صلح الحديبية أفرز المعارضة السياسية وجعلها من الحقوق التي يحرم على الامام التصدي لها بالقوة او السجن والصحابة ترقبوا نزول الوحي لابطال الاتفاق  

الجمعة 2 أبريل 2021
شارك المقال

الشيخ رائد بدير -مدير دار الافتاء والبحوث الاسلامية

قياس صلح الحديبية على السلام مع “إسرائيل” قياس مع الفارق، ولو نقحنا مناط الفروع والحيثيات والمعطيات لنبحث في الحاق الفرع بالأصل الظاهر لوجدنا ان قياس صلح الحديبية على الصلح مع إسرائيل  يتعدى القياس مع الفارق الى القياس الباطل، فالمعطيات في الأصل الا وهو صلح الحديبية تختلف كليا عن فرع ” نازلة ” إسرائيل” والاقرب للقياس ما حدث مع صلاح الدين الايوبي في هدنة الرملة منه الى صلح الحديبية لكن هدنة صلاح الدين الايوبي ستظل فرعا وليس أصلا للقياس. وافردت لهذا بحثا مستقلا. ومع التعمق في تنقيح المناط ربما تصل الى المباديء والمقاصد فتكون اقرب الى  القياس منها الى الفروع وفي استخراج المناط بمسالكه الاصولية تسبر الاجتهادات وكل حسب بذل الوسع في استخراج المناط وتنقيحة وفي هذا ظهرت الفوارق في بين اهل العلم في المذاهب الاسلامية.

ما اريد ان الفت النظر اليه من باب افرض الساقط ومن باب “لو” التي تفيد الامتناع للامتناع ، لو قسنا صلح الحديبية على الصلح مع نازلة ” إسرائيل” فان الأصل ان نقيس كل ما جرى في صلح الحديبية وليس بعضه، وقد أجمعت كلمة المسلمين ان رسول الله صلى الله عليه وسلم ابرم الصلح ولم يرض عنه الا قلة قليلة من الصحابة- رضي الله عنه- ، بل كانت المعارضة لهذا الصلح من خلال الاقوال والافعال، عودوا الى كل ما جرى اثناء ابرام صلح الحديبية ، ستجدون المعارضة السياسية لرسول الله صلى الله عليه وسلم من معظم الصحابة رضي الله عنهم وإظهار رفض الاتفاق الى التصريح العلني، واكثر من ذلك اظهار عدم الانصياع والطاعة الى ابعد ما يمكن ان يتصوره العقل.

أيها العلماء في كل مكان : لا تحدثوا عن صلح الحديبية في جواز الصلح مع نازلة ” إسرائيل” فحسب، بل حدثوا عن حق وجود المعارضة السياسية لهذا الصلح، حدثوا عن حرمة منع نشاة المعارضة السياسية لاي اتفاق سياسي يبرمه الحاكم . وحدثوا انه في حال عدم تنفيذ الشروط عن مصير الصلح تماما كما في الحديبية.

أيها العلماء اجمعوا الروايات الصحيحة حول المعارضة السياسية للصحابة زمن ابرام الاتفاق  حدثوا حكامكم وشعوبكم عن حرية الراي السياسي ونشوء المعارضة السياسية في الاتفاقيات السياسية، هذا حق أساس أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم  الله لأصحابه لا علاقة لهذا الحق بالمحبة فانك لا تجد من يحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل حبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم. في السياسية الراي والتدبير وحق اساس ان يكون فيه اختلافات واسعة وحتى متناقضة..

