رسالة في علم الأصول ((مسلك الفتوى في علم الاستثناءات عند الاجتهاد التطبيقي))

الإثنين 8 نوفمبر 2021
شارك المقال

الاجتهاد التطبيقي لا يقل في الأهمية عن الاجتهاد الاستنباطي، وكما فتحت بعض  النصوص الشرعية  المجال امام المجتهد المستنبط من النص المحتمل للاجتهاد، فتحت المجال امام المجتهد التطبيقي أن ينظر عند تطبيق وإنزال الاحكام وفق أدوات يشترط فيها ملكة في علم تحقيق المناط العام والخاص، وكما بينت الشريعة الإسلامية مسارات ومسالك مضبوطة لاستنباط الاحكام الفقهية الشرعية من النصوص المحتملة حماية للتشريع الإسلامي من الاهواء او الانفلات العقلي، وضعت مسارات واطارات وضوابط للاجتهاد التطبيقي عند إنزال الحكم على ارض الواقع وبما ان هنالك دور كبير للاجتهاد والنظر وحماية للشرع الإسلامي من الاهواء والتشهي والانفلات العقلي وضعت الشريعة الإسلامية بمبنى ابداعي في تشريع الاحكام مقابل تصرفات المكلفين. وسيكون هذا المقال المبتكر بأذن الله تعالى مقترح لرسالة ماجستير او دكتوراه في علم الأصول.

تحتاج  الفتوى في الاجتهاد التطبيقي الى فهم  وادراك   ثلاثة أمور ، الدوافع وعبر عنها الشرع بالنيات، والوسائل والتي عبر عنها الشرع بالأحكام ،  والغايات  والتي عبر عنها الشرع بالمقاصد ، ففي الدوافع والنيات يشترط ان تكون النية عند استعمال الوسيلة متوافقة مع الغاية والمقصد ،  وكل من ناقض بنيته غاية  الشارع من وراء الحكم بوسيلة مشروعة المستعملة  فتصرفه باطل وان تلبس في ظاهر الحال بأمر مشروع( مهاجر ام قيس) ، اما الوسائل فإنها مفضيه الى الغاية من وراء مشروعية الحكم ونحن متعبدون بها تماما كما نحن متعبدون بالنيات والغايات، وان بتر الوسيلة عن النية والمقصد يجعل من الحكم باطلا( مسجد ضرار ) وان كان في ظاهره مشروعا ،   اما الغايات والمقاصد فهي الهدف الاسمى والمقصد الأعظم من وراء تشريع الحكم، والاصل فيها ان لا تبتر عن الفروع وعلاقتها مع الفروع كعلاقة الام بجنينها نضحي بالفروع لأجلها فقط في حالة واحدة اذا خيف على حياة الام من الهلاك ، حتى لا يعود الشرع على نفسه بالتناقض فالشرع حمى نفسه في الأصول والمبنى العام ،اما التضحية بالفروع دون تهديد للأصول  فهذا عبث في الدين  ، وان هذه الأمور الثلاثة يتحقق منها بأدوات دقيقة وتلك الأدوات علم قائم بحد ذاته.

ان موافقة قصد المكلف قصد الشارع في الغاية لا يتبدل ولا يتغير، وهو من الثوابت في الدين، وان أي انحراف في الدوافع والنيات عن قصد الشرع من الاحكام التي هي وسائل يعود الحكم على تصرف المكلف بالبطلان، وان الغايات والمقاصد أيضا ثوابت في الدين، وان أي انحراف عن تلك الغايات والمقاصد فهو الضلال بعينية. اما الوسائل والتي هي طريق النيات الى المقاصد أي الاحكام بعينها من الأوامر والنواهي المفضية الى المقاصد، فالأصل ان ينظر اليها في ذاتها كما بنيت أعلاه لكن، قد لا يتم تتكيف من جديد بالنظر الى مآلها، فما أفضى الى مطلوب كان مطلوبا، ولو كان في الأصل محظورا وهذا ما يسمى بفتح الذرائع، وما يقال في هذا النوع من الذرائع، يقال في النوع الآخر الذي هو في الأصل مشروع، لكنه يكتسب صفة عدم المشروعية بالنظر لمآلة.

ويحتاج الاجتهاد التطبيقي الى تعيين المحل والموضع المقصود من الاجتهاد التطبيقي، وعلى الفقيه الاصولي هنا ان يشترط فيه العلم بادراك المبنى التشريعي للشريعة الإسلامية، والمبنى التشريعي العام  وما يحتويه من مباني جزئية في داخله ،فالصورة الكلية للشريعة الإسلامية ومركباتها الجزئية هي عبارة عن صورة كليه واحدة اذا نظر اليها اكثر من التسبيح من ابداع الخالق في تشريعها،  وهذه الصورة بداخلها صور كثيرة اصغر حجما من الصورة الكلية الكبرى، وداخل هذه الصور صور اصغر حجما ، وهكذا دواليك حتى تصل الى صورة صغيرة جدا جدا داخل الاطار الكلي العام، فاذا نظرت الى هذه الصورة الصغيرة جدا جدا ولوحدها وجدتها صورة مكتملة بحد ذاتها لكنها بالنظر  الى الصور التي اكبر منها ناقصة وهكذا دواليك كل صورة اصغر من التي اكبر منها هي جزء منها وهي ناقصة مستقلة لكنها كاملة بحد ذاتها بالنسبة لما هي اصغر منها وهكذا مبنية  الشريعة الإسلامية فإخراج صورة من المشهد الكلي يبين النقص وتحديد الصورة الصغيرة وجعلها هي المشهد الكلي يظهر التشويه ، وقد انبت واكتملت وتمت ولا نقص فيها ، وابداع المبنى  التشريعي للأحكام مثل  ابداع خلق الانسان او خلق السموات والأرض .

