حكم التبرع بالأعضاء من الفلسطيني الى الاسرائيلي وقبول التبرع من الاسرائيلي الى المسلم في الداخل الفلسطيني 1948

الجمعة 11 أغسطس 2017
شارك المقال

حكم التبرع بالأعضاء من الفلسطيني الى الاسرائيلي وقبول التبرع من الاسرائيلي الى المسلم في الداخل الفلسطيني 1948

 تمهيد

بحث أعددته في موضوع حكم التبرع بالأعضاء، وذلك لمسيس الحاجة إليه في حياتنا اليومية، وقد تعودت من خلال أبحاثي أن اجتهد بتوفيق من الله تعالى في مسائل محيرة وشائكة، أخوض هذا البحر بعد استشارة من أثق بهم من علماء الأمة الإسلامية وبعدما أستعرض ما أكتب عليهم فيجيزونني، ومجال البحث في مسألة تتعلق بالمحافظة على النفس الإنسانية وهو المقصد الأول من مقاصد إنزال الشريعة الإسلامية، وقد أمتلأت المؤلفات الإسلامية منذ عهد التأليف في الفقه الإسلامي وحتى يومنا هذا بمنزلة وأهمية الحفاظ على النفس البشرية، الأمر الذي يتوجب علينا أن نواكب الحياة المعاصرة وسرعة التطور العلمي فيما جد من وسائل تقنية للحفاظ على النفس البشرية، وأن نكون سباقين بإعداد وكتابة الأبحاث والدراسات الفقهية بالتزامن مع أي تطور في آليات تحقيق المصالح الإنسانية، ودائما وما زلت أنادي أهل العلم الشرعي بأن يواكبوا ما يحدث في العالم من حولنا من تقدم هائل في مجال العلوم الأخرى ليقدموا للناس إجابات شرعية عما ينشأ من تطور في تحديث الحركة العلمية حتى لا تحدث فجوة هائلة بين سلوكيات الناس وتصرفاتهم وبين الأحكام الشرعية، وقد استندت في فهم المسألة عند  كتابة البحث على  الآراء المعتمدة عند أئمة المسلمين فيما يخص مسألة نقل الأعضاء وكل ما يتعلق بهذه المسألة من مسائل فرعية وتفاصيل، وتعمدت أن “أقتبس” من تلك الأبحاث التي اعتمدت كرسائل دكتوراه في المسألة، ونقلت عن بعض مشاهير العلماء وكبارهم مما كتبوه في هذه المسألة، والجديد الذي أضفته بعد حكم مسألة التبرع بالأعضاء في دار الحرب “إسرائيل” حيث  تخص تواجدنا على أرض فلسطين المحتلة عام 1948م ونعيش تحت سلطة إسرائيلية وهي ما تسمى في عرف الفقهاء “دار حرب”، ، وهو بحث فقهي أصولي مشترك في المسألة يعتمد تخريج المسألة حسب أصولها، ووفق ما وصل إليه اجتهادي فيها بعد تمرير هذا الاجتهاد وفق مسالكه المعتبرة والمعتمدة عند علماء الأمة الإسلامية.

المسالة الاولى : دار الإسلام ودار الحرب ودار العهد

مهما كانت الاجتهادات الفقهية والفكرية المعاصرة في تقسيم “الدور”، إلا أننا لا نستطيع أن نتملص أو ننسلخ من تقسيم أئمة الفقه الإسلامي كالحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة والظاهرية وغيرهم من مذاهب وعلماء الامة الاسلامية ، ممن رَّسخوا قواعد الفقه الإسلامي لهذه الدور، فالفقهاء يقصدون بالدار في اصطلاحهم الفقهي في “باب السير والجهاد” أن الدار هي الأرض (الإقليم الجغرافي) التي اختصت بالقهر والغلبة من قبل سلطة حاكمة على أناس، إما بالإسلام وإما بالكفر، فإن كانت الغلبة والقهر للمسلمين فهي: دار الإسلام، وإن كانت لغيرهم فهي دار الكفر وهنالك آراء أخرى في المسألة، ومصطلح الدار عند الفقهاء يقابل مصطلح الدولة في القانون الدولي المعاصر إجمالاً.

ومصطلح دار الإسلام ودار الكفر ودار الحرب هي مصطلحات قرآنية نبوية استمدها الفقهاء من نصوص الكتاب والسنة، وبنوا عليها الأحكام الفقهية المترتبة على اختلافها، وصحيح أن هذا التقسيم اجتهادي، لكنه اجتهاد كسائر الاجتهادات الظنية في الفقه الإسلامي المستنبطة من مجموعة نصوص من الكتاب والسنة، فالمدينة المنورة بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم صارت دار إسلام وهجرة، وأما مكة قبل أن يفتحها المسلمون فكانت دار كفر وحرب، وإن لدار الإسلام مرادفات في كلام الفقهاء، وكلها تؤدي إلى معنى واحد منها: دار الإيمان، بلاد الإسلام، دار المسلمين، بلاد المسلمين، ديار المسلمين، ولدار الكفر مرادفات في كلام الفقهاء وكلها تؤدي إلى معنى واحد: دار الحرب، دار الشرك، دار المشركين.

وهنالك تقسيم ثالث، دار الإسلام ودار الحرب ودار العهد والمقصود بدار العهد من كانت على عهد وصلح مع المسلمين، والمقصود بدار الحرب من كانت في معاداة مع المسلمين، والمقصود بدار الإسلام التي يسود فيها الإسلام وأهله، وانقل لكم نبذه قصيرة من تطرق العلماء لهذه التعريفات المتعلقة بتقسيم الدور.

عرّف الحنفية دار الإسلام بأنّها الدار التي تظهر فيها أحكام الإسلام، جاء في البدائع ” لا خلاف عند أصحابنا في أنّ دار الكفر تصير دار إسلام بظهور أحكام الإسلام فيها”.[1]

وذهب أبو حنيفة رحمه الله إلى أنّ دار الإسلام:  كل مكان يعيش المسلم فيه بأمان يستطيع أن يقيم شعائر دينه ولو بعضها بدون خوف كالجُمع فهي دار إسلام، جاء في البدائع :” وجه قول أبي حنيفة رحمه الله : أنّ المقصود من إضافة الدار إلى الإسلام  والكفر، ليس هو عين الإسلام والكفر، وإنّما المقصود هو الأمن والخوف…”[2]، فأي بلد ليس تحت سيطرة المسلمين يضيّق على المسلمين دينهم ويهدد أمنهم على أنفسهم لا يعدّ من أجزاء دار الإسلام. قال الشيباني رحمه الله:” فإنّ دار الإسلام اسم للموضع الذي يكون تحت يد المسلمين، وعلامة ذلك أن يأمن فيه المسلمون”[3]. وهناك تعريف آخر لبعض الحنفيّة أنّ دار الإسلام هي الدار التي يستطيع أن يقيم فيها المسلم بعض أحكام الدين كالجُمع والجماعات جاء في الدرّ المختار:”(ودار الحرب تصير دار إسلام بإجراء أحكام أهل الإسلام فيها) كجمعة وعيد (وإن بقي فيها كافر أصلي وإن لم تتصل بدار الإسلام)”[4].

 

وعند الشافعيّة قال الرافعي- رحمه الله-  عند حديثه عن دار الإسلام وقد قسّمها إلى  ثلاثة أضرب: أحدها: دار يسكنها المسلمون .والثاني: دار فتحها المسلمون، وأقرّوها في يدّ الكفّار بجزية بعدما ملكوها، أو صالحوهم ولم يملكوها. والثالث: دار كان المسلمون يسكنونها، ثمّ جلُّوا، وغلب عليها المشركون. واضاف بقوله :”واعلم أنّ عدّهم الضرب الثالث من دار الإسلام يُبيّن أنه ليس من شرط دار الإسلام أن يكون فيها مسلمون، بل يكفي كونها في يد الإمام واستيلائه”[5].

وعرّفها الحنابلة بأنّها: ” الدار التي نزلها المسلمون وجرى عليها أحكام الإسلام، وما لم تجر عليها أحكام الإسلام لم تكن دار إسلام وإن لاصقها”[6].وفي كتاب الآداب الشرعية في فصل تحقيق دار الإسلام ودار الكفر جاء:” كلّ دار غلب عليها أحكام المسلمين فدار الإسلام، وإن غلب عليها أحكام الكفّار فدار الكفر ولا دار لغيرهما”[7].

وفي الفقه الظاهري الدار تُنسب لما يُحكم بها ولا عبرة بأن يكون أكثر سكّانها أو كلّهم مسلمين, جاء في “المحلّى” :” لأنّ الدار إنّما تُنسب للغالب عليها والحاكم فيها والمالك لها، ولو أنّ كافرا غلب على دار من دور الإسلام وأقرّ المسلمين على حالهم إلاّ أنّه هو المالك لها المنفرد بنفسه في ضبطها وهو معلن بدين غير الإسلام لكفر بالبقاء معه كل من عاونه وأقام معه وإن ادعى أنه مسلم..”[8].

اما من العلماء المعاصرين فقد قال أبو زهرة رحمه الله:” دار الإسلام هي الدولة التي تُحكم بسلطان المسلمين، وتكون المنعة والقوّة فيها للمسلمين”[9].

وقد أخذ عبد القادر عودة رحمه الله بهذا التعريف لدار الإسلام فقال عنها :” تشمل دار الإسلام البلاد التي تظهر فيها أحكام الإسلام، أو يستطيع سكّانها المسلمون أن يظهروا فيها أحكام الإسلام، فيدخل في دار الإسلام كل بلد سكّانه كلّهم مسلمون أو أغلبهم مسلمون، وكلّ بلد يتسلّط عليه المسلمون ويحكمونه ولو كانت غالبيّة السكّان من غير المسلمين ما دام فيه سكّان مسلمون يُظهرون أحكام الإسلام، أو لا يوجد لديهم ما يمنعهم من إظهار أحكام الإسلام”[10].

اما تعريف دار الحرب يرى جمهور أهل العلم أنّ أي بقعة من الأرض غير واقعة تحت سلطان المسلمين، ولا تجري عليها أحكام الإسلام فهي دار كفر، وإذا كان توقّع منها الاعتداء فهي دار حرب[11].

قال السرخسي رحمه الله:” وعن أبي يوسف ومحمد رحمهما الله : إذا أظهروا أحكام الشرك فيها فقد صارت دارهم دار حرب، لأنّ البقعة إنما تنسب إلينا أو إليهم باعتبار القوة والغلبة. فكل موضع ظهر فيه حكم الشرك فالقوة في ذلك الموضع للمشركين فكانت دار حرب”.[12]وورد عن أبي حنيفة رحمه الله :” إنّما تصير دارهم دار الحرب بثلاثة شرائط, أحدها: أن تكون متاخمة أرض الشرك ليس بينها وبين أرض الحرب دار للمسلمين، والثاني: أن لا يبقى فيها مسلم آمن بأمانه ولا ذمّي آمن بأمانه، والثالث: أن يظهروا أحكام الشرك فيها”[13].

وقد ذهب بعض الفقهاء من الشافعية والحنابلة إلى اعتبار دار ثالثة غير دار الإسلام ودار الحرب وهي دار العهد، وهذه الدار لم تخضع لحكم الإسلام ولم تحارب المسلمين، بل دخلت في عهد وصلح مع المسلمين على أن لا تعتدي ولا تعلن الحرب عليهم.جاء في الأحكام السلطانيّة: أن يصالحوا على أنّ الأرضين لهم , ويضرب عليها خراج يؤدّونه عنها، …، ولا تصير أرضهم دار إسلام وتكون دار عهد”[14].وقال ابن القيّم:” أهل الهدنة فإنّهم صالحوا المسلمين على أن يكونوا في دارهم، سواء كان الصلح على مال أو غير مال: لا تجري عليهم أحكام الإسلام كما تجري على أهل الذمّة، لكن عليهم الكفّ عن محاربة المسلمين؛ وهؤلاء يسمّون أهل العهد وأهل الصلح وأهل الهدنة”[15].أمّا جمهور أهل العلم فقد اعتبروا هذه الدار من دار الإسلام وليست دارا مستقلّة، فيؤخذ من سكّانها الجزية على رقابهم وتجري عليهم أحكام الإسلام[16].

 

ولبعض الفقهاء المعاصرين نظرة في تقسيم الدول كما جاء في “بيان للناس الصادر عن الأزهر” أنَّ تقسيم البلاد إلى دار كُفْرٍ وإسلامٍ أمر اجتهاديٌّ من واقع الحال في زمان الأئمة المجتهدين، وليس هناك نصٌّ فيه من قرآنٍ أو سنةٍ. والمحقُّقون من العلماء قالوا: إن مدار الحكم على بلدٍ بأنه بلدُ إسلامٍ أو بلد حرب هو الأمن على الدين، حتى لو عاش المسلم في بلد ليس له دين، أو دينه غير دين الإسلام، ومارس شعائر دينه بحريَّةٍ فهو في دار إسلام، بمعنى أنه لا تجب عليه الهجرة منها”.انتهى الاقتباس.

ويقول فضيلة الشيخ فيصل مولوي نائب رئيس المجلس الأوروبي للبحوث والإفتاء:”إنّ دار الحرب مصطلح فقهي استعمله الفقهاء في مرحلة معيّنة من التاريخ الإسلامي للدلالة على بلاد خارج دار الإسلام وليس بينها وبين دار الإسلام عهد، وبناء على ذلك فإنّ دار الحرب من الناحية الواقعية لا يمكن أن توجد إلاّ بعد وجود دار الإسلام، وفي هذه الحالة فإنّ الحاكم المسلم في دار الإسلام هو الذي يحدّد دار الحرب ودار العهد، ومن ناحية ثانية فإنّ بلاد المسلمين تتفاوت اليوم في اعتبارها دار إسلام أو لا، فالقليل منها كما هو معروف يحتكم إلى الشريعة الإسلامية في أكثر تشريعاته، وأكثرها يحصر التزامه بالأحكام الشرعية في مسائل الأحوال الشخصية منها، وهناك عدد آخر -وإن كان قليلاً- يرفض الخضوع للأحكام الشرعية حتّى في مجال الأحوال الشخصية، وبالتالي فإنّ دار الإسلام بالمعنى الفقهي لا تنطبق على كثير من الدول الإسلامية، لكنّنا نميل إلى اعتبار جميع البلاد الإسلامية، وهي البلاد التي تقطنها أكثرية إسلامية، نميل إلى اعتبارها دار إسلام بحيث يجب إنزال أحكام دار الإسلام عليها والسعي لدى الحكّام إلى تطبيق جميع الأحكام الشرعية، وانطلاقاً من هذا الواقع فإنّنا نعتقد أنّ الدول الإسلامية، أي الحكّام، هم الذين من شأنهم أن يحدّدوا دار الحرب أو دار العهد، وقد اتفق جميع حكّام المسلمين بعد دخولهم في مواثيق الأمم المتحدة على اعتبار دول العالم كلّها دولاً معاهدة وليست دار حرب”.

وسئل الشيخ د‏.‏ يوسف القرضاوي بشأن ما أطلق عليه دار الحرب ودار الإسلام؟ فأجاب عن هذا السؤال بما تعرض له الدكتور عبد الكريم زيدان في كتابه أحكام الذميين والمستأمنين فقال‏:‏ تعرض الإمام الإسبيجابي لهذه المسألة بعد إغارة التتار علي البلاد الإسلامية واستيلائهم علي أجزاء منها،‏ والذي رآه الإمام المذكور هو بقاء تلك البلاد المحتلة من قبل التتار من جملة بلاد الإسلام لعدم اتصالها بدار الحرب؛ ولأن الكفرة لم يظهروا فيها أحكام الكفر فقد ظل القضاة من المسلمين، ثم قال‏:‏ وقد تقرر أن بقاء شيء من العلة يبقي الحكم وقد حكمنا بلا خلاف بأن هذه الديار قبل استيلاء التتار عليها كانت من ديار الإسلام وأنه بعد الاستيلاء عليها بقيت شعائر الإسلام كالآذان والجمع والجماعات وغيرها فتبقي دار إسلام‏، ‏وقال الإمام الحلواني إنما تصير دار الإسلام دار حرب بإجراء أحكام الكفر فيها وألا يحكم فيها بحكم من أحكام الإسلام وأن تتصل بدار الحرب وألا يبقي فيها مسلم ولا ذمي آمنا بالأمان الأول أي بأمان أثبته الشرع بالأيمان أو بعقد الذمة، فإذا وجدت الشرائط كلها صارت دار حرب وعند تعارض الدلائل أو الشرائط فإنه يبقي ما كان علي ما كان أو يترجح جانب الإسلام احتياطا، ألا يري أن دار الحرب تصير دار إسلام بمجرد إجراء أحكام الإسلام فيها إجماعا،‏ والخلاصة المستنبطة من رأي الإمامين الإسبيجابي والحلواني أن دار الإسلام لا تكون دار حرب بمجرد استيلاء دولة كافرة عليها ما دامت تجري فيها بعض أحكام الإسلام‏، ‏وقد خالف ذلك جماعة من الحنفية فرأوا‏:‏ أن البلاد التي استولي عليها التتار وأجروا أحكامهم فيها وأبقوا المسلمين فيها كما وقع في خوارزم وما وراء النهر وخراسان ونحوها‏:‏ صارت دار حرب في الظاهر” انتهى الاقتباس.

