حكم التبرع بالرأس ونقله من إنسان الى أخر

السبت 12 أغسطس 2017
شارك المقال

حكم التبرع بالرأس ونقله من إنسان الى آخر

الشيخ رائد بدير

عضو هيئة العلماء

في القدس الشريف

 

 

هذه الورقة هي الاولى من نوعها  ، اهميتها لسببين انها سبقت وقوع الحدث وهذه اول مرة تبحث مسالة قبل وقوع الحدث، فالعادة ان تتشكل المؤتمرات الفقهية متأخرا وبعد أن ينتهوا من بحث المسالة يكون قد استجد فيها جديد، والثاني أنها تبحث في مسالة في غاية الاهمية تغير شكل الحياة على الارض اذا نجحت العملية الجراحية واصبحت عادة بعد 100 سنة.

موضوع المسالة : حدد جراح إيطالي موعد إجراء أول عملية جراحية لزراعة رأس كامل في العالم، وستكون حتى نهاية العام 2017 بعد بحث استمر 30 سنة، وتحدث العالم عن ترقبه لهذه العملية  ( طالع الموضوع في محركات البحث) فما هو الحكم الشرعي لنقل الراس من انسان الى اخر؟ 

 

اولا : حفظ النفس البشرية أعلى قيمة في الشريعة الاسلامية.

ان القيمة العليا التي وضعتها الشريعة الاسلامية في هرمية احكامها هي ” حفظ النفس البشرية” ، وقد نظمت الشريعة الاسلامية أحكامها وفق مبنى تسلسلي مما سمته  التحسينيات، والحاجيات، والضروريات، وربطت هذه القواعد بجزئيات كثيرة نصت عليها وجعلتها معللة قابلة للقياس لتغطي ما  يستجد من احداث الى يوم القيامة ، سعيا منها على الحفاظ على النوع الانساني وقيمته وحياته بالدرجة الاولى ، بل ان الشريعة الاسلامية أوجبت على دفع كل ما يعرض حياة الانسان الى الهلاك او التلف، وفرضت ايجاد الحلول لكل ما يعرض حياته للخطر وطالبت الانسان ان يدفع القدر بالقدر فما من داء الا له دواء، ونحن متعبدون لله بالوسائل والغايات، فمن سعى في بحث علمي طوال 30 سنة ليجد حلولا لأمراض مستعصية فانه يحمد على فعله وتحسب هذه المدة عبادة من عبادة الله تعالى وتقربا اليه ان كان مؤمنا به ومسلما اليه فربما يفوق ثوابه ثواب العابد 30 سنة فالوسيلة تأخذ حكم الغاية في الثواب.، والشريعة الاسلامية ليست ضد العلم بل تشجعه، وليست ضد تفعيل العقل بل توجبه،  لكن الشريعة  في نفس الوقت لا تعتمد مبدأ ” الغاية تبرر الوسيلة” ، فلا تترك الحبل على الغارب  من اجل تحقيق غاية محمودة، هنالك شروط على الوسائل لإنقاذ النفس البشرية.  لو أن رجل وأمرة علقوا في منطقة ثلجية باردة وكان يتوجب عليهم تدفئة اجسامهم حتى تصل اليهم وحدة الانقاذ، فكان الحل ممارسة الزنا لأنه يولد حرارة في الجسم اكنا نجيز هذا ؟ الجواب بالتأكيد لا نجيز الزنا ولو تعلق الامر بحفظ النفس، لان  الله تعبدنا بالوسائل كما تعبدنا بالغايات، اذن حفظ النفس قيمة عليا ، ورفع الالم عنها فريضة شرعية، لكن الوسيلة الى ذلك يجب ان تكون مشروعة.

ثانيا: الرأس والوجه  وعلاقتهما  بتعريف وهوية الانسان:

الرأْسُ في اللغة العربية :” جزء أعلى من البدن ، يحوي العينين والفم والأنف والأذنين وبداخله المخّ ، مجتمع الخلقة”[1].وقد وردت كلمة الرأس في عدة مواضع من القران الكريم منها قوله تعالى:”قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا”[2]   وقوله تعالى:”إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ”[3] .  وقوله تعالى “وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ”[4] وقوله تعالى  “مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ “[5]  وقوله تعالى “وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ”[6] .

من خلال التدقيق في الآيات القرآنية وجدت أن الراس يعبر به عن الانسان ذاته، فالراس يدل على الفارق بين الصبي والشيخ والمرأة والرجل وهو معبر عن عمر الانسان وصفاته وطبيعته ” وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا”. والراس معبر عن حياة الانسان وموته ” فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ” ، والراس يمثل الانسان وارادته ”  لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ”. اذن الراس حقيقة هو الانسان بعينه.

اما بالنسبة للوجه جاء في  لسان العرب: ” الوجه: معروف، والجمع الوجوه “[7]  . وعرفه الشافعية والحنابلة بأنه: ” ما بين منابت شعر الرأس إلى الذقن ومنتهى اللحيين طولا، ومن الأذن إلى الأذن عرضا”[8] وعرفه الحنفية بأن حد الوجه: ” من قصاص الشعر إلى أسفل الذقن، وإلى شحمتي الأذنين ” [9] وقد ورد في القران الكريم في عدة مواضع منها قوله تعالى :”اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ”[10]  وقوله تعالى :”بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ” [11]  وقوله تعالى : “فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ” [12] و قوله تعالى :” قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا” [13] وقوله تعالى :” فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ”[14]  وقوله تعالى “يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ  فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ”[15]

