رسالة الى المُغرّد الْمُتَنَطِّع

الأربعاء 12 يناير 2022
شارك المقال

 

الشيخ رائد بدير

نعلم علم اليقين  ان الشريعة الإسلامية ليست عاجزة امام المتغيرات والمستجدات مهما كانت نوع تلك المتغيرات وفي كل مجالات الحياة، ونعلم ان في اعتبارات الشريعة الإسلامية للظروف والنوازل والمستجدات  بالفرد والجماعة والأمة مكانة، ونعلم أيضا  خصوصية الظرف الزماني والمكاني الذي نعيشه تحت حكم الصهيونية لفلسطين وبالتحديد فلسطين المحتلة 1948. ومنذ سنوات طويلة وانا اكتب فتاوى ومقالات ومؤلفات في كل مجالات حياتنا اليومية تطرقت فيها  الى التكييف الفقهي ” لإسرائيل” ، وكيف نشأت، والوصف الفقهي لفلسطين وكتبت حول كثير من القضايا مثل  المشاركة في الانتخابات لدخول الكنيست الإسرائيلي، وفي المعاملات المالية والطبية والاحوال الشخصية. والسلام والحرب والهدنة.. الخ وكل ذلك منشور تجده دون عناء في رحلة علمية تزيد عن ثلاثين سنة. ما وصلت اليه اننا وبين الإسرائيليين عقد موادعة وبموجب اثار هذا العقد نتعايش مع اليهود الإسرائيليين في كل مجالات الحياة، ولا يوجد عالم فقهيه واحد على وجه الأرض لا يراعي ظروفنا، بل كل الفتاوى الصادرة عن علماء الامة الإسلامية في الجهاد والمقاومة المسلحة والممانعة والتطبيع ومقاطعة البضائع الاسرائيلية وعدم شد الرحال للمسجد الأقصى والعمل .. الخ لا تشملنا ولم يقل عالم واحد اننا مطالبون بها أصلا.

نحن نحتكم الى فقه الاستثناءات وخطط الطوارئ الشرعية والقواعد الفقهية والاصولية التي تتناسب مع واقعنا الظرفي والزماني. ونحتكم الى أصول الفقه ومسالك تعليل الاحكام التي وضعها الاصوليون حينما نفتي في مسالة ما مستخدمين الأدوات الأصولية كمفاتيح لتلك المسالك للوصول الى الحكم، وبهذا نحمي أنفسنا من المزاجية او العشوائية، ونعتقد اعتقادا جازما ان الحكم الذي نصل اليه ضمن تلك المسالك الشرعية هو المناسب لمثل حالتنا، فان كان ما  نصل اليه  قد أصاب الحق فهو من عند الله تعالى، وان كان غير ذلك فمن انفسنا،  ولنا الثواب والاجر على الاجتهاد الناتج عن مسالكه الصحيحة. نحن لا نتناول احكام الاباحة او التحريم او الوجوب عند الفتوى من باب التشهي، ولا خدمة لاجندة أحد، انما هي قناعة وفق المسالك المعتبرة التي وضعها الاصوليون،  والاصل أن  ينطبق على من يصل الى نتيجة غير التي نصل اليها من حيث مسلك التعليل والوصول للحكم. لا بد من الوقوف على مناط الحكم قبل النطق به، فلو اختلفت نتائج الحكم كان الخلاف مشروعا لان الفقيه الاصولي اعتمد مسالك الطريق المعتبر عند الاصوليين للوصول الى الفتوى، اما عدم اعتماد المسالك وتتبع الهوى فهذا امر نهى الشرع عنه ولا اجر عليه، واكثر المسالك للوصول الاوصاف التي تبنى عليه الاحكام الشرعية العملية  الى الاحكام الشرعية في السياسية الشرعية هو مسلك المناسبة  وهو المسلك الاقرب للوصول الى الاحكام في الشرعية في السياسية الشرعية وهي الاخالة والمناسبة والاستدلال ورعاية المقاصد لان هذه المسالك  هو اكثر من اتاح الاجتهاد ووضع الاحتمالات لأبداء الوصف المناسب لعلية الحكم ورعاية المقاصد.

ما يهمنا بالدرجة الأولى مصادر التشريع الإسلامي والفقه الإسلامي لمثل حالتنا، حيث نجتهد في الحاق الفروع المستجدة بسبب نازلة ” إسرائيل” بالأصول من النصوص ومصادر التشريع ثم نعتمد الحاق الفرع المستجد بسبب نازلة ” إسرائيل” بالأصل في النصوص بعد الوصول   المناط المشترك بينهما وفي هذا سعة للاجتهاد ضمن مسالك التعليل. وما نصل اليه من نتيجة عن طريق تلك المسالك وفق قناعتنا واجتهادنا هو ما نعمل به مستندين الى تحقيق المناط في مدى الانطباق بين الاصل والفرع.. وحتى الان لم نسلك عملا الا وكتبنا فيه بل ونشرناه على الملأ بصراحة بلجة، وإعلان ذائع مستفيض، في غير خور أو اضطراب أو استحياء.