ايها العلماء : لا مجال للمقارنة بين الحكام  اليوم من حيث السلطة والتكييف السيادي كخليفة او امام  اليوم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا مجال للمقارنة بين المعارضة اليوم ومعارضة الصحابة رضي الله عنهم، اذ ان الخليفة او الامام الذي الذي يحكم بهدي الاسلام والنهج الراشدي ” معدوم” غير موجود في زماننا، وان المعارضة التي تشبه اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ايضا غير موجوده فالوضع الذي نعيشه مركب ومعقد وهو اقرب الى زمن يوسف عليه السلام من حيث صناعة الاحداث واقرب الى الحكم الجبري او العضوض من حيث نظام الحكم . لكننا نحاول ان نجد استئناسا في زمن الفتن ظهر منها ما ظهر وبطن منها ما بطن ربما تتسع الصدور وتحقن الدماء ونساهم في ثغرة انفراج .

اكتفي بعرض هذا المثال فيما رواه البخاري ((قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا، قال: فوالله ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضاً، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غماً))

 

وفي توقف الصحابة (رضي الله عنهم) في تنفيذ الأمر قال ابن حجر العسقلاني  رحمه الله : كأنهم توقفوا لاحتمال أن يكون الأمر بذلك للندب، أو لرجاء نزول الوحي بإبطال الصلح المذكور، أو تخصيصه بالإذن بدخولهم مكة ذلك العام لإتمام نسكهم، وسوغ لهم ذلك، لأنه كان زمان وقوع النسخ. ويحتمل أن يكونوا ألهتهم صورة الحال،”

ان تحليل ابن حجر العسقلاني رحمه الله ان الصحابة رضي الله ترقبوا نزول الوحي لابطال الصلح فيه ما فيه من الابعاد اذ انهم يرون ان اجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية فوقه امر اعلى من اجتهاده الا وهو ” الوحي” ، هذا فهم عميق لرسالة الإسلام بوجود رسول الله صلى الله عليه وسلم . وفعلا فان ترقبهم في محله لكنه جاء مصدقا لاجتهاده صلى الله عليه وسلم .قال تعالى:{إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا))

وسمي ذلك الصلح فتحا لأن هذه الهدنة كانت من أعظم الفتوح؛ يقول الطاهر بن عاشور في تفسير الآية: “افتتاح الْكَلَامِ بِحرف (إنّ) ناشىء على ما أحلّ للمسلمين من الكآبةِ على أن أجيب المشركون إلى سؤالهم الهدنة(…) والفتح: إزالة غلق الباب أو الخزانة قال تعالى: لا تفتَّح لهم أبواب السَّماء [الْأَعْرَاف: 40] ويطلق على النّصر وعلى دخول الغازي بلاد عدوّه لأنّ أرض كلّ قوم وبلادهم مواقع عنها فاقتحام الغازي إيّاها بعد الحرب يشبه إزالة الغلق عن البيت أو الخزانة، وَلذلك كثر إِطلاق الفتح على النّصر المقترن بدخول أرض المغلوب أو بلده(…)

والجمهور على أن المراد في سورة الفتح هو صلح الحديبية، وجعلوا إطلاق اسم الفتح عليه مجازا مرسلا باعتبار أنّه آل إِلى فتح خيبر وفتح مكة، أو كان سببا فيهما فعن الزّهريِّ «لقد كان يوم الحديبية أعظم الفتوح ذلك أن النبيء صَلَّى الله عليه وسلّم جاء إليها في ألف وأربعمائة فلما وقع صلح مشى النّاس بعضهم في بعض، أي تفرّقوا في البلاد فدخل بعضهم أرض بعض من أجل الأمن بينهم، وعلموا وسمعوا عن اللَّه فما أراد أحد الإسلام إلّا تمكن منه، فما مضت تلك السنتان إلا والمسلمون قد جاؤوا إلى مكة في عشرة آلاف»

أيها  العلماء حدثوا الشعوب والحكام عن كل هذا فان هذا في مصلحة الجميع. حدثوا الناس عن المساحة الواسعة في السياسية، حدثوا عن الراي والمعارضة كجق اساس.

ستتحول فكرة هذا المقال الى دراسة علمية ان شاء الله تعالى.

 

 

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017