وهنالك بعض العلماء المعاصرين يرون أن تسمية دار الحرب لبلاد الكفر لم يعد لها مكان في القاموس الدولي، وأن بلاد غير المسلمين تُسمى دار الدعوة وتعريف دار الحرب كما عرفها الفقهاء بأنها الدار التي لا يأمن المسلم فيها على دمه ولا ماله. ومع ذلك فإن المسلم سواء أكان في دار حرب أم دار عهد أم في دار إسلام فإن مهمته الدعوية لا تنفك عنه أبدا حتى يلقى الله سبحانه وتعالى، والناظر في تاريخنا الإسلامي في السيرة العطرة منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وطوال صفحات الإسلام المشرقة يجد أن المسلمين كانوا دعاة حتى في حروبهم: دعاة بأخلاقهم وسلوكهم قبل أن يكونوا دعاة بأقوالهم وكلامهم، ومن هنا فإن الدعوة في دار الحرب لا تجعل دار الحرب دار إسلام طالما بقي وصفها، فلا منافاة أبدا بين دار الحرب ودار الدعوة.            ومن خلال البحث والدراسة المتعمقة فيما قدمت وفي غيرها وبعيدا عن المشاحة في الاصطلاح، وجدت أن بعض العلماء يعتبرون السيادة وتشريع الأحكام مناط تصنيف الدار أو الدولة إسلامية أم غير إسلامية، وبعضهم يرى أمن المسلمين على دينهم وأموالهم وحياتهم وحريتهم الدينية بكل ما تحمل هذه الكلمات من معاني في مناط تصنيف الدولة أهي محاربة أم معاهدة، والتفصيل منثور في أمهات الكتب.

ولكن المدقق والناظر بفراسة في أقوال جميع العلماء السابقين واللاحقين يجد أن كل من قاتل المسلمين أو شكل تهديدا لهم بحيث لم يأمنوا منه على حياتهم أو لم يأمنوا على دينهم أو أموالهم أو أعراضهم أو حريتهم الدينية أو اغتصب أرضهم ويحكمهم بقوة السيف والنار، ويفرض عليهم أحكامه بقوة السيف أو بأي شكل من أشكال القوة، فهو محارب سواء كان فردا أو حزبا أو مؤسسة أو دولة أو تحالف دول مع مجموعة دول، وأما من أمن المسلمون منه على حياتهم وأموالهم ودمائهم ولم يغتصب أرضهم ولم يمارس عليهم احتلالا فهو معاهد ويترتب أحكام فقهية على دار الحرب ودار العهد.

المسالة الثانية : هل اسرائيل دار حرب؟  

توجّهت أنظار النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى بيت المقدس لضمّها إلى حضن الدولة الإسلامية وذلك لمكانتها المقدّسة عند المسلمين، فهي القبلة الأولى ومسرى النبي ومعراجه إلى السموات العلا، وذلك قبل الهجرة بسنة على خلاف[17]؛ فجهّز النبي صلّى الله عليه وسلّم جيشا بقيادة أسامة بن زيد للتوجّه إلى الشام، وأُنفذ الأمر بعد وفاة النبي في خلافة أبي بكر[18] رضي الله عنه؛ وفّتحت الشام في زمن عمر رضي الله عنه ودخلها عام ستة عشر للهجرة ليستلم مفاتيح بيت المقدس [19].

وظلّت فلسطين تابعة للدولة الإسلاميّة حتى احتلالها بيد بريطانيا عام 1919م في تشرين أوّل[20]، وسلخها عن بلاد الشام بالتقسيم المعروف اليوم في معاهدة سايكس –بيكو عام  1916م[21].في عام 1917م ولدت القضية الفلسطينيّة قانونيا حينما أعطى وزير الخارجية والمستعمرات البريطاني اللورد آرثر بلفور وعدا لليهود بإنشاء وطن قومي لهم على أرض فلسطين [22].

وقد حصلت بين العرب والجيش البريطاني واليهود مواجهات وصدامات عنيفة ومسلّحة، وثورات عدّة لمقاومة الاحتلال والهجرة اليهوديّة إلى فلسطين كان على أثرها عدّة مشاريع لتقسيم فلسطين بين العرب واليهود [23].وفي 29 تشرين ثاني عام 1947 وافقت الجمعية العامّة على قرار تقسيم فلسطين إلى دولتين، بأغلبيّة 33 صوتا ضد 12 وامتناع عشر دول، الذي تضمّن إنهاء الانتداب البريطاني على فلسطين وحتى موعد أقصاه 1 آب 1948م وسحب القوات المسلّحة منها، وقد رفض العرب قرار التقسيم وبيّنت الهيئة العربيّة العليا معارضتها للأسباب الآتية: أعطى قرار التقسيم لليهود جزءا ثمينا من فلسطين بغير حق، وإجلاء الكثير من العرب عن موطنهم، وضع شعب غريب في قلب الوطن العرب الأمر الذي يهدد الأمن في الشرق، وضع عرب فلسطين اقتصاديا تحت رحمة اليهود، وجعل القدس تحت إشراف الأمم المتحدة أي إخراجها من يد العرب[24].

وبعد حرب ومقاومة من العرب للبريطانيين واليهود، أعلن بتاريخ 14 أيّار 1948م عن قيام دولة إسرائيل، وذلك على لسان دافيد بن غوريون رئيس مجلس الدولة المؤقّت [25]، وقد أصبحت فلسطين بعد انتهاء معارك 1948-1949م مقسّمة ثلاثة أقسام: ما يعادل 77.4% من مساحة فلسطين أقيمت عليه دولة إسرائيل، 20.3% ما يعرف بالضفة الغربيّة أُلحق بإمارة الأردن، و2.3% ما يعرف بقطاع غزّة وضع تحت الإدارة المصريّة[26]؛ وفي عام 1967 أكملت إسرائيل احتلالها للأرض الفلسطينيّة المتبقيّة بعد هزيمة ثلاثة جيوش عربيّة : مصر وسوريا والأردن[27].

وفي يناير سنة 1956م أصدرت لجنة الفتوى بالأزهر الشريف برئاسة الشيخ حسنين مخلوف فتواها بشأن الموقف الإسلامي من إنشاء ما يُسمى، دولة إسرائيل ومن الدولة الاستعمارية التي تساندها ومن الصلح معها، وكان الجواب التالي:

جواب لجنة الفتوى بالأزهر الشريف:

اجتمعت لجنة الفتوى بالجامع الأزهر في يوم الأحد 18 جمادى الأولى سنة 1375هـ الموافق (أول يناير سنة 1956م) برئاسة السيد صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ حسنين محمد مخلوف عضو جماعة كبار العلماء ومفتي الديار المصرية سابقًا وعضوية السادة أصحاب الفضيلة الشيخ عيسى منون عضو جماعة كبار العلماء وشيخ كلية الشريعة سابقا (الشافعي المذهب) والشيخ محمد شلتوت عضو جماعة كبار العلماء (الحنفي المذهب) والشيخ محمد الطنيخي عضو جماعة كبار العلماء ومدير الوعظ والإرشاد (المالكي المذهب) والشيخ محمد عبد اللطيف السبطي عضو جماعة كبار العلماء ومدير التفتيش بالأزهر (الحنبلي المذهب) وبحضور الشيخ زكريا البري أمين الفتوى.

ونظرت في  الاستفتاء الآتي وأصدرت فتواها التالية:

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين…

أما بعد فقد اطلعت لجنة الفتوى بالأزهر الشريف على الاستفتاء المقدم إليها عن حكم الشريعة الإسلامية في إبرام الصلح مع إسرائيل التي اغتصبت فلسطين من أهلها وأخرجتهم من ديارهم وشردتهم نساء وأطفالا وشيبًا وشبانًا في آفاق الأرض، واستلبت أموالهم واقترفت أفظع الآثام في أماكن العبادة والآثار والمشاهد الإسلامية المقدسة، وعن حكم التواد والتعاون مع دول الاستعمار التي ناصرتها وتناصرها في هذا العدوان الأثيم وأمدتها بالعون السياسي والمادي لإقامتها دولة يهودية في هذا القطر الإسلامي بين دول الإسلام وعن حكم الأحلاف التي تدعو إليها دول الاستعمار والتي في مراميها تمكين إسرائيل ومن ورائها الدول الاستعمارية أن توسع بها رقعتها وتستجلب بها المهاجرين إليها، وفي ذلك تركيز لكيانها وتقوية لسلطانها مما يضيق الخناق على جيرانها ويزيد في تهديدها لهم ويهيئ للقضاء عليهم.

وتفيد اللجنة أن الصلح مع إسرائيل كما يريده الداعون إليه، لا يجوز شرعًا لما فيه من إقرار الغاصب على الاستمرار في غصبه، والاعتراف بحقية يده على ما اغتصبه، وتمكين المعتدي من البقاء على دعواه، وقد أجمعت الشرائع السماوية والوضعية على حرمة الغصب ووجوب رد المغصوب إلى أهله كما حثت صاحب الحق على الدفاع والمطالبة بحقه، ففي الحديث الشريف: “من قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قٌتل دون عرضه فهو شهيد” وفي حديث آخر “على اليد ما أخذت حتى ترد” فلا يجوز للمسلمين أن يصالحوا هؤلاء اليهود الذين اغتصبوا أرض فلسطين واعتدوا فيها على أهلها وعلى أموالهم على أي وجه يُمكِّن اليهود من البقاء كدولة في أرض هذه البلاد الإسلامية المقدسة، بل يجب عليهم أن يتعاونوا جميعًا على اختلاف ألسنتهم وألوانهم وأجناسهم لرد هذه البلاد إلى أهلها، وصيانة المسجد الأقصى مهبط الوحي ومصلى الأنبياء الذي بارك الله حوله، وصيانة الآثار والمشاهد الإسلامية من أيدي هؤلاء الغاصبين وأن يعينوا المجاهدين بالسلاح وسائر القوى على الجهاد في هذا السبيل وأن يبذلوا فيه كل ما يستطيعون حتى تطهر البلاد من آثار هؤلاء الطغاة المعتدين.

قال تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ…) ([28])، ومن قصر في ذلك أو فرط فيه أو خذل المسلمين عنه أو دعا إلى ما من شأنه تفريق الكلمة وتشتيت الشمل والتمكين لدول الاستعمار والصهيونية من تنفيذ خططهم ضد العرب والإسلام وضد هذا القطر العربي والإسلامي، فهو في حكم الإسلام مفارق للجماعة المسلمة ومقترف أعز الآثام، ويعلم الناس جميعًا أن اليهود يكيدون للإسلام وأهله ودياره أشد الكيد منذ عهد الرسالة إلى الآن، وأنهم يعتزمون أن لا يقفوا عند حد الاعتداء على فلسطين والمسجد الأقصى وإنما تمتد خططهم المدبرة إلى امتلاك البلاد الإسلامية الواقعة بين نهري النيل والفرات، وإذا كان المسلمون جميعًا في الوضع الإسلامي وحدة لا تتجزأ بالنسبة إلى الدفاع عن بلاد الإسلام، فإن الواجب شرعًا أن تجتمع كلمتهم لدرء هذا الخطر والدفاع عن البلاد واستنقاذها من أيدي الغاصبين، قال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا…) ([29]) وقال تعالى:(إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ  يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ  وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ  فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم) ([30])، وقال تعالى:(الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) ([31]).

وأما التعاون مع الدول التي تشد أزر هذه الفئة الباغية وتمدها بالمال والعتاد وتُمكِّن لها من البقاء في  الديار فهو تعاون غير جائز شرعًا، لما فيه من الإعانة لها على هذا البغي والمناصرة لها في موقفها العدائي ضد الإسلام ودياره

قال تعالى: (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) ([32])، وقال تعالى: (لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) ([33]).

وقد جمع الله سبحانه في آية واحدة جميع ما تخيله الإنسان من دوافع الحرص على قراباته وصِلاته وعلى تجارته التي يخشى كسادها، وأمر بمقاطعة الأعداء وحذر المؤمنين من التأثر النفسي بشيء من ذلك واتخاذه سببًا لموالاتهم، فقال تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) ([34]).

ولا ريب أن مظاهرة الأعداء وموادتهم يستوي فيها إمدادهم بما يقوي جانبهم ويثبت أقدامهم بالرأي والفكرة وبالسلاح والقوة-سرًّا وعلانية- مباشرة وغير مباشرة، وكل ذلك مما يحرم على المسلم مهما تخيل من أعذار ومبررات، ومن ذلك نعلم أن هذه الأحلاف التي تدعو إليها الدول الاستعمارية وتعمل جاهدة لعقدها بين الدول الإسلامية ابتغاء الفتنة وتفريق الكلمة والتمكين لها في البلاد الإسلامية والمضي في تنفيذ سياساتها حيال شعوبها، لا يجوز لأية دولة إسلامية أن تستجيب لها وتشترك معها لما في ذلك من الخطر العظيم على البلاد الإسلامية وبخاصة فلسطين الشهيدة التي سلمتها هذه الدول الاستعمارية إلى الصهيونية الباغية نكاية في الإسلام وأهله، وسعيًا لإيجاد دولة لها وسط البلاد الإسلامية لتكون تكأة لها في تنفيذ مآربها الاستعمارية الضارة بالمسلمين في أنفسهم وأموالهم وديارهم، وهي في الوقت نفسه من أقوى مظاهر الموالاة المنهي عنها شرعًا والتي قال الله تعالى فيها: (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ…)([35])، وقد أشار القرآن الكريم إلى أن موالاة الأعداء إنما تنشأ من مرض في القلوب يدفع أصحابها إلى هذه الذلة التي تظهر بموالاة الأعداء فقال تعالى: (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ) ([36]).

وكذلك يحرم شرعًا على المسلمين أن يمكنوا إسرائيل ومَن وراءها من الدول الاستعمارية التي كفلت لها الحماية والبقاء من تنفيذ تلك المشروعات التي يُراد بها ازدهار دولة اليهود وبقاؤها في رغد من العيش وخصوبة في الأرض حتى تعيش كدولة تناوئ العرب والإسلام في أعز دياره، وتفسد في البلاد أشد الفساد وتكيد للمسلمين في أقطارهم، ويجب على المسلمين أن يحولوا بكل قوة دون تنفيذها ويقفوا صفًّا واحدًا في الدفاع عن حوزة الإسلام، وفي إحباط هذه المؤامرات الخبيثة التي من أولها هذه المشروعات الضارة، ومَن قَصَّر في ذلك أو ساعد على تنفيذها أو وقف موقفًا سلبيًّا منها فقد ارتكب إثمًا عظيمًا.

وعلى المسلمين أن ينهجوا نهج الرسول صلى الله عليه وسلم ويقتدوا به،وهو القدوة الحسنة في موقفه من أهل مكة وطغيانهم بعد أن أخرجوه ومعه أصحابه رضوان الله عليهم من ديارهم، وحالوا بينهم وبين أموالهم وإقامة شعائرهم ودنسوا البيت الحرام بعبادة الأوثان والأصنام، فقد أمره الله تعالى أن يعد العدة لإنقاذ حرمه من أيدي المعتدين وأن يُضيِّقَ عليهم سُبل الحياة التي بها يستظهرون فأخذ عليه الصلاة والسلام يضيق عليهم في اقتصادياتهم التي عليها يعتمدون، حتى نشبت بينه وبينهم الحروب، واستمرت رحى القتال بين جيش الهدى وجيوش الضلال، حتى أتم الله عليه النعمة، وفتح على يده مكة، وقد كانت معقل المشركين فأنقذ المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، وطهر بيته الحرام من رجس الأوثان، وقلَّم أظافر الشرك والطغيان.