نعيش على ارض الواقع في فلسطين المحتلة عام 1948 تحت حكم الصهيونية، نحن فلسطينيون وجزء أصيل وعريق من الشعب الفلسطيني الذي جزأته الاتفاقيات وشتته الظروف حتى بات يُعرف بالأرقام: 1948، 1967، او المواصفات: الداخل، والخارج، والشتات، او الجغرافيا: الضفة وغزة والقدس، او الألوان الخط الأخضر والاحمر او الهندسة: والمثلث او الجهات: الشرقية والغربية …الخ من الجزئيات وما زال مسلسل تجزيء المجزأ يعصف بفلسطين ارضا ووطنا وشعبا الى ما نهاية. وتعتبر هذه حالة نادرة من توصيف وطن وشعب.   إنّ نازلة ” إسرائيل” لن تغيير من اصالتنا او عراقتنا او قوميتنا أي شيء كنا فلسطينيين وسنظل فلسطينيين، وكل ما يتعلق بالجنسية الإسرائيلية التي نحملها ما هي الا نازلة وظرف طارئ نزل بالأمة الإسلامية على وجه العموم وفلسطين على وجه الخصوص، ولن ولم تغيير الجنسية الإسرائيلية التي نحملها من حقيقة هويتنا القومية، ووفق هذا التوصيف نحن لسنا أقلية نحن جزء من الفلسطينيين والذين هم جزء من امة عربية وإسلامية نزلت بها النوازل حتى باتت مفرقة وبعيدة عن الوصف القرآني والنبوي لها.

نحن لسنا اقلية كأقليات المسلمين الذين يعيشون في دول الغرب او الشرق، التي تحكمها أنظمة غير إسلامية، فلا نظامهم الغير الإسلامي يقاس على” إسرائيل” ولا شعوبهم” تقاس على “شعب إسرائيل” ولا المسلمين الذين يعيشون في بلادهم كأقليات يقاسون على الفلسطينيين في الداخل الفلسطيني 1948 ” وعليه لا يُقاس علينا ولا نقيس أنفسنا على أحد بسبب.  ” إسرائيل” لا يشبهها أي كيان على وجه الأرض من حيث المنشأ والولادة والتواجد الجغرافي وهي في تكييف الفقهاء وتوصيفاتهم مختلفة تماما عن أي نظام غير مسلم آخر. وعليه فكل فقه الأقليات الذي نشأ من عقود في غير بلاد المسلمين من غير” إسرائيل” لا نحتكم اليه ولا يحتكم الينا، وانما الاطلاع عليه من باب الثقافة والعلم. ولا نصدر الفتاوى ولا الأفكار على أساس” الأقلية العربية” ولا نحتكم لفقه الأقليات بالعرف المشهور عند الفقهاء في تعريف فقه الأقليات. وانما وفق منهجية الإفتاء التي تعود الى مصادر التشريع الإسلامي ـ بكل أنواعها واقسماها العامة ومصادر خطط طوارئ تشريعية. وعليه لسنا أقليات بالعرف المشهور في تعريف الأقليات من النظرة الفقهية.

نحن لا نستدعي الفتاوى من خارج فلسطين 48، ولا الاجتهادات الفكرية من خارج فلسطين 1948، ولا نلزم أحدا بان يتبنى فقهنا ولا فكرنا، ونحترم أي اجتهاد لخصوصية الظرف الزماني والمكاني، ونشخص المرحلة اننا نعيش في زمن باتت الخلافة الراشدة بعيدة المنال، فلا نظام 57 دولة عربية وإسلامية على استعداد لفهم معنى الخلافة لراشدة وتطبيقها تحت راية الإسلام ، ولا جميع الجماعات والأحزاب والحركات يملكون اليات ووسائل وأساليب ومهارات لتحقيقها وادماجها في شكل الحياة المعاصرة.  فلا الأنظمة ولا الشعوب ولا الجماعات ولا الأحزاب والا الافراد يملكون استراتيجية فهم او تصور يعيد الأمة الى رشدها حتى الان،  ولا يوجد عندنا ثقافة الخلافة الإسلامية الراشدة بين الدول او اي حكم متحد كامة اسلامية، ولو عددنا الأسباب وتتبعنا كل من زاويته في عدها لاحتجنا الى قافلة من مائة ناقة لتحمل اسفار الأسباب لفقدان الامة دورها ورشدها. والى حين ان تعود الامة مجتمعة على كلمة واحدة وحدود واحدة وعملة واحدة واقتصاد واحد وجيش واحد تبقى خصوصية الاجتهاد لكل بقعة جغرافية كمرحلة عابرة في تاريخ الامة خصوصية معتبرة. يؤيدها الشرع الإسلامي كمرحلة عابرة. في ظل هذه المعضلة. وكفى القول 6 مليون يهودي يعيشون وسط ملياري مسلم ويحتلون أهم ثالث مسجد وفق عقيدة المسلمين المسجد الأقصى. هل يمكن شرح هذه المعادلة بعد 1000 سنة؟

