حديث في “الحج” لا يمكن أن يفوتك

الأربعاء 5 يوليو 2017
شارك المقال

 

حديث في “الحج” لا يمكن أن يفوتك

رائد بدير ، عضو هيئة العلماء في القدس الشريف

هذا الحديث قلما اسمعه من احد، حديث يغيب عن كثير من المحدثين والفقهاء مع أننا بحاجة إليه في موسم الحج وسأتناوله من زاوية معينة لان الفائدة منه عظيمة. هذا الحديث رواه أبو داود في سننه، واحمد في مسنده، والبيهقي في السنن الكبرى، وابن ماجه في سننه، وابن خزيمة في صحيحه، والحاكم في المستدرك على الصحيحين وأخرجه على شرط مسلم، ونصه كما جاء في سنن أبي داود قال: …..حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رِزْمَةَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ أَخْبَرَنَا ابْنُ إِسْحَقَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُجَّاجًا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْعَرْجِ نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَزَلْنَا فَجَلَسَتْ عَائِشَةُ رَضِي اللَّهم عَنْهَا إِلَى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَلَسْتُ إِلَى جَنْبِ أَبِي وَكَانَتْ زِمَالَةُ أَبِي بَكْرٍ وَزِمَالَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاحِدَةً مَعَ غُلَامٍ لِأَبِي بَكْرٍ فَجَلَسَ أَبُو بَكْرٍ يَنْتَظِرُ أَنْ يَطْلُعَ عَلَيْهِ فَطَلَعَ وَلَيْسَ مَعَهُ بَعِيرُهُ قَالَ أَيْنَ بَعِيرُكَ قَالَ أَضْلَلْتُهُ الْبَارِحَةَ قَالَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بَعِيرٌ وَاحِدٌ تُضِلُّهُ قَالَ فَطَفِقَ يَضْرِبُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَبَسَّمُ وَيَقُولُ انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْمُحْرِمِ مَا يَصْنَعُ قَالَ ابْنُ أَبِي رِزْمَةَ فَمَا يَزِيدُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنْ يَقُولَ انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْمُحْرِمِ مَا يَصْنَعُ وَيَتَبَسَّمُ *؟أ.هـ كم نحن بحاجة إلى الوقوف عند هذا الحديث العظيم في موسم الحج، فهو يعالج عدة قضايا في آن واحد على النحو الآتي:

الخاطرة الاولى: إن سفر الحج سفر فيه مشقة ونصب والحجاج بحاجة إلى استراحات كثيرة كما جاء في الحديث من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم “حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْعَرْجِ نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَزَلْنَا” والعرج اسم منطقة نزل الرسول صلى الله عليه وسلم ليستريح ومن معه نزلوا، فالاستراحات يجب أن تكون ويجب أن يسير الباص على اضعف الموجودين والذين يحتاجون إلى قضاء حوائجهم من كبار السن كمرضى السكري، لا أن ينطلق بعض الحجاج بالباص ويتفاخرون بين بعضهم البعض بقولهم “صلينا الفجر في المدينة” أو ” الرحلة استغرقت 20 ساعة” هذا جهل محض وتنافس في غير محله، فالمتتبع لسيرة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم يدرك انه كان يسير في سفره وفق الأضعف في المجموعة، ويجب الانتباه فقد تكون العجلة سببا في صناعة الموت. وكذا الأمر في العودة، فالسرعة خطا يصدر عن بعض الحجاج في رحلة الذهاب ورحلة الإياب.

الخاطرة الثانية: تقول السيدة أسماء في الحديث بعدما نزلوا للاستراحة  ” فَجَلَسَتْ عَائِشَةُ رَضِي اللَّهم عَنْهَا إِلَى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَلَسْتُ إِلَى جَنْبِ أَبِي” ، انظر بالله عليك إلى فقه المرأة المتزوجة التي تصحب زوجها في السفر وانظر إلى فقه المرأة التي تصحب أبيها، وانظر إلى أهمية وجود المحرم في الحج مع أنني أقول برأي الشافعية أحيانا من أن مجموعة نساء ثقات يمكن أن يسد بدل المحرم في السفر، ولكن وجود المحرم أفضل.