وما أشبه الاعتداء بالاعتداء، مع فارق لا بد من رعايته وهو أن مكة كان بلدًا مشتركًا بين المؤمنين والمشركين، ووطنًا لهم أجمعين بخلاف أرض فلسطين فإنها ملك للمسلمين وليس لليهود فيها حكم ولا دولة، ومع ذلك أبى الله تعالى إلا أن يظهر في مكة الحق ويخذل الباطل ويردها إلى المؤمنين، ويقمع الشرك فيها والمشركين فأمر سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بقتال المعتدين قال تعالى: (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ..)([37]).

والله سبحانه وتعالى نبه المسلمين على رد الاعتداء بقوله تعالى: (…فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ…) ([38]) ومن مبادئ الإسلام محاربة كل منكر يضر العباد والبلاد، وإذا كانت إزالته واجبة في كل حال، فهي في حالة هذا العدوان أوجب وألزم. فإن هؤلاء المعتدين لم يقف اعتداؤهم عند إخراج المسلمين من ديارهم وسلب أموالهم وتشريدهم في البلاد وحسب، بل تجاوز ذلك إلى أمور تقدسها الأديان السماوية كلها وهي احترام المساجد وأماكن العبادة وقد جاء في ذلك قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَـئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) ([39]).

أما بعد فهذا هو حكم الإسلام في قضية فلسطين وفي شأن إسرائيل والمناصرين لها من دول الاستعمار وغيرها، وفيما تريده إسرائيل ومناصروها من مشروعات ترفع من شأنها، وفي واجب المسلمين حيال ذلك تبينه لجنة الفتوى بالأزهر الشريف، وتهيب بالمسلمين عامة أن يعتصموا بحبل الله المتين، وأن ينهضوا بما يحقق لهم العزة والكرامة وأن يقدموا عواقب الوهن والاستكانة أمام اعتداء الباغين وتدبير الكائدين، وأن يجمعوا أمرهم على القيام بحق الله تعالى وحق الأجيال المقبلة في ذلك، إعزازًا لدينهم القويم.   نسأل الله تعالى أن يثبت قلوبهم على الإيمان به وعلى نصرة دينه وعلى العمل بما يرضيه والله أعلم.

عيسى منون، عضو لجنة الفتوى وعضو جماعة كبار العلماء وشيخ كلية الشريعة (الشافعي المذهب)

محمد الطنيخي، عضو لجنة الإفتاء وجماعة كبار العلماء ومدير الوعظ والإرشاد (المالكي المذهب)

حسنين محمد مخلوف، رئيس لجنة الفتوى وعضو جماعة كبار العلماء، ومفتي الديار المصرية سابقاً

محمود شلتوت، عضو لجنة الفتوى وجماعة كبار العلماء (الحنفي المذهب).

 

المسالة الثالثة : أين نحن من كل ما ذكر أعلاه؟ وكم من الامة الاسلامية يدرك موقعنا الجغرافي وما علاقتنا المعيشية باليهود الاسرائيليين ؟ وما هو التكييف الفقهي لواقعنا المعيشي في فلسطين48؟ ولماذا نحمل الجنسية الاسرائيلية أصلا؟  هل التكيف الفقهي لعلماء الأمة الإسلامية بخصوص ” إسرائيل”  يلزمنا؟  وهل ينطبق حالهم على حالنا نحن؟ وهل نحن في التكييف والحكم والنظرة والسلوك سواء؟

لا بد أن نكيف وضعنا وحالتنا المعيشية اليومية المرتبطة بالواقع الذي نعيشه يوميا، ولا بد أن نعي ونستوعب حقيقة الواقع الذي نعيشه،وفي ظل الميديا المعاصرة ولا بد أن نفقه كيفية التعايش اليومي في حياتنا اليومية العملية وبين ما قاله علماء الأمة الإسلامية المعتمدين في تكييفهم “لإسرائيل”، لا بد أن نفقه الواقع وان نفقه السلوك وأن نفقه الاعتقاد وان نفقه المنشود وان نفقه الموجود، لا يمكن لأي فقيه يعيش خارج حدود فلسطين 1948م أن يشبع الإجابة عن أية مسألة نزلت بنا نحن في الداخل الفلسطيني وخاصة في المسائل التي تتعلق بالاجتهاد التطبيقي والتي تحتاج إلى فهم الواقع المعاش، إذ لا ينفك الاجتهاد عن فهم الواقع المعيشي، فالاجتهاد في الشريعة الإسلامية ينقسم إلى قسمين، قسم يتعلق بالاستنباط، والقسم الآخر يتعلق بالتطبيق، وقد كان لي الحظ الوافر في “رسالة الماجستير” أن اكتب عن الخطط التشريعية التي لها علاقة بالاجتهاد التطبيقي، والتي ستأتي معنا في حلقات لاحقة، ولا بد قبل الاجتهاد التطبيقي من النظر للواقع المعاش حتى يكيف الفقيه الفتوى بما يتلاءم مع أحكام الشرع بحيث لا يبتر جزئياته عن كلياته، فالعلم بالواقع ضرورة للمفتي وضرورة للفتوى، وربما ينتج عن “فتاوى نسخ لصق” دون النظر والتمحيص مفاسد أو دفع مصالح  بسبب تغييب الواقع المعيشي.

يقول الشيخ القرضاوي -حفظه الله تعالى-: “ولا يستطيع  هذا الاجتهاد المعاصر المرجو أن يؤدي مهمته، ويحقق غايته، ويؤتي ثمرته، إلا إذا ضم فقه النصوص والأدلة: فقه الواقع المعيشي، فالفقيه أشبه بالطبيب ولا يمكن للطبيب أن يصف الدواء للمريض إلا إذا عاينه وفحصه وسأله وعرف تاريخ مرضه، وحجمه ومداه، فاستطاع بذلك أن يشخص الداء ويصف الدواء الملائم.” ([40]) .

ويقول ابن القيم –رحمه الله-: “ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم أحدهما فهم الواقع والفقه فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات، حتى يحيط به علما، والنوع الثاني فهم الواجب في الواقع وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع ثم يطبق أحدهما على الآخر، فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجر”([41]).

علينا أن نحدد واقعنا المعيشي، وعلينا أن نكيف واقعنا المعيشي، هنالك فرق بين فقه الواقع المعيشي على علاته وبين ما تنشد وترجو وتعتقد وتتمنى، وكما قال الشيخ القرضاوي حفظه الله: إن المهم النظر في تاريخ الواقع وعبر عن ذلك بتاريخ المرض، وهذا الذي ينبغي أن  نشخصه، علينا أن نكيف أنفسنا من حيث الواقع المعيشي لا من حيث الأماني والرجاء والاعتقاد والتاريخ، ولا يتعارض هذا مع ذاك أبدا لمن فقه المسألة.

لقد تقاسمت بريطانيا وفرنسا العالم العربي بموجب اتفاقيه سايكس-بيكو سنه 1916م ووقعت فلسطين بموجب هذه الاتفاقية تحت الانتداب البريطاني([42])، وبتاريخ 2/11/1917م أصدر وزير خارجية بريطانيا آنذاك اللورد آرثر بلفور وعداً لليهود بإنشاء وطن قومي للشعب اليهودي على أرض فلسطين([43])، ففي هذه السنة ولدت القضية الفلسطينية  قانونيا، فهي قضية نضال مشروع لشعب باتت أرضه محتلة بحكم بريطاني مباشر ومهددة باحتلال صهيوني غير مباشر([44]) .

وفي تشرين أول (أكتوبر) سنة 1917م دخلت بريطانيا فلسطين([45])، وفي يوم السبت 29 تشرين ثاني (نوفمبر) 1947 وافقت الجمعية العامة على قرار تقسيم فلسطين إلى دولتين، بأغلبية 33 صوتاً ضد12وامتناع عشرة دول، وهو القرار الذي تضمن إنهاء الانتداب البريطاني على فلسطين في أقرب وقت وفي موعد أقصاه 1آب 1948م وسحب القوات المسلحة التابعة للسلطة المنتدبة، وقد رفض العرب قرار التقسيم رفضا قاطعا، وقد بينت الهيئة العربية العليا معارضتها للتقسيم للأسباب الآتية:

لقد أعطى قرار التقسيم لليهود الأجانب جزءًا ثمينا من بلادهم العربية.وإجلاء الكثير من العرب عن موطنهم.وضع شعب غريب في قلب الوطن العربي، الأمر الذي يهدد الأمن في الشرق.وضع عرب فلسطين اقتصاديا تحت رحمة اليهود.جعل مدينة القدس تحت إشراف الأمم المتحدة أي إخراجها من يد العرب([46]).

وبعد قرار التقسيم اندلعت المعارك بين المقاتلين العرب من شتى الأقطار العربية مع أبناء فلسطين من جهة، وبين اليهود من جهة أخرى بناء على قرار مجلس الجامعة العربية وممثل عن الهيئة العربية العليا حيث قرروا رفض قرار التقسيم وأخذ التدابير الحازمة لإحباط مشروع   التقسيم وصمموا وعقدوا العزم على خوض المعركة حتى النصر وقد صمد المقاتلون العرب صمودا مذهلا على الرغم من الأخطاء القيادية والتنظيمية([47]) وفي يوم السبت الموافق 14 إيار (مايو) سنة 1948م أعلن مجلس الدولة المؤقت بلسان رئيسه دافيد بن غوريون الإعلان عن قيام دولة إسرائيل([48])  وقد جاء في إعلان مجلس الدولة المؤقت:

(أرض إسرائيل هي مهد الشعب اليهودي، هنا تكونت هويته الروحية والدينية والسياسية، وهنا  أقام دولته للمرة الأولى وخلق قيما حضارية ذات مغزى قومي وإنساني جامع، وفيها أعطى للعالم كتاب الكتب الخالد، كما أعلن البيان عن فتح دولة إسرائيل أبوابها للهجرة اليهودية، وكانت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية أول دولة تعترف بالحكومة الإسرائيلية المؤقتة) ([49]).

وبتاريخ 14 أيار 1948م رحل آخر جندي بريطاني عن مدينة القدس وبذلك زال الانتداب البريطاني عن فلسطين وقامت إسرائيل على أرض فلسطين العربية([50]).

وبتاريخ 16/11/1948م اتخذ مجلس الأمن قرار يحمل الرقم 62 يقضي بإقامة هدنة في جميع أنحاء فلسطين([51]) وبتاريخ 24/2/49 وقعت اتفاقية الهدنة الدائمة بين إسرائيل ومصر، وبتاريخ 23/3/1949م تبعتها لبنان وثم الأردن بتاريخ 3/4/1949، وأخيرا وقعت اتفاقية الهدنة مع سوريا بتاريخ 20/ 7/ 1949م([52]).

بعد قيام إسرائيل على معظم الأراضي الفلسطينية، تم تهجير غالبية أبناء الشعب الفلسطيني، وبقي منهم في إسرائيل حوالي 156،000 وقد أصبح العرب في إسرائيل بعد قيامها  في حدود وقف إطلاق النار أقلية تمثل 17% من مجموع سكان إسرائيل في ذلك الوقت.

عاش معظم أبناء الشعب الفلسطيني 80% في الريف والقرى الفلسطينية، وعاشت أقلية (20%) في المدن الفلسطينية، وفي عام 1949م ضم المثلث إلى إسرائيل بموجب اتفاقيه رودوس.

لقد مرت ظروف سريعة ومتلاحقة على فلسطين من حيث الهوية والتعريف والأوراق والمستندات، إذ اختلط كل شيء، وأصبحنا نحن  الفلسطينين الذين نعيش على أرضنا نحمل جنسية إسرائيلية، ونصنف كأقلية في دولة ذات أغلبية يهودية، هكذا ينظر إليَّنا وحتى هذه اللحظة… لم تسعفنا الحروب ولم تسعفنا اتفاقيات السلام عن الخروج عن هذا التعريف… أصبحت حياتنا كلها مختلطة مع اليهود في جميع مجالاتها، ندرس في جامعات إسرائيل ومنا من يحاضر في جامعاتهم ونتعالج  في مستشفيات إسرائيل منا اطباء كثر  يعالجونهم في مستشفياتهم…أكثر من نصف البيوت بُنيت على يد مقاولين عرب وكذلك تعبيد الشوارع نحن وهم نعمل مع بعضنا البعض، هم يدركون أننا من حيث الاعتقاد لن نتخلى عن عقيدتنا وتاريخنا…لكننا استطعنا أن نتعايش بما فرض الواقع المعيشي علينا من ضروريات التعايش.

إذن نحن حالة استثنائية نرد فيها على اليهود الإسرائيليين ويردون علينا، ونلازمهم ويلازموننا، ونأكل من طعامهم، ونتزوج من نسائهم (بشروط وضوابط)، ونشتري منهم ويشترون منا، ونعمل عندهم ويعملون عندنا، ونرافقهم ويرافقوننا، نحن حالة استثنائية عن الأمة كلها، مع أنه في بعض الظروف والمراحل استعد أحد كبار فقهاء الأمة في بعض فتاويه أن يعترف بإسرائيل من باب الضرورة اجاب الشيخ القرضاوي -ردًّا على سؤال بمؤتمر صحفي عما إذا كانت لديه رسالة إلى القمة إلى القادة العرب المشاركين في قمة الرياض، وذلك عندما كان في الجزائر بتاريخ 26/03/2007م، وفحوى هذه الرسالة تتعلق بالقضية الفلسطينية والدولة الفلسطينية، وحتى لا أتقول على أحد أو أزايد على أحد، فإنني سأقتبس كلامه بالحرف الواحد من خلال ما نشر في وسائل الإعلام بل وسأقتبس كلامه من موقع الخاص به، فقد جاء النص حرفيا على النحو الآتي: الجزائر –موقع القرضاوي 29-3-2007 وجه العلامة الدكتور يوسف القرضاوي -رئيس مؤسسة القدس الدولية- رسالة إلى القادة العرب المشاركين في قمة الرياض، يحثهم فيها على عدم اتخاذ أية خطوة نحو تطبيع العلاقات مع إسرائيل ما لم تنسحب من الأراضي المحتلة، وتسمح بإقامة دولة فلسطينية.

“هناك اتجاهات في القمة، بعض الناس (دول عربية) قامت بالتطبيع مع إسرائيل، وبعضها ترفض الفكرة.. لن نطبع، ولا نقبل التطبيع ما دام الاحتلال قائما”. وتابع قائلا: “نحن لا نقبل التطبيع مع إسرائيل إلا إذا قامت دولة فلسطينية حقيقية تملك سماءها وحدودها وحق الدفاع عن نفسها، وفي هذه الحالة فقط قد نفكر في الاعتراف بإسرائيل إذا كانت هناك ضرورة”.واعتبر “أن الدولة الفلسطينية التي رسمت معالمها إسرائيل تبقى دولة وهمية، وبالاسم فقط؛ لأنها تخدم مصالح إسرائيل والاحتلال الصهيوني”.ولفت القرضاوي -الذي كان يتحدث على هامش المؤتمر الخامس لمؤسسة القدس الذي عقد في الجزائر بحضور شخصيات إسلامية ومسيحية- إلى أن مؤسسة القدس لا تتدخل فيما يقرره القادة العرب، إلا أنه شدد في الوقت نفسه على رفضه التطبيع قبل انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة، وقيام الدولة  الفلسطينية.” انظر

http://www.qaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=4988&version=1&template_id=187&parent_id=18

ومن المعلوم أن الفتوى لا تنسخ  الفتوى بل في أصول الفقه نقول في المسألة اجتهادات وفي المسألة للعالم الواحد أكثر من قول، إذا كان حال الشيخ القرضاوي في بعض ظروف الأمة الإسلامية قد صدر عنه ما صدر فما بالك بنا نحن من نحمل الجنسية الإسرائيلية طوعا أو كرها فليس هذا موضوعي إنما الظروف وما ألت إليه بنا الأقدار.

 المسالة الرابعة: التبرع بالأعضاء في الفقه الاسلامي

كتب الدكتور محمد نعيم ياسين في كتابه “أبحاث فقهية في قضايا طبية معاصرة”[53]، صادر عن دار النفائس، الأردن 1996م، من ص 184-186. قال: تضمن البحث عدة مبادئ وأحكام فقهيّة تتعلق بالتبرع بالأعضاء الآدمية، نلخصها فيما يأتي:

أولاً: جسد الإنسان يتعلق به حق الله عز وجل وحق العبد صاحبه، وهما حقّان متمازجان ومتلازمان في الجسد الآدمي من حيث الوجود والعدم.