نحن نملك التجربة نصف قرن، ولسنا في معزل عما يجري على وجه الأرض في جميع القارات وخاصة منطقتنا الشرق الأوسط، ولسنا في معزل عما جرى ويجري سواء على مستوى الدول والحكومات او الحركات والأحزاب والجماعات بكل الوانها واختلاف افكارها. ولا يوجد على وجه الأرض حركة إسلامية عندها التجربة والعلم والاطلاع بخصوص ما يجري في الشرق الأوسط على وجه العموم او فلسطين على وجه الخصوص مثلنا لاننا قريبون جدا من المنطقة العميقة التي تحكم العالم بحكم النوازل التي نزلت بنا.

نحن مطلعون اكثر من غيرنا، ولا يمكن لاحد ان يبيعنا كلاما او يصور الوهم حقيقة باسم القومية والوطنية او المرجعية الإسلامية فيما يخص فلسطين 1948،  والحديث عن خصوصيتنا فلسطيني 1948 وليس عن فلسطين 67 القدس والضفة وغزة او حتى الشتات. في ظل غياب الوحدة الفلسطينية والوحدة العربية والوحدة الإسلامية، وفي ظل التعددية المتحاربة او المتخاصمة، والجفاء هو سيد الموقف، وبعد ” الربيع العربي” ازداد الحال سوءا.

نحن لا نقف امام أي اجتهاد او وسيلة تؤدي الى تحقيق الهدف في تحرير الأرض او الصمود والثبات مهما كانت، ، نحن نؤمن وننادي بعودة الخلافة الراشدة على نهج النبوة، ونعي ان هذا يستغرق عشرات السنين وربما قرن او أكثر، ويحتاج الى تأسيس عميق يوازي العالم العميق وليس كما يظن البعض ” الدولة الواحدة العميقة” هنالك عالم عميق، يرفض عودة الإسلام كقائد عالمي ورؤيتنا ليس فقط من خلال فلسطين وما يجري في فلسطين بل من العالم المكون من تحالفات عميقه جدا جدا. ومن اعتذر بالثورة المضادة في الربيع العربي جهل هذا العالم العميق وعاش في صورة وهمية يمكن مشاهدة نتائجها على ارض الواقع ملايين المسلمين من القتلى والمشردين والمهجرين.

لكل وجهة اجتهادها، هنالك من   يحمل مشروع تحرير فلسطين من النهر الى البحر وجعل القدس عاصمة لها،  هنالك من يحمل مشروع  إقامة دولة على حدود 67،  ونحن نحمل مشروع الثبات والصمود والرسوخ على الارض في فلسطين 1948، ونجتهد في الوسائل.

لا يوجد فلسطيني واحد من حملة الجنسية الإسرائيلية في الداخل الفلسطيني 1948 يصرح انه يعمل خارج القانون الاسرائيلي ولا يلتزم به؟ الكل يصرح انه يعمل ضمن  القانون حتى الاعتقالات الأخيرة لبعض الاسلامين  أثبتت براءة المعتقلين بسبب التزامهم بالقانون. بل اكثر من ذلك الكل يؤمن ان سجن بعض الإسلاميين ما هي الا محاكمات سياسية وهذا بإقرار الجميع.

نحن قررنا ان نتخذ  نهجا مختلفا في التعاطي مع نازلة ” اسرئيل” ، ولا يتعدى هذا النهج بوصفه  الوسيلة وهي  وليست غاية ويمكن ان نستغني عنها  في أي لحظة نرى انها ليست مجدية ولا نافعة،  نصف قرن من  االتجربة تحت حكم الصهيونية من الدعوة الى اسرة الجهاد الى العمل  من خلال البلديات والكنيست الصهيوني الى الائتلاف الحكومي….ربما نعود من البداية يوما ما فالمتغير احد اهم التطور  عندنا في الفقه والفكر  العمل الحركي عندنا.

