رسالتي الشرعية الى المؤتمر العام المنعقد يوم السبت بتاريخ 22/1/2022 وفيها تسليط الضوء على حكم المشاركة في الائتلاف الحكومي الصهيوني لفلسطيني الداخل 48 من حملة الجنسية الإسرائيلية والحاجة الى الضوابط والمعايير

الثلاثاء 18 يناير 2022
شارك المقال

تعتبر ” إسرائيل” في نظر الفقهاء المعتمدين من علماء هذا العصر، وكما يصفوها بانها ” العدو الصهيوني أو “الكيان الصهيوني المحتل الغاصب لفلسطين”. ويرون أن الفريضة الشرعية التي تجب على جميع المسلمين هو تحرير فلسطين المباركة الوقفية من هذا العدو الغاصب والمحتل.  ويفرق هؤلاء الفقهاء بين اليهودية كديانة أ و اليهود كأهل كتاب وبين  اليهود كإسرائيليين من حملة الجنسية الاسرائيلية، اذ ان اليهودية  كديانة أو اليهود كأهل كتاب  لهم خصوصية  الخطاب في القرآن الكريم كـ ” اهل كتاب”، والتعامل معهم وفق احكام أهل الكتاب كما جاءت مفصلة في القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، لكن اليهود كإسرائيليين فان التكييف الفقهي عند العلماء انهم حربيين وأن إسرائيل دار حرب وقد صدرت من بعضهم فتاوى لا تتعلق بالجهاد والمقاومة فحسب بل في الأحوال الشخصية كحرمة الزواج من اليهودية الإسرائيلية لأنها حربية ..الخ ، فالتعامل مع ” إسرائيل” يختلف كليا عن التعامل مع اليهود من غير الإسرائيليين، وقد ذهب فقهاء العصر المحققين  أن العداوة مع اليهود الإسرائيليين سببها احتلالهم لفلسطين من النهر الى البحر،  وليس لليهودية كديانة او يهود كقوم، وكل الفتاوى الصادرة من فقهاء العصر المعتمدين يؤكدون على هذا، فعلة العداوة  بين المسلمين واليهود تكمن في مسالة ” احتلالهم للفلسطين، فان زوال الاحتلال عن فلسطين والمقصود بفلسطين من النهر الى البحر من الناحية الدينية وليس بفلسطين على حدود 1967 فهذا تصور يصطدم مع العقيدة الإسلامية   زالت العداوة مع اليهود الإسرائيليين، وعلى هذا الأساس فان الأصل أن التعامل والتعايش والمشاركة والتطبيع وابرام اتفاقيات مع هذا العدو لا تجوز، بل الفريضة السعي والعمل للتخلص من هذا الاحتلال. هذا هو موقف علماء الامة المعتمدين والمحققين من ” إسرائيل”. بل لا يوجد عالم مسلم واحد معتبر على وجه الأرض لا يعتقد هذا الكلام، ولكن الخلاف بينهم ليس في التصور والعقيدة انما منشأ الخلاف التعامل مع هذا العدو في ظل الظروف الحالية. وعليه فان عقيدة كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر ان فلسطين من النهر الى البحر ارض وقفية إسلامية عربية ومن يقل غير هذا اما جاهل او منافق، وعليه فإن كل مسلم يؤمن ان فلسطين من النهر الى البحر جزء من بلاد الشام والتي هي جزء من ارض إسلامية الأصل فيها انها وحدة واحدة في الحكم والعملة والجيش والأرض لامة واحدة ربها واحد ونبيها واحد ودينها واحد كما جاءت مواصفات هذه الامة في القران الكريم والسنة النبوية الصحيحة، لكن هذا غير موجود من حيث الواقع. فقد نزلت بالأمة النوازل حتى صارت ما هي عليه من الفرقة والجفاء والقتال والنزاع فهي ضعيفة ليس من قلة أو مقدرات بل من الفرقة والتربص بها. فالأمة ودورها كأمة إسلامية مفقود وغائب مع انه منشود ومرجو.