ثانياً: يسقط حق العبد بتنازله عنه، ويشترط عندئذ أن لا يؤدي هذا التنازل إلى إسقاط حق الله المرتبط به، ولا يسقط حق الله إلا إذا تعين إسقاطه حماية لحق آخر أولى بالرعاية، لكونه أعظم نفعاً للجماعة، ويشترط عندئذ أن لا يكون إسقاط حق الله سبباً في إسقاط حق العبد المتعلق به    دون إرادته.

ثالثاً: وبناء على هذه النظرية يجوز إسقاط حق الله في عضو من أعضاء جسد إنسان معين إذا تنازل صاحب العضو عن حقّه، وكان هذا التنازل سبباً وحيداً لإنقاذ مصلحة جسدية في إنسان آخر، أعلى في مرتبتها من المصلحة التي تفوت بتنازل صاحب العضو عن حقه فيه.

رابعاً: يشترط لجواز التبرع بالعضو الشروط الآتية:

أن يهتدي العلماء المختصون إلى قياس علمي صحيح ومنضبط للمفسدة الواقعة على الشخص المراد التبرع له بالنظر إلى حالته المَرضيّة، ولمقدار المفاسد العاجلة والآجلة التي تترتب على قطع العضو من المتبرِّع، وللمصالح التي تتحقق للمتبرِّع له بنقل العضو به إليه.

أن تكون نتيجة الموازنة بين تلك المصالح والمفاسد مظهرة بصورة جليّة لتفوق مصالح التبرع على مصالح الإبقاء.

أن يكون التبرع بالعضو هو السبيل الوحيد لإنقاذ المتبرِّع له مما هو فيه.

أن لا يكون التبرع سبباً لتفويت حق آخر لله تعالى غير حقه على العضو المتبرع به، كما لو أدى التبرع إلى مفاسد اجتماعيَّة أو خلقية تتعارض مع مقصد شرعي.

أن لا يقوم في المتبرّع له سبب شرعي لحرمانه من حق الحياة.

أن لا يكون التبرع سبباً أكيدا للإساءة إلى الكرامة الآدمية. ويعتبر كذلك إذا كان التبرع بالعضو لجهة يغلب على ظنّ المتبرّع أنها تتاجر بأجزاء الجسد الإنساني، وتستغلّ حاجة المرضى، وتتخذ ذلك أسلوبا للربح.

أن يكون المتبرع كامل الأهلية عند التبرع وعند البدء بتنفيذه، أما الميت فتعتبر وصيته بعضوه، وتنفيذ بعد موته، وله أن يرجع عنها قبل موته، ولا قيمة لإذن الورثة إذا لم يكن الميت قد أوصى بعضو من أعضائه.

أن يكون تنفيذ عمليات غرس الأعضاء تحت إشراف مؤسسات رسمية مؤهلة علميا وخلقيا، وللتحقق من الشروط والمسوغات.

خامساً: وبناء على ما تقدّم من القواعد الشرعيّة وشروط تطبيقها على التبرع بالأعضاء يمكن استخلاص الأحكام التفصيلية الآتية:

يجوز التبرع بما يتجدد من أجزاء الجسم كالدم ونخاع العظام والجلد بقيود تمنع الضرر عن المتبرع والمستفيد.

لا يجوز التبرع بأي عضو يتوقف عليه استمرار الحياة؛ لأنه انتحار، وهو من أعظم الكبائر.

الأصل أنه لا يجوز التبرع بالعضو الوحيد في الجسد، وإن كان فقده لا يفضي إلى الموت كاللسان والبنكرياس والعين التي تلفت أختها والقضيب، ويستثنى من هذا الأصل العضو المنفرد الذي يفقد وظيفته بالنسبة لصاحبه، ويبقى صالحا في ذاته، كالرحم اذا تلفت مبايض صاحبته، فيحتمل القول بجواز التبرع به لامرأة تلف رحمها، وعندها مبايض سليمة، وذلك بقيود وشروط مفصلة في البحث.

يجوز التبرع بعضو له مثيل صالح بالجسد، إذا كان ذلك سبباً أكيداً لإنقاذ المستفيد من الموت، ولا يترتب عليه إحداث علل مستمرة في المتبرع أو المستفيد، فإذا ترتبت عليه مخاطر صحيّة لم يكن جائزاً، أما إذا لم يكن المستفيد على شرف الهلاك، وإنما يحتاج إلى العضو لإنقاذه من عاهة، فإن كان عنده مثله لم يجز التبرّع، وإن لم يكن عنده مثله فالأمر يحتمل القول بالجواز وبعدمه، وقد رجحت في البحث عدم جواز مثل هذا التبرع لأسباب مذكورة فيه.

يحرم التبرع بأي عضو تناسلي يتعارض التبرع به مع مقصد الشريعة في حفظ الأنساب من الاختلاط، ويؤدي إلى تكوين النسل عن غير طريق الزواج، فلا يجوز التبرع بالمني والبويضة والخصية، ويحرم التبرع بالقضيب؛ لأنه عضو منفرد في الجسد، وله وظائف أساسية أخرى غير الوظيفة الجنسيّة.

يجوز أخذ العضو من الميت بناء على وصيته، ولا يستثنى من ذلك سوى الأعضاء التي أثبت العلم أن لها دخلا في الأنساب” أهـ.

نستمر في الاقتباس حول مسألة نقل الأعضاء مما كتبه وبحثه علماء الأمة الإسلامية وهذا منقول عن كتاب “منهج  استنباط أحكام النوازل الفقهية المعاصرة” واصل الكتاب رسالة دكتوراه للباحث الدكتور مسفر بن علي بن محمد القحطاني، دار ابن حزم الطبعة الأولى 2003م، من ص 676 – 687، وقد جاءت المسألة تحت عنوان  بعض النوازل المعاصرة في الأمور الطبية، يقول الباحث: “نقل وزراعة الأعضاء المعنى: تعتبر مسألة نقل وزراعة الأعضاء من المهمات الجراحية الحديثة التي طرأت في العصر الحاضر منذ سنوات قريبة، وقد كان فعلها قبل يُعد ضرباً من المستحيل والخيال، وهذه المهمة تشتمل على ثلاث مراحل هي:

المرحلة الأولى: أخذ العضو من الشخص المتبرع أو الحيوان المنقول منه.

المرحلة الثانية: بتر نظيره، وتهيئة أطرافه في الشخص المنقول إليه.

المرحلة الثالثة: وضع العضو المنقول في موضعه المهيأ له في الشخص المنقول إليه.

ولا يخلو المنقول منه العضو من أن يكون إنسانا سواء أكان حياً أو ميتاً أو يكون حيواناً أو يكون حيواناً سواء كان ميتة أو مذكى.

وقد تكلم الفقهاء المتقدمون – رحمهم الله- على بعض المسائل القريبة من موضوعنا بصورة مجملة يمكن تخريج هذه النازلة عليها، أما أن يكونوا تكلموا فيها حقيقة أو صراحة فهذا لم يكن موجوداً في كتبهم وغير معروف في عصورهم لذلك اجتهد العلماء والباحثون في العصر الحاضر في معرفة حكم الشرع في هذه النازلة([54])

لقد صدرت في هذه النازلة فتاوى عديدة من الأفراد والهيئات والمجامع الطبية وكُتِبَ فيها العديد من البحوث والمقالات تباينت فيها وجهات النظر واختلف الفقهاء المعاصرون في حكمها بين من يرى الجواز ومن يرى عدمه([55]) أما عن رأي مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي فقد اطلع على الكثير من الأبحاث الفقهية والطبية الواردة إليه بخصوص انتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسان آخر حياً أو ميتاً، وفي ضوء المناقشات التي وجهت الأنظار إلى أن هذا الموضوع أمر واقع فرضه التقدم العلمي والطبي، وظهرت نتائجه الايجابية المفيدة والمشوبة في كثير من الأحيان بالأضرار النفسية والاجتماعية الناجمة عن ممارسة من دون الضوابط والقيود الشرعية التي تصان بها كرامة الإنسان، مع إعمال مقاصد الشريعة الإسلامية الكفيلة بتحقيق كل ما هو خير ومصلحة غالبة للفرد والجماعة، والداعية إلى التعاون والتراحم والإيثار، وبعد حصر هذا الموضوع في النقاط التي يتحرر فيها محل البحث وتنضبط تقسيماته وصوره وحالاته التي تختلف فيها الأحكام تبعاً لها، قرر ما يلي:

من حيث التعريف والتقسيم:

أولاً: يقصد هنا بالعضو أي جزء من الإنسان، من أنسجة وخلايا ودماء ونحوها، كقرنية العين، سواء أكان متصلاً به، أم منفصلاً عنه.

ثانياً: الانتفاع الذي هو محل البحث، هو استفادة دعت إليها ضرورة المستفيد لاستبقاء أصل الحياة أو المحافظة على وظيفة أساسية من وظائف الجسم كالبصر ونحوه، على أن يكون المستفيد يتمتع بحياة محترمة شرعاً.

ثالثاً: تنقسم صور الانتفاع هذه إلى الأقسام التالية:

نقل العضو من حي.

نقل العضو من ميت.

النقل من الأجنة.

الصورة الأولى: وهي نقل العضو من حي، وتشمل الحالات التالية:

نقل العضو من مكان في الجسد إلى مكان آخر من الجسد نفسه، كنقل الجلد والغضاريف والعظام والأوردة والدم ونحوها.

نقل العضو من جسم إنسان حي إلى جسم إنسان آخر، وينقسم العضو في هذه الحالة إلى ما تتوقف عليه الحياة وما لا تتوقف عليه.

أما ما تتوقف عليه الحياة، فقد يكون فردياًّ، وقد يكون غير فردي، فالأول كالقلب والكبد، والثاني كالكلية والرئتين.

وأما ما لا تتوقف عليه الحياة، فمنه ما يقوم بوظيفة أساسية في الجسم ومنه ما لا يقوم بها، ومنه ما لا يتجدد تلقائياًّ كالدم، ومنه ما لا يتجدد، ومنه ما له تأثير على الأنساب والموروثات، والشخصية العامة، كالخصية والمبيض وخلايا الجهاز العصبي، ومنه ما لا تأثير له على شيء من ذلك.

الصورة الثانية: وهي نقل العضو من ميت

ويلاحظ أن الموت يشمل حالتين:

الحالة الأولى: موت الدماغ، يتعطل جميع وظائفه تعطلاً نهائيًّا لا رجعة فيه طبيًّا.

الحالة الثانية: توقف القلب والتنفس توقفاً تاماً لا رجعة فيه طبياً، فقد روعي في كلتا الحالتين قرار المجمع في دورته الثالثة، انظر: ص660 من الرسالة، ” وفيها”… يعتبر  شرعاً أن الشخص قد مات وتترتب جميع الأحكام المقررة شرعا للوفاة عند ذلك إذا تبينت في إحدى العلامتين التاليتين:

إذا توقف قلبه توقفا تاما وحكم الأطباء بان هذا التوقف لا رجعة فيه.

إذا تعطلت جميع وظائف دماغه تعطلا نهائيا، وحكم الأطباء الاختصاصيون الخبراء بأن هذا التعطيل لا رجعة فيه، وأخذ دماغه في التحلل، وفي هذه الحالة يسوغ رفع أجهزة الإنعاش على الشخص وإن كان بعض الأعضاء كالقلب مثلا لا يزال يعمل أليا بفعل الأجهزة المركبة([56]).

الصورة الثالثة: وهي النقل من الأجنة، وتتم الاستفادة منها في ثلاث حالات:

حالة الأجنة التي تسقط تلقائيًّا.

حالة الأجنة التي تسقط لعامل طبي أو جنائي.

حالة (اللقاح المستنبتة خارج الرحم).

من حيث الأحكام الشرعية للمسألة:

أولاً: يجوز نقل العضو من مكان من جسم الإنسان إلى مكان آخر من جسمه، مع مراعاة التأكد من أن النفع المتوقع من هذه العملية أرجح من الضرر المترتب عليها، وبشرط  أن يكون ذلك لإيجاد عضو مفقود أو لإعادة شكله أو وظيفته المعهودة له، أو لإصلاح عين أو إزالة دمامة تسبب للشخص أذى نفسياً أو عضواً.

ثانياً: يجوز نقل العضو من جسم الإنسان إلى جسم إنسان آخر، إن كان هذا العضو يتجدد تلقائيًّا، كالدم والجلد، ويراعى في ذلك اشتراط كون الباذل كامل الأهلية، وتحقق الشروط الشرعية المعتبرة.

ثالثاً: تجوز الاستفادة من جزء من العضو الذي استؤصل من الجسم لعلة مرضية لشخص آخر، كأخذ قرنية العين لإنسان ما عند استئصال العين لعلة مرضية.

رابعاً: يحرم نقل عضو تتوقف عليه الحياة كالقلب من إنسان حي إلى إنسان آخر.

خامساً: يحرم نقل عضو من إنسان حي يعطل زواله وظيفة أساسية في حياته وإن لم تتوقف سلامة أصل الحياة عليها كنقل قرنية العينين كلتيهما، أما إن كان النقل يعطل جزءاً من وظيفة أساسية فهو محل بحث ونظر كما سيأتي في الفقرة الثامنة.

سادساً: يجوز نقل عضو من ميت إلى حي تتوقف حياته على ذلك العضو، أو تتوقف سلامة وظيفة أساسية فيه على ذلك، بشرط أن يأذن الميت قبل موته أو ورثته بعد موته، أو بشرط موافقة وليّ أمر المسلمين إن كان المتوفي مجهول الهوية أو لا ورثة له.

سابعاً: ينبغي ملاحظة أن الاتفاق على جواز نقل العضو في الحالات التي تم بيانها، مشروط بأن لا يتم ذلك بوساطة بيع العضو، إذ لا يجوز إخضاع الإنسان للبيع بحال من الأحوال، أما بذل المال من المستفيد، ابتغاء الحصول على العضو المطلوب عند الضرورة أو المكافأة أو تكريماً، فحمل اجتهاد ونظر.

ثامناً: كل ما عدا الحالات والصور المذكورة، مما يدخل في أصل الموضوع، فهو محل بحث ونظر، ويجب طرحه للدراسة والبحث في دورة قادمة، على ضوء المعطيات الطبية والأحكام الشرعية.

تقرير الاستدلال على حكم هذه النازلة:

اعتمد قرار مجمع الفقه الإسلامي على عموم كثير من أدلة الكتاب والسنة وقواعد الفقه ومقاصد الشريعة والتخريج على أقوال بعضّ الأئمة.

ولعلنا من خلال النقاط الآتية أن نبين وجه الاستدلال بها ومنزع الحكم فيها:

أولاً: انبنى  جواز نقل العضو من مكان من جسم الإنسان إلى مكان آخر من جسمه على الضرورة أو الحاجة لحفظ بدن الإنسان من التلف أو المرض، كما هو الحال في جراحات القلب والأوعية الدموية، حيث يحتاج الطبيب إلى استخدام طعم وريدي أو شرياني لعلاج انسداد أو تمزيق في الشرايين أو الأوردة، وهذه الحالة أو غيرها أوجبت الترخيص للطبيب بالقيام بنقل العضو الصحيح مكان العضو العليل بشرط تحقق النفع على وجه الغلبة وعدم وجود بديل يحقق الهدف المنشود من سلامة المريض مع التأكد من عدم ترتب ضرر أعظم على عملية النقل.

وهذا الحكم مبني على القياس: لأنه إذا جاز قطع العضو وبتره لإنقاذ النفس ودفع الضرر عنها فإنه يجوز أخذ جزء منه ونقله  لموضع آخر لإنقاذ  النفس أو دفع الضرر فيها أولى وأحرى([57])

ثانياً: حكم نقل عضو من إنسان حي إلى مثله ينقسم إلى قسمين:

ما يؤدي نقل العضو إلى وفاة الشخص المنقولة منه كالأعضاء الفردية: القلب والكبد وغيرها وهذا يحرم لقوله تعالى:(وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إلى التَّهلُكَةِ) ([58])، وقوله تعالى:(وَلَا تَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ إن اللَهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً) ([59]) وتبرع الإنسان بأعضائه إلى شخص آخر لا شك أنه يفضي إلى قتل الإنسان لنفسه وهلاكها كما أنه جلب مصلحة تفوت مثلها أو أعظم منها فلا يجوز التبرع حينئذٍ ولا يجوز للطبيب الجراح القيام بنقل هذه الأعضاء لأن في ذلك عدوان على الإنسان أو أعانه على الإثم.

