دراسات وابحاث فقهية واصولية في جواز الرمي قبل الزوال

السبت 2 سبتمبر 2017
شارك المقال

دراسات وابحاث  فقهية واصولية في جواز الرمي قبل الزوال

أقدم بين أيديكم دراسات فقهية لعلماء إجلاء ، بحثوا مسالة رمي الجمرات قبل الزوال ليلة العاشر من ذي  الحجة وايام التشريق الثلاثة، واجازوا جواز الرمي ليل نهار ،  وهي ابحاث علمية عميقة ، قدم الشيخ يوسف القرضاوي لاحد هذه الابحاث. واكتفيت ان اشير الى اسم الباحث وعنوان البحث ونقلت بعض ما ورد في مقدمتها او خاتمتها ، اما لب البحث بابوابه وفصوله وفروعه وعمق النقاش في الادلة فمتوفر اما في كتاب البحث المطبوع او على الشبكة  ،  جزء من هذه   الابحاث هي فقهية مقارنة، ومن طبيعة الفقه المقارن ان يقف عند كل  دليل فيناقشه بالدليل من مجموع زواياه، ثم تبرز مهارة التأويل، ثم الوقوف على مسالك العلل لاكتشاف القياس الصحيح من  القياس مع الفارق، ثم بيان اتساع رقعة المشهد للاشارة الى الدليل الجزئي المبتور عن الكلي هذه هي روعة الابحاث الفقهية المقارنة .  

  1.  د. علي ونيس الإمام والخطيب بوزارة الأوقاف (سابقا). الدراسة تحمل عنوان «الرمي قبل الزوال»، أجاز فيها الباحث رمي الجمرات قبل زوال الشمس، مستندا على أدلة قوية من آراء الصحابة والتابعين والأئمة الثقاة. وقدم لهذه الدراسة الشيخ  يوسف القرضاوي اللذي قال  في تقديمه لهذه الدراسة:”

«يسرني أن أقدم لهذه الدراسة الجيدة التي قام بها ابننا العالم الباحث النابه الشيخ علي ونيس نوّر الله بصيرته وسدد خطاه، حول موضوع يحتاج إليه المسلمون أشد الحاجة في هذا العصر، وهو يتعلق بفريضة الحج الركن الخامس من أركان الإسلام وشعائره التعبدية الكبرى. وهو: موضوع (الرمي قبل الزوال) في أول وثاني أيام التشريق، وهو أمر يشدد فيه كثير من العلماء، ويوجبون على الناس أن يرموا بعد الزوال، وإن بلغ الزحام بالناس ما بلغ، حتى إن الناس يقتل بعضهم بعضا من شدة التدافع في مرمى الجمار. ومن ذهب إلى الحج سمع مكبرات الصوت تعلن على الناس: أن من رمى قبل الزوال، فرميه باطل! ولا يكتفون بهذا، بل يضيفون إليه: وحجه باطل!! هذا مع أن المسألة ليست من مسائل الإجماع بيقين، والخلاف فيها واقع منذ عهد الصحابة والتابعين والأئمة المعتبرين. فتصدى أخونا الباحث علي ونيس لهذه المسألة ليحقق القول فيها، ويمحص ما ورد فيها من أقوال، ومدى صحة نسبتها إلى أصحابها، ويوازن بين أدلتها بحياد وموضوعية إلى حد كبير». وتابع قائلا: أعجبني من الباحث الشاب: ثقته بنفسه، وشجاعته في مناقشة الأقوال، وتضعيف ما يرى أنه ضعيف، وترجيح ما يرى أنه الراجح، وإن خالف المشهور أحيانا، وهو يتحدث بمنطق علمي وفقهي رصين، وبعد اطلاع واسع على مصادر شتى، ومنها مصادر التوثيق والتضعيف للأسانيد. وهذا كله يبشر بعقلية فقهية واعدة باقتحام ميدان الاجتهاد، فإن الاجتهاد الحق يبدأ بالاجتهاد