ان ما  فهمناه من علماء الامة المعتمدين   أن الفكر الإسلامي ليس هو الإسلام بل هو صنعة المسلمين العقلية في سبيل الإسلام، والإسلام هو الوحي الإلهي الى رسول الله محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم ، وكتاب هذه الرسالة القران الكريم، وفي حكمه ما انضم اليه من سنن ثابتة للرسول صلى الله عليه وسلم توضح ما طلب توضيحه منه. والفكر الإسلامي مستحدث، ويخضع لقانون التطور، ولعوامل الاضمحلال، أما الإسلام فله كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والفكر الإسلامي غير معصوم عن الخطأ والوهن، والإسلام معصوم عن ذلك كله. وكتاب الإسلام به قداسة وله حق الطاعة المطلقة على المؤمنين، والفكر الإسلامي لا تجب الطاعة المطلقة له، إلا بقدر ما فيه من تمثيل لكتاب الله ورسالة السماء، ذلك انه أصالة يخضع للنقد والمخالفة. فالفرق بين الإسلام والفكر الإسلامي هو الفرق بين ما لله وما للإنسان، والصلة بين الأمرين هي الصلة بين شيئين أحدهما قام على الآخر واستند إليه في قيامه ووجوده. ولكن لا على أن يصوره تمام التصوير، او ان يكون معبرا عنه تعبير المثل للمثل. هنالك إسلام إذن نزل به الوحي الإلهي، وهناك مسلمون امنوا بهذا الإسلام، وترجموا تعاليمه في سلوكهم، وحرصوا على استبقائه في جيله، كما حرصوا على استبقائه لأعقابهن في الأجيال المتتابعة، كي تظل على هذا الإسلام، وعلموهم كيف يكونون مؤمنين به، وكيف يترجمون ايمانه بالصورة التي ارتضوها وكيف يحرصون على بقاء الإسلام فيهم وبقائهم امة مسلمة…ان تهيئة هذه الكيفيات، وتحديد معالمها ثم صياغتها في عبارتها التي تورث من جيل الى جيل في كتبها المتداولة هي: الفكر الإسلامي. وهذه الكيفيات في تهيئتها وتحديد معالمها وصياغتها تختلف حتما حسب الأفراد والأجيال والظروف المحيطة، وربما يصل الخلاف فيها إلى درجة الفجوة، أو المقابلة. وعلى هذا الاساس فان الفكر الاسلامي المستند الى الاسلام يدخل في الظنيات لا القطعيات والاسلام هو القطعي ، تماما مثل الفقه الاسلامي والشريعة الاسلامية فالفقه الاسلامي يدخل في الظنيات وجهد المجتهدين بينما الشريعة الاسلامية انزلها الله سبحانه وتعالى وهي الدين. ان الفوضى في هذه المفاهيم احد اسباب تخلف الامة وذبح بعضها البعض لان الافراد او الجماعات او حتى الحكام ينزلون الظنيات مكان القطعيات.

أيها المُغرّد الْمُتَنَطِّع ..بحثت عنك  بين المفكرين فلم اجدك ، وبحثت عنك بين الفقهاء فلم أجدك، بحثت عنك بين الاصوليين فلم اجدك،   بحثت عنك حتى  بين الدعاة فلم اجدك،  بحثت عنك حينما كنت مع   كذا وكذا ممن تزعم  انك تمثل صوتهم   فلم اجدك على مدار سنوات طويلة (25 سنة) وانا ابحث عنك هناك فلم اجدك ،  انظر في تغريدتك فلا هي فكر ولا فقه ولا اصول ولا دعوة ،  لا اطلب ان توافقني على العكس من ذلك   بل خالفني لكن اكتب شيئا يُكتب حتى نعرف اين نصنفك، يمكن ان نغرد مثلك وزيادة … والمستفيد هو المتربص بي وبك….أيها المُغرّد الْمُتَنَطِّع كفى …اعتقد انه آن الآوان أن تفهم….كفى جعجعة وقل خيرا ولو مخالفا او اصمت…اكتب ما تريد واختر النهج الذي تريد وواجب عليك بيان الفكرة من وراء النهج للناس ، الفكرة تصحبها الحجة والبرهان والدليل وكن لنا مخالفا فهذا امر طبيعي وعادي ومحتمل..اما تظل كما انت تكتب ” جعجعة” وتحسب نفسك على نهج  او علم ..أيها المُغرّد الْمُتَنَطِّع كفى جعجعة فافهم…

هذه المقالات خاصة وموجهه لفلسطيني الداخل 1948 فقط

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017