ينظر المجتهد التطبيقي بأدوات تحقيق المناط في الثلاثة أمور ثم يتفحصها ويشخصها جيدا ـ ثم يعين الصورة في داخل إطار المبنى التشريعي العام، وينظر في الاستثناء الذي سيخرجه من صورته الاصلية الى المساحة الأخرى داخل المبنى التشريعي العام فيجتهد في تقدير الموقف ليضع الصورة الاستثنائية في مكانها المحدد لها داخل الإطار العام والمبنى التشريعي العام. بمعنى انه بعد دراسة الثلاثة أمور الأولى ينبغي على المجتهد التطبيقي تعيين المحل الأول للحكم العام ثم المحل الثاني للاستثناء والمحل الاول والثاني داخل الإطار العام، ثم ينظر المجتهد التطبيقي الى الصورة الأخرى الاستثنائية هل شوهت الصورة الكلية ام بقيت محافظة عليها، ثم ينظر المساحة العقلية المتاحة في الصورة الأولى أي الحكم العام فالاستثناءات ليس في كل علوم الشرع( الزنا لا استثناء فيه) ، ثم يدقق شروط الاستثناء ومدى الحاجة اليه، ليرسم امامه بالنظر الى كل هذا العام صورة منسجمة مع الصور  الجزئية والصور الكلية داخل الاطار العام والمبنى العام للشريعة الإسلامية ،  فالاستثناءات في الشريعة الإسلامية هي أيضا صورة داخل المبنى التشريعي وليست خارجه عنه .

بقي على المجتهد التطبيقي ان يدرك مسالك النقلة بين صورة الحكم الأصلي وصورة الاستثناء داخل المبنى العام. وكما ان للاجتهاد الاستنباطي مسالك للوصول الى استنباط جديد داخل الإطار العام، فان الاجتهاد التطبيقي لهو مسالك أيضا، وعلى المجتهد التطبيقي ان يفقه المصالح والمفاسد من خلال المبنى التشريعي العام وداخله، أي المصلحة بمفهوم الشرع والمفسدة بمفهوم الشرع وليس بالمفهوم العقلي القاصر، ولا يجوز للعقل ان يعمل خارج الاطار العام فهذا الضلال بعينية، انما يعمل العقل داخل المساحات المتاحة له في الاطار للمبني الشرعي العام،   وهذا شرط على العقل ، اما الشرط الثاني فهو على النفس ان لا يتناول هذا العلم بالتشهي انما عن قناعة وادراك ويقين وان اخطأ المجتهد عندها فله اجر وان أصاب فله اجران. ومجال هذا كل مجالات الحياة التي تتطرق اليها الشريعة الإسلامية من السياسية والجهاد والقضاء والمعاملات المالية والاحوال الشخصية. الخ. وتقدير الاستثناء يعود للشرع الإسلامي في كل مجالات الحياة.

. وهذا العلم متن جديد أقدمه للجيل القادم من علماء الأصول، اكتسبناه من صحبة العلماء الأصوليين 30 سنة، وهو علم صعب المذاق لكنه عذب المورد فهمناه نصا وروحا وتطبيقا من خلال دراسة وتدريب وممارسة على يد العلماء اكثر من 30 سنة وهذا الكلام بهذه الكلمات لا تجدوه في أي كتاب انما هو متن جديد لمجموع فهم من علم قديم   بسبب تجربة 30 سنة وما زلت تلميذا على مقاعد الأصول،  ولم ينضج عندي الا بعد سنوات طويلة وبحث عميق وكم عانيت في البداية من فهم هذا العلم ، و، لم اتطرق فيه الى الامثال لأني خصصته لعلماء الأصول من الصف الأول للامة الإسلامية فقط وهم ليسوا بحاجة الى أمثال. وقد مارسته في بعض كتبي او مقالاتي او ابحاثي ونظر فيه فحول الامة من العلماء. سنقترح رسالة دكتوراه لهذا العلم وسنصور عدة فيديوهات لبيانه لعلماء الامة من الأصوليين. فالفتوى في علم الاستثناءات لها مسلك في الاجتهاد التطبيقي وهذا المسلك يحمي من العشوائية ويحرص ان لا تعود الشريعة الإسلامية على نفسها بالتناقض او الهدم بسبب المجتهد التطبيقي.

 

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017