رحلتي مع الذات وصحبتي للعلماء

الأربعاء 6 مايو 2020
شارك المقال

رحلتي مع الذات وصحبتي للعلماء

الشيخ رائد بدير

نعاني من فقر في الملكات  ومن ضعف نظر في النصوص الشرعية من الكتاب والسنة والتراث الفقهي الهائل الجميل حتى دائما نظهر مظهر المتأخرين في مناحي الحياة بل أحيانا مظهر العاجزين، هنالك شيء ناقص.

وهذا يعود لسببين اثنين: الأول: فقدنا الصحبة في العلم.  الثاني: نسينا الذات.

اما الأول فدون صحبة شيوخ علماء في تخصصهم لا يمكن الاكتفاء بالنهج الجامعي التعليمي في بضع ساعات يقضيها الطالب وفق برنامج مساقات حتى يحصل على الدكتوراه ثم نسميه فقيه او داعية. لا بد طلب العلم سنوات طويلة على يد اهل اعلم ودراسة الكتب بطريقة مختلفة عن مناهج الجامعات والكليات.

والثاني رحلة مع الذات وفي عالم الذات وهي التي تنقصنا في هذا الزمان – الا من رحم ربي- وهذه الرحلة ضرورية وفيها سأفصل لان الأولى معلومة وسهلة الشرح. هي رحلة مع الذات ان تعرف جسدك وما يحوي من مكونات لها تأثير واصوات وخواطر  وما يحوي وما يدور بداخله وما يصدر عنه يوميا الاف الخواطر وهي على النحو الاتي:

  1. اسلام عقلك: مهما بلغت من الذكاء لا بد أن يسلم عقلك لله تعالى فيكون وفقا لما جاء به الإسلام. ودون ان تلحظ هذا العقل وتعيش معه مدة زمنية وتراه بأم عيني قلبك وتعرف متى يتجاوز الشرع ومتى لا يتجاوز، والاهم متى تستمع الى خواطر عقلك ومتى تهملها ومتى تقاتلها ستكون تائها بين ملايين الخواطر العقلية دون تمييز.
  2. مجاهدة نفسك: لا بد أن تراها وتعيش أحوال مراحلها الثلاثة الامارة بالسوء واللوامة والمطمئنة والأخيرة هي التي المراد والمطلوب. وإذا لم تكتشف نفسك وكل ما فيها من صفات متقلبة ومتحولة، وان لم تميز بين خواطرها وايهم تقبله وايهم ترده بل تقتلعه من داخلك فلا يمكن ان تسمي نفسك داعية او فقيه.ومتحولاتها مهلكة فهي تتشكل كل لحظة ولها وجه وصوت وكلمة وتاثير .ان لم تدرك هذا فانك تحتاج الى دعاء عند كل صلاة.
  3. طهارة قلبلك: لان  تذوق العلم على أصوله شروطه يحتاج الى  طهارة قلب، ـ فان كان قلبك مريضا فلا يمكن ان تسمي نفسك داعية او فقيه، وقلبك هو المحطة الأهم في الطهارة لأنه مكان نظر الله عز وجل.. فان لم تراه وتراقبه فالصمت مدى العمر  أولى.
  4.  روحك: وهي النفخة التي حصلت عليها تكرما من الله تعالى، وهي  الوحيدة في الجسم التي يمكن ان تصلك بالله تعالى لأنها أصلا منه. فان لم تكتشفها داخلك وتعرف كيفية التعامل معها  فلن تصل  فالمعركة هنا على روحك اما ان تكون طيبيه او خبيثة.واما ان تصل او تظل في حدود سماء الدنيا.
  5. محاربة شيطانك: فهو ملازم لك على مدار الساعة ويجري منك مجرى العروق ويحاول ان يفسد عليك عقلك وروحك وقلبك ونفسك ـ كل لحظة له اقتراح داخلك بينك، فان لم تعرف خباياه وتسمع خواطره بأذني قلبك فانت في فخ ولو نطقت بالقران والسنة، كثرة الذكر تضعفه وتخفت صوته والغفلة تنعشه إذا لم تعرف هذا ولم تمارس هذه الحرب الضروس فانت في شباكه ولو ذكر لسانك الآية والحديث.
  6. الدنيا: لها خواطر قوية وهي اشد من الشيطان في القوة، وتتسلل دائما خفية ومن النادر ان تسمع خواطرها، وربما تحتاج ليلة صفاء كاملة من قيام الليل وصمت ثلاثة أيام مع العزلة حتى تسمع خاطرها وبالكاد تسمعه، فاذا لم تطلع على هذا فربما انت تحت قدمها دون ان تعلم، والمطلوب ان تكون خارج نفسك وروحك وعقلك وقلبك وان تملكها لا ان تملكك.
  7. هواك: هذا من اخفى الخفايا داخلك وهو ينافس رب العزة في الالوهية، فيريد ان يكون هو إلهك ومعبودك ويقاتل بخفاء داخلك ليكون السيد، وهو أصعب ما في داخلك لمواجهته وارغامه ان يكون تبعا لله ولرسوله ويستغرق اكتشافه داخلك مجاهدة لا تقل عن عشرين سنة وخواطره ادق من خواطر غيره ولا يرى كالباقي لكن يسمع ومكانه خفي جدا. قليل على وجه الارض يسمع خواطره ويدرك مكانه في الذات .
  8. الفطرة: وهي السر العظيم الذي ولدت عليه وتحصل عليها وتراها وتعايشها بعد ان يجتمع شمل النفس والقلب والروح والهوى والعقل والجسد تحت امر الله ورسوله وتحت راية واحدة . النفس والقلب والروح والهوى والعقل والجسد كلهم يسبحون الله ويذكرونه بصوت واحد دون منازعة. وهي عتبة لأمر عظيم ولا يتحصل هذا الامر العظيم الا بهذه العتبة، هي عتبة درجة الاحسان حقيقة ” تعبد الله كأنك تراه” ويمكن ان تراها وتحسها وفي حال طالت عندك لأنك على غير شعور دائم بها لا تسمع أي صوت داخلك يسود الهدوء المطلق وفي حال ارتفعت تعود الأصوات كلها لتعارك بعضها بعضا.
  9. الجسد: حيث يكون حيث امرك الله ولا يكون حيث نهاك الله. وهذا أسهل شيء في كل ذلك لأنه لا يتكلم وليس له خاطر  ولا صوت انما هو تبع الأوامر الصادرة عن اي واحد مما ذكر اعلاه.