انظر إلى السيدة عائشة رضي الله عنها كيف جلست جانب زوجها، وانظر كيف أشعرت زوجها بأنه أفضل الناس لديها فجلست إلى جنبه وان آمنة في ظله، وانظر إلى المرأة التي لم يكن زوجها معها السيدة أسماء رضي الله عنها كيف جلست إلى أبيها وأشعرته انه أفضل الناس لديها، ولم تجلس إلى جانب أختها ولا زوج أختها، انظر إلى فقه عائشة وانظر إلى فقه أسماء مع انه لا تعارض بين حقوق الوالدين وحقوق الأزواج فيما بينهما، كم من الحجاج رجالا ونساء لا يدركون أهمية تصرف السيدة عائشة وتصرف السيدة أسماء في السفر، المرأة المتزوجة تبقى في ظلال زوجها والمرأة التي لا زوج لها أو المرأة المتزوجة التي لم يكن معها زوجها تبقى في ظلال محرمها.

الخاطرة الثالثة: تستمر السيدة اسماء -رضي الله عنها- في عرض المشهد تلو المشهد من هذه الحادثة العظيمة في سفر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت الله الحرام حاجا فتقول: “وَكَانَتْ زِمَالَةُ أَبِي بَكْرٍ وَزِمَالَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاحِدَةً مَعَ غُلَامٍ لِأَبِي بَكْر ، والزمالة في لغة العرب هي الناقة التي تحمل كل ما يحتاجه المسافر من ماء وطعام وأدوات سفر، فتسمى زمالة، أو إن شئت قل المركوب الذي يحمل كل ما يحتاجه المسافر في شؤون سفره. وكالعادة زمالة رسول الله صلى الله عليه وسلم وزمالة أبي بكر الصديق واحدة، أي أنهما وضعا أغراضهما وطعامهما وشرابهما وما يحتاجه المسافر من حوائج في جيب واحد، ولم لا يكون ذلك، فهما تربطهما علاقة نسب بلغة اليوم، فرسول -صلى الله عليه وسلم- زوج ابنة أبي بكر الصديق- رضي الله عنه- السيدة عائشة -رضي الله عنها-، فهو حماه بلغة اليوم. والأصل في علاقة الأقرباء أن تكون حميمة وتتأكد هذه الصفة في السفر. ومن ناحية أخرى فهو صاحبه في الدنيا وصاحبه في الآخرة، والعلاقة الإيمانية التي تربطهما مع بعضهما البعض لا توازيها أي علاقة مع أي شخصية إسلامية أخرى مهما علا شانها وحتى قيام الساعة. والملفت للنظر في ان زمالتهما واحدة هي ان سفر الحج بالذات لا يستغن الواحد فيه عن الآخر، بل أن الحاج عليه ان يدرك قبل أن يخرج من بيته لتأدية فريضة الحاج أن التعاون مع المجموعة هو شعار لا ينفك عن الحاج حتى عودته إلى بيته، وان هذه الرحلة بالذات هي رحلة الشراكة، رحلة الزمالة بكسر الزاي، والزمالة بفتح الزاي، رحلة الصبر، ورحلة العمر، رحلة التعاون على البر، رحلة العمل كفريق الواحد للجميع والجميع للواحد، هذا ما يمكن أن يستفاد من شراكة ابي بكر ورسول الله صلى الله عليه وسلم في زمالة واحدة.

الخاطرة الرابعة : تستمر السيدة أسماء رضي الله عنها في رواية المشهد تلو المشهد فتقول: “فَجَلَسَ أَبُو بَكْرٍ يَنْتَظِرُ أَنْ يَطْلُعَ عَلَيْهِ-غلامه- فَطَلَعَ وَلَيْسَ مَعَهُ بَعِيرُهُ، قَالَ: أَيْنَ بَعِيرُكَ؟ قَالَ أَضْلَلْتُهُ الْبَارِحَةَ.” بعدما نزلوا للاستراحة في المكان المقرر للاستراحة انتظر ابو بكر غلامه انتظار المسافر الجائع ينتظر غلامه ليقول له كما قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: ( آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا )، والجوع غريزة في البشر، والتعب والنصب اثر متفق عليه من آثار السفر، لا كبعض الجهال في السفر وبالذات في سفر الحج الذين يتسابقون مع الزمن ويحثون من معهم على التسابق ويفتخرون بذلك، لا يعنيهم جائعا ولا مريضا ، المهم ان يصلي الفجر في المدينة، والرسول عليه السلام لم يكن يفعل هذا بل كان يسير ويستريح كما في هذا الحديث. انتظر أبو بكر غلامه انتظار المسافر الجائع ،إلا أن الغلام طلع عليه وليس معه بعيره بمعنى ان الغلام طلع على أبي بكر الصديق رضي الله عنه بدون الناقة التي تحمل الطعام والشراب وما يحتاجه المسافر من أدوات وأشياء، وكطبيعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه يتحرى قبل أن يصدر الأحكام، فسأل الغلام قائلا: اين بعيرك، ونلاحظ ان ابا بكر الصديق رضي الله عنه خاطب الغلام بقوله” بعيرك” ولم يقل له اين “بعيري”، بمعنى انه نسب البعير إلى الغلام مع انه هو المالك الحقيقي للغلام، ولو أردت ان اسمي هذه كاف المخاطب تسمية بعيدة عن اللغة العربية لسميتها “كاف المسؤولية”، البعير بعير أبي بكر من حيث الملكية أما من حيث الرعاية والصيانة والحفظ والمسؤولية فهو بعير الغلام، فبه أنيطت مهمة الحفظ على أعظم شيء في حياة المسافر ألا وهو طعامه وشرابه وأدوات سفره، فالمسافر وخاصة في الصحراء ماؤه حياته طعامه حياته، وبدون الطعام والشراب للمسافر وخاصة في الصحراء تنقلب جميع الموازين، نعم تنقلب جميع الموازين ولعلكم تذكرون حديث مسلم والذي قَالَ فيه رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ * ، انظر إلى الياس، انظر إلى انتظار الموت، انظر إلى الهلاك، انظر إلى قلب الموازين في قوله” اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ”، ولعل هذا الحديث يوضح أهمية المسؤولية التي انيطت بالغلام.وهذا الغلام أخطا خطأين فادحين، الأول أنه أضل البعير، الثاني انه أضل البعير ومضت مدة 24 ساعة تقريبا دون أن يخبر أحدا بذلك ..