مما سبق تبين لنا ان هوية الانسان وتعريفه انما تكمن في رأسه وخاصة الوجه منه، فالوجه خاصة هو الجهه التي نقصدها عندما نشير الى إنسان معين او نذكر انسان معين، وان الانسان معرف عالميا بهويته واسمه وشخصه بواسطة وجهه، ونلاحظ ان الآيات القرآنية ذكرت الوجه في معرض الاستقبال والجهة والوجهة والعلامات الواضحة التي تعبر عن الانسان وهويته . فالإنسان بوجهه يعرف ، وهو الجهة المستقبلة للتعريف به. والملاحظ في قوله تعالى ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ ان هذه الآية عبرت عن الهويات بالوجه، هوية اهل الجنة وهوية اهل النار، تماما كما في الدنيا يصنف الناس وفق هوياتهم والى اي اوطان ينتمون وجنسيات  يعملون وذلك بصورة لوجوههم تحمل في هوية او جواز سفر. حينما ننادي على زيد انما نقصد وجهه، وحينما ت قطع يد انسان او رجل انسان يستمر في الحياة ، بينما حينما يقطع راسه يموت، فالوجه والراس هما الانسان حقيقة.

حرمة الميت كحرمة الحي :

ان المادة طغت وتجبرت واودعت عند الماديين ان الانسان بعد موته ما هو الا كومة من تراب لا قيمة له، إن الاسلام أعطى مكانة للنفس البشرية حتى بعد موتها ، عن عمرة بنت عبدالرحمن عن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏كسر عظم الميت ككسره حيًا‏)””[16]وفي البخاري من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى قَالَ كَانَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ قَاعِدَيْنِ بِالْقَادِسِيَّةِ فَمَرُّوا عَلَيْهِمَا بِجَنَازَةٍ فَقَامَا فَقِيلَ لَهُمَا إِنَّهَا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ أَيْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَقَالَا إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّتْ بِهِ جِنَازَةٌ فَقَامَ فَقِيلَ لَهُ إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ فَقَالَ أَلَيْسَتْ نَفْسًا” [17] ،إن الاعتداء على الميت هو اعتداء على الحي، وإن فقدان هذه القيمة هي مس بالإنسان وإنسانيته. وان النفس البشرية لها حرمة وهي حية وتستمر هذه الحرمة لما بعد الموت.

لكل ما تقدم  : ان نقل راس انسان الى اخر لا يجوز شرعا ، ولا يجوز الاقدام على مثل هذه الخطوة  وان كانت الغاية نبيلة ومقصودة لإراحة المريض من الامه فالوسيلة محرمة شرعا ، والواجب على الباحثين والاطباء ان يعمقوا ابحاثهم لإيجاد البدائل والادوية المشروعة، ان نقل راس انسان الى اخر هو تعدي على خصوصيات هذا الانسان، بل وتعدي على المجتمع وجهة التعاون، وفيه انتحال شخص لشخص، وهو عمل غير اخلاقي بالدرجة الاولى، ويترتب عليه المساس بالمجتمع ، وهو عبث بصنع الله تعالى الذي خلق الناس مختلفين. وعبث بمكانة الانسان نفسه، اذ الانسان وهويته وتعريفه متمحور في راسه ووجه، وان اخذ الراس الى انسان اخر هو استخفاف بمكانة وقدسية الانسان، واعتباره مادة وليس نفسا وروحا لها مكانتها   ، وهو امتهان لذات الانسان، وهو تحويل لقيمة الانسان وهويته ليصبح مادة قابلة للنسخ والنقل . ان قطع الراس عن انسان حيا او ميتا  ما هو الا امتهان له ، هذا الباب يجب اغلاقه ولا يجوز فتحه، والواجب ان يبحث عن بدائل علاجيه دون العبث بصنع الله تعالى الذي خلق الانسان في احسن تقويم.

والله أعلم

بعد 1000سنة سيقرأ لنا جيل كما نقرأ نحن للذين سبقونا بـ 1000 سنة.

ملخص : ملخص :  نقل راس انسان الى اخر لا يجوز شرعا ، ولا يجوز الاقدام على مثل هذه الخطوة  وان كانت الغاية نبيلة ومقصودة لإراحة المريض من الامه فالوسيلة محرمة شرعا ،

[1] قاموس المعجم الوسيط ،اللغة العربية المعاصر. قاموس عربي عربي.

[2] سورة مريم الاية 4

[3] سورة يوسف الاية 36.

[4] سورة يوسف الاية 41

[5] سورة ابراهيم الاية 43

[6] سورة المنافقون الاية 50

[7] لسان العرب ج 13 ص 555

[8] المجموع، شرح المهذب 1/ 106، كشاف القناع ج 1 ص 95

[9] بدائع الصنائع ج 1 ص 3

[10] سورة يوسف الاية رقم 9

[11] سورة البقرة  الاية رقم 112

[12] سورة البقرة الاية 144

[13] سورة البقرة الاية 144

[14] سورة ال عمران الاية 20

[15] سورة ال عمران الاية106،107

[16] ‏[‏أخرجه أحمد 6/58، 100، 105، 169، 200، 264، وأبو داود 3/544 برقم ‏(‏3207‏)‏، وابن ماجه 1/516 برقم ‏(‏1616،1617‏)‏، والدار قطني 3/188، 189، وعبد الرازق 3/444 برقم ‏(‏6256، 6257‏)‏، وابن حبان 7/437ـ438 برقم ‏(‏3167.

[17] صحيح البخاري كتاب الجنائز الحديث رقم 1235

 

 

 

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017