حينما يكون المال  الحرام مصدرا هاما من مصادر الرزق بالنسبة للدولة او الافراد فما الحل ؟

الثلاثاء 18 ديسمبر 2018
شارك المقال

حينما يكون المال  الحرام مصدرا هاما من مصادر الرزق بالنسبة للدولة او الافراد فما الحل ؟

 

الشيخ رائد بدير-

عضو هيئة العلماء في القدس الشريف

كان أحد مشايخنا الكبار يسالنا ما سألهم احد شيوخه علماء القرن الماضي الشيخ مصطفى الزرقاء رحمه الله تعالى، على فرض انه تم تسليمك لإدارة دولة  ماذا كنت تصنع مع الحرام القطعي هناك؟ كانت الاجابات متعددة وخاصة اذا كان الطلاب بنتمون الى تنظيم اسلامي  يحلم باسترداد الخلافة  الراشدة  لكن كان الشيخ الزرقاء رحمه الله تعالى يجيب بما هو غير متوقع . كان يرفض استلام ادارة دولة ما الا بشرط ان نطبق الاسلام فيها كما بدأ أي بالتدرج .

كنا على مقاعد الدراسة سنة 1997 ندرس مادة الناسخ والمنسوخ في القران الكريم ضمن مساق كامل لطلاب الماجستير في الفقه والتشريع، وكان الدكتور المحاضر يتبنى الراي القائل لا منسوخ في القران الكريم ، وكانت وظيفة المساق والمحاضرة ان تتبع جميع الآيات التي تم نسخا ثم نناقش اثناء المحاضرة راي من قال بالنسخ وراي من قال بعدم النسخ اذ لا نسخ في القران. وكلنا في القاعة قلنا بالراي الذي تتلمذنا عليه ونحن صغارا ان هنالك ناسخ ومنسوخ . يحفظ اطفال المسلمين ان المسلمين صلوا الى جهة بين المقدس ستة عشرة شهرا حتى جاء ت الآية بتحويل القبلة فنسخت جهة بين المقدس.

إن التدرج في التشريع معناه منع انزال الاحكام النهاية في المسالة بل احكام تمهيدية  ، ومنع المطالبة بتطبيق  في ظرف غير قابل للتطبيق خذ مثلا تحريم الخمر بالتدرج، فالناظر الى بداية لفت الانتباه الى الخمر يلاحظ ان ما اثير حوله انه مصدر من مصادر الرزق قال تعالى :”  ”   وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( النحل 67) . ، وقال تعالى : (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كذلك يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ).”

إن هذه اللفتة القرآنية هامة جدا الى قيام الساعة ، وهي تلفت بالدرجة الاولى الى العلاقة بين الرزق الناتج عن الحرام ، وان الملحظ هنا ليس فقط الحرام انما الرزق المعيشي للناس فعين على الخمر وعين على المعاش الذي تعتاش منه .

لقد تناول ابن القيم الجوزية رحمه الله تعالى في كتابه زاد المعاد فصلا تحت  مسمى ”  ما تفعل الزانية بكسبها إذا قبضته ثم تابت” قال :” إِنْ قِيلَ : فَمَا تَقُولُونَ فِي كَسْبِ الزَّانِيَةِ إِذَا قَبَضَتْهُ ، ثُمَّ تَابَتْ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهَا رَدُّ مَا قَبَضَتْهُ إِلَى أَرْبَابِهِ ، أَمْ يَطِيبُ لَهَا ، أَمْ تَصَّدَّقُ بِهِ ؟