الخاطرة الخامسة : تستمر السيدة أسماء رضي الله عنها في رواية المشهد تلو المشهد فتقول: “فَجَلَسَ أَبُو بَكْرٍ يَنْتَظِرُ أَنْ يَطْلُعَ عَلَيْهِ-غلامه- فَطَلَعَ وَلَيْسَ مَعَهُ بَعِيرُهُ، قَالَ: أَيْنَ بَعِيرُكَ؟ قَالَ أَضْلَلْتُهُ الْبَارِحَةَ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَعِيرٌ وَاحِدٌ تُضِلُّهُ!أجاب الغلام أبا بكر الصديق بعدما سأله أين بعيرك، أجاب قائلا: “أَضْلَلْتُهُ الْبَارِحَةَ“، هذا الغلام أخطا خطأين فادحين، الأول أنه أضل البعير، الثاني انه أضل البعير ومضت مدة 24 ساعة تقريبا دون أن يخبر أحدا بذلك، والقضية ليست أي بعير إنها زمالة أبي بكر الصديق وزمالة رسول الله – صلى الله عليه وسلم- انها قضية كبيرة تتعلق بأهم أسباب الحياة على وجه الأرض، قضية الأمن الغذائي، وتتأكد حاجة الأمن الغذائي من الطعام والشراب والدواء …الخ في السفر . قضية كبرى قد يكلف الإهمال فيها حياة ابي بكر الصديق- رضي الله تعالى عنه- وحياة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قضية تعرض المسافر للخطر، تعرضه للموت تعرضه لليأس، كما ذكرت سابقا حديث مسلم والذي قَالَ فيه رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ. أ.هـ قضية قد تقلب الموازين ينفلت اللسان دون أي ضابط فينطق مضطرا من شدة الفرح فيخطيء حينما يسمي نفسه ربا، ويسمي ربه عبدا قال” اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ. ، قضية لا تقلب موازين الأحوال فقط إنما تقلب موازين الأحكام كذلك قال تعالى” ﴿ فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ يصبح الخنزير طعاما للمضطر، يصبح الممنوع مسموح، تصبح هذه الضرورات مبيحة المحظورات، المحظور مباح ، والممنوع مسموح. تتبدل الأحكام وتحدث ضجة في عالم أصول الفقه والقواعد الفقهية، ينادي أصول الفقه بكل ما يحمل من معاني ينادي فيقول : يا فقه الاستثناءات جاء دورك فقد هيأت لك العلل الشرعية المناسبة، فتظهر العلل- جمع علة- في أعظم زينة لها كي لا يخطئ الفقيه في اختيار الحكم المناسب الجديد للحالة المناسبة الجديدة، ويصبح الحكم الأنسب للمضطر فيأخذ على قدر حاجته، يأكل من لحم الخنزير، ويشرب الخمر على قدر حاجته هذا الحكم المناسب لا غيره، لأنه على المضطر أن يعيش…عليه ان يحافظ على حياته… أنه يدرك ان المنظومة الكلية والمنظومة الجزئية في التشريع الإسلامي تسعى في جميع مقاصدها للحفاظ على حياته. أدرك التحسينيات، وأدرك الحاجات، وأدرك الضرورات، أدرك كل هذا، أدرك أن البعد عن الخمر والخنزير ما هي إلا أشياء تحسينية، وان الحفاظ على الحياة أمر ضروري. أدرك انه إذا تعارض التحسيني مع الضروري فانه يقدم الضروري على التحسيني، أدرك كل هذا فيأكل من لحم الخنـزير غير باغ ولا عاد غير معتقد بجوازه بل هو معتقد بحرمته، وغير معتد بالزيادة عن القدر الذي يحتاج إليه..