أما نقل الأعضاء التي لا يؤدي نقلها إلى وفاة الشخص المنقولة منه كنقل الكلية أو الجلد مكان الجلد المحروق فهذه المسألة حصل فيها خلاف كبير بين المعاصرين([60]) وقد اختار مجمع الفقه الإسلامي الجواز بناءً على الأدلة التي استدلوا بها في جواز نقل الأعضاء من الموتى، أيضاً لتداخل الصورتين في الأحكام حيث رأى المجمع الجواز فيها أيضاً:

استدلوا بعدد من الآيات منها:

قوله تعالى:(إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) ([61]) وقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ…) ([62]) الى قوله تعالى: (…فَمَنِ اضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِاِثْمٍ فَاِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) ([63])، وقوله تعالى:(فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ان كُنتُم بِئَايَٰتِهِ˓ مُؤْمِنِينَ. وَمَا لَكُمْ أَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) ([64]) فوجه الدلالة من هذه الآيات: أنها اتفقت على استثناء حالة الضرورة من التحريم المنصوص عليه، والإنسان المريض إذا احتاج إلى نقل العضو فإنه سيكون في حكم المضطر لأن حياته مهددة بالموت كما في حالة الفشل الكلوي، وتلف القلب ونحوهما.

ويستدل أيضاً على الجواز بعموم قوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّه بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ…) ([65])، وقوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإنسٰانُ ضَعِيفاً) ([66]) وقوله تعالى: (مَا يُرِيدً اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِنْ حَرَجٍ) ([67])، وغيرها من الآيات التي تدل على أن مقصود الشرع التيسير على العباد لا التعسير عليهم، وفي إجازة نقل الأعضاء الآدمية تيسير على العباد ورحمة بالمصابين والمنكوبين وتخفيفاً للألم وكل ذلك موافق لمقصود الشرع.

كما يقوم المجيزون على أدلة من العقل منها:

أن جواز التداوي بنقل الأعضاء الآدمية كجواز التداوي بلبس الحرير لمن به حكة، أو جواز استعمال الذهب لمن احتاج إليه بجامع وجود الحاجة الداعية إلى ذلك في كلا الأمرين.

أن الفقهاء رحمهم الله نصّوا على جواز شق بطن الميت لاستخراج جوهرة الغير إذا ابتلعها الميت([68])، فلأن يجوز نقل أعضاء الميت أولى وأحرى لمكان إنقاذ النفس المحرمة التي هي أعظم حرمة من المال.

كذلك ابتنى قرار المجمع على بعض القواعد الفقهية مثل:

قاعدة: (الضرر يزال) ([69])، وقاعدة (الضرورات تبيح المحظورات) ([70])، وقاعدة (إذا ضاق الأمر اتسع) ([71]) فهذه القواعد وما في معناها دلت على الترخيص للمتضرر بإزالة ضرره ولو بالمحظور. والمريض المصاب بتلف عضوٍ مقامه يعتبر مقام اضطرار وفيه ضيق مشقة والشريعة قد رفعت الحرج عن العباد.

وقد يستدل بقاعدة (الأحكام تتغير بتغير الأزمان) ([72]) وذلك أن نقل الأعضاء قبل أن يترقى الطب يعتبر ضرراً وخطراً فناسب حكمه التحريم أما وقد تقدم الطب وأصبحت عمليات نقل الأعضاء سهلة ميسورة وعلاجاً نافعاً فان الحكم قد يتغير الى الجواز.

التخرج على أقوال بعض الأئمة في تجويز نقل الأعضاء.

من ذلك ما جاء عن الإمام الكاساني رحمه الله (أن عصمة النفس لا تحتمل الإباحة بحال… بخلاف الأطراف لأن عصمة الطرف تحتمل الإباحة في الجملة فجاز أن يؤثر الأمر  فيها… فلو قال له: اقطع يدي فقطع فلا شيء عليه – أي على القاطع – بالإجماع لأن الأطراف يسلك بها مسلك الأموال وعصمة الأموال تثبت حقاً له فكانت محتملة للسقوط بالإباحة والإذن كما لو قال له: اتلف مالي) ([73]).

ما جاء عن بعض الفقهاء من تجويز قتل الآدمي غير معصوم الدم وأكل لحمه عند   الاضطــرار([74])، ومعلوم أن الشخص المريض قد بلغ حالة الاضطرار كما في مرض الفشل الكلوي، ومرض القلب الذي يهدد صاحبه بالموت، وقد نص هؤلاء الفقهاء على جواز أكل المضطر للحم الميت غير المعصوم والمعصوم مع أن الأكل يوجب استنفاذ الأعضاء، فلأن يجوز النقل والتبرع الموجب لبقائها ودوامها أولى وأحرى، وحرمة الحي أولى من حرمة الميت في الأصل فكذلك في مسألتنا هذه([75])  فهذه الأدلة وغيرها قد ابتنى عليها جواز نقل الأعضاء من إنسان حي إلى حي مثله ويدخل فيها نقل الأعضاء من إنسان ميت إلى حي.

ثالثاً: أن المجيزين لنقل أو زراعة الأعضاء قد اشترطوا في جواز هذه الجراحات عدّة شروط منها:

تحقق قيام الضرورة بطريقة اليقين، بأية دلالة يقوم بها اليقين كإخبار طبيب حاذق بضرورة عملية النقل وإلا هلك المريض. وتحقق انحصار التداوي به، لعدم وجود بديل له يقوم مقامه، ويؤدي وظيفته بكفاءة.وأن تكون العملية بواسطة طبيب ماهر لا متعلم. وتحقق أمن الخطر على المنقول منه في حال النقل من حي.وغلبة الظن على نجاحها في المنقول إليه. وعدم تجاوز القدر المضطر إليه.وتحقق الموازنة بتقدير ظهور مصلحة المضطر المنقول إليه على المفسدة اللاحقة بالمنقول منه. تحقق توافر شرط الرضا والطواعية والأهلية من المنقول منه. كذلك يشترط لنقل العضو من ميت إذنه قبل الموت أو إذن ورثته لأن رعاية كرامته حق مقرر له في الشرع فلا ينتهك الأب إذنه، وإذا كان المتوفى مجهول الهوية أو لا ورثة له فإن إذن ولي أمر المسلمين وموافقته شرط في الجواز.توافر شرط الرضا  في المنقول إليه أو إذن وليه إن كان قاصر الأهلية وتوافر متطلبات العملية التي بلغها الطب، وإلا كان الطبيب مُفرِّطاً يتحمل تفريطه) ([76]).

ومن خلال النظر في هذه الشروط نجد أنها ضوابط لحالة الاضطرار التي جوّز من أجلها العلماء نقل الأعضاء، ويمكن أن نرجع إلى بعض القواعد المتفرعة من قاعدة (الضرر يزال) كقاعدة: (ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها) وكذلك (ما جاز بعذر بطل بزواله) وكذلك (الضرر لا يزال بالضرر) وكذلك (يتحمل الضرر الخاص لأجل دفع الضرر العام) وغيرها([77])”. انتهى الاقتباس

خامسا: أقوال وفتاوى العلماء المعاصرين في جواز التبرع بالأعضاء البشرية

هذا المبحث منقول عن كتاب  فتاوى معاصرة للدكتور يوسف القرضاوي([78])، وفيه:

س: هل يجوز للمسلم أن يتبرع بعضو أو جزء من بدنه لغيره في حياته لزرعه في بدن شخص آخر؟.

وإذا كان الجواب بالإيجاب، فهل هو جواز مطلق أم هو مقيد بشروط؟، وما هي تلك الشروط؟.

وإذا جاز التبرع فلمن يتبرع؟ ألقريب فقط؟ أم للمسلم فحسب؟ أم لأي إنسان؟ وإذا جاز التبرع فهل يجوز البيع؟.

وهل يجوز التبرع بعد الموت؟ أو يتنافى ذلك مع حرمة الميت؟.

وهل ذلك من حق الإنسان وحده؟ أو يحق لأهله التبرع بعضو من بدنه؟.

وهل يجوز للدولة أن تأخذ بعض الأعضاء من المصابين في الحوادث مثلاً لإنقاذ غيرهم؟.

وهل يجوز زرع جزء من غير مسلم في جسد إنسان مسلم؟.

وهل يجوز زرع عضو أو جزء من حيوان – ولو كان محكوما بنجاسته كالخنزير مثلاً – في جسم شخص مسلم؟.

تساؤلات جمة أصبحت تفرض نفسها على الفقه الإسلامي ورجاله ومجامعه في الوقت الحاضر ولا بد من الإجابة بالإجازة بإطلاق أو المنع بإطلاق، أو التفصيل، فلنحاول الإجابة  وبالله التوفيق.

هل يجوز للمسلم أن يتبرع بعضو من جسمه وهو حي؟:

قد يقال: إن تبرع الإنسان إنما يجوز فيما يملكه، وهل يملك الإنسان جسمه بحيث يتصرف فيه بالتبرع أو غيره؟ أو هو وديعة عنده من الله تعالى، فلا يجوز له التصرف فيه إلا بإذنه؟ وكما لا يجوز له أن يتصرف في نفسه – حياته – بالإزهاق والقتل، فكذلك لا يجوز له أن يتصرف في جزء من بدنه بما يعود عليه بالضرر.

ويمكن النظر هنا إلى أن الجسم وإن كان وديعة من الله تعالى، فقد مكن الله الإنسان من الانتفاع به والتصرف فيه، كالمال، فهو مال الله تعالى حقيقة، كما أشار إلى ذلك القرآن بمثل قوله تعالى: (وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ…) ([79])، ولكنه ملّك الإنسان هذا المال بتمكينه من الاختصاص به والتصرف فيه.

فكما يجوز للإنسان التبرع بجزء من ماله لمصلحة غيره ممن يحتاج إليه، فكذلك يجوز له التبرع بجزء من بدنه لمن يحتاج إليه.

والفرق بينهما أن الإنسان قد يجوز له التبرع أو التصدق بماله كله، ولكن في البدن لا يجوز التبرع ببدنه كله، بل لا يجوز أن يجود المسلم بنفسه لإنقاذ مريض من تهلكة أو ألم مبرح، أو حياة قاسية؟.

وإذا كان يشرع للمسلم أن يُلقي بنفسه في اليم لإنقاذ غريق، أو يدخل بين ألسنة النار، لإطفاء حريق، أو إنقاذ مشرف على الغرق، أو الحرق، فلماذا لا يجوز أن يخاطر المسلم بجزء من كيانه المادي لمصلحة الآخرين ممن يحتاجون إليه؟.

وفي عصرنا رأينا التبرع بالدم، وهو جزء من جسم الإنسان، يتم في بلاد المسلمين، دون نكير من أحد من العلماء، بل هم يقرون الحث عليه أو يشاركون فيه، فدل هذا الإجماع السكوتي – إلى جواز بعض الفتاوى الصادرة في ذلك – على أنه مقبول شرعاً.

وفي القواعد الشرعية المقررة: أن الضرر يزال بقدر الامكان، ومن أجل هذا أجاز الشارع إغاثة المضطر، وإسعاف الجريح، وإطعام الجائع، وفك الأسير، ومداواة المريض، وإنقاذ كل مشرف على هلاك في النفس أو ما دونها.

ولا يجوز لمسلم أن يرى ضررا ينزل بفرد أو جماعة، يقدر على إزالته ولا يزيله، أو يسعى في إزالته بحسب وسعه.

ومن هنا نقول: إن السعي في إزالة ضرر يعانيه مسلم من فشل الكُلية مثلا، بأن يتبرع له متبرع بإحدى كليتيه السليمتين، فهذا مشروع، بل محمود ويؤجر عليه من فعله؛ لأنه رحم من في الأرض، فاستحق رحمة من في السماء.

والإسلام لم يقصر الصدقة على المال، بل جعل كل معروف صدقة، فيدخل فيه التبرع ببعض البدن لنفع الغير، بل هو لا ريب من أعلى أنواع الصدقة وأفضلها؛ لأن البدن أفضل المال، والمرء يجود بماله كله لإنقاذ بدنه، فبذله لله تعالى من أفضل القربات، وأعظم الصدقات.

وإذا قلنا بجواز التبرع من الحي، بعضو من بدنه، فهل هو جواز مطلق أو مقيد؟

والجواب: أنه جواز مقيد، فلا يجوز له أن يتبرع بما يعود عليه بالضرر أو على أحد له  حق عليه لازم.

ومن هنا لا يجوز أن يتبرع بعضو وحيد في الجسم كالقلب أو الكبد مثلاً؛ لأنه لا يعيش بدونه، ولا يجوز له أن يزيل ضرر غيره بضرر نفسه، فالقاعدة الشرعية التي تقول: الضرر يزال، تقيدها قاعدة أخرى تقول: الضرر لا يزال بالضرر، وفسروها بأنه لا يزال بضرر مثله أو أكبر منه.

ولهذا لا يجوز التبرع بالأعضاء الظاهرة في الجسم مثل العين واليد والرجل؛ لأنه هنا يزيل ضرر غيره بإضرار مؤكد لنفسه، لما وراء ذلك من تعطيل للمنفعة وتشويه للصورة.

ومثل ذلك إذا كان العضو من الأعضاء الباطنة المزدوجة، ولكن العضو الآخر عاطل أو مريض، يصبح كعضو وحيد.

ومثل ذلك: أن يعود الضرر على أحد له حق لازم عليه، كحق الزوجة أو الأولاد، أو الزوج، أو الغرماء.

وقد سألتني إحدى الزوجات يوما: أنها أرادت أن تتبرع بإحدى كليتيها لأختها، ولكن زوجها أبى، فهل من حقه ذلك؟

وكان جوابي: أن للزوج حقا في زوجته، وهي إذا تبرعت بإحدى كليتيها فستجرى لها عملية جراحية، وتدخل المستشفى، تحتاج إلى رعاية خاصة، وكل ذلك يحرم الزوج من بعض الحقوق، ويضيف عليه بعض الأعباء، ومن ثم ينبغي أن يتم ذلك برضاه وإذنه.

والتبرع إنما يجوز من المكلف البالغ العاقل، فلا يجوز للصغير أن يتبرع بمثل ذلك؛ لأنه لا يعرف تماما مصلحة نفسه، وكذلك المجنون.

ولا يجوز أن يتبرع الولي عنهما، بأن يدفعهما للتبرع، وهما غير مدركين؛ لأنه لا يجوز التبرع بمالهما، فمن باب أولى لا يجوز التبرع بما هو أعلى وأشرف من المال وهو البدن.

التبرع لغير المسلم:

والتبرع بالبدن كالتصديق بالمال، يجوز للمسلم وغير المسلم، ولكنه لا يجوز للحربى الذي يقاتل المسلمين بالسلاح، ومثله عندي: الذي يقاتلهم في ميدان الفكر والتشويش على الإسلام([80])

وكذلك لا يجوز التبرع لمرتد عن الإسلام مجاهر بردته؛ لأنه في نظر الإسلام خائن لدينه وأمته يستحق القتل، فكيف نساعده على الحياة؟

ولكن إذا وجد مسلم محتاج للتبرع، ووجد غير مسلم، فالمسلم أولى، قال تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) ([81]) بل المسلم الصالح المتمسك بدينه أولى بالتبرع له من الفاسق المفرّط في جنب الله؛ لأن في حياته وصحته عونا على طاعة الله تعالى، ونفع خلقه، بخلاف العاصي الذي يستخدم نعم الله في معاصي الله وإضرار الناس.

وإذا كان المسلم قريباً أو جاراً، فهو أولى من غيره؛ لأن للجوار حقاً أكيداً، وللقرابة حق مؤكد، كما قال تعالى: (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ) ([82]) ويجوز أن يتبرع المسلم لشخص معين، كم يجوز له أن يتبرع لمؤسسة مثل بنك خاص بذلك، يحفظ الأعضاء بوسائل خاصة، لاستخدامها عند الحاجة.

بيع الأعضاء لا يجوز:

ونحب أن ننبه هنا ونؤكد على أن القول بجواز التبرع بالأعضاء لا يقتضي القول بجواز بيعها؛ لأن البيع – كما عرفه الفقهاء – مبادلة مال بمال بالتراضي، وبدن الإنسان ليس بمال، حتى يدخل دائرة المعاوضة والمساومة، وتصبح أعضاء الجيد الإنساني محلا للتجارة والبيع والشراء، وهو ما حدث للأسف في بعض الأقطار الفقيرة، حيث قامت سوق أشبه بسوق النخاسين، لشراء أعضاء الفقراء والمستضعفين من الناس، لحساب الأغنياء، ونفقت هذه التجارة الخسيسة التي دخلتها (مافيا) جديدة تنافس (مافيا) المخدرات.

