حكم اسقاط الجنين المشوّه

الأربعاء 12 فبراير 2020
شارك المقال

 

 

السؤال: ما هي الشروط والظروف التي يجوز و/أو لا بجوز لوالدين اجهاض ابنهما/ابنتهما الجنين إذا ما تبين انه يعاني من تشوه خلقي او عقلي او يعاني من ملازمة (داون)؟

 

 

الجواب: لا يمكن الاستناد الى ما وجدناه في التراث الفقهي القديم حول مسالة اجهاض الجنين من حيث عمره او مراحل تطوره من النطفة ثم  العلقة ثم المضغة وباتت هذه الآراء للاستئناس أقرب منها للاعتماد والاستناد، ولا يعتبر ذلك اهمالا لآرائهم بل هي من صلب آرائهم التي تناقشوا فيها حول مفهوم الجنين وحكم اسقاطه بناء على تحليلات من النصوص حنى وصلوا اليها وفق حد علمهم ومعلوماتهم في تعريف بدء الحياة والحركة بخصوص الجنين مع ان بعضهم وصل الى ما وصل اليه العلم الحديث دون ان تنكشف له المعلومات الحديثة في علم الاجنة. فاعتبر التقاء الحيوان المنوي بالبويضة بدء الحياة.

وانما اذكر هنا في الإجهاض الاختياري قبل 120 يوما على سبيل الاستئناس لا أكثر دون الخوض في الأدلة او مناقشتها بل الإشارة فقط الى الراي حتى يدرك القارئ انه لو لم تكن المسألة ظنية بناء على تحليلات لما وصل الاختلاف في المذهب الواحد الى هذا الحد في مسالة الإجهاض الاختياري، وهي النقطة الواسعة التي تدعونا الأساسي على علم يستند الى معلومات حديثة لم تكن عند السابقين لاختلاف الزمان وتطور أدوات المعرفة والوصول الى الحقائق العلمية وآرائهم وفق معلوماتهم عن الجنين وتحليلاتهم للنصوص الشرعية يمكن اجمالها  في  خمسة اراء على النحو الاتي :

الراي الأول: تحريم الإجهاض في جميع أطوار هذه المرحلة وهو راي بعض الحنفية والمالكية في المشهور والغزالي وابن عماد من الشافعية وابن الجوزي من الحنابلة.

الراي الثاني: كراهية الإسقاط في النطفة، والتحريم فيما عداها وهو قول للمالكية واحد اقوال المحتملة عند الشافعية.

الراي الثالث: جواز الاسقاط في النطفة وتحريم فيما عداها وهو راي اللخمي من المالكية والحنابلة في الراجح عندهم.

الراي الرابع: جواز الاسقاط في النطفة والعلقة والتحريم في المضغة وهو قول الفراتي من الشافعية.

الراي الخامس: جواز الاسقاط في جميع هذه المرحلة وهو الراجح عند الحنفية والمعتمد عند الشافعية والزيدية وذهب الى هذا الراي ابن عقيل ويوسف عبدالهادي من الحنابلة.

كما قلت انما ذكرت آرائهم للاستئناس لا اكثر لان المعلومات التي نملكها في زماننا علم الاجنة اليوم وما وصل اليه الانسان من علم حول الجنين هو المعتمد والمستند في تكييف مفهوم الحياة عند الجنين، وقد اثبت علم الاجنة انه منذ ان يصل الحيوان المنوي الى البويضة فيكونان خلية واحدة، وفي ثلاثين ساعه تحدث داخلها تغيرات تؤدي الى قسمة الخلية الى اثنين ثم تتوالى الانقسامات بسرعة الى اربع ثم ثمان وهكذا دواليك حتى تصبح الخلية الواحدة بعد البدء الى الميلاد الى مئتي مليون خلية.  وتكوّن هذه الخلايا كل قطاعات الجنين وتبلغ زيادة الوزن في الشهر الأول مليون مرة وفي الشهر الثاني أربعا وسبعين مليون مرة. لذا الحياة تدب في الجنين وهو ما زال خلية واحدة فليس النمو والانقسام من شيمة الخلايا الميتة، وإذا كان الاعتماد على بدء حركة الجنين في بطن امه هو المقياس لدبيب الحياة في الجنين فان قلب الجنين يبدا النبض خلال الأسبوع الرابع ويكون طول الجنين وقتها 3ملم وهو ما يزال نطفة وتبدأ الدورة الدموية مع بداية عمل القلب. ان الحديث عن الحقائق العلمية حول الجنين منثور في كتب الطب المختصة في علم الاجنة وهي معلومات وحقائق علمية لم يدركها السابقون. كما وستنكشف علوم أخرى في الجنين بعد الف سنة تكون اعمق مما وصل اليه العلم اليوم.

