ضبط الزيجات المعاصرة بالاجتهاد التطبيقي ( تحقيق المناط الخاص)

الخميس 28 ديسمبر 2017
شارك المقال

ضبط الزيجات المعاصرة بالاجتهاد التطبيقي ( تحقيق المناط الخاص)

الشيخ رائد بدير – عضو هيئة العلماء في القدس-

 

مفهوم تحقيق المناط الخاص وأهميته في الاجتهاد التطبيقي

كنت أعددت بحثا بعنوان “المناط” نلت عليه درجة الماجستير، وفي هذا الفصل اقتبست معظم ما ذكرته في مبحثين كاملين في الفصل الأخير من الأطروحة بتصرف كبير وذلك لإحساسي العميق أن هذا الكتاب الذي يتحدث عن أنواع الزيجات المعاصرة في معظمه لا بد من ضبطه بقاعدتين كليتين أصوليتين وهما قاعدة فتح الذرائع وسد الذرائع واللتان تتعلقان بالاجتهاد التطبيقي .

إن مما يميز الشريعة الإسلامية أنها اهتمت بواقع الإنسان وطبيعته يقول د.علي السرطاوي: ” الشريعة واقعية ، ولا تهمل واقع الإنسان وطبيعته وتأتى بأحكام ومُثُل خارجة على نطاق قدراته، أو غير معتبرة لظروفه ، فالواقع في الشريعة مادة للدرس والتمحيص والتحليل لمقوماته وسائر عناصره وأهدافه للحكم عليه لا للاحتكام إليه والتسليم به على علاته “[1] . وهذا النوع من أنواع المناط يختص بالنظر في حالة كل مكلف من جميع نواحي الحياة وشؤونها يقول الشاطبي: “وعلى الجملة فتحقيق المناط الخاص نظر في كل مكلف بالنسبة إلى ما وقع عليه من الدلائل التكليفية ، بحيث يتعرف منه مداخل الشيطان ومداخل الهوى والحظوظ العاجلة ، حتى يلقيها هذا المجتهد على ذلك المكلف مقيدة بقيود التحرز من تلك المداخل ، هذا بالنسبة إلى التكليف المنحتم وغيره ، ويختص غير المنحتم بوجه آخر: وهو النظر فيما يصلح بكل مكلف في نفسه بحسب وقت دون وقت ، وحال دون حال ، وشخص دون شخص ، إذ النفوس ليست في قبول الأعمال الخاصة على وزان واحد ، فرب عمل صالح يدخل بسببه على رجل ضرر أو فترة ، ولا يكون كذلك بالنسبة للآخر….وصاحب هذا التحقيق الخاص هو الذي رزق نورا يعرف النفوس ومراميها ، وتفاوت إدراكها ، وقوة تحملها للتكاليف، وصبرها على حمل أعبائها أو ضعفها ، ويعرف التفاتها إلى الحظوظ العاجلة أو عدم التفاتها ، فهو يحمل على كل نفس من أحكام النصوص ما يليق بها ، بناء على أن ذلك هو المقصود الشرعي في تلقي التكاليف ، فكأنه يخص عموم المكلفين والتكاليف بهذا التحقيق لكن مما ثبت عمومه في التحقيق الأول العام”[2] .

وهذا الكلام من أروع ما يكون في الشريعة الإسلامية بالنسبة لتعاملها مع أتباعها ، وعليه تتفرع جميع الخطط التشريعية التي عنيت بتحقيق الغاية من وراء كل حكم شرعي المتعلق بالأشخاص. يقول الأستاذ الدريني : ” ليس من المعقول ولا من المقبول شرعا ، أن يحكم واقعة معينة بحكم واحد ، مهما اختلفت ظروفها وملابستها ، ذلك لان لهذه الظروف تأثيرا في نتائج التطبيق ….. والواجب شرعا تطبيق الحكم المناسب لكل شخص على حدة ، في ضوء ظروفه الخاصة ، التي تنهض بدليل تكليفي معين يستدعي حكما خاصا في حقه ، لان تعميم الحكم التكليفي على جميع المكلفين يفترض التشابه في الظروف وقد لا يوجد”[3].