وبغياب الامة الإسلامية الموصوفة كالجسد الواحد والجيش الواحد والحكم الواحد والاقتصاد الواحد والحدود الواحدة غاب الامام او الحاكم او الخليفة والذي بيده  تحديد السياسية الشرعية الدولية مع الأمم الأخرى، فالسياسية الشرعية   منوطة بالأمام او خليفة المسلمين والذي هو موصوف في كتاب الله تعالى بولي الامر الذي تجب له الطاعة وهذا مفقود، اذ لا تنطبق على 57 حاكم او زعيم او ملك او امير مواصفات خليفة المسلمين الموصوف في كتاب الله، ولا تنطبق على زعماء ورؤساء وامراء الأحزاب والحركات الإسلامية او غيرها، لذا على مستوى الامة وبموجب الوصف القراني للامة الإسلامية وحاكم المسلمين فان الفراغ هو الحالة الحالية. اذن لا يوجد في الامة الإسلامية من بيده سلطة رسم السياسية الشرعية للامة الإسلامية كأمة الموصوفة في القران الكريم والسنة الصحيحة. وبهذا لا يوجد اجتهاد سياسي لحاكم مسلم يمكن ان يدير السياسية الشرعية للامة الإسلامية ككل وهذا المنصب فارغ حتى اليوم. ولا يستطيع احد من حكام المسلمين او رؤساء او زعماء الجماعات او الأحزاب   الحركات الإسلامية ان يزعم انه خليفة المسلمين الذي تجب له البيعة والطاعة وانه تنطبق عليه المواصفات الشرعية الواردة في الكتاب والسنة، اذن نحن نفقد أهم المرجعيات في حياة المسلمين، نفقد الامة الإسلامية كأمة واحدة تدير امرها وترسم سياستيها تجاه الاخرين ونفقد خليفة المسلمين الذي يقف على راس هذه الامة ويدير شؤونها. ووفق هذا التوصيف تُركت الامة مجزأة ضمن حدود جغرافية حدّدها اعدائها وغذوها بثقافة مختلفة تماما عن الامة وحاكمها كما هو موصوف في القران الكريم والسنة النبوية. هذا توصيف لحالة المسلمين والأمة الإسلامية. ولا يختلف اثنان عاقلان في هذا.

اما من حيث التوصيف لوضعنا نحن فلسطيني 1948 فإننا نعيش على ارض الواقع في فلسطين المحتلة عام 1948 تحت حكم الصهيونية، نحن فلسطينيون وجزء أصيل وعريق من الشعب الفلسطيني الذي جزأته الاتفاقيات وشتته الظروف حتى بات يُعرف بالأرقام: 1948، 1967، او المواصفات: الداخل، والخارج، والشتات، او الجغرافيا: الضفة وغزة والقدس، او الألوان الخط الأخضر والاحمر او الهندسة: والمثلث او الجهات: الشرقية والغربية …الخ من الجزئيات وما زال مسلسل تجزيء المجزأ يعصف بفلسطين ارضا ووطنا وشعبا الى ما نهاية. وتعتبر هذه حالة نادرة من توصيف وطن وشعب.  ومع هذا  فإنّ نازلة” إسرائيل” لن تغيير من اصالتنا او عراقتنا او قوميتنا أي شيء كنا فلسطينيين وسنظل فلسطينيين. ووفق هذا التوصيف نحن لسنا أقلية كأقليات المسلمين الذين يعيشون في دول الغرب او الشرق، التي تحكمها أنظمة غير إسلامية، فلا نظامهم الغير الإسلامي يقاس على” إسرائيل” ولا شعوبهم” تقاس على “شعب إسرائيل” ولا المسلمين الذين يعيشون في بلادهم كأقليات يقاسون على الفلسطينيين في الداخل الفلسطيني 1948” وعليه لا يُقاس علينا ولا نقيس أنفسنا على أحد بسبب.” إسرائيل” لا يشبهها أي كيان على وجه الأرض من حيث المنشأ والولادة والتواجد الجغرافي وهي في تكييف الفقهاء وتوصيفاتهم مختلفة تماما عن أي نظام غير مسلم آخر. وعليه فكل فقه الأقليات الذي نشأ من عقود في غير بلاد المسلمين من غير” إسرائيل” لا نحتكم اليه ولا يحتكم الينا، وانما الاطلاع عليه من باب الثقافة والعلم. ولا نصدر الفتاوى ولا الأفكار على أساس” الأقلية العربية” ولا نحتكم لفقه الأقليات بالعرف المشهور عند الفقهاء في تعريف فقه الأقليات. وانما وفق منهجية الإفتاء التي تعود الى مصادر التشريع الإسلامي ـ بكل أنواعها واقسماها العامة ومصادر خطط طوارئ تشريعية. وعليه لسنا أقليات بالعرف المشهور في تعريف الأقليات من النظرة الفقهية.