الترجيحي الانتقائي، ثم ينتهي بالاجتهاد الإبداعي الإنشائي. وذكر الشيخ القرضاوي: أن كل عالم يملك المؤهلات العلمية اللازمة من العلم بالعربية، والعلم بالكتاب والسنة، والعلم بمقاصد الشريعة وأصول الفقه، وممارسة الفقه حتى تتكوّن له الملكة الفقهية، مع معرفة بفقه الواقع والحياة: قادر بتوفيق الله تعالى على أن يخوض مبدأ الموازنة والترجيح. وفي شهادة واضحة للباحث قال: «لقد أفادنا بحث الشيخ علي ونيس إضافة أسماء جديدة، لم تكن معروفة من قبل، أو مشهورة، ممن قالوا بجواز الرمي قبل الزوال مثل: ابن عباس وابن الزبير من الصحابة، ومثل عكرمة وغيره من التابعين. ومثل إمام الحرمين الجويني من الشافعية، وابن الجوزي وابن الزاغوني من الحنابلة، بالإضافة إلى الأسماء المعروفة من قبل». ووجه الشيخ القرضاوي عتاباً للباحث قال فيه: «الذي أخذته على الباحث حفظه الله: أنه كان متحفظا إلى حد بعيد، فهو يقدم رجلا ويؤخر أخرى، وكأنه يخشى من سهام النقد التي ستوجه إليه من المتشددين، فأراد أن يرضيهم، أو يكف ألسنتهم عنه، رغم أن نتائج بحثه تنادي بأن الرمي قبل الزوال: أمر مشروع ولا شك فيه، قال به صحابة وتابعون، وأئمة معتبرون، من المتقدمين والمتأخرين، والنصوص القرآنية والنبوية تشهد له، ومقاصد الشريعة تؤيده، والقواعد الفقهية تسنده، وحاجة الناس توجب القول به، دون أدنى حرج. فما بال الباحث الكريم يتخوف أو يتحرج من إعلان هذه النتيجة، بعد أن كادت تنطق على طرف لسانه؟ وهي النتيجة التي انتهى إليها علامة قطر الشيخ عبدالله بن زيد المحمود منذ أكثر من أربعين سنة، يؤيده بالأدلة المقنعة، وقد ناقشها الباحث، ونقد بعضها، ورجح بعضها، وهو كاف في ترجيح التعبير على التعبير. أما نصوص القرآن، فيكفي قوله تعالى: «يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ» [البقرة: 185]، و «وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» [الحج:78]، و «يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} «النساء:28». وأما نصوص الحديث، فقوله صلى الله عليه وسلم: «يسروا ولا تعسروا» (1)، متفق عليه عن أنس «إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين» (2). وفي الحج خاصة: أنه ما سئل عن أمر قدم ولا أخر في الحج إلا قال: «افعل ولا حرج» (3)، وأنه صلى الله عليه وسلم راعى الأعذار المختلفة فرخص لأصحابها، مثل إذنه للضعفة أن يرموا جمرة العقبة بعد منتصف ليلة النحر، وإذنه للرعاة والسقاة ألا يبيتوا بمنى. وقوله في حديث عروة بن مضرس «أيما مسلم شهد معنا هذه الصلاة – يعني صلاة الصبح بمزدلفة- وقد وقف قبل ذلك بعرفة من ليل أو نهار، فقد تم حجه وقضى تفثه» (4)، والعجب ممن يصحح هذا الحديث ثم يفتي ببطلان حج من رمى قبل الزوال؟ وأشار الشيخ القرضاوي إلى أن «الباحث اعتمد على أن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم في المناسك بيان للأمر القرآني بالحج، والفعل إذا صدر تطبيقا للأمر الواجب كان واجبا، ولاسيَّما بعد قوله: «خذوا عني مناسككم» (5). هذا مع أن دلالة الأمر النبوي على الوجوب فيه خلاف، ذكره الزركشي في البحر، وأنا ممن يرى أن الأصل في الأمر النبوي: الاستحقاق، ولا يدل على الوجوب إلا بقرينة. على أنه ناقش ذلك بعد، فبين أن الفعل النبوي الصادر بيانا للأمر، قد يشتمل على الواجب والمستحب والمباح. وهذا حق. واستدرك الشيخ القرضاوي في تقديمه للدراسة، مشيراً إلى أن الذي وقف الباحث أمامه هو: أن الرسول لم يرم في أيام التشريق إلا بعد الزوال، ولو كان جائزا لفعله ولو مرة، وهذا مردود عليه بأدلة كثيرة: منها: أن الرسول فعل ذلك في جمرة العقبة، حيث كان الأيسر عليه الرمي في ضحى يوم النحر، وهو نازل إلى مكة. وأنه لما سئل عن أشياء كثيرة قدمت أو أخرت، قال: افعل ولا حرج. وأن الشافعية والحنابلة أجازوا تأخير الرمي كله إلى آخر يوم، معتبرين الأيام كلها بمنزلة اليوم الواحد، وأن أبا حنيفة أجاز الرمي من بعد الفجر في يوم النحر، تسهيلا على النازلين من منى إلى مكة. وأوضح أن شهادة المقاصد الشرعية لهذا الرأي، فهو أن الله قد أنزل الشرائع وفصل الأحكام للمحافظة على الضروريات من الدين والنفس والعقل والنسب والمال، – وزاد بعضهم العرض. فحفظ النفس من الكليات الضرورية المطلوب حفظها. وقد قسم الأصوليون المصالح إلى أقسام منها: الضروري والحاجي والتحسيني، ورمي الجمار من التحسينيات في الحج، لأنه يقع بعد التحلل النهائي من الحج، فلا يمكن أن يسمح الشرع من أجل تحصيله بقتل الأنفس، وحفظها من الضروريات بيقين. وأضاف أن مقاصد الرمي وضحها قول الله تعالى «وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ» [الحج: 28] وقال: «وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ» [البقرة: 203]، وكان النبي يقف عند الجمرة الأولى والثانية ويذكر الله ويدعو ويطيل الدعاء. فهل يمكّن هذا الزحام الهائل والموج المائج من البشر أحدا من أن يذكر الله ويدعوه؟! وأكد أن القواعد الشرعية الفقهية المعروفة والمتداولة بين الفقهاء، كلها تؤيد هذا الرأي، مثل: (المشقة تجلب التيسير)، (إذا ضاق الأمر اتسع). (لا ضرر ولا ضرار). (الضرورات تبيح المحظورات). (درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة). وأشار إلى أن حاجة الناس، لا تخفى على أحد له عين يرى، وكل عام يزداد الحج زحاما، وموت الناس تحت الأقدام كارثة لا تزال تتكرر، برغم المجهودات والترتيبات الهائلة التي تقوم الهيئات المتخصصة بالمملكة السعودية، لتسهيل أمور الحجيج في كل عام. وأشار الشيخ القرضاوي إلى أن مكبرات (الميكروفونات) التي كانت تذيع على الناس فتوى بطلان الرمي قبل الزوال، لم تسمع ولم تر في مواسم الحج السابقة، وأن بعض علماء المملكة غدوا يفتون بالجواز، نزولا على حكم الضرورة، وارتضاء لمنهج التيسير، الذي طالما اتهموا دعاته بأنهم من المفرطين والمضيعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله.”