يتبين من كل ذلك أن تحقيق المناط الخاص يأتي بعد النظرة المتمعنة والمتفحصة المتعلقة بإنزال الأحكام على الأشخاص عند التطبيق لذا عبر عنه الشاطبي بقوله: ” أما الثاني وهو النظر الخاص فأعلى وأدق من هذا –العام- وهو في الحقيقة ناشئ عن نتيجة تقوى الله عز وجل المذكورة في قوله تعالى: ﴿ إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ﴾[4]  وذلك لما يترتب على العمل بهذه القاعدة من آثار حيث يتنقل الحكم من الوجوب في أصله إلى الحرمة أو من الحرمة إلى الوجوب يقول الزحيلي: ” قد يطرأ على الإنسان حالة من الخطر أو المشقة الشديدة بحيث يخاف حدوث ضرر أو أذى بالنفس أو بالعضو أو بالعرض أو بالعقل أو بالمال وتوابعها ويتعين أو يباح عندئذ الحرام ، أو ترك الواجب أو تأخيره عن وقته دفعا للضرر عنه في غالب ظنه ضمن قيود الشارع”[5] . ونرى د.علي السرطاوي يوسع من نطاق هذه القاعدة لتعود إلى الأمة بشكل عام حيث قال : ” وإذا كانت لطبيعة الحال والظروف الملابسة اثر في تغيير الحكم الشرعي للشخص الواحد ، فمن باب أولى أن تكون طبيعة الحال والظروف التي تمر بالأمة اثر في تشكيل علل الأحكام التي تطبق على الأمة بكاملها ، لذا أعطي ولي الأمر سلطة التغيير والتطوير هذه “[6] . وقد برع الخليفة الثاني للدولة الإسلامية ، عمر بن الخطاب  – رضي الله عنه –  في استعمال تلك القاعدة في مسائل كثيرة ،منها وقف حد القطع عام المجاعة والزواج من الكتابيات وحبس الأراضي وعدم تقسيمها بين الغانمين وغيرها من المسائل لذا لا يمكن أن يستغنى عن قاعدة تحقيق المناط الخاص عند الإفتاء وعند القضاء وإصدار الأحكام ،بحيث تبقى هذه القاعدة الجليلة هي أهم الآلات والأدوات التي يملكها المفتي أو القاضي أو والي الأمر لما يصدره من أحكام على أحسن وجه بما يتلائم مع مقصد الشارع من إنزال الشريعة من جلب المصالح ودرء المفاسد ،ولعل الأهم من ذلك عند استعمال تلك القاعدة يمكن أن تظهر صورة الشريعة الإسلامية متحدة كلها متناسقة كلها متحدة في غاية واحدة ، مهما زادت فروعها وتبدلت وسائلها ويخشى على الفقيه أو القاضي أو والي الأمر عدم إدراك تلك القاعدة وفهم المهمة التي أنيطت بها وكيفية استعمالها عند تطبيق الأحكام الشرعية بحيث تكون نتيجة التطبيق بعكس ما قصد من وضع الشريعة تجلب المفاسد وتدرء المصالح ، إذ أن الشريعة وضعت لجلب المصالح ودرء المفاسد ،وان عدم الالتفات إلى قاعدة تحقيق المناط الخاص قد يؤدي إلى نتيجة عكسية غير النتيجة المتوقعة والتي هي مراد الشارع من تشريع الأحكام الشرعية  وحق إذا قيل تحقيق المناط لا يستغني عنه أحد.

تحقيق المناط الخاص والزيجات المعاصرة

بعد أن أدركنا مفهوم تحقيق المناط الخاص وأهميته وحاجة الفقيه إليه لا بد من معرفة مدى أثره في الزيجات المعاصرة، ينبغي للفقيه أن يتسلح بتحقيق المناط الخاص حينما يُسْتَفتى في مسألة من مسائل الزيجات المعاصرة فهنالك زواج المسيار، والزواج السري، وزواج الفرند،والزواج الصوري، والزواج المؤقت، والزواج العرفي،  والزواج المدني،وقد يكون بعد عدة سنوات ضعف هذه المسميات من الزيجات المعاصرة.

ففي زواج المسيار لا بد من التحقق من الدوافع التي دفعت الرجل إلى مثل هذا النوع من الزواج، فقد يكون الرجل محتالا يحترف مهنة الاحتيال لينال من المسلمات المحصنات باسم زواج المسيار، ولا بد من معرفة دوافع المرأة إلى زواج المسيار وإمكانياتها المادية أو إمكانيات وليها المادية.

في الزواج البوي فرند لا بد من تحقيق المناط الخاص في أن الزواج تم على التأبيد وان مؤهلات الزوجية عند الزوج واستعداداته توحي بأنه تزوج امرأة على التأبيد، ولا بد من النظر في الزواج إن كان تم بحضور ولي أو إذنه أو علمه.