الغلام لم يدرك أن الخلل الذي أحدثه هو خلل في الأمن الغذائي والأمن الدوائي، هو خلل في امن المسافر، هو تهديد لحياة ابي بكر الصديق- رضي الله عنه- ولحياة رسول الله -صلى الله عليه وسلم وقد َقَالَ له أَبُو بَكْر:”ٍ بَعِيرٌ وَاحِدٌ تُضِلُّهُ“. يا غلام أنيطت بك مسؤولية على قدرك، وعلى طاقتك إذ كلفتك بما تطيق ولم أكلفك ما لا تطيق، كلفتك بان تمسك بعيرا واحدا لا غير فكيف تضله. وهذه إشارة هامة من أبي بكر الصديق رضي الله عنه في أن العمل في السفر يجب أن يكون عمل كفريق وان توزيع المهام والمسؤوليات في السفر أمر ضروري، ويتأكد هذا الأمر في سفر الحاج، والمهام التي توزع حسب الطاقات والإمكانيات والقدرات. وتصلح هذه الإشارة لاستفادة منها في فقه الدعوة.

وجاء رد فعل أبي بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه- قَالَ “فَطَفِقَ يَضْرِبُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَبَسَّمُ”. من كان منكم يتوقع إن أبا بكر الصديق سيشرع في ضرب هذا الغلام! ومن كان منكم أن يتوقع أن ابتسامة رسول الله صلى الله عليه وسلم ستتبع هذا المشهد! ضرب من أبي بكر الصديق!وابتسامة من رسول الله صلى الله عليه وسلم! ان هذا المشهد بهذه الصورة لا تجد له شبيه في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وحسب تصوري أن هذا الحديث بجميع أحداثه رسم لنا منهاجا وأسسا وقواعد كلية في كل ما يختص بالحج من أحكام التي تتعلق بتعامل الدولة مع الأفراد وتعامل الأفراد مع الدولة، وتعامل الأفراد فيما بينهم. لقد اقر الرسول صلى الله عليه وسلم بابتسامته الشريفة صنيع أبي بكر الصديق، وحمّل رسول الله صلى الله عليه وسلم الغلام المسؤولية في إضاعة البعير، وأكد بابتسامته الشريفة ما ذهب إليه أبو بكر الصديق أن القضية قضية إهمال،  وهذا الإهمال قد يتسبب في قتل الناس وتعريض حياتهم للخطر، إذ لا حياة بلا طعام وشراب، ولا يمكن تفسير الإهمال أو تبريره وخاصة بمسالة القضاء والقدر. ولو صح تفسير ضياع البعير بأنه مسالة قضاء وقدر لما تمت المحاسبة القاسية من أبي بكر الصديق ولم يقر الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك. بل شاهدنا أبا بكر الصديق يحاسب ويناقش الغلام ويبن له أن ضياع البعير هو من مسؤوليته، وانه مهمل ومقصر في هذه المسؤولية وان إهماله هذا تستحق عليه العقاب، وان العقاب لا يتوقف على العتاب أو كلمة هنا وكلمة هناك بل عقاب بالضرب نعم بالضرب. ولما لا يضربه وقد عرض حياة الناس للخطر والموت والهلاك، وكيف يمكن أن تسمح الشريعة الإسلامية لأي من كان، سواء الحاج بنفسه، أو شركة النقل والمواصلات، أو الأنظمة والإجراءات الداخلية للحجاج، أو العلماء بفتواهم أن يعرض حياة الناس للهلاك وخاصة في الحج، وكيف يمكن أن نقبل تبريرات من يعرض حياة الحجاج للموت، ولماذا أصبح في مفهوم غالب المسلمين أن لا فرق بين الموت الذي سببه الإهمال والتعدي والتقصير وبين الموت المقدر دون هذه الأسباب، لماذا يبرر ويفسر البعض منا ما يحدث مهالك لآلاف الحجاج على مدار السنين بالقضاء والقدر، لماذا لا نحاسب مثلما حاسب ابو بكر الصديق.. لماذا لا نحمل احد المسؤولية مثلما حمل ابو بكر الصديق…

 

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017