كيف ومتى نعود الى المساجد في الداخل الفلسطيني 1948   ؟   تعدد أنماط التفكير في الاجابة اما  “كل شيء” او ” لا شيء” أو “شيئا فشيئا “

الجمعة 8 مايو 2020
شارك المقال

 كيف ومتى نعود الى المساجد في الداخل الفلسطيني 1948   ؟   تعدد أنماط التفكير في الاجابة اما  “كل شيء” او ” لا شيء” أو “شيئا فشيئا “

الشيخ رائد بدير ، عضو دار الافتاء

من خالط القوم 70 سنة عرف طريقة تفكيرهم، ومن جعل القرآن الكريم والسنة النبوية مرآته عرف الأنماط النفسية عند الأمم، قيل للقوم ” إِنَّ اللّه يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً” فاغرقوا الامر الرباني بالأسئلة والاستفسارات حتى توصلوا للقرار، ” وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ”.  طريقة التفكيرمبنية على البحث في التفاصيل  ” حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ۚ ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ ۖ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ”، وفي السياسية حينما قدم العرب المبادرة العربية للسلام كتبوها في صفحة ونصف  وهذه الصيغة بطريقة تفكير مختلفة ،  لان طريقة تفكير القوم  ان كل حجر وشجرة ونبع ماء في فلسطين تمت كتابة عليه أبحاث واعداد ملفات للنقاش”.   لا يمكن قياس طريقة التفكير عند صناع القرار وأصحاب السلطات ومن تخضع لهم الأجهزة في التنفيذ والتطبيق عند القوم على أي بقعة أخرى في العالم، ولاحظ كيف تمت إدارة ازمة كورونا المستجد مئات المختصين في عشرات المجالات يتناولون كل نقطة من عدة زوايا وكل وزارة تجاذبت في نقاش يصعب الاستماع اليه حتى الوصول الى القرار، وما يميزهم في النهاية انهم يصلون الى  قرار ” فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ”. كان شيخنا الكبير الشيخ عبدالله نمر درويش رحمه الله يقول ” لا يمكن الوصول الى السلام الحقيقي بين الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني الا إذا تخلص الإسرائيليون من ” אבל ” ومن ” אולי” ولا يمكن فهمهم الا اذا فهمت طريقة تفكيرهم”

احترم أي اجتهاد في مسالة العودة الى المساجد وسواء بقيت المساجد مغلقة او تم فتح ساحاتها او فتحها مع القيود او فتحها مطلقا، لكن ان طال اتخاذ القرار بالعودة الى التجمع داخل الأماكن المغلقة نحن امام معضلة، وعقلية كل شيء او لا شيء لا تنفع في حال طالت المدة ، هذا يستدعي البدء بالتفكير بطريقة أخرى على نفس نمط البيئة التفكيرية التي نعيشها.

لقد تفطن الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين لهذا المسالة إذا طالت المدة للعودة الى التجمعات بدون قيود داخل الأماكن المغلقة فهل تظل الشعائر في المساجد معطلة؟  جاء في بيانه الصادر بتاريخ 23/4/2020 على موقعه  بعد سرد عدة نقاط:  ” وتوصي اللجنة بإحياء صلاة التراويح وسائر الصلوات الجماعية في المساجد ولو من قبل الإطار المسجدي (الإمام والمؤذن وقيم المسجد)، بإذن الجهة الرسمية، وشريطة الالتزام التام بالاحتياطات الصحية والانضباط بقوانين البلد المتعلقة بالإجراءات الوقائية من عدوى هذا الوباء. ويجوز لمن كان بيته ملاصقا للمسجد بحيث يجمعه بالإمام مكان واحد يمكنه من رؤيته وسماع تكبيراته أن يأتم به من بيته وتذكر اللجنة بأن إقامة صلاة التراويح في البيوت جماعة يسهم في إضفاء الأجواء الإيمانية في نطاق الأسرة، ويُمَكن جميع http://www.iumsonline.org/ar/ContentDetails.aspx?ID=11504

لاحظ تطور الفتوى وأزمة البحث عن حل.يخشى العلماء حقيقة ان العودة الى التجمعات داخل المباني المغلقة ستتطول ، وربما لا لكن حاليا وحتى تاريخ اليوم هذا التخوف موجود. مثلا في المرافق الاخرى يفكرون بعودة كرة القدم عبر الشاشات وبدون جماهير اذن مسالة التجمع داخل المباني المغلقة ربما تطول وربما لا لكن حاليا هي ممنوعة عالميا.