2. الدكتور احمد مصطفى القضاة  “استاذ جامعي في الفقه المقارن”  قدم دراسة بعنوان ” “ﺁﺭﺍﺀ ﺍﻟﻌﻠﻤﺎﺀ ﻓﻲ ﺭﻤﻲ ﺍﻟﺠﻤﺭﺍﺕ ﻭﺃﺜﺭﻫﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻴﺴﻴﺭ على الحجاج  ” قال الباحث:  ويهدف ﺍﻟﺒﺤﺙ ﺇﻟﻰ ابراز أوجه  ﺃﻭﺠﻪ ﺍﻟﺘﻴﺴﻴﺭ ﻋﻨﺩ ﺍﻟﻌﻠﻤﺎﺀ ﻓﻲ ﺭﻤﻲ ﺍﻟﺠﻤﺭﺍﺕ ﻟﻠﻤـﺴﺎﻫﻤﺔ  ﻓﻲ حل احدى ﺍﻟﻤﻌﻀﻼﺕ ﺍﻟﺘﻲ تواجه الحجاج سنويا، ﻭقد توصلت بالبحث  ﺇﻟﻰ ﻋﺩﺓ نتائج تساعد ﺍﻟﺤﺠﺎﺝ ﻭﺍﻟﻤﺸﺭﻓﻴﻥ ﻋﻠﻰ ﺭﻓﻊ ﺍﻟﻤﺸﻘﺔ ﻓﻲ ﻤﻨﺴﻙ ﺭﻤﻲ ﺍﻟﺠﻤـﺭﺍﺕ، ﻭﻤﻨﻬـﺎ : ﺭﻤـﻲ ﺍﻟﺠﻤﺭﺍﺕ واجب ﻭﻟﻴﺱبركن ، ﻓﻤﻥ تركه ينجبرحجه بدم ، وﺠﻭﺍﺯ ﺍﻟﺘﻘﺩﻴﻡ ﻭﺍﻟﺘـﺄﺨﻴﺭ ﻓـﻲ ﺃﻋﻤﺎل ﻴﻭﻡ ﺍﻟﻨﺤﺭ ﺍﻷﺭﺒﻌﺔ ﻭﺒﻼ ﻜﻔﺎﺭﺓ، ﻭﺠﻭﺍﺯ ﺭﻤﻲ ﺠﻤﺭﺓ ﺍﻟﻌﻘﺒﺔ ﺍﻟﻜﺒﺭﻯ ﻤﻥ ﻓﺠـﺭ ﻴـﻭﻡ ﺍﻟﻨﺤﺭ ﺇﻟﻰ ﻓﺠﺭ ﺍﻟﻴﻭﻡ ﺍﻟﺘﺎﻟﻲ، ﻭﻟﻠﻀﻌﻔﺔ ﻭﺍﻟﻨﺴﺎﺀ ﻭﺃﻤﺜﺎﻟﻬﻡ ﺍﻟﺭﻤﻲ ﺒﻌﺩ ﻤﻨﺘﺼﻑ ﺍﻟﻠﻴل، ﻭﺠﻭﺍﺯ ﺭﻤﻲ ﺃﻴﺎﻡ ﺍﻟﺘﺸﺭﻴﻕ ﻗﺒل ﺍﻟﺯﻭﺍل، ﻭﺴﻘﻭﻁ ﺭﻤﻲ ﺍﻟﻴﻭﻡ ﺍﻟﺜﺎﻟﺙ ﻤﻥ ﺃﻴﺎﻡ ﺍﻟﺘﺸﺭﻴﻕ ﻟﻤﻥ ﺃﺤـﺏ ﺃﻥ ﻴﺘﻌﺠل.”

3. الشيخ عبدالله بن زايد ال محمود الذي على يديه تأسس القضاء الشرعي في قطر  في رسالته “يسر الإسلام في أحكام حج بيت الله الحرام ”  وهذه دراسة مقارنة  وجمع الباحث  جميع الأدلة والردود ،   وجاء فيها : ” فهذه المشقة التي يعانيها الناس عند الجمار لا يجوز نسبة القول بها إلى الشرع، إذ لا دليل على هذا التحديد لا من الكتاب ولا من السنة ولا قياس ولا إجماع. غاية القول فيها أنه جرى على حسب الاجتهاد من الفقهاء الذين ليسوا بمعصومين من الخطأ، وليس من كلام رسول الله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فإن رمي النبي ﷺ وخلفائه وأصحابه فيما بين الزوال إلى الغروب هو بمثابة وقوفهم بعرفة فيما بين الزوال إلى الغروب، على أنه لم ينته بذلك حد الوقوف، بل الليل كله وقت للوقوف.وبما أن الرمي من واجبات الحج، فإنه يتمشى مع نظائره من الواجبات مثل النحر والحلق والتقصير فيدخل بدخولها في الزمان، ويجاريها في الميدان، إذ الكل من واجبات الحج التي يقاس بعضها على بعض عند عدم ما يدل على الفرق، وقد دلت نصوص الشريعة السمحة على أن الصواب في مثل هذه المسألة هو وجوب التوسعة، وعدم التحديد بالزوال، بل يجوز قبله وبالليل، كما دلت عليه نصوص طائفة من العلماء، فلم تُجمع الأئمة – ولله الحمد – على المنع ولا على وجوب هذا التحديد، إذ كانوا يردون ما تنازعوا فيه إلى الله وإلى الرسول، فيتبين لهم بذلك كمال دين الله وحكمة شريعته وكونه صالحًا لكل زمان ومكان، قد نظم حياة الناس أحسن نظام في شؤون عباداتهم من حجهم وصلاتهم وصيامهم.وبالجملة، فإن القول بجواز الرمي أيام التشريق قبل الزوال مطلقًا هو مذهب طاوس وعطاء، ونقل في التحفة عن الرافعي أحد شيخي مذهب الشافعي الجزم بجوازه، قال: وحققه الأسنوي وزعم أنه المعروف مذهبًا.

وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أنه يجوز الرمي قبل الزوال للمستعجل مطلقًا، وهي رواية عن الإمام أحمد، ساقها في الفروع بصيغة الجزم بقوله: وعنه يجوز رمْيُ متعجل قبل الزوال، قال في الإنصاف: وجوز ابن الجوزي الرمي قبل الزوال، وقال في الواضح: ويجوز الرمي بعد طلوع الشمس في الأيام الثلاثة، وجزم به الزركشي، ونقل في بداية المجتهد عن أبي جعفر محمد بن علي، أنه قال: رمي الجمار من طلوع الشمس، وروى الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ أرخص للرعاة أن يرموا جمارهم بالليل أو أية ساعة من النهار، قال الموفق في كتابه الكافي: وكل ذي عذر من مرض أو خوف على نفسه أو ماله كالرعاة في هذا؛ لأنهم في معناهم، قال: فيرمون كل يوم في الليلة المستقبلة، قال في الإنصاف: وهذا هو الصواب، وقاله في الإقناع والمنتهى وهو المذهب.

فعلم من هذه الأقوال أن للعلماء المتقدمين مجالاً في الاجتهاد في القضية وأنهم قد استباحوا الإفتاء بالتوسعة، فمنهم من قال بجواز الرمي قبل الزوال مطلقًا، أي سواء كان لعذر أو لغير العذر، ومنهم من قال بجوازه لحاجة التعجل، ومنهم قال بجوازه لكل ذي عذر، كما هو الظاهر من المذهب، فمتى أجيز لذوي الأعذار في صريح المذهب أن يرموا جمارهم في أية ساعة شاؤوا من ليل أو نهار، فلا شك أن العذر الحاصل للناس في هذا الزمان من مشقة الزحام والخوف من السقوط تحت الأقدام أنه أشد وآكدُ من كل عذر، فيدخل فيه جميع الناس في الجواز بنصوص القرآن والسنة وصريح المذهب، والنبي ﷺ ما سئل يوم العيد ولا في أيام التشريق عن شيء من التقديم والتأخير إلا قال: «افعل ولا حرج»  فلو وجد وقت نهي غير قابل للرمي أمام السائلين لحذرهم منه، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه، فسكوته عن تحديد وقته هو من الدليل الواضح على سعته، والحمد لله الذي جعل هذا التحديد من قول من ليسوا بمعصومين عن الخطأ ولم يكن من كلام من لا ينطق عن الهوى. فإن الحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله، والدين ما شرعه الله ورسوله، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عفوه واحمدوا الله على عافيته ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا”.أهـ

4 الشيخ  الدكتور عبد الله بن سليمان المنيع عضوهيئة كبار العلماء والمستشار بالديوان الملكي السعودي   “بحث مختصر في دليل و تعليل جواز رمي الجمار قبل الزوال” وجاء فيه :”
وهناك من أهل العلم من قال بجواز الرمي قبل الزوال لأن يوم العيد وأيام التشريق كلها وقت للرمي وأن الأفضل والأتم الرميُ بعد الزوال. قال بهذا القول من العلماء عطاء وطاووس وابو حنيفة وهو رواية عن أحمد في يوم النفر الأول وقال به اسحاق ومحمد الباقر وجزم به الرافعي وحققه الأسنوي وقال به ابن الجوزي وابن عقيل من الحنابلة وقولهم هذا يرد دعوى الإجماع على منع الرمي قبل الزوال.