هذه الرحلة التي ينبغي ان تقوم بها الى جوار رحلة طلب  العلم مع العلماء ، ويمكن ان اقف عند كل واحدة لابرهن ان هذه الرحلة فريضة شرعية نهضت ادلة القران الكريم والسنة النبوية الصحيحةبها ،

رحلة في طلب العلم  مع الذات، وبالتوازي رحلة في طلب العلم وصحبة العلماء.

اما من صحبتهم  على مدار الساعة من العلماءء فهم :

(إذا وقعت بين يدي رجل في التربية الروحية كالحاج امين وبين يدي رجل في فهم الحياة ومناحيها وادارتها كالشيخ عبدالله نمر درويش وبين يدي رجل في الفقه والأصول كالدكتور علي السرطاوي وصحبتهم على مدار الساعه 30 سنة اقل قليلا او اكثر  ا فلا شك ان هذا هو الحظ الوافر )

هنالك من علماء الامة ومن فقهائها ومن مفكريها من الصف الأول تربطني معهم علاقة وطيدة وربما يوميا اتواصل اصحبهم منذ ما يزيد عن 15 سنة   وكانت لهم إضافات على رحلتي مع الذات وصحبتي مع العلماء. وبعضهم رحمه الله صحبته 10 سنوات وقد توفاه الله. ولم أشأ ان اذكرهم لظروف خاصة بي وربما بهم .

وما زلت اطلب العلم في رحلتي مع الذات وصحبتي للعلماء حتى يومي هذا وسألقى الله سبحانه وتعالى وانا على سفر في هاتين الرحلتين بفضله وكرمه ورحمته.

رحلة مع الذات وصحبة مع العلماء والمربين والمفكرين هي المؤهلات الحقيقية في تربية العقل والفكر والنفس والعقل والجسد والروح والهوى وهي المنارة التي تؤهل الدعاة والفقهاء.

 

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017