ولكن لو بذل المنتفع بالتبرع للشخص المتبرع مبلغا من المال غير مشروط ولا مسمى من قبل، على سبيل الهبة والهدية والمساعدة، فهو جائز، بل هو محمود ومن مكارم الأخلاق.

وهذا نظير إعطاء المقرض عند رد القرض أزيد من قرضه دون اشتراط سابق، فهو مشروع ومحمود، وقد فعله النبي صلى الله عليه وسلم، حيث رد أفضل مما أخذ وقال: (إن خياركم أحسنكم قضاء) ([83]).

هل تجوز الوصية بجزء من البدن بعد الموت؟:

وإذا جاز للمسلم التبرع بجزء من بدنه مما ينفع غيره ولا يضره، فهل يجوز له أن يوصى بالتبرع بمثل ذلك بعد موته؟

والذي يتضح لي إذا جاز له التبرع بذلك في حياته، مع احتمال أن يتضرر بذلك – وإن كان احتمالا مرجوحا – فلا مانع أن يوصى بذلك بعد موته؛ لأن في ذلك منفعة خالصة للغير، دون احتمال أي ضرر عليه؛ فان هذه الأعضاء تتحلل بعد أيام ويأكلها التراب، فإذا أوصى ببذلها للغير قربة إلى ألله تعالى، فهو مثاب ومأجور على نيته وعمله، ولا دليل من الشرع على تحريم ذلك، والأصل الإباحة، إلا ما منع منه دليل صحيح صريح، ولم يوجد.

وقد قال عمر رضي الله عنه في بعض القضايا لبعض الصحابة: (شيء ينفع أخاك ولا يضرك، فلماذا تمنعه)؟! وهذا ما يمكن أن يقال مثله هنا لمن منع ذلك.

وقد قال: إن هذا يتنافى مع حرمة الميت التي يرعاها الشرع الإسلامي، وقد جاء في الحديث: (كسر عظم الميت ككسر عظم الحي) ([84]) ونقول إن أخذ عضو من جسم الميت لا يتنافى مع ما هو مقرر لحرمته شرعا، فإن حرمة الجسم مصونة غير منتهكة، والعملية تجرى له كما تجرى للحي بكل عناية واحترام دون مساس بحرمة جسده.

على أن الحديث إنما جاء في كسر العظم، وهنا لا مساس بالعظم، والمقصود منه هو النهي عن التمثيل بالجثة، والتشويه لها، والعبث بها، كما كان يفعل أهل الجاهلية في الحروب، ولا يزال بعضهم يفعلها إلى اليوم، وهو ما ينكره الإسلام ولا يرضاه، ولا يعترض معترض بأن السلف لم يؤثر عنهم فعل شيء من ذلك، وكل خير في اتباعهم.. فهذا صحيح لو ظهرت لهم حاجة إلى هذا الأمر، وقدرة عليه، ولم يفعلوه، وكثير من الأعمال التي نمارسها اليوم لم يفعلها السلف؛ لأنها لم تكن في زمنهم، والفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعرف والحال، كما قرر ذلك المحققون، وكل ما يمكن وضعه هنا من قيد هو ألا يكون التبرع بالجسم كله، أو بأكثر   أو بما دون ذلك، مما يتنافى مع ما هو مقرر للميت من أحكام، ومن وجوب تغسيله وتكفينه والصلاة عليه، ودفنه في مقابر المسلمين… الخ، والتبرع ببعض الأعضاء لا يتنافى مع شيء من ذلك بيقين.

هل يجوز للأولياء والورثة التبرع بجزء من ميتهم؟:

وإذا جاز تبرع الميت ببعض أعضائه عن طريق الوصية، فهل يجوز لورثته وأوليائه أن يتبرعوا عنه بمثل ذلك؟

قد يقال: إن الجسم الميت ملك صاحبه، وليس ملك أوليائه وورثته، حتى يكون لهم حق التصرف فيه أو التبرع ببعضه.

ولكن الميت بعد موته لم يعد أهلا للملك، فكما أن ماله انتقل ملكه إلى ورثته كذلك يمكن القول بأن جسم الميت قد أصبح من حق الأولياء أو الورثة، ولعل منع الشرع من كسر عظم الميت أو انتهاك حرمة جثته، إنما هو رعاية لحق الحي أكثر مما هو رعاية لحق الميت.

وقد جعل الشارع للأولياء الحق في القصاص أو العفو في حالة القتل العمد، كما قال تعالى: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا) ([85])وكما أن لهم حق القصاص عنه إن شاءوا، أو المصالحة على الدية أو ما هو أقل أو أكثر منها، أو العفو المطلق لوجه الله تعالى، عفوا كليا أو جزئياً، كما قال تعالى:(فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) ([86]) لا يبعد أن يكون لهم حق التصرف في شيء من بدنه، بما ينفع الغير ولا يضر الميت، بل قد يستفيد منه ثواباً، بقدر ما أفاد الآخرين من المرضى والمتضررين وإن لم يكن له فيه نية، كما يثاب في حياته على ما أكل من زرعه من إنسان أو طير أو بهيمة، وما أصابه من نصب أو وصب أو حزن أو أذى حتى الشوكة يشاكها… وكما ينتفع بعد موته بدعاء ولده خاصة ودعاء المسلمين عامة، وبصدقتهم عنه، وقد ذكرنا أن الصدقة ببعض البدن أعظم أجراً من الصدقة بالمال.

ومن هنا أرى أنه لا مانع من تبرع الورثة ببعض أعضاء الميت، مما يحتاج إليه بعض المرضى لعلاجهم كالكُلية والقلب ونحوهما، بنية الصدقة بذلك عن الميت، وهي صدقة يستمر ثوابها ما دام المريض المتبرع له منتفعاً بها.

وقد سألني بعض الأخوة في قطر عن التبرع ببعض أعضاء أطفالهم الذين يولدون ببعض العاهات التي لا يعيشون بها، وإنما هي أيام يقضونها في المستشفى، ثم يودعون الحياة، وقد يحتاج أطفال آخرون إلى بعض الأعضاء السليمة لديهم كالكلية ليعيشوا.

وقد أجبتهم بجواز ذلك، بل بالاستجابة، وأنهم مأجورون عليه إن شاء الله.

وكان ذلك سببا في إنقاذ حياة عدة أطفال في عدة أيام، بسبب رغبة الآباء في فعل الخير والمثوبة من الله، عسى أن يعوضهم عما أصابهم في أطفالهم.

وإنما يمنع الورثة من التبرع إذا أوصى الميت في حياته بمنع ذلك، فهذا من حقه، ويجب إنفاذ وصيته فيما لا معصية فيه.

إعطاء الحق للدولة، ومدى جوازه:

وإذا أجزنا للورثة والأولياء أن يتبرعوا ببعض أعضاء الميت لنفع الحي وعلاجه، فهل نجيز للدولة أن تصدر قانونا يرخّص في أخذ بعض أعضاء الموتى في الحوادث الذين لا تعرف هويتهم، أو لا يعرف لهم ورثة وأولياء و لتستخدمها في إنقاذ غيرهم من المرضى والمصابين؟ لا يبعد أن يجوز ذلك في حدود الضرورة، أو الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة، على أن يستوثق من عدم وجود أولياء للميت، فإذا كان له أولياء وجب استئذانهم، وألا يوجد ما يدل على أن الميت قد أوصى بمنع ذلك ورفضه.

زرع عضو من كافر لمسلم:

أما زرع عضو من جسم إنسان غير مسلم في جسم إنسان مسلم فلا مانع منه، وأعضاء الإنسان لا توصف بإسلام ولا كفر، وإنما هي آلات للإنسان، ويستخدمها وفقا لعقيدته ومنهاجه في الحياة  فإذا انتقل العضو من كافر إلى مسلم، فقد أصبح جزءاً من كيانه، وأداة له في القيام برسالته، كما أمر الله تعالى، فهذا كما لو أخذ المسلم سلاح من الكافر وقاتل به في سبيل الله.بل قد نقول: إن الأعضاء في بدن الكافر مسلمة مسبحة ساجدة لله تعالى، وفق المفهوم القرآني، أن كل ما في السموات والأرض ساجد مسبح لله تعالى، ولكن لا تفقهون تسبيحهم.

فالصواب إذن أن كفر الشخص أو إسلامه لا يؤثر في أعضاء بدنه، حتى القلب نفسه، الذي ورد وصفه في القرآن بالسلامة والمرض، والإيمان والريب، والموت والحياة، فالمقصود بهذا ليس هو العضو المحس الذي يدخل في اختصاص الأطباء والمحللين، فان هذا لا يختلف باختلاف الإيمان والكفر والطاعة والمعصية، إنما المقصود به (المعنى) الروحي، الذي به يشعر الإنسان ويعقل ويفقه، كما قال تعالى: (فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا) ([87]) (لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا)([88])وقوله تعالى:(إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) ([89]) لا يراد به النجاسة الحسية التي تتصل بالأبدان، بل النجاسة المعنوية التي تتصل  بالقلوب والعقول. ولهذا لا يوجد حرج شرعي من انتفاع المسلم بعضو من جسد غير مسلم.

زرع عضو من حيوان نجس في جسم المسلم:

وأما زرع عضو من حيوان محكوم بنجاسته كالخنزير مثلاً، في جسم إنسان مسلم، فالأصل ألا يلجأ إلى ذلك إلا عند الضرورة، وللضرورات أحكامها، على أن يراعى بأن ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها، وأن يقرر نفع ذلك الثقات من أطباء المسلمين.ويمكن أن يقال هنا: إن الذي حرم من الخنزير إنما هو أكل لحمه، كما ذكر في القرآن الكريم في أربع آيات، وزرع جزء منه في الجسم ليس أكلا منه، إنما هو انتفاع به، وقد أجاز النبي صلى الله عليه وسلم الانتفاع ببعض الميتة – وهو جلدها – والميتة مقرونة في التحريم بلحم الخنزير في القرآن، فإذا شرع الانتفاع بها في غير الأكل، اتجه القول إلى شرعية الانتفاع بالخنزير في غير الأكل أيضا.

فقد ورد في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مر على شاة ميتة فسأل عنها فقالوا: إنها شاة لمولاةٍ لميمونة، فقال: (هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به؟ قالوا: إنها ميتة! قال:  إنما حرم أكلها) ([90]) بقي أن يقال: إن الخنزير نجس، فكيف يجوز إدخال جزء نجس في جسد مسلم؟ ونقول: إن الممنوع شرعاً هو حمل النجاسة في الظاهر، أي خارج البدن، أما في داخله، فلا دليل على منعه، إذا الداخل محل النجاسات من الدم والبول والغائط، وسائر الإفرازات، والإنسان يصلي، ويقرأ القرآن، ويطوف بالبيت الحرام، وهي في جوفه، ولا تضره شيئاً، إذ لا تعلق لأحكام النجاسة بما في داخل الجسم.

زرع الخصية لا يجوز:

بقي ما أثير أخيراً حول موضوع زرع خصية شخص لشخص آخر، هل يجوز ذلك قياساً على بقية الأعضاء أو لهذا العضو خصوصية تمنع جواز نقله من إنسان إلى آخر…؟

والذي أراه أن نقل الخصية لا يجوز، فالعلماء المختصون يقررون أن الخصية هي المخزن الذي ينقل الخصائص الوراثية للرجل ولأسرته وفصيلته إلى ذريته، وزرع الخصية في جسم إنسان ما، يعني أن ذريته –حين ينجب– تحمل صفات الإنسان الذي أخذت منه الخصية، مع البياض والسواد، والطول والقصر، والذكاء والغباء، وغير ذلك من الأوصاف الجسمية والعقلية والنفسية.

وهذا يعتبر لوناً من اختلاط الأنساب الذي منعته الشريعة بكل الوسائل، فحرمت الزنا والتبني، وادعاء الإنسان إلى غير أبيه، ونحو ذلك، مما يؤدي  إلى أن يدخل في الأسرة أو القوم ما ليس منهم، فليس مسلَّماً إذن ما يقال: إن الخصية إذا نُقلت إلى شخص أصبحت جزءاً من بدنه، وتأخذ حكمه في كل شيء.

ومثل هذا يقال: لو صح نقل مخ إنسان إلى آخر، فمثل هذا لا يجوز لو أمكن؛ لما يترتب عليه من خلط وفساد كبير. وبالله التوفيق.

المسالة  الخامسة  : حكم التبرع بالأعضاء من الفلسطيني الى الاسرائيلي وقبول التبرع من الاسرائيلي الى المسلم في الداخل الفلسطيني 1948

أولاً: إن الشريعة الإسلامية والمبنى التشريعي فيها وما عليه من خصائص لمميزات ما يمكننا أن نجد من الأحكام التي تسعفنا في مثل حال معيشتنا حيث نعتقد اعتقادا جازما أن أرض فلسطين، أرض إسلامية وقفية، مرت بظروف أدت بنا إلى أن نعيش على أرضنا  تحت سلطة إسرائيلية محتلة ومن حملة جنسيتها منذ 1948م، حيث نعيش مع اليهود الإسرائيليين، بكل ما تحمل كلمة العيش من معانٍ، ونحن نفرق تفريقا أوضح من الشمس بين مسألة الولاء والبراء وبين ما آلت بنا الظروف المعيشية وحاجاتنا الأساسية للحياة، فنحن مسلمون نفرح لفرح المسلمين ونتألم لألمهم ونحن جزء لا يتجزأ من أمة عظيمة فيها الخير مهما ضعفت، لكننا نفرق بين هذا وبين الاحتياجات الأساسية للمعيشة اليومية، إذ أننا في معيشتنا اليومية بيننا وبين اليهود الإسرائيليين مصالح حياتية مشتركة متلازمة لا يمكن الانفكاك عنها في مثل ظروفنا في معظم  المجالات وخاصة الاقتصادية والصحية والاجتماعية، وهذا الأمر ربما لا يدركه من لا يعرف طبيعة حياتنا وموقعنا الجغرافي، فإن كان فقهاء الأمة المسلمون والمعتمدون يعتبرون إسرائيل دار حرب أو أية تسمية أخرى، أو يعتبرونها غاصبة لأرض فلسطين، أو محتلة لها، وإن كان بعضهم مع التسوية السلمية على حدود 1967م، أو ضد التسوية بل ينادي بالجهاد ضد إسرائيل وتحرير فلسطين من النهر إلى البحر، فإن كل هذه التصورات الفقهية والخلافية لا تقيدنا ولا تكون عقبة أمام أي اجتهاد يتعلق بالحياة المعيشية نحن الذين نعيش داخل الخط الأخضر ونحمل الجنسية الإسرائيلية؛ وذلك بسبب وجودنا وتلازمنا وعيشنا جنبا إلى جنب وبعضا إلى بعض مع اليهود الإسرائيليين، وقد آلت بنا الظروف أن نحتكم إلى شريعتنا الإسلامية الغراء، وأن نستفيد من مقاصدها وخطط الطوارئ الملازمة لها، فالولاء والبراء للمسلمين والثبات على أرضنا واجبنا وما نستطيع أن نقدمه للمسلمين قدمناه شريطة أن لا يخالف القوانين الإسرائيلية، هذا في التوجه العام عندنا شريطة ألا تكون تلك القوانين عنصرية أو ظالمة أو تؤدي بنا إلى أن ننسلخ عن ديننا أو تمنعنا من ممارسة حريتنا التي أقرها العالم كحقوق إنسان أولية، والله تعالى لم يكلفنا فوق  طاقتنا.