واستُدِلَّ على قولهم بما يلي :
أولا : ليس في كتاب الله تعالى ، ولا في سنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم قول صريح في تحديد وقت الرمي بدءًا من الزوال ، وليس فيهما نص صريح في النهي عن الرمي قبل الزوال. والاحتجاج على منع الرمي قبل الزوال بفعله صلى الله عليه وسلم وقوله : خذوا عني مناسككم غير ظاهر. فكثير من أفعاله صلى الله عليه وسلم في الحج هي على سبيل الاستحباب . وكلام علماء الأصول في تكييف فعله صلى الله عليه وسلم من حيث الوجوب أو الاستحباب أو الاباحة معلوم ومذكور في موضعه من كتب الأصول وأن مجرد الفعل لا يقتضي شيئا من ذلك وكثير من أفعاله صلى الله عليه وسلم في أعمال الحج كانت على سبيل الاستحباب ولم يحتج أحد على وجوبها بقوله صلى الله عليه وسلم : (خذوا عني مناسككم ).
ثانيا : صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رخص للرِعَاء والسقاة برمي جمار اليومين من أيام التشريق متقدما أو متأخرًا ؛ ولم ينههم صلى الله عليه وسلم عن الرمي قبل الزوال . وتأخير البيان عن وقت الحاجة منزه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ثالثا : ذكر مجموعة من أهل العلم أن للحاج تأخير رمي جماره إلى آخر يوم من أيام التشريق فيرميها مرتبة على الأيام السابقة وذكروا من تعليل ذلك أن أيام التشريق مع يوم العيد وقت واحد للرمي ، وأن الرميَ آخرَ يوم لجميع أيام التشريق رميُ أداء لا رميَ قضاء واستدلوا على جواز ذلك بترخيصه صلى الله عليه وسلم للرِعاء والسقاة بتقديم الرمي أو تأخيره . ولا يخفى أن غالب العبادات لها أوقات تؤدي فيها ومن ذلك الصلاة . ومن أوقات الصلاة ما يكون أوله وقتَ اختيار وآخرهُ وقتَ اضطرار كوقت الفجر ووقت العصر ووقت العشاء . وأداء الصلاة في أول وقتها أو في آخره سواء أكان ذلك في وقت الاختيار أم في وقت الاضطرار يعتبر أداءً لا قضاءً . وقد قال بعض أهل العلم في تعليل القول بجواز الرمي قبل الزوال . بأن وقت الرمي بعضه وقت اختيار وذلك من زوال الشمس إلى غروبها وبعضه وقت اضطرار وهو بقية اليوم بما في ذلك ليله .
ولا نعلم خلافا بين أهل العلم في أن الصلاة في وقتها الاضطراري جائزة وتعتبر أداءً لا قضاءً مع الأثم في الـتأخير بلا عذر . فقياس وقت الرمي على وقت الصلاة من حيث الاختيار والاضطرار قياس وارد . وقد قال بهذا بعض أهل العلم في تعليل أن كامل الرمي آخر يوم من أيام التشريق رمي أداء لا رمي قضاء ومجموعة من أهل العلم قالوا بأن كامل يوم العيد وأيام التشريق وقت واحد للرمي .
كما قالوا بأن الرمي نسك واحد من تركه أو ترك بعضه فعليه دم واحد. وأن الرمي عبادة واحدة لا تتعدد بتعدد الجمار ولا بتعدد أيام الرمي .
ولا تُعرف عبادةٌ مؤقتة بوقت لا يجوز فعلها في بعضه.
رابعا: الترخيص للرعاء والسقاة في تقديم رميهم أو تأخيره ومبعثه رفع الحرج ودفع المشقة والأخذ بالتيسير. ولا شك أن المقارنة بين المشقة الحاصلة على الرعاء والسقاة في تكليفهم برمي جمارهم مع الحجاج أيام التشريق وبين ما يحصل عليه الحجاج في عصرنا الحاضر من المشقة البالغة والازدحام المميت المقارنة بين الصنفين مقارنة مع مضاعفة الأثر في الأخير ولئن حصل الترخيص للرعاء والسقاة بجواز تقديم رميهم أو تأخيره لدفع المشقة ورفع الحرج فإن الترخيص بتوسعة الوقت للحجاج تؤكد جوازَه الازدحاماتُ المميتة والله يقول : (وما جعل عليكم في الدين من حرج ). ومن القواعد الشرعية : المشقة تجلب التيسير . احتمال أدنى الضررين لتفويت أعلاهما، الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الفردية ، إذا ضاق الأمر اتسع .