نحن نعيش في بيئة مختلفة تماما لا تحكمها قاعدة كل شيء او لا شيء، علينا التجاوب مع التفاصيل التي تسمح بالتجمهر ونجد اليات للعودة الى المساجد والصلاة بالأعداد المسموحة ومن هنالك نتقدم في طلب زيادة الاعداد عن طريق قنوات الضغط وطبعا وفق مؤشر الإصابات والوفيات. هذه وجهة نظر.

ان طريقة التفكير التقليدية بكل شيء او لا شيء لا تنفع في زمن كورونا،  كسر حواجز التفكير  بات مطلبا واقعيا في زمن كورونا المستجد، لاحظ  صلاة الخوف على الهيئة المذكورة في القران الكريم  والسنة  النبوية الشريفة  كسرت حاجز التفكير العادي ” قال الله تعالى : ( وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً ) النساء/102 .

لا أقول نقيس صلاتنا على هذه الصلاة، مرة أخرى لا أقول نقيس صلاتنا اليوم على هذه الصلاة، فموضوع المقال يتعلق في توجيه التفكير، ولا أقول نصلي مثلها بل نتعلم في منهجية اتخاذ القرارات انه ربما تأتي ظروف في الصلاة ينبغي فيها الحذر والمراقبة والبحث عن الية جديدة تختلف عن العادة. الحديث عن طريقة التفكير ونمط التفكير.

مرة ثالثة أقول لا  أقيس صلاة الخوف على الوضع ومرة رابعة أقول: لا اقيس الصلاة على الوضع الراهن الذي نعيشه فالمقال يتحدث عن طريقة التفكير وتعلم التفكير. والخروج عن المعتاد في طريقة التفكير. والصلاة المذكورة في الآية وطريقة أدائها غريبة جدا دقق في الآية وارجع الى كتب الفقه للتعرف أكثر على هيئتها لا من اجل ان نقيس بل للاستفادة من طريقة التفكير أحيانا بشكل اخر. فالصلاة بهيئاتها تعبدية لا نجتهد في شكلها ولا هيئتها .

يخاف البعض ان يقبلوا على طريقة التفكير للعودة الى المساجد  بالعدد المسموح والشروط الاخرى يخاف البعض  من الفوضى والتسيب وعدم  امكانية ضبط الناس بالعدد والشروط ،  وربما يؤدي الى صدام وهذا التخوف في محله لا يمكن انكاره. ويخافون أيضا من العدوى والتسبب في إصابات الاخرين وخاصة ان اكورونا حاضر غير غائب ، فوجهة نظرهم الإبقاء على المساجد مغلقة سدا للذريعة. وهذا تفكير له مستنده ولا يمكن انكاره.

واخرون يرون انه يجب فتح المساجد  والاكتفاء بالتعليمات الصحية لان مؤشر الإصابات والوفيات في انخفاض وان المجمعات والمدارس والشوارع والمرافق الاخرى بدأت بالتحرك نحو الانفراج والمساجد مغلقة وهذا غير معقول ولا مقبول عندهم . فسؤالهم لماذا يستثنى المسجد؟  وهذه أيضا وجهة نظر. مع  انهم متفقون مع الجميع  ان الفيروس ما زال موجود ولا ينكرون زواله ولا ينكرون عدم وجود إصابات بل يعتمدون مؤشر الانخفاض ومقارنة المسجد مع المرافق الأخرى وهؤلاء عليهم ان يحذروا ان يصدق فيهم قول الله تعالى ” ” وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا “ ومع هذا وجهة نظرهم موجودة ولا يمكن اغفالها.

ويرغب البعض بخوض التجربة، والبدء بالتزام التعليمات وخاصة انها الخطوة التي تسبب الضغط وفق البيئة وطريقة التفكير التي نعيشها، وهذا أيضا في محله لا يمكن اهماله لأنها الخطوة الأولى للضغط على القنوات الرسمية لزيادة الاعداد وصولا الى فتح المساجد المطلق دون قيد.