ان الأعراف الدولية والقوانين الوضعية تعتبر فلسطيني 1948 من حملة الجنسية الإسرائيلية “مواطنون إسرائيليون” يحملون الهوية الإسرائيلية الزرقاء، ويحملون الجواز السفر الإسرائيلي، وذلك بموجب اتفاقيات ابرمت في القرن الماضي بعد سقوط الخلافة الإسلامية، وبعد تسليم البريطانيين ارض فلسطين لليهود ثم قيام إسرائيل سنة 1948، ثم احتلالها لما تبقى من فلسطين سنة 1967. تحت اكبر كذبة في التاريخ ” شعب بلا ارض لأرض بلا شعب”

ان التكييف الشرعي لفلسطيني الداخل 1948 يتعارض مع التكييف العرفي والوضعي لهم، بل ويصطدم معه، فمن حيث العقيدة والاعتقاد نحن فلسطينيين نعيش على ارضنا من النهر الى البحر، وبما ان المواطنة تتبع الوطن، فان الوطن من النهر الى البحر فلسطين، فنحن من حيث المواطنة فلسطينية ومن حيث الوطن فلسطين هذا هو الصواب والاعتقاد الجازم الذي لا يختلف عليه اثنان. لان الأرض من النهر الى البحر وفق اعتقاد المسلمين هي ” فلسطين” وستبقى فلسطين وما ” إسرائيل الا ” نازلة”.

ان الوصف الشرعي والتكييف الفقهي لواقعنا وحالنا بعد ” نازلة إسرائيل” يفرض علينا العمل وفق احكام النوازل، والاستثناءات وخطط الطوارئ الشرعية من الداخل الفلسطيني 1948 وعليه لا نستدعي الفتاوى من خارج فلسطين 48، ولا الاجتهادات الفكرية من خارج فلسطين 1948، ولا نلزم أحدا بان يتبنى فقهنا ولا فكرنا، ونحترم أي اجتهاد لخصوصية الظرف الزماني والمكاني. ولا يوجد عالم واحد على وجه الأرض لا يراعي خصوصية الظرف المكاني الذي نعيشه تحت حكم الصهيونية،

ان اقرب ما وجدت  في الشريعة الإسلامية لتوصيف حالتنا هي اننا وبين “إسرائيل” عقد موادعة وذلك بسبب الجنسية والمستندات التي نحملها، فالجواز الإسرائيلي والهوية الزرقاء الإسرائيلية تمثل عقد” الموادعة” في العلاقة بين المواطن الفلسطيني في الداخل 1948  وهذا ” الكيان الصهيوني” ، وخاصة ان هنالك اجماع عند الفلسطينيين في الداخل 1948 انهم يعملون ضمن القانون الإسرائيلي وهنالك اجماع من علماء الامة ان الفتاوى الصادرة ضد ” العدو الصهيوني” مثل التطبيع والمقاومة المسلحة وعدم زيارة المسجد الأقصى او أي علاقة مع هذا العدو لا تشملنا . اذن نحن حالة خاصة استثنائية نعمل بموجب خطط الاستثناءات والطوارئ الشرعية.

إذا كان بعض الفقهاء الكبار قد تقدم خطوة نحو إعادة التكييف الفقهي في التعاطي مع نازلة إسرائيل لخصوص الظرف فنحن من باب أولى ان يكون لنا الاجتهاد الخاص من حيث الظروف التي نعيشها مع هذا الكيان. خذ مثلا ما قاله الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله: “ستظل المعركة قائمة بيننا وبينهم ما دامت الأسباب قائمة، وسيظل الصلح مرفوضا إذا كان مبينا على الاعتراف بأن ما اغتصبوه من الأرض حق لهم، اذ لا يملك أحد أن يتنازل عن الأرض الإسلامية، انما يمكن إقامة هدنة بيننا وبين إسرائيل، لفترة من الزمن، تقصر او تطول، يكف فيها الطرفان عن الحرب. وتحقن الدماء ويسود فيها الامن، وتتُبادل العلاقات، اما مبدأ (الأرض مقابل السلام) فهو مبدأ غريب حقا، فرضه منطق القوة، الغاشمة للعدو، لا غير، لان الأرض ارضنا، لا أرضه، حتى يتفضل بتنازله عنها مقابل سلامه هو، وحتى هذا الإسلام الاعرج رفضته إسرائيل في النهاية، فهي تريد ان تأخذ ولا تعطي شيئا” (القرضاوي ، يوسف ، فقه الجهاد ،2/1099، مكتبة وهبه ط1 2009م).اذن هنالك مكان لهدنة مع هذا ” العدو ” فيما يخص الامة الإسلامية على راي الشيخ القرضاوي، والكتاب صدر سنة 2009.