ان تحريم اجهاض الجنين منذ ان تصل النطفة الى البويضة فتشكلان خلية واحدة هو المعتمد وفق المعلومات الجديدة المتوفرة لدينا في علم الاجنة وهو ما ذهب اليه للاستئناس فقط معظم فقهاء المالكية وبعض فقهاء الحنفية والغزالي وابن العماد من الشافعية وابن الجوزي من فقهاء الحنابلة والظاهرية والاباضية والامامية وكما قلت اذكر ذلك للاستئناس فقط لان الفتوى تتبدل بتبدل المعلومات. وهذا في كل جنين وهو الأصل الذي اراه.

ان اتلاف الخلية يعني اتلاف الانسان فان قيل بدء الانسان، قلت في المآل انسان.   فمآل كل خلية الى انسان الى ان تكون جنينا ثم تستهل مولودة.

في حكم الحال هي انسان وفي حكم المال هي انسان ان اختلفت معي في الحال فانت تتفق معي في المآل والنظر في المآل معتبر في التشريع عند كل الفقهاء.

ان الأدلة التي استند اليها من يرى جواز اجهاض الجنين قبل 42 او قبل 80 يوم او قبل 120 يوم تحمل التأويل بدليل اختلافهم فيها واختلافهم في المدد وهي ليست صريحة في جواز اتلاف الجنين انما هي اوصاف معينية وحتى فيها وبينها خلاف في نفس المذهب الواحد.

ان الموقف الشرعي من الجنين المشوه في أي درجة من درجات الحمل من حيث المدد الزمنية هو ما ينطبق على الجنين الغير مشوه مهما كانت درجة التشوه وذلك لان ثبوت التشوه غالبا  ما يكون بدليل ظني والامر الأهم اننا لا نتخير لأنفسنا جودة الجنين او  ضعفه او قوته او صورته او صحيحا او معيبا والتجربة علمتنا ما يزيد عن 20 سنة ان اغلب حالات التشوه غير دقيقه ولا تصحب الجنين حتى ميلاده وغالبا ما يولد الجنين معافا على عكس ما يخبره الفحص. وان ولد مشوها فالقدر بالرضا والصبر تعبدا الى الله تعالى.

سواء كان الجنين معافيا او مشوها وفي أي مرحلة من مراحل تطور الحمل يمكن اجهاضه فقط في الحالات الاتية:

اما ما دونها من الحالات فلا يجوز الإجهاض ابدا مع الاشارة ان هنالك اراء أخرى للفقهاء ناقشوا بعمق الإجهاض العفوي والاجهاض الاختياري والاجهاض الاضطراري وناقشوا أيضا حكم الإجهاض في مراحل تطوره الثلاثة النطفة ثم العلقة ثم المضغة وقد اختلفوا في معظم تفريعات هذه المسائل لكنهم اتفقوا على عدم جواز اسقاط الجنين بعد 120 يوما الا في حال خطر على حياة الام.

هذا الذي أرجحه وافتي به والله اعلم

الشيخ رائد بدير

 عضو هيئة العلماء والدعاة في القدس

 وعضو لجنة الإفتاء والبحوث الإسلامية

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017