خامسا: الخلاف في حكم الرمي في الليل أقوى من الخلاف في حكم الرمي قبل الزوال . ومع ذلك صدر قرار هيئة كبار العلماء بجواز الرمي في الليل إلى طلوع الفجر وذلك لرفع الحرج ودفع المشقة والأخذ بالتيسير مع أن القول بعدم جواز الرمي في الليل قول جمهور أهل العلم .ولكن الفتوى تتغير بتغير الأحوال والظروف فصدرت الفتوى بجواز ذلك .
سادسا: لا نظن وجود منازع ينازع في أن رمي الجمار في عصرنا الحاضر فيه من المشقة وتعريض النفس للهلاك ما الله به عليم . ولا يخفى أن الاضطرار يبيح للمسلم تناول المحرم لدفع هلاك النفس غير باغٍ ولا عادٍ. فالاحتجاج على الجواز بالاضطرار متجه . بل إن الحاجة المُلِحَّة قد تكون سببا لجواز الممنوع كجمع صلاة الظهر مع العصر وصلاة المغرب مع العشاء جمع تقديم أو تأخير لمطر أو برد أو مرض أو غير ذلك من الأسباب المعتبرة وهذه الأسباب المسوغة لذلك أضعف من أسباب جواز الرمي قبل الزوال في عصورنا الحاضرة.
سابعا: جاء عن الشيخ عبدالرحمن بن سعدي رحمه الله رواية من الشيخ عبدالله بن عقيل في كتابه :”الأجوبة النافعة عن المسائل الواقعة “في معرض تعليق الشيخ عبدالرحمن على رسالة الشيخ عبدالله بن محمود رحمه الله في حكم الرمي قبل الزوال . قال الشيخ عبدالرحمن ما نصه :
( ويمكن الاستدلال عليه بقول النبي صلى الله عليه وسلم لما كثرت عليه الأسئلة من سأل عن التقديم والتأخير والترتيب (إفعل ولا حرج ) .
وأحسن من هذا الاستدلال الاستدلال بحديث ابن عباس المذكور حيث قال له رجل رميت بعدما أمسيت قال : (افعل ولا حرج ).
ووجه ذلك أنه يحتمل أن قوله بعد ما أمسيت أي بعدما زال الزوال لأنه يسمى مساءً . ويحتمل أن يكون بعد ما استحكم المساء وغابت الشمس فيكون فيه دلالة على جوازه بالليل . ودليل أيضا على جوازه قبل الزوال؛ لأن السؤال عن جواز الرخصة في الرمي بعد المساء كالمتقرر عندهم جوازه في جميع اليوم بل ظاهر حال السائل تدل على أن الرمي قبل الزوال هو الذي بخاطره وإنما أشكل عليه الرمي بعد الزوال فلذلك سأل عنه النبي صلى الله عليه وسلم .
– وذكر رحمه الله دليلا آخر حيث قال – : إن أيام التشريق كلها ليلها ونهارها أيام أكل وشرب وذكر لله. وكلها أوقات ذبح ليلها ونهارها . وكلها على القول الصحيح أوقات حلق. وكلها يتعلق بها على القول المختار طواف الحج وسعيه في حق غير المعذور وإنما يتفاوت بعض هذه المسائل في الفضيلة فكذلك الرمي . – وقال – وفعل النبي صلى الله عليه وسلم لا يدل على تعيين الوقت بل على فضيلته فقط .- وذكر رحمه الله ما نقله صاحب الإنصاف عن ابن الجوزي وعن ابن عقيل في الواضح جواز ذلك قبل الزوال في الأيام الثلاثة .- ثم ختم تعليقه رحمه الله بقوله : فأنت إذا وازنت بين استدلال صاحب الرسالة واستدلال الجمهور رأيتها متقاربة إن لم تقل : تكاد أدلته تُرَجِّح . اهـ ص (342-344).
وغني عن البيان القول بأن للقول وبالقول بجواز الرمي قبل الزوال سلف من العلماء وتبرير معتبر لهذا القول وليس في القول به مصادمة لنص صريح من كتاب الله تعالى أو من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أو شذوذ في القول به.”أ.هـ

                                                                                جمع واعداد : الشيخ رائد بدير

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017