 

بل اكثر من ذلك حينما تشكلت حكومة فلسطينية برئاسة الإسلاميين كان هنالك تطور في الفتوى لمساعدة الاخوة الفلسطينيين في التوصل الى صيغة حل مع الإسرائيليين وفي حينها كتبت مقالا عن الموضوع     منشور على الشبكة قلت فيه ” سأقتبس كلامه بالحرف الواحد من خلال ما نشر في وسائل الإعلام بل وسأقتبس كلامه من موقع الخاص به، فقد جاء النص حرفيا على النحو الآتي:الجزائر – موقع القرضاوي/ 29-3-2007 وجه العلامة الدكتور يوسف القرضاوي -رئيس مؤسسة القدس الدولية- رسالة إلى القادةالعرب المشاركين في قمة الرياض، يحثهم فيها على عدم اتخاذ أي خطوة نحو تطبيع العلاقات مع إسرائيل ما لم تنسحب من الأراضي المحتلة، وتسمح بإقامة دولة فلسطينية.وقال الشيخ القرضاوي -ردا على سؤال بمؤتمر صحفي عما إذا كانت لديه رسالة إلى القمة-: “هناك اتجاهات في القمة، بعض الناس (دول عربية) قامت بالتطبيع مع إسرائيل، وبعضها ترفض الفكرة.. لن نطبع، ولا نقبل التطبيع ما دام الاحتلال قائما”. وتابع قائلا: “نحن لا نقبل التطبيع مع إسرائيل إلا إذا قامت دولة فلسطينية حقيقية تملك سماءها وحدودها وحق الدفاع عن نفسها، وفي هذه الحالة فقط قد نفكر في الاعتراف بإسرائيل إذا كانت هناك ضرورة”. واعتبر “أن الدولة الفلسطينية التي رسمت معالمها إسرائيل تبقى دولة وهمية، وبالاسم فقط؛ لأنها تخدم مصالح إسرائيل والاحتلال الصهيوني”. ( انظرhttp://www.qaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=4988&version=1&tem

plate_id=187&parent_id=18.”

اذن عند الفقهاء المعتمدين يمكن ان تكون هنالك فرصة لهدنة مع ” العدو الصهيوني” ينتقل بهذه الهدنة من تعريفه ” من حربي الى مهادن او موادع ” وستكسب إسرائيل وصفا جديد ” دار موادعه ” بدل ” دار حرب” طالما الاتفاق قائم. وحسب القرضاوي بالحرف الواحد ” وتحقن الدماء ويسود فيها الامن، وتتُبادل العلاقات”، ويمكن الاعتراف بها عند الضرورة وفق مفهوم الاعتراف الموضح أعلاه. وهنالك الكثير من الفتاوى التي تتبعتها خلال الـ 30 سنة الماضية والتي تغيرت وتبدلت نتيجة الظروف سواء كانت هذه الفتاوى في السلم او الحرب سواء تعلقت بحكام الامة الإسلامية او بالصراع مع إسرائيل وهذا يؤكد ان مبدا الظروف وأثره في تكييف الاحكام عند المستجد والمتغير وهو مبدأ اصيل في أصول الفقه ولا يعني هذا التعارض او التناقض بل للظرف اثر في الحكم الشرعي.

