاولى 1991 بيروت ج3 ص41 تحقيق عبدالغفار البنداري

[22]  ابن تيميه – كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية – ج19 ص 284

[23]  الدريني – بحوث مقارنة – ج1 ص 143

[24] ابن القيم –إعلام الموقعين عن رب العالمين-ج 3 ص 3

 [25] البيانوني- محمد أبو الفتح – الحكم التكليفي في الشريعة الإسلامية – دار القلم – دمشق الطبعة الأولى-1988 ص 51

 1- الزرقاء- المدخل الفقهي العام– ج 2 ص 938

  [27] – نفس المرجع السابق- ج 2 ص 938

 [28]  السرطاوي- مبدا المشرعية – ص80

[29]   البيهقي – احمد بن الحسين بن علي بن موسى البيهقي – سنن البيهقي الكبرى – مكتبة دار الباز مكة المكرمة –ج1 ص 227 حديث رقم 1016 تحقيق محمد عبد القادر عطا.

[30]  سورة النساء الآية 43

 [31] سرطاوي- مبدا المشروعية – ص 80

 [32] ابن قدامة– روضة الناظر وجنة المناظر– ج 3 ص 801

[33]  ابن تيمية – كتب الرسائل وفتاوى ابن تيمية– ج 19 ص 16

[34]  سورة الطلاق- الآية رقم 2

[35] الشاطبي- الموافقات– الجزء 4 ص 90

[36]  الدريني– بحوث مقارنة في الفقه وأصوله ج 1 ص 133

[37] الشاطبي – الموافقات – ج 4 ص 93

[38]  عبدالمجيد النجار – خلافة الإنسان بين الوحي والعقل-  ص 124

[39]   السر طاوي – مبدأ المشروعية – ص63

[40]   الشاطبي – الموافقات – ج4  98

 [41] الدريني– بحوث مقارنة في الفقه وأصوله -ج 1 ص 134

 [42] سورة الانفال  – اية رقم 29

[43]   الزحيلي- وهبه الزحيلي- نظرية الضرورة الشرعية-مؤسسة الرسالة-الطبعة الخامسة1997

[44]   السرطاوي –  مبدأ المشروعية – ص 81

[ii]أبو عيسى- محمد بن عيسى أبو عيسى الترمذي – سنن  الترمذي– كتاب الفتن دار إحياء التراث العربي. بيروت حديث رقم-2180 ج1ص475 تحقيق محمد احمد شاكر

[iii] النيسابوري- محمد بن عبد الله أبو عبد الله الحاكم النيسابوري- المستدرك على الصحيحين– ج3 ص109 ط1 دار الكتب العلمية بيروت ج3 ص109 ط1، مصطفى عبد القادر عطا.

[iv]الفيروز ابادي- مجد الدين محمد بن يعقوب-القاموس المحيط– فصل النون والواو –باب الطاء دار الجيل بيروت ب.ط ،ص404 وانظر المعجم الوسيط باب النون دار الدعوة ج2 ص 895  .

 

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017