ثانياً: نحن نعيش في تركيبة اجتماعية ونفسية لا يمكن أن يستوعبها القطري أو السعودي أو الماليزي أو الباكستاني أو المغربي أو الليبي أو الجزائري أو الإيراني الهندي أو الكويتي أو البحريني أو التركي أو غيرهم من المسلمين في بقاع الأرض من العرب والأعاجم ممن ليس عندهم العلم الكافي والوعي الوافي بحالتنا، فالغالبية منهم لا يدرك كون حقيقة وجودنا الجغرافي وآي جنسية نحمل وما هي العلاقة بيننا وبين اليهود الإسرائيليين، لا يدرك كون أن يوم السبت تعج مدينة كفر قاسم ومدينة سخنين ومدينة أم الفحم ومدينة الناصرة…الخ بآلاف من اليهود الإسرائيليين الذين جاءوا لشراء احتياجاتهم….ولا يدرك كون أن تل أبيب ونتانيا وهرتصليا – رضينا بهذه التسميات أم لم نرض –وغيرها تعج بعشرات الآلاف من العمال العرب الفلسطينيين الذين سعوا لطلب رزقهم وخاصة في بناء المساكن والعمل في المصانع،ولا يدرك أكثرهم حقيقة من يعيش في اللد والرملة ويافا وعكا وحيفا ربما تجد في العمارة الواحدة نصف سكانها يهود والنصف الآخر عرب وربما تصل بهم العلاقة إلى ما تقتضيه الأعراف من أحكام الجيران… أحيانا نأكل معا على مائدة واحدة، وأحيانا نسافر معا في باصٍ واحد ونركب سفينة واحدة وطائرة واحدة، والناظر إلى المستشفيات الإسرائيلية يجدها تعج بالعرب وان الذي يقوم على تطبيبهم ويعالجهم من كبار الأطباء اليهود وكذلك العكس أحيانا، نحن واليهود الإسرائيليون نعيش حياة متلازمة مشتركه تقريبا في كل شيء من حيث  تصريف وتيسير سبل الحياة…وأحيانا تجدنا نتشابه في الدين، ألا ترى أن تأخر المطر صلينا صلاة الاستسقاء بالقدس ويافا وعكا وأم الفحم ورهط وكفر قاسم مع أن المطر يصيبنا ويصيب المدن اليهودية الإسرائيلية… يصلون هم صلاة المطر فهم أهل كتاب أولا وآخرًا المطر حاجة لأصل استمرار الحياة. أننا في الداخل الفلسطيني لا تنطبق علينا فتاوى التطبيع فهذا مستحيل أصلا وغير قابل للتطبيق لا عقلا ولا شرعا ولا ميدانا، نحن وهم نرد على بعضنا في كل شيء، لكن في مسألة الولاء والبراء والحب والبغض والقرب والبعد فإننا جزء لا يتجزأ من امة إسلامية عظيمة كما قدمت وكما أسلفت، فما يحزن المسلمين يحزننا وما يفرحهم يفرحنا رضي بذلك الإسرائيليون أم لم يرضوا فربما تمكنوا من احتلال الأرض وتقييد الجسد بقوانين لكن القلوب لا أحد يملكها ويقدر عليها إلا الله تعالى، نحن فلسطينيون مسلمون نعيش على أرضنا فلسطين، ومع ذلك أتبنى أي تسوية عادلة أدناها دولة فلسطينية تقع على حدود الرابع من حزيران لعام 1967م مع الثوابت والحقوق الأخرى إلى جانب دولة إسرائيل…لقد أوصانا وجها إلى وجه الشيخ حامد  البيتاوي – شيخ فلسطين وعالمها رحمه الله تعالى- أن المطلوب منا الثبات على أرضنا وإغاثة إخواننا على قدر استطاعتنا دون الحاجة إلى مخالفة القانون الذي نعيش تحت سلطته فحالنا يختلف عن أي حال يعيشه أبناء الأمة الإسلامية، وهذا قدرنا وكانت الوصية موجهة لي ولأخي الدكتور أحمد أسدي حينما كنا في زيارة له قبل وفاته بشهرين في المستشفى في مدينة نابلس.

ثالثاً: إن غاية التبرع بالأعضاء تتعلق بالحفاظ على النفس الإنسانية بالدرجة الأولى، وهي بمنزلة الطعام والشراب، فإن الإنسان إذا فقد طعامه وشرابه مدة طويلة مات جوعا، فمسألة التبرع بالأعضاء تندرج من المكانة والأهمية تماما كمكانة الطعام والشراب بالنسبة للحياة الإنسانية ولن تجد تشريعا على وجه الأرض أعظم وارقي من الشريعة الإسلامية  في الدعوة إلى تزويد من يحتاج إلى طعام وشراب من أجل الحفاظ على حياته، ومن جعل هذه الآية مرآته ونقح مناط الحكم الإرشادي فيها وجد الإسلام وتشريعه نافعا لأتباعه وغير أتباعه ولو كانوا محاربين يقول الله تبارك وتعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) ([91])، وأوصى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بحُسن معاملة الأسرى فقال صلى الله عليه وسلم: “اسْتَوْصُوا بِالأَسْرَى خَيْرًا، كما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تعذيب وامتهان الأسرى، فقد رأى صلى الله عليه وسلم أسرى يهود بني قُرَيْظة موقوفين في العراء في ظهيرة يوم قائظ، فقال مخاطِبًا المسلمين المكلَّفين بحراستهم: “لاَ تَجْمَعُوا عَلَيْهِمْ حَرَّ الشَّمْسِ وَحَرَّ السّلاَحِ، وَقَيِّلُوهُمْ وَاسْقُوهُمْ حَتَّى يَبْرُدُوا” كل ذلك قدسية للنفس الإنسانية، فما بالك حينما تكون أنت المسلم وغيرك من غير المسلمين متلازمين في كل شيء من حيث الواقع المعيشي، يرد عليك في الطعام والشراب والحاجات الأخرى وترد عليه في كل شيء تقريبا، وقد اختلفت الآراء الفقهية المتَّخَذة في حق الأسرى؛ فمن الفقهاء مَن قال بقتلهم، ومنهم من قال بأنهم يصبحون رقيقًا، ومنهم من قال: لا يُقتلون، بل يُفادون بالمال، أو بالاستبدال بأسرى، ومنهم من جعل الخيارَ للإمام، فهو الذي يقرِّر المصير، وبعضهم قال بعدم جواز قتل الأسرى، ومنهم من قال بالمن وفي المسألة سعة في الفروع الفقهية، وعلى ما يبدو أن القائد صلاح الدين رجح الرأي الفقهي بشأن مصير الأسرى، يكون للإمام واجتهاده لَمَّا أَسر صلاحُ الدين الأيوبي عددًا من جنود الجيش الصليبي، وكان لا يوجد عنده ما يكفيهم من الطعام – أطلق سراحَهم لئلا يموتوا جوعًا، ورأى أن يقتلَهم محاربين- أي أثناء المعركة –  أفضلَ من أن يقتلَهم في الأَسر جائعين([92]).

رابعاً: إذا كانت الجزئيات في النصوص الشرعية تدعو في التوجه العام إلى الحفاظ على الحياة وهذا هو الأصل إذ إن الكليات تجد فيها من السعة لذلك، فما أنُزلت الشريعة الإسلامية إلا لحفظ النفس الإنسانية، ولا أريد أن أذهب بعيدا حتى نؤكد هذا المبدأ الإسلامي العظيم وحتى مع الأعداء، وهو الأصل وغيره الاستثناء وهو الحكم العام وغيره الطارئ، إلا ترى أنه تم صفقة تبادل أسرى بين حركة حماس الإسلامية في فلسطين وبين (إسرائيل)، وقد فرح الناس بذلك، حيث عاد الجندي الإسرائيلي حيا، وأخرج مئات الأسرى الفلسطينيين الذين حكم عليهم بالمؤبدات والموت البطيء داخل السجون الإسرائيلية، كان هنالك صفقة بين طرفين كل يعتقد في الآخر أنه عدوه وأنه محارب وينعته بأشد الصفات التي لا تدع مجالا للشك أن كل طرف يرجو زوال الآخر عن أرض فلسطين، ومع هذا اقتضت المصلحة لكلا الطرفين بإبرام الصفقة وكانت صفقة حربيين فالجندي الإسرائيلي رجل جيش والأسرى الفلسطينيون رجال جهاد ومقاومة بكل ألوانه وأشكاله، وكان تعليل كل طرف أن المصلحة تقتضي إبرام الصفقة مع العدو لما فيها من خير، إذن المجال مفتوح للتعليل بالكليات إلى جانب الجزئيات في التعاطي مع العدو وحتى في أشد الظروف إذا تعلق الأمر بأية مصلحة تعود على الناس بالنفس، وربما يخالفني أصولي فينقح المسألة التي قدمت ويحكم عليها بأنها قياس مع الفارق، لكني أقول أن النظر في هذه المسألة إلى أعلى كلية يمكن التعليل بها في الشريعة الإسلامية ألا وهي “المصلحة”، وفق ضوابطها وشروطها، على شرط أن تُأخذ وتبنى وتتشكل من أدلة جزئية ومجموعة أدلة كلية، وهذا الذي نظرته في هذا المثال.

خامساً: إن الناظر في صحيفة “يديعوت أحرنوت” الصادرة يوم الثلاثاء الموافق لتاريخ  19/11/2013م عدد رقم 22785 ص 8 يجد مقالا بالخط العريض وفيه، أن حفيدة رئيس الوزراء الفلسطيني في حكومة غزة الشيخ إسماعيل هنية تعالجت في المستشفيات الإسرائيلية وبالتحديد في مستشفى “شنايدر” واسمها آمال هنية وهي ابنة عام واحد- شفاها الله تعالى – وحفظ جدها من كل سوء- وقد تم نقلها وإعادتها بعد معاينتها من قبل أطباء يهود إسرائيليين، هل يستطيع على وجه الأرض فقيه أصولي واحد معتمد أن يعطي هذا التصرف من طرف رئيس الوزراء والمنتمي إلى حركة حماس حكم الحرمة؟ أرأيت لو احتاجت تلك الطفلة – شفاها الله تعالى وحمى جدها من كل سوء- إلى زراعة عضو في مستشفى إسرائيلي ووجدنا حالة التبرع وفق الضوابط الشرعية أكنا مانعيها؟ كم من الحالات العربية التي تعالج داخل مستشفيات إسرائيلية في الشرق الأوسط ويقف على رأس العلاج أطباء أكفاء يهود وعرب معا؟

سادساً: بعد التشاور مع د. علي السرطاوي –وهو أستاذ وعالم جليل-، وافقني على أن ما كتبه علماء الأمة في المسألة وفروعها ينطبق علينا نحن في الداخل الفلسطيني وحتى لو وافقنا على تعريف “إسرائيل” كدار حرب، فهذا يدخل في الإنسانيات فلا فرق بين مسلم ومسيحي ويهودي  وغيرهم بخصوص التبرع بالأعضاء عملا بقوله تعالى: (مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ) ([93]).

سابعا: أما من حيث التطبيق والسلوك فإني لا أنادي بشعارات بعيده عن أرض الواقع، فعندما توفى زوج أختي المرحوم يوسف صرصور عام 2005م وكان ابن 48 سنة كنت إلى جوار أختي وإخوته وقد تم التبرع بالأعضاء وفق الضوابط الشرعية، وها هو مؤسس الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني يوقع على التبرع بأعضاء أخيه المرحوم مصطفى نمر درويش عام 2005م وقد نشرت الصحف العبرية الخبر….نحن على قناعة تامة من المسألة من حيث الجواز وفق الضوابط الشرعية ومن حيث التطبيق العملي لها.

ثامنا: وبناء على ما سبق وما أضيف إليه فإنه يجوز التبرع بالأعضاء من المسلم إلى المسلم، ومن المسلم إلى اليهودي الإسرائيلي وغير الإسرائيلي ومنهما إلى المسلم أيضا، والمسيحي أيضا والدرزي وغيرهم من الناس ممن يحتاج إلى الأمر وفق الشروط والضوابط الشرعية التي أسلفنا الحديث عنها في الحلقات السابقة بالتفصيل الذي ذكره العلماء، فلا فرق بين إنسان وإنسان ولا ينظر إلى دينه وجنسه ولونه.

تاسعا: يشترط لجواز التبرع بالعضو الشروط الآتية:

أن يهتدي العلماء المختصون إلى قياس علمي صحيح ومنضبط للمفسدة الواقعة على الشخص المراد التبرع له بالنظر إلى حالته المَرضيّة، ولمقدار المفاسد العاجلة والآجلة التي تترتب  على قطع العضو من المتبرِّع، وللمصالح التي تتحقق للمتبرِّع له بنقل العضو به إليه.

أن تكون نتيجة الموازنة بين تلك المصالح والمفاسد ظاهرة بصورة جليّة لتفوق مصالح التبرع على مصالح الإبقاء.

أن يكون التبرع بالعضو هو السبيل الوحيد لإنقاذ المتبرِّع له مما هو فيه.

أن لا يكون التبرع سبباً لتفويت حق آخر لله تعالى غير حقه على العضو المتبرع به، كما لو أدى التبرع إلى مفاسد اجتماعيَّة أو خلقية تتعارض مع مقصد شرعي.

أن لا يقوم في المتبرّع له سبب شرعي لحرمانه من حق الحياة.

أن لا يكون التبرع سبباً أكيدا للإساءة إلى الكرامة الآدمية، ويعتبر كذلك إذا كان التبرع بالعضو لجهة يغلب على ظنّ المتبرّع أنها تتاجر بأجزاء الجسد الإنساني، وتستغلّ حاجة المرضى، وتتخذ ذلك أسلوبا للربح.

أن يكون المتبرع كامل الأهلية عند التبرع وعند البدء بتنفيذه، أما الميت فتعتبر وصيته بعضوه، وتنفيذها بعد موته، وله أن يرجع عنها قبل موته، ولا قيمة لإذن الورثة إذا لم يكن الميت قد أوصى بعضو من أعضائه.

أن يكون تنفيذ عمليات غرس الأعضاء تحت إشراف مؤسسات رسمية مؤهلة علميا وخلقيا، وللتحقق من الشروط والمسوغات.

يجوز التبرع بما يتجدد من أجزاء الجسم كالدم ونخاع العظام والجلد بقيود تمنع الضرر عن المتبرع والمستفيد.

لا يجوز التبرع بأي عضو يتوقف عليه استمرار الحياة، لأنه انتحار، وهو من أعظم الكبائر.

الأصل أنه لا يجوز التبرع بالعضو الوحيد في الجسد، وإن كان فقده لا يفضي إلى الموت كاللسان والبنكرياس والعين التي تلفت أختها والقضيب، ويستثنى من هذا الأصل العضو المنفرد الذي يفقد وظيفته بالنسبة لصاحبه، ويبقى صالحا في ذاته، كالرحم إذا تلفت مبايض صاحبته، فيحتمل القول بجواز التبرع به لامرأة تلف رحمها، وعندها مبايض سليمة، وذلك بقيود وشروط مفصلة عند العلماء والسؤال عنها واجب.

يجوز التبرع بعضو له مثيل صالح بالجسد، إذا كان ذلك سبباً أكيداً لإنقاذ المستفيد من الموت، ولا يترتب عليه إحداث علل مستمرة في المتبرع أو المستفيد، فإذا ترتبت عليه مخاطر صحيّة لم يكن جائزاً، أما إذا لم يكن المستفيد على شرف الهلاك، وإنما يحتاج إلى العضو لإنقاذه من عاهة، فإن كان عنده مثله لم يجز التبرّع، وإن لم يكن عنده مثله فالأمر يحتمل القول بالجواز وبعدمه.

يحرم التبرع بأي عضو تناسلي يتعارض التبرع به مع مقصد الشريعة في حفظ الأنساب من الاختلاط، ويؤدي إلى تكوين النسل عن غير طريق الزواج، فلا يجوز التبرع بالمني والبويضة والخصية، ويحرم التبرع بالقضيب؛ لأنه عضو منفرد في الجسد، وله وظائف أساسية أخرى غير الوظيفة الجنسيّة.

يجوز أخذ العضو من الميت بناء على وصيته، ولا يستثنى من ذلك سوى الأعضاء التي أثبت العلم أن لها دخلا في الأنساب.

يحرم بيع وشراء الأعضاء، والمساعدة التي يقدمها مركز زراعة الأعضاء بموجب القانون الجديد  للمتبرع او عائلته جائزة وتدخل في باب الهبة والهدية والمساعدة، فهو جائز، بل هو محمود ومن مكارم الأخلاق.

إن القانون لا يفرق بين جنس ودين ولون في مسألة زراعة الأعضاء وأن تبرع الأعضاء يتم حسب درجة الخطورة وسلم الحاجة وفق أرقام تتعاطى بها المستشفيات وليس أسماء وانتماءات.

ولجميع ما تقدم في هذه النقطة والنقاط التي ناقشناها فإني أرى أنه يجوز التعامل مع مركز  زراعة الأعضاء البشرية، والذي يقع بشارع موزيس 5 تل أبيب 67442

هاتف:1-800-609-610 فاكس:03-6061845  وفق الشروط والضوابط الشرعية الإسلامية.  ويجوز التبرع بالأعضاء وفق الضوابط والشروط الشرعية على التفصيل المذكور فيما أسلفنا سابقاً.