اما عن ظروفنا الميدانية اليومية في العلاقة بين اليهود الإسرائيليين والفلسطينيين فهنالك صورة للحياة اليومية بان الجميع قد اصطلح على مصالح حياتية يومية يجب التعايش معها، خذ مثلا    لا يوجد فلسطيني واحد بين النهر والبحر يعترض على عمل الفلسطيني عند اليهودي الإسرائيلي ولا عمل اليهودي عند العربي الفلسطيني 1948. في كل مجالات الحياة والخدمات الإنسانية والمدنية، خذ على سبيل المثال في مجال البناء والاعمار فان الفلسطينيين من الداخل 1948 ومن الضفة وغزة والقدس يعملون في البناء والاعمار أي بناء العمارات والابنية السكنية والمؤسسات لليهود الإسرائيليين على الأرض المغتصبة داخل 1948 ولا يوجد عالم واحد ينكر عليهم هذا. هنالك مثلا داخل فلسطين 1948، بل على العكس فان مطلب الفلسطينيين في الضفة وغزة زيادة عدد العمال الفلسطينيين للعمل في ” إسرائيل”، مع ان فلسطين ارض مغصوبه والحكم الشرعي العام لبناء للعمل في بناء عمارات او زراعة ارض مغصوبه لا يجوز، لكن لا أحد من العلماء يحرم هذا فنصف إسرائيل ( فلسطين 48) من حيث الزراعة والبناء  تعتمد على ايدي الفلسطينية العربية.

خذ مثلا مسالة التطبيب والعلاج مئات الأطباء والممرضين العرب ممن يعالجون اليهود والعكس هو الصحيح أيضا ولا أحد ينكر ذلك. بل لا أحد ينكر علاج الفلسطينيين في المستشفيات الإسرائيلية على ايدي أطباء يهود إسرائيليين (حربيين). ولا يوجد مجال من مجالات الحياة الا والعربي موجود فيها والمتفق على تحريمه هو العمل كأجير ضمن الأجهزة الأمنية (الموساد، المخابرات، الشرطة، الجيش) اما سائر الحياة العادية فهو مجال مفتوح للعمل مثل الفنادق والمطاعم والمصانع والمؤسسات الأخرى …الخ.

ان وجودنا نحن فلسطيني 1948 تحت حكم الصهيونية يفرض علينا ان نحدد الأوليات في معركة الصمود والثبات والوجود التي نخوضها يوميا على ارض الواقع في فلسطين 1948، ونحدد الوسائل المجدية لهذا الغرض وهذه الغاية ، وخاصة ان الحديث في ظل التسويات الوضعية العالمية والذي يستند الى القرارات الدولية او المبادرة العربية او أي حل للعرب والمسلمين مع إسرائيل يتحدث عن قرارات صادرة عن الأمم المتحدة ونحن فلسطيني الداخل سنظل بموجبها تحت حكم الصهيونية، وما يتحدث  به بعض الفلسطينيون انفسهم عن حدود 1967 سيجعلنا أيضا تحت حكم الصهيونية في فلسطين التاريخية، ولا يوجد حتى الان ولا يظهر في الأفق أي بوادر على تحرير فلسطين من النهر الى البحر او حتى إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967 كما هو مشار اليه في القرارات الدولية او المبادرة العربية .

ان وسائل الصمود والثبات على ارض الواقع متنوعة ومتعددة وأننا نحتكم الى مصادر التشريع الإسلامي الاصلية والتبعية في حكم أي وسيلة نافعة ومجدية تحقق لنا الغاية التي وضعناها لأنفسنا وفق فقه الأوليات في ظل التوصيف العالمي لما يجري في العالم والتوصيف للامة الإسلامية والتوصيف للحالة الفلسطينية،  في ظل غياب خليفة المسلمين وفي ظل غياب الامة الإسلامية وفي ظل غياب صاحب الصلاحية في تحديد  السياسية الشرعية في التعاطي مع نازلة “إسرائيل” ، اذ ان الأصل ان هنالك خليفة للمسلمين  وحاكم للمسلمين يوجه المسلمين ويصدر الامر في التعاطي مع نازلة ” إسرائيل” وهذا مفقود .وعليه فان الاحتكام يكون الى خطط الطوارئ التشريعية والقواعد الفقهية والاصولية وفقه الاستثناءات والاجتهاد التطبيقي  والتي هي بمقدورنا كاهل علم وفقه ومن ضمن صلاحياتنا  في ظل غياب الامة الإسلامية وحاكم المسلمين في التعاطي مع هذه النازلة.