نحن نعيش ازمة تفكير فيما يخص المساجد وخيارات التفكير متنوعة ربما يأتي الانفراج مرة واحدة خلال أسبوعين وربما تبقى على ما هي عليه الامور ، وربما يسمح بالعدد 50 بدل 19 وربما نعود الى الوراء كل شيء وارد ما دام فيروس كورونا بيننا. والاشكالية موجودة على جميع الاحوال، لان الذي تعلق باذهان وتفكير المسلمين اذا نودي للصلاة ان ياتي المصلون الى المسجد دون قيود بالاعداد.

ان نمط التفكير اما كل شيء او لا شيء غير صالح في زمن الكورونا المستجد، فسلك التعليم والمجمعات والمصانع وحريتك الشخصية وتحركاتك وكل شيء بات فيه تفصيل لم تعد حريتك مطلقة في الخروج من البيت الى أي وجهة تريد ويجب عليك ان تضع الكمامة، لم يعد الطلاب في مدراسهم بالعدد المسموح فيه في الصفوف وحتى الاعراس لم تعد دعوة عامة، نحن نعيش نمط تفكير مختلف اليوم. لا يمكن عزل المساجد عن هذا النمط من التفكير، ولا يمكن قياس العقليات في البيئة التي نعيشها بالعقليات في الدول التي من حولينا. علينا ان نستفيد من طريقة تفكير القوم والبدء بخطوات استباقية تجريبية مقنعة للتقدم نحو زيادة الاعداد ومن ثم فتح المساجد، طبعا هذا التفكير حتى كتابة هذه السطور وصالح لهذه اللحظة وهذا الزمن فقط .

أن اغلاق المساجد معناه ان تمنع المصلين كل المصلين  من القدوم الى المسجد وهذا من حيث التنفيذ العملي سهل الإجراءات وصعب على القلوب، اما العودة الى فتح المساجد مع القيود والتعليمات صعب في الإجراءات وسهل على القلوب. القلوب انقبضت واحترقت بأغلاق المساجد لكن الاجراء كان سهلا، اغلق الأبواب، اما فتح المساجد فالقلوب المتعطشة ستنساب الى المسجد كما تنساب السمكة التي اخرجتها من البحر للحظة ثم أعدتها للماء، فالقلوب ستهوي بقوة وتدفع أصحابها للمسجد لكن الإجراءات والقيود صعبة وبهذا يتبين الفارق يتضح  اتخاذ قرار بإغلاق المساجد واتخاذ قرار فتح المساجد ، الفارق في انقباض القلوب وانبساطها والفارق في  الإجراءات على ارض الواقع بالفتح والاغلاق.

علينا ان نحاول خوض التجربة ونفتح المساجد وساحتها وفق التعليمات لتكون منصة للتقدم نحو الاعداد وصولا الى الفرج …والا إذا طال كورونا ولم يسمح بالتجمعات داخل الأماكن المغلقة لمدة طويلة ستبقى المساجد معزولة عن حياتنا. وسنكون امام مشهدين اما يتم فتحها بضغط عاطفي والنتائج  غير متوقعه، او انتظار  السماح برفع القيود عن  التجمعات داخل المباني المغلقة وتقييد العدد وهذا مدته مجهوله ربما اسبوع او اسبوعين او شهر او عدة اشهر لا احد يعرف.

لا نسير على قاعدة كل شيء او لا شيء انما نسير وفق قاعدة شيئا فشيئا. هذه البيئة العقلية التي نعيش فيها والتي بوجبها تتخذ القرارات وفي النهاية سيكون القرار . والتقدم والتاخر وفق مؤشر الاصابات والوفيات .

ملاحظة : هذا المقال يتعلق بالداخل الفلسطيني 1948 وموجه له فقط. وصالح لهذه اللحظة فقط فكل يوم هنالك متغير وهنالك نمط تفكير اخر.ومن يقس نمط التفكير قبل كورونا على نمط التفكير بعد كورونا سيجد نفسه في مكان اخر طالما الفيروس حاضر وهو شريك معنا في الحياة.

 

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017