“قِيلَ هَذَا يَنْبَنِي عَلَى قَاعِدَةٍ عَظِيمَةٍ مِنْ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ ، وَهِيَ أَنَّ مَنْ قَبَضَ مَا لَيْسَ لَهُ قَبْضُهُ شَرْعًا ، ثُمَّ أَرَادَ التَّخَلُّصَ مِنْهُ ، فَإِنْ كَانَ الْمَقْبُوضُ قَدْ أُخِذَ بِغَيْرِ رِضَى صَاحِبِهِ ، وَلَا اسْتَوْفَى عِوَضَهُ رَدَّهُ عَلَيْهِ . فَإِنْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ عَلَيْهِ ، قَضَى بِهِ دَيْنًا يَعْلَمُهُ عَلَيْهِ ، فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ ، رَدَّهُ إِلَى وَرَثَتِهِ ، فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ ، تَصَدَّقَ بِهِ عَنْهُ ، فَإِنِ اخْتَارَ صَاحِبُ الْحَقِّ ثَوَابَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، كَانَ لَهُ . وَإِنْ أَبَى إِلَّا أَنْ يَأْخُذَ مِنْ حَسَنَاتِ الْقَابِضِ ، اسْتَوْفَى مِنْهُ نَظِيرَ مَالِهِ ، وَكَانَ ثَوَابُ الصَّدَقَةِ لِلْمُتَصَدِّقِ بِهَا ، كَمَا ثَبَتَ عَنِ الصَّحَابَةِ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . وَإِنْ كَانَ الْمَقْبُوضُ بِرِضَى الدَّافِعِ وَقَدِ اسْتَوْفَى عِوَضَهُ الْمُحَرَّمَ ، كَمَنْ عَاوَضَ عَلَى خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ ، أَوْ عَلَى زِنًى أَوْ فَاحِشَةٍ ، فَهَذَا لَا يَجِبُ رَدُّ الْعِوَضِ عَلَى الدَّافِعِ ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ بِاخْتِيَارِهِ ، وَاسْتَوْفَى عِوَضَهُ الْمُحَرَّمَ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْمَعَ لَهُ بَيْنَ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ إِعَانَةً لَهُ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ، وَتَيْسِيرِ أَصْحَابِ الْمَعَاصِي عَلَيْهِ . وَمَاذَا يُرِيدُ الزَّانِي وَفَاعِلُ الْفَاحِشَةِ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ يَنَالُ غَرَضَهُ وَيَسْتَرِدُّ مَالَهُ ، فَهَذَا مِمَّا تُصَانُ الشَّرِيعَةُ عَنِ الْإِتْيَانِ بِهِ ، وَلَا يَسُوغُ الْقَوْلُ بِهِ ، وَهُوَ يَتَضَمَّنُ الْجَمْعَ بَيْنَ الظُّلْمِ وَالْفَاحِشَةِ وَالْغَدْرِ . وَمِنْ أَقْبَحِ الْقَبِيحِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ عِوَضَهُ مِنَ الْمَزْنِيِّ بِهَا ، ثُمَّ يَرْجِعُ فِيمَا أَعْطَاهَا قَهْرًا ، وَقُبْحُ هَذَا مُسْتَقِرٌّ فِي فِطَرِ جَمِيعِ الْعُقَلَاءِ ، فَلَا تَأْتِي بِهِ شَرِيعَةٌ ، وَلَكِنْ لَا يَطِيبُ لِلْقَابِضِ أَكْلُهُ ، بَلْ هُوَ خَبِيثٌ كَمَا حَكَمَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَكِنَّ خُبْثَهُ لِخُبْثِ مَكْسَبِهِ ، لَا لِظُلْمِ مَنْ أُخِذَ مِنْهُ ، فَطَرِيقُ التَّخَلُّصِ مِنْهُ ، وَتَمَامُ التَّوْبَةِ بِالصَّدَقَةِ بِهِ ، فَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَيْهِ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ قَدْرَ حَاجَتِهِ ، وَيَتَصَدَّقَ بِالْبَاقِي ، فَهَذَا حُكْمُ كُلِّ كَسْبٍ خَبِيثٍ لِخُبْثِ عِوَضِهِ عَيْنًا كَانَ أَوْ مَنْفَعَةً ، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الْحُكْمِ بِخُبْثِهِ وُجُوبُ رَدِّهِ عَلَى الدَّافِعِ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَكَمَ بِخُبْثِ كَسْبِ الْحَجَّامِ ، وَلَا يَجِبُ رَدُّهُ عَلَى دَافِعِهِ .”أ.هـ ثم استمر ابن القيم الجوزية في مناقشة ما يرد على هذه المسالة من ردود فيجيب الى ان ينتهي منها بحمد الله تعالى.