ان اندفاعنا للمشاركة في انتخابات الكنيست الإسرائيلي أي البرلمان الصهيوني سنة 1996 كان على الأساس جلب المصالح ودفع المفاسد، وقد نشطت في حينه أقلام الفقهاء، فعلى سبيل المثال ما قاله القرضاوي في حينه بالجواز ثم علل الجواز  بجلب المصالح ودفع المفاسد ثم سرعان ما اجتهد مرة أخرى ان قوله بالجواز  انه تبادر للذهن اول مرة قبل تقليب أوجه النظر ثم عاد للقول بعدم الجواز والتحريم بعد تقليب الأمور وقد ناقشت هذه الفتوى على مدار سنوات طويله ولا حاجة للعودة اليها لان مناطها يعود الى فقه الموازنات والمصالح والمفاسد وهذا متفق عليه لكن الخلاف في تحقيق المناط على ارض الواقع  او الرؤية الشمولية التي تطرق لها القرضاوي، ان كتاب فقه الجهاد صدر سنة 2009 والفتوى قبل 2009 بمعنى ان القرضاوي يرى الهدنة مع العدو وتبادل العلاقات والامن مع عدم الاعتراف بملكية الأرض من باب الضرورة والمصلحة وفقه الموازنات وهذا تقدم في الموقف وانا شخصيا اتابعه منذ ما يزيد عن  30 سنة في كل ما صدر عنه عن فلسطين وجمعت كل ذلك ودونت ملاحظات ربما أصدرها في كتاب يوما ما عن المتغيرات في موقف القرضاوي على مدار 30 سنة بل عدت الى كتبه الحلال والحرام أي لسنة 1973 ودونت بعض الملاحظات هنالك فيما يخص نازلة ” إسرائيل” .

لقد وجدنا من تجربة 70 سنة مع ” إسرائيل” وتجربة 25 سنة من العمل البرلماني ان هذا الكيان مبني على نظام ديمقراطي داخلي فيما يخصه هو لإدارة شؤون حياته في كافة مجالات الحياة، وان المؤثر فيما يجري على ارض الواقع  هو صانع القرار ، وان صانع القرار هو الحكومة ، وبعد دراسة معمقة وجدنا اما ان نكون مؤثرين في هذا الحكومة لتحقيق اهدافنا  في معركة الصمود والثبات والوجود وتعين هذا الائتلاف كوسيلة من باب الضرورة وفتح الذريعة وخلافا للأصل لدفع المفاسد وجلب المصالح  لان الحقيقة عند الأصوليين ان دفع المفسدة هو مصلحة بعينها . وسنحت الفرصة بذلك فاغتنمناها من باب الضرورة وفتح الذريعة وفقه الاستثناء بعد دراسة معمقة لما آلت اليه الأمور.

ان تعيين دفع المفاسد وجلب المصالح او جلب المصالح ودفع المفاسد يستند بالأساس الى النظر في الواقع، وان علاقة فلسطيني الداخل مع الكيان الصهيوني أوضح من الشمس في رابعة النهار، في كل ما يتعلق بالهوية او الولاء وبين الفينة والفينة تحدث في الداخل الفلسطيني 1948 ما يؤكد اصالة هذا الشعب وان علاقته مع هذا الكيان مبنية على أساس المصالح الحياتية اليومية.

ان التوجه العام لفقهاء المسلمين مراعاة الخصوصية الزمانية والمكانية والظروف، وان الأصل الذي لا خلاف عليه ان هذه الظروف لها أثر في الاحكام الشرعية عند الفتوى، وان الأصل المتفق عليه عند علماء الأصول ان السياسية الشرعية هي من ضمن صلاحيات حاكم المسلمين، وان المتفق عليه اننا نفقد هذا الحاكم بل نفقد الامة التي من المفروض ان تكون خير الأمم.

ان الاجتهاد التطبيقي في ابرام اتفاق مع الائتلاف الحكومي الصهيوني يدفع مفاسد حقيقية على ارض الواقع ويجلب مصالح حقيقة على ارض الواقع قابلة للقياس وليس مجرد شعارات فيما يخص فلسطيني 1948، ان الإنجازات في دفع المفاسد او تحقيق المصالح هي الضابط والمعيار للاستمرار في اعتماد هذه الوسيلة لتحقيق الغاية منها من عدم الاستمرار. وان ما يلمسه الفلسطيني في داخل 1948 في معركة الثبات والصمود والرباط على ارضه وفي بيته هو المعيار والضابط.

