“خصوصية الظرف” بدعة حسنة و”شأن داخلي” بدعة محرمة

الإثنين 25 فبراير 2019
شارك المقال

“خصوصية الظرف” بدعة حسنة و”شأن داخلي” بدعة محرمة

الشيخ رائد بدير ، عضو هيئة العلماء في القدس الشريف

أطل علينا في السنوات الاخيرة مصطلح ” شأن داخلي” ، لا يمت الى العروبة او الاسلام باي صلة، وهو مصطلح دخيل على الامة الاسلامية ، يعارض صريح القران الكريم والسنة النبوية ، بل ويعارض العروبة والانسانية، ولا يختلف إثنان من المسلمين على أن الامة الاسلامية أمة واحدة لا فرق بين عربي ولا اعجمي ولا بدوي ولا حضري الا بالتقوى، والامة الاسلامية جسد واحد وهويتهم واحدة، اذا اشتكى من هذا الجسد عضو تداعت له سائر الاعضاء بالسهر والحمى، امة واحدة تهتم بشؤون بعضها البعض ومن ناقض هذه المبادئ فليس منهم ولا ينتمي اليهم.

يحكم هذه الامة الاسلامية والتي اتصفت بالخيرية مبدأ التعاون على البر  والتقوى، ومبدا التناصح والتشاور ومبدا الاصلاح في حال النزاع والاقتتال، حتى يفيء الجميع الى امر الله تعالى. امة تؤمن  بما انزل الله تعالى وفق فهم راشدي للدين كفهم ابي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم.

اطلع علينا ” شأن داخلي” ليضرب هذه المبادئ الذهبية بعرض الحائط، ويزيد الامة تمزقا بعد تمزق  وفرقة بعد فرقة ونزاعا بعد نزاع. ” شأن داخلي ” يُحرّم على الجسد أن يشتكي اذا اصاب عضوا منه تلفا أو ألما أو حاجة ، ويعتبر ان كل عضو فيه منفصل عن الاخر. ” شأن داخلي” يحميه قضاء غير عادل، وأجهزة أمنية صُنعت لهذا الغرض.

لا يعني هذا أن يتدخل المسلم في كل شأن من شؤون  أخيه المسلم سواء كان نظاما او مجتمعا او حاكما ا محكوما هنالك ” خصوصية وظرف” لكل بلد وبلد، فـ ” خصوصية الظرف” معتبرة شرعا وعقلا ولها اثر في تحديد الاستراتيجيات ولون الخطاب، فالخطاب في القران المكي يختلف بطبيعته وخصائصه عن  الخطاب بالقران المدني، ووصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ- رضي الله عنه- حينما ذهب الى اليمن تبرز خصوصية الظرف في تحديد نوع  الخطاب   على سبيل المثال، وقد امتلأت النصوص الشرعية واقوال الفقهاء في مدى اثر الظرف والخصوصية على الاحكام التكليفية والاحداث والنوازل.

يلزم التفرقة بين ” خصوصية الظرف” و ” شأن داخلي”. خصوصية،  الظرف لها اعتبارها ووزنها ومشروعيتها ، اما مفهوم ” الشأن الداخلي” فلا اساس له عقلا ولا شرعا وهو بالمفهوم الذي تتطرجه الدول والحكومات المعاصرة  بدعة محرمة لا تستند الى العروبة ولا الى الاسلام.

لا فرق بين العراقي والمصري والسعودي والقطري والفلسطيني والمغربي والماليزي والاندونيسي والتركي …الخ. لا فرق بين مسلم ومسلم سواء كان حاكما او محكوما، عربيا ام أعجميا،  ولا يجمع هؤلاء  الجسد الواحد  فقط الخالي من اي روح بل ان ذمتهم واحدة، والذمة تتعدى علاقة الجسد فهي تعبر عن العهد والأمان والضمان والحرمة والحق.

هذا الفكر ليس صوفيا ولا اخوانيا ولا سلفيا ولا تبليغيا ولا غيرهم ، هذه نصوص قرآنية واحاديث نبوية صحيحة، وُلدت وتربت ونشأت عليها الامة الاسلامية التي صنعت ثقافة وحضارة بلغت مطلع الشمس ومغربها . وعاش في ظلها بامن وامان وعدالة واستقرار  كل الناس على اختلاف أديانهم.

ان العجز عن تحقيق ما امرنا الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز وما امرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم فيما يخص الامة الواحدة  لا يعني انكاره ، بل يسعى كل مسلم ومسلمة على تحقيقه، عسى الله تعالى ان يهيئ جيلا يعود كما بدأ. ولا يعتبر بالأهمية من يحكم الامة الاسلامية مثل اعتبار وجودها بالروح التي نشأت عليها ، حينها سيكون الحاكم هو النظام والانجاز والعدالة التي يعش فيها الضعيف ويأخذ حقه غير متعتع ، امة مقدسة  وليس فردا بعينه. ومن يقف على راس الهرم لا يختلف عن اصغر مسلم فيها الا بالتقوى والعلم والقوة فهم سواسية امام العدالة الربانية الالهية.

ان اعتبار هذا التصور تهديدا للأنظمة الحاكمة او القومية  والجنسيات ما هو الا من باب الوهن والضعف والعجز والانانية وحب الذات والمصلحة الفردية. فهل تعيش الدول العربية والاسلامية وشعوبها اليوم في عز ام في هوان. الم تهلكها الفتن الداخلية وتأكل خيراتها الهيمنة  الخارجية.؟ هل تنعم الدول العربية والاسلامية بوضعها الحالي بالأمن والاستقرار والتنمية والتطور؟ هل تعبر دول عظمى؟ هل تعتبر دول متقدمة في كل المجالات؟ ام انها في اخر الركب يطلق عليها دول العالم الثالث او النامية على استحياء؟ لقد ذهبت هيبة الامة كأمة وذهبت مقدراتها وذهب دورها الريادي في الانسانية،

ان الدول العظمى من الامم الاخرى لا  تحتكم الى  اسس انسانية ينعم فيها الناس بالعدالة في كل مكان، بل الى مصالح مادية مجردة وفق مبدا الغاية تبرر الوسيلة . وهذا الدور الريادي الانساني هو دور الامة التي اخرجت للناس وكانت فيها الخيرية للعالمين . فالخاسر من غيبتنا كامة اسلامية خيرية نحن اولا ثم الانسانية ثانيا.

لا يظن من يظن ان هذه الامة العظيمة التي فيها قران كريم وسنة نبوية يمكن ان تختزل في نظام ملكي او جمهوري او رئاسي ضمن مناطق محدودة جغرافيا وتحت مسميات مختزلة  محدودة يمكن ان تقود الانسانية الى عالم القيم والمبادئ التي ينعم فيها كل الناس المسلم وغير المسلم .ليس لهذا الدور بعثت هذه الامة مع بعثة نبيها صلى الله عليه وسلم. انما لدور اعظم واكبر ، دور تكون فيها مثالا للعدالة والتنمية والاخلاق والعلم والامن والامان والاستقرار لكل الناس المسلم واليهودي والمسيحي وغيرهم من اصناف البشر.

” شأن داخلي”. مصطلح تدميري للامة ومعزز لفرقتها ، وهو بدعة محرمة باتفاق العلماء والعقلاء .

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017