اذا كان المصدر حراما بالنسبة للدولة او الفرد وكان هذا الحرام بعوض حتى لا نمنع الانهيار الاقتصادي للدولة والفرد هو البدء بالتخلص من الحرام بالتدريج على مستوى الدولة، يحرم على الدولة هنا التسليم للمال الحرام وانه لا بديل له، والقول أنه لا يمكن الاستغناء عن الحرام حتى لا تنهار الدولة من عوائد الضرائب حرام شرعا. هنا الاحصائيات تتدخل والمختصون يتدخلون في فحص استناد الدولة من عوائد الضرائب الناتج عن المحرم . فان كانت الدولة تستند على الضرائب العائدة من الخمور مثلا تضع خطة طويلة الامد  لتقليل من الاستناد على الضرائب العائدة من الخمور، خذ مثلا الدخان والضرائب العائدة من الدخان على الدولة ان قلنا ان الدخان حرام ونريد ان نتخلص من الدخان ولا نستورده للاسياب الصحية وانه خبيث ، هل ستصمد الدولة بدون عوائد ضرائب الدخان مثلا. لا يمكن ان نبحث مسالة اقتصاد الدولة ومدى استناد هذا الاقتصاد على المحرم شرعا ان ان نفحص اثره  على المستوى المعيشي. لا يعني هذا قبول الحرام انما يعني التخلص من الحرام بالتدرج ويدخل في حكم اخف المفسدتين واقل الضررين المرحلي . لكن بعد 20 سنة مثلا تكون الدولة قد انتهت من هذا المحرم نهائيا .وابدلت الحرام بالمباح الذي ايضا يمكن ان يعود عليها بضرائب. وهكذا كل حرام قطعي عندها تصبح الدولة تعمل بشرع الله تعالى في النهي عن المحرمات.

اما ما كان في حق الافراد كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى  “، وَتَمَامُ التَّوْبَةِ بِالصَّدَقَةِ بِهِ ، فَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَيْهِ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ قَدْرَ حَاجَتِهِ ، وَيَتَصَدَّقَ بِالْبَاقِي ، فَهَذَا حُكْمُ كُلِّ كَسْبٍ خَبِيثٍ لِخُبْثِ عِوَضِهِ عَيْنًا كَانَ أَوْ مَنْفَعَةً”  يأخذون ويقتطعون ما يحتاجون له من المال الحرام ثم البدء باستثماره وتشغيله في الحلال . فان كان تاجر المخدرات يملك بحوزته مليون دولار ، فيمكن ان يفتتح شركة سيارات شحن او من نفس المال او جزء منه ويتصدق بالباقي ، على شرط ان يتوب توبة صادقة مستوفية لكل شروطها . ويبدا من جديد وليس المقصود هنا غسل الاموال ، انما المقصود هنا التوبة من الكسب الحرام باستعمال جزء من المال الاحرام للانتقال به الى عمل حلال.

هذا هو الحل حينما يكون الرزق مرتبطا بالحرام فالدولة التدرج في التخلص منه والفرد استعمال المال المحرم او جزء منه للبدء بالعمل في اعمال مباحة. لا يمكن توراث الحرام جيل بعد جيل على اعتبار انه لا مناص من التخلص منه هذا الكلام اشد حرمكة من الخمر نفسه . ورحم الله تعالى ابن القيم الجوزية حينما خرّج مسالة المال الحرام بعوض  على النحو الذي ذكره اعلاه.

 

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017