في الزواج المدني لا بد من التحقق انه لا مفر إلا لإجراء هذا العقد ولا بد من التحقق انه بجانب هذا العقد جرى عقد شرعي صحيح ولو شفويا.

لا بد من تحقيق المناط الخاص بان المتقدمين إلى الزواج في بعض أنواع الزيجات المعاصرة كالمسيار والبوي فرند والعرفي تنطبق عليهم مواصفات الزوج أو الزوجة وتتوفر فيهم الدوافع الحقيقية لنوع الزواج اللذان يقومان به.

إن من فوائد تحقيق المناط في الزيجات المعاصرة بأنه يضع النقاط على الحروف ويرسم طريقا لا يدخلها إلا من كان يحمل رخصة في السير فيها، وهو يلزم المفتي أو القاضي بالابتعاد عن مسألة التعميم وهذا بحد ذاته يقرب المفتي والقاضي من الصواب في الفتوى والصواب في اتخاذ القرار.

وهذا كله يدعوا إلى أهمية الحديث عن قاعدة فتح الذرائع وقاعدة سد الذرائع وطرق إعمالهما في الزيجات المعاصرة.

مفهوم قاعدة سدة الذرائع وأهميتها في التطبيقي

لقد بين ابن منظور معنى كلمة ” سد “وكلمة  ” ذريعة ” فقال : السد : الردم والإغلاق لانه يسد به ، والسد أيضا كل بناء شد به موضع ، والسد أيضا يأتي بمعنى الحاجز، والذريعة الوسيلة والسبب إلى الشيء يقال : فلان ذريعتي إليك أي سببي ووصلتي الذي أتسبب به إليك “[7]. فالذريعة لغة ما كان طريقا وسببا الى الشيء ، مثلا سد الباب أي أغلقه . وفي اصطلاح  العلماء عرفها الشاطبي بقوله: “حقيقتها التوسل بما هو مصلحة إلى مفسدة “[8] .  قال الباجي: “الذرائع ما يتوصل به إلى محظور العقود من إبرام عقد أو حله”[9] . وقال ابن النجار:  “سد الذرائع : أي شيء من الأفعال أو الأقوال ظاهرة مباح ويتوصل به الى محرم “[10] . وقال الشوكاني : ” الذريعة هي المسألة التي ظاهرها الإباحة ويتوصل بها الى فعل المحظور “[11] . والباحث في كتب الأصول يجد أن التعريفات كلها متقاربه من بعضها البعض لقاعدة سد الذرائع، وخلاصة معناها أن يكون هنالك أمر غير ممنوع سواء كان قولا أو فعلا، وسواء تعلق بإبرام عقد أو غيره، وهذا القول أو التصرف في ظاهره مباح إلا انه يتوقع من هذا القول أو التصرف المفسدة بدل المصلحة فيحكم على هذا التصرف أو القول بالمنع ، حسما للمفسدة ودرءا لها ، وهذا الأمر عام في جميع التصرفات والأقوال وغيرها.