ان التذرع بان هذا الائتلاف يضر بالمصالح الفلسطينية هو تذرع باطل لا أساس له، وان مرجعتينا كقائمة عربية موحدة في التصور هو المرجعية على أساس التصور الإسلامي لنازلة إسرائيل وليس مثل باقي الأحزاب والتي ترى ان وثيقة الاستقلال هي مرجعيتها.

ان مكانة فلسطين الوقفية الدينية كما ثبتت في نصوص القران الكريم والسنة النبوية هي العقيدة التي نركن اليها ونستند اليها عند التحرك تحت حكم الصهيونية، وان ما ذهبنا اليه هو ما تسمح به النصوص الشرعية التي وجهت حملتها واتباعها الى فقه الاستثناءات والضرورة وفتح الذرائع.

نحن جزء اصيل من هذه الامة المباركة ولم نصرح اننا عقبة يوما ما امام تحرير فلسطين من النهر الى البحر لمن يحمل برنامج التحرير ويستطيع تطبيق ذلك، ولم نصرح اننا نقف عقبة امام من يرى ان الحل في دولة على حدود 1967 وفق القرارات الدولية، ولا يخفى على أحد موقف فلسطيني الداخل 1948 من أي حرب ضد الفلسطينيين يشاهده كل العالم. ولم نصرح يوما ما اننا ضد أي اجتهاد تطبيقي اخر يحقق هدف الرباط والصمود والثبات طالما يدفع المفاسد ويحقق المصالح وانجازات قابلة للقياس ويلمسها المواطن في الداخل الفلسطيني 1948.

ان أي متغير او مستجد يمكن ان يؤثر في هذه الوسائل، فوجودنا في البرلمان الصهيوني او الائتلاف الحكومي ما هو الا وسيلة قابله للتغيير والتبديل وفق الطوارئ والمستجدات بعد النظر، فالوسيلة ليست غاية وليست من المسلمات والثوابت انما ستظل وسيلة لا أكثر.  وأننا بهذه الرؤية نسعى الى تحصيل كافة الحقوق المترتبة لحياة كريمة في الداخل الفلسطيني 1948. ان الفتوى التي تصدر في المشاركة والتأثير داخل الكيان الصهيوني على مستوى البرلمان الصهيوني او الائتلاف الحكومي تكون ضمن شروط ومعايير وضوابط وليس الامر مطلق دون قيود وضوابط ومعايير واي خلل في هذه الشروط او الضوابط والمعايير فانه سينظر من جديد في حكم المشاركة في البرلمان الصهيوني والائتلاف الحكومي، وان وظيفة هذه الضوابط حصر الفروع التي تدخل في إطار تجاوز الحد الشرعي ويعين على حفظها في الذاكرة.

إن التعاطي مع الحالة الاسرائيلية في الوضع المركب الحالي يفرض علينا شرعا تحديد الضوابط والمعايير وهذه الضوابط والمعايير تضع بين أيدي من يعمل مباشرة مع مؤسسات هذا الكيان (البرلمان الصهيوني او الحكومة) منهاجا جليا ومرسوما واضحا يحميهم من التصريح العشوائي، ويبين لهم حدود الوظيفة المناطة بهم. وانه يعمل من خلال عرض الخطط التشريعية الاستثنائية التي حمت ذاتية التشريع من التناقض واعتنت بتحقيق المصلحة المقصودة من إنزال الشريعة في ظل المعطيات الحالية ، وقد بات من الفريضة الشرعية إيجاد ” مؤسسة الضوابط والمعايير ” حتى نحمي الجيل القادم والذي يليه من أي انحراف عن المبادئ الشرعية في التعاطي مع هذا الكيان. وحتى تظل العقيدة الاسلامية راسخة في قلوب حملتها وحتى يستبين الفارق بين العمل الفقهي الاستثانئي الواقعي والمبني على خطط الطواريء الشرعية  وبين المسلمات والثوابت التي لا تتبدل ولا تتغير من حيث الاعتقاد.

كتبه: الشيخ رائد بدير – اليوم الثلاثاء 18/ 01/2022.

 

 

 

 

 

 

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017