 

أقول:

“نحن  نفرق تفريقا أوضح من الشمس بين مسألة الولاء والبراء وبين ما آلت بنا الظروف المعيشية وحاجاتنا الأساسية للحياة، فنحن مسلمون نفرح لفرح المسلمين ونتألم لألمهم ونحن جزء لا يتجزأ من أمة عظيمة فيها الخير مهما ضعفت، لكننا نفرق بين هذا وبين الاحتياجات الأساسية للمعيشة اليومية، إذ أننا في معيشتنا اليومية بيننا وبين اليهود الإسرائيليين مصالح حياتية مشتركة متلازمة لا يمكن الانفكاك عنها في مثل ظروفنا في معظم  المجالات وخاصة الاقتصادية والصحية والاجتماعية، وهذا الأمر ربما لا يدركه من لا يعرف طبيعة حياتنا وموقعنا الجغرافي، فإن كان فقهاء الأمة المسلمون والمعتمدون يعتبرون إسرائيل دار حرب أو أية تسمية أخرى، أو يعتبرونها غاصبة لأرض فلسطين، أو محتلة لها، وإن كان بعضهم مع التسوية السلمية على حدود 1967م، أو ضد التسوية بل ينادي بالجهاد ضد إسرائيل وتحرير فلسطين من النهر إلى البحر، فإن كل هذه التصورات  لا تقيدنا ولا تكون عقبة أمام أي اجتهاد يتعلق بالحياة المعيشية نحن الذين نعيش داخل الخط الأخضر ونحمل الجنسية الإسرائيلية؛ وخلاصة  البحث  وفق هذا التصور أنه ” يجوز  التبرع بالأعضاء بيننا وبين اليهود الاسرائيليين نتبرع لهم ويتبرعون لنا.” أهديكم  هذا البحث.

الشيخ رائد بدير –كفر قاسم- عضو هيئة الدعاة والعلماء في القدس الشريف

 

[1] الكاساني: بدائع الصنائع ج:9 ص:519.

[2] الكاساني: بدائع الصنائع ج:9 ص:519.

[3] الشيباني، محمد بن الحسن (ت189هـ) : شرح السير الكبير ج:4 ص: 1252 إملاء: محمد بن أحمد السرخسي، تحقيق: صلاح الدين المنجد، جامعة الدول العربية، معهد المخطوطات-القاهرة.5 أجزاء.

[4] الحصكفي، محمد بن علي بن محمد (ت1088هـ): الدرّ المختار شرح تنوير الأبصار ج:6 ص: 289 مطبوع في حاشيته ردّ المحتار لمحمد أمين بن المشهور بابن عابدين ومعه تقريرات الرافعي لعبد القادر الرافعي، تحقيق: عادل عبد الموجود وعلي معوّض، دار الكتب العلميّة-بيروت، الطبعة الثانية سنة 1424هـ/2003م.14 جزء.

[5] الرافعي، أبو القاسم عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم القزويني الشافعي (ت 623هـ): العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ج: 6 ص:403، دار الكتب العلميّة-بيروت، الطبعة الأولى سنة 1417هـ/1997م. 13 جزء.

[6] ابن القيّم: أحكام أهل الذمّة 1ج: ص:366

[7] ابن مفلح، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي (ت 763هـ): الآداب الشرعيّة والمنح المرعيّة ج:3 ص: 148، خرّج أحاديثه وعلّق عليه: أيمن بن عارف الدمشقي، دار الكتب العلميّة-بيروت الطبعة الأولى سنة 1417هـ/1996م.3 أجزاء.

[8] ابن حزم: المحلّى مجلّد 8 ج:11 ص: 200.

[9] أبو زهرة، محمد: العلاقات الدوليّة في الإسلام ص:56، دار الفكر العربي-القاهرة ، (دون رقم طبعة)  سنة 1415هـ/1995م.

[10] عودة، عبد القادر: التشريع الجنائي الإسلامي ج:1  ص: 275,276 ، مؤسسة الرسالة-بيروت، الطبعة الرابعة عشرة سنة 1421هـ/2000م. جزءان.

[11] الكاساني: بدائع الصنائع ج:9 ص:519، مالك: المدوّنة ج:1 ص:511، الرافعي: العزيز شرح الوجيز ج:6  ص:404، ابن القيّم: أحكام أهل الذمة ج:1 ص: 366، ابن مفلح: الآداب الشرعية ج:3 ص:148، ابن حزم: المحلّى ج:11 ص:2000.

[12] السرخسي: المبسوط  مجلّد:5 ج:10 ص: 114، مالك: المدوّنة ج:1 ص:511، ابن القيّم: أحكام أهل الذمّة ج:1 ص:366، ابن حزم: المحلّى مجلّد 8 ج:11 ص: 200

[13] السرخسي: المبسوط  مجلّد:5 ج:10 ص: 114، الكاساني: بدائع الصنائع ج:9 ص: 519.

[14] الماوردي، أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب (ت450هـ): الأحكام السلطانيّة والولايات الدينيّة ص: 156، تحقيق: سمير رباب، المكتبة العصريّة-بيروت ،الطبعة الأولى سنة 1421هـ/2000م.

[15] ابن القيّم: أحكام أهل الذمّة ج: 1 ص:336.

[16] الكاساني: بدائع الصنائع ج:9ص:519، النووي: روضة الطالبين ج:4ص:501، الماوردي: الأحكام السلطانيّة ص: 156، ابن مفلح: الآداب الشرعية ج:3ص:148.

[17] انظر: ابن القيّم، شمس الدين محمد بن أبي بكر بن سعد بن حريز الزرعي(ت 751هـ): زاد المعاد في هدي خير العباد  ج: 2 ص: 72، 83، دار البيان للتراث—القاهرة، الطبعة الأولى سنة 1407هـ/1987م. 4 أجزاء.

[18] ابن الأثير، أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني (ت 630هـ) :الكامل في التاريخ ج:2 ص:199، تحقيق:عبد الله القاضي، دار الكتب العلميّة –بيروت، لطبعة الأولى سنة 1407هـ/1987م. 11 جزء.

[19] بن خيّاط، أبو عمرو خليفة بن خيّاط بن أبي هبيرة الليثي (ت 2401هـ): تاريخ خليفة بن خيّاط ص: 73، راجعه وضبطه: مصطفى فوّاز وحكمت فوّاز، دار الكتب العلميّة –بيروت، الطبعة الأولى سنة =1415هـ/1995م. السيوطي، جلال الدين أبو زيد عبد الرحمن بن أبي بكر(ت 911ه): تاريخ الخلفاء ص: 104، دار الكتب العلميّة-بيروت، الطبعة الأولى سنة 1408هـ/ 1988م.

[20] مؤسسة الدراسات الفلسطينيّة: فلسطين تاريخها  وقضيتها ص: 22, الناشر : المكتبة الجامعية-نابلس.

[21] مؤسسة الدراسات الفلسطينيّة: فلسطين تاريخها  وقضيتها ص: 46.

[22] انظر: الحوت، بيان نويهض : فلسطين القضيّة الشعب الحضارة (التاريخ السياسي من عهد الكنعانيين حتى القرن العشرين 1917م) ص: 457 ،489، دار الإستقلال للدراسات والنشر-بيروت،(دون رقم طبعة) سنة 1991م.

[23] مؤسسة الدراسات الفلسطينيّة: المرجع السابق ص: 88- 110.

[24] الحوت، بيان نويهض: القيادات والمؤسسات السياسيّة في فلسطين 1917-1948م ص:575-577، مؤسسة الدراسات الفلسطينيّة –بيروت، الطبعة الأولى سنة 1981م.

[25] الحوت: المرجع نفسه ص: 640.، مؤسسة الدراسات الفلسطينيّة : فلسطين تاريخها وقضيتها ص: 154.

[26] مؤسسة الدراسات الفلسطينيّة: المرجع نفسه ص: 180.

[27] مؤسسة الدراسات الفلسطينيّة: المرجع نفسه ص: 236-238

([28])  سورة الأنفال، آية 60

([29])  سورة آل عمران، آية 103

([30])  سورة التوبة، آية 111

([31])  سورة النساء، آية 76

([32])  سورة الممتحنة، آية 9

([33])  سورة المجادلة، آية 22

([34])  سورة  التوبة، آية 24

([35])  سورة المائدة، آية 51

([36])  سورة المائدة، آية 52

([37])  سورة البقرة، آية 191

([38])  سورة البقرة، آية 194

([39])  سورة البقرة، آية 114

([40])  القرضاوي، في فقه الأقليات المسلمة، دار الشروق ص 44

([41])  ابن القيم الجوزية، إعلام الموقعين عن رب العالمين، ج1 ص 87

([42])  أبو فارس، شهداء فلسطين 50، الكيالي عبد الوهاب، موسوعة السياسة 572، المؤسسة العربية للدراسات والنشر طبعه أولى 1983.

([43])  المصدر السابق، الحوت بيان نويهض، فلسطين القضية الشعب الحضارة، ص: 456،457

([44])  الحوت بيان نويهض، فلسطين القضية الشعب الحضارة، ص: 489، دار الاستقلال، بيروت 1991.

([45])  الكيالي، موسوعة السياسة 4/572.

([46])  الحوت، القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين 575-577.

([47])  المصدر السابق 639، العلمي احمد سعد الدين، حرب عام 1948 17.

([48])  المصدر السابق 640.

([49])  المصدر السابق 640، 641.

([50])  العارف عارف، المفصل في تاريخ القدس، 426، الكيالي، موسوعة السياسة، 572.

([51])  المرعشلي أحمد، هاشم عبد الهادي، الموسوعة الفلسطينية، 530، 533.

([52])  المصدر السابق، ص: 533.

[53] الدكتور محمد نعيم ياسين في كتابه “أبحاث فقهية في قضايا طبية معاصرة”[53]، صادر عن دار النفائس، الأردن 1996م، من ص 184-186

([54])  انظر أحكام الجراحة الطبية للدكتور محمد المختار الشنقيطي ص 332-333، حكم نقل الأعضاء في الفقه الإسلامي للدكتور عقيل بن أحمد العقيلي ص15-16،مكتبة الصحابة بجدة 1412هـ

([55])  انظر: أحكام الجراحة الطبية للدكتور محمد المختار الشنقيطي ص 332-403، حكم نقل الأعضاء في الفقه الإسلامي للدكتور العقيلي ص 60-144، مجلة لبحوث الإسلامية العدد (4) 1389هـ ص 72-81، فتاوى مصطفى الزرقا ص 229-231، بحوث مجمع الفقه الإسلامي العدد الرابع 1/89-510، قرار المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دونه الثامنة عام 1405، فتوى لجنة الإفتاء في المملكة الأردنية الهاشمية تاريخ 20/5/1397هـ.

([56])  مجموع قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي، القرار رقم17في الدوره الثالثة عام 1407هـ ص 36.

([57])  انظر: أحكام الجراحة الطبية للدكتور محمد المختار الشنقيطي ص 335، بحث الدكتور بكر أبو زيد (التشريح الجثماني والنقل والتعويض الإنساني) في مجلة مجمع الفقه الإسلامي العدد الرابع 1/180 و 181.

([58])  سورة البقرة، آية:195

([59])  سورة النساء، آية: 29.

([60]) اختلف المعاصرون في هذه المسألة وفي ضمنها نقل الأعضاء من الموتى إلى قولين: مجيز ومانع، فمن المانعين: الشيخ الشعراوي والغماري والسنبهلي وحسن الشاذلي وغيرهم، ومن المجيزين: العديد من الهيئات ولجان الفتوى كهيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية ولجنة الفتوى في الأردن والكويت ومصر والجزائر ومن العلماء طائفة منهم الشيخ السعدي وإبراهيم اليعقوبي وجاد الحق وعبد الجليل شلبي وغيرهم. انظر: أحكام الجراحة الطبية للشنقيطي ص 353-357، مجلة مجمع الفقه الإسلامي العدد الرابع 1/90-490، قضايا فقهية معاصرة للسبنهلي ص67 دار القلم الطبعة الأولى 1408هـ، وشفاء التباريح والأدواء في حكم التشريح ونقل الأعضاء لليعقوبي ص 101-108، توزيع مكتبة الغزالي دمشق، الطبعة الأولى 1408هـ.

([61])  سورة البقرة، آية: 173.

([62])  سورة المائدة، آية 3

([63])  سورة المائدة، آية 3

([64])  سورة الأنعام، آية: 118-119.

([65])  سورة البقرة، آية 185

([66])  سورة النساء، آية: 28.

([67])  سورة المائدة، آية:6.

([68])  انظر: المحلى 3/395، المغني 3/498، حاشية الدسوقي 1/420، نهاية المحتاج 3/39، الأشباه  والنظائر للسيوطي ص 178، أحكام الجراحة الطبية للدكتور محمد الشنقيطي ص 375

([69])  الأشباه والنظائر للسيوطي ص 173، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص94، شرح القواعد الفقهية للشيخ أحمد الزرقا ص 179.

([70])  الأشباه والنظائر للسيوطي ص 173، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص94، شرح القواعد الفقهية للشيخ أحمد الزرقا ص 185.

([71])  الأشباه والنظائر للسيوطي ص 172، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص93، شرح القواعد الفقهية للشيخ أحمد الزرقا ص 163.

([72])  شرح القواعد الفقهية للشيخ أحمد الزرقا ص 227.

([73])  بدائع الصنائع 7/236 بتصرف

([74])  انظر: المجموع للنووي 9/41-42، وقال: إن فيهما وجهين في المذهب وبالجواز ذهب إمام الحرمين وحكاه النووي رحمه الله عن الجمهور

([75])  انظر للاستزادة في معرفة الأدلة وأوجه الاستنباط: أحكام الجراحة الطبية للدكتور محمد الشنقيطي ص 337-403، حكم نقل الأعضاء في الفقه الإسلامي للعقيلي ص 15-44، فتاوى مصطفى الزرقا ص 229-231، قضايا فقهية معاصرة للسنبهلي ص 61-70، وبحوث كل من: الدكتور البار والدكتور بكر أبو زيد والدكتور البوطي والدكتور حسن الشاذلي والدكتور خليل الميس والدكتور عبد السلام العبادي وغيرهم ضمن مجلة مجمع الفقه الإسلامي العدد الرابع 1/91-431.

([76])  انظر: هذه الشروط: بحث الدكتور بكر أبو زيد (التشريح الجثماني والنقل والتعويض الإنساني) في مجلة مجمع الفقه الإسلامي العدد الرابع 1/183-184، حكم نقل الأعضاء في الفقه الإسلامي للعقيلي ص79-80،قرار المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الاسلامي في دورته الثامنة 1405هـ (القرار الأول)،فتاوى مصطفى الزرقا ص 230-231.

([77])  انظر هذه القواعد وغيرها: الأشباه والنظائر للسيوطي ص 176-179، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 94-97، الوجيز في ايضاح القواعد الكلية للبورنو ص 180-185، شرح القواعد الفقهية للشيخ أحمد الزرقا ص 187-200، الضرر في الفقه الإسلامي للدكتور أحمد موافي 2/953-945.

([78]) طبعة دار القضاء ط3، ج4 من ص530 – 540

([79])  سورة النور، آية 23

([80])  أقول: أن الحلقة الأولى والثانية، والأخيرة التي عرضتها في إعداد هذا  البحث بعد تحقيق المناط الخاص والعودة إلى الخطط التشريعية التي وضعها الشارع   تستثنينا نحن فلسطيني الداخل من عموم الاجتهاد الذي وصل إليه الشيخ القرضاوي- حفظه الله تعالى- فيما يخص التبرع للحربي على اعتبار أن إسرائيل دار حرب، فمن أحب الازدياد فليعد إليهما)

([81])  سورة التوبة، آية 71

([82])  سورة الأنفال، آية 75

([83])  عزاه الجامع الصغير إلى أحمد والبخاري والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة.

([84])  رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة عن عائشة كما في الجامع الصغير. ورواه ابن ماجة عن أم سلمة بلفظ: (ككسر عظم الحي في الاثم).

([85])  سورة الإسراء، آية 33

([86])  سورة البقرة، آية 178

([87]) الحج:46

([88])  الأعراف: 179.

([89])  التوبة:28.

([90])  متفق عليه، كما في اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان رقم (205).

([91])  سورة الإنسان، آية 8

([92])  انظر كتاب العلاقات الدولية – أبو زهره- ص 103-104

([93])  سورة المائدة، آية 32

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017