يقول د.محمود حامد عثمان بعد أن عرض تعريفات عدة   لقاعدة سد الذرائع :  “والتعريف المختار للذريعة هي ما كان ظاهرة الإباحة ويتوصل أو يمكن أن يتوصل به إلى محظور”[12] . فكل شيء مباح سواء كان قولا أو تصرفا لكنه يفضي إلى محظور أو ممنوع فيمنع حسما للفساد، وهذا يشير إلى أن موارد الأحكام تنقسم قسمين ، مقاصد ووسائل  وكل وسيلة تأخذ حكم القصد الذي تفضي إليه يقول ابن القيم الجوزية : ” لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها ، كانت طرقها وأسبابها تابعة لها معتبرة بها، فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها الى غايتها وارتباطها بها ، ووسائل الطاعات والقربات في محبتها والإذن فيها بحسب إفضائها الى غايتها ،  فوسيلة المقصود تابعة للمقصود ، وكلاهما مقصود ، لكنه مقصود قصد الغايات  وهي مقصودة قصد الوسائل ، فإذا حرم الرب تعالى شيئا وله طرق ووسائل تفضي إليه فانه يحرمها ويمنع منها ، تحقيقا لتحريمه ، وتثبيتا له  ،ومنعا أن يقرب حماه ، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضا للتحريم ، وإغراء للنفوس به، وحكمته تعالى وعلمه يأبى ذلك كل الإباء “[13] . والثمرة التي تجنى من هذه القاعدة الجليلة أن لا تعود الأحكام على الشريعة بالتناقص حيث تمنع الأقوال والتصرفات وإن كان ظاهرها موافقة للشرع حسما لمادة الفساد ، ودرءًا للشر المتوقع ، وكي تتحقق المقاصد المراد تحقيقها من الأحكام والتي وضعت لها أصلا وهذا يرفع من مكانة تلك القاعدة وأهميتها فعدها ابن قيم الجوزية واعتبرها أحد أرباع الدين حيث قال : “وباب سد الذرائع أحد أرباع التكليف ، فانه أمر ونهي، والأمر نوعان ، أحدهما: مقصود لنفسه ، والثاني : وسيلة الى المقصود ، والنهي نوعان أحدهما : ما يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه ، والثاني : ما يكون وسيلة الى المفسدة ، فصار سد الذرائع المفضية الى الحرام أحد أرباع الدين “[14] . فالشرع أوجد مثل هذه القاعدة واهتم بها كي يضمن سلامة النتائج المتوقعة من التصرفات المشروعة ، حيث أن المهمة التي أنيطت بهذه القاعدة الجليلة ضمان إفضاء التصرفات المشروعة للغرض الذي وضعت له ابتداء ، فكانت إحدى شبكات الأمان الشرعية التي تضمن تحقيق مراد الشارع وقصده من إباحة تلك التصرفات والأقوال .

يقول د.علي السرطاوي : ” يتفرع على أصل النظر في مآلات الأفعال قاعدة سد الذرائع  وهي قاعدة تشريعية عظيمة تحمي ذاتية التشريع ، وتضمن أن تصل التصرفات المشروعة إلى غاياتها ، وان تكون النتائج المترتبة عليها هي عين النتائج التي قصدها الشارع عند تشريعه للأحكام “[15] . ونرى الأستاذ الزرقاء رحمه الله يعتبر مبدأ سد الذرائع من المبادئ الشرعية الثابتة فيقول : ” أما الأحكام الأساسية التي جاءت الشريعة لتأسيسها وتوطيدها بنصوصها الأصلية الآمرة الناهية ، كحرمة المحرمات المطلقة ، وكوجوب التراضي في العقود والتزام الإنسان بعقده ، وضمان الضرر الذي يلحقه بالغير ، وسريان إقراره على نفسه دون غيره ، ووجب منع الأذى وقمع الأجرام ، وسد الذرائع إلى الفساد ، وحماية الحقوق المكتسبة ومسؤولية كل مكلف عن عمله وتقصيره ، وعدم مؤاخذة بريء بذنب غيره ، إلى غير ذلك من الأحكام والمبادئ الشرعية الثابتة التي جاءت الشريعة لتأسيسها ومقاومة خلافها ، فهذه لا تتبدل بتبدل الأزمان ، بل هي الأصول التي جاءت الشريعة لإصلاح الأزمان والأجيال  ، ولكن وسائل تحقيقها وأساليب تطبيقها قد تتبدل باختلاف الأزمنة المحدثة “[16] . ويقول د. محمد البرهاني : ” سد الذرائع مما يدخل في السياسة الشرعية ، ويمد ولي الأمر في محيطه الواسع بسلطة يتدارك بها كل ما يمكن أن يجدُ من مضار اجتماعية ، ومشاكل عامة وخاصة ، بهدف النهوض بمستوى الحياة العامة ، وتحقيق العدالة الاجتماعية “[17] . هذا هو الهدف التشريعي من وجود مثل هذه القواعد الثابتة  في الشريعة الإسلامية ، وقد اكتسبت هذه القاعدة الاجتهادية التطبيقية أهميتها كونها تضمن لأحكام الشريعة الإسلامية أن تتصل وتترابط بالغاية والمقصد الذي شرعت لأجله ، فالأحكام وسائل لتلك الغايات ، وتعمل قاعدة سد الذريعة على حجز وسد الأبواب أمام جميع التصرفات الشرعية المباحة أصلا ، وذلك للنتيجة المتوقعة من هذه التصرفات ، وهي غير النتيجة التي وضعت ابتداء لأصل هذه التصرفات المشروعة  ، فتمنع بناء على ما ستؤول إليه من ضرر أو مفسدة متوقعة ، ولا يلتفت الى مشروعيتها ، وهذا يعني أن اصل قاعدة سد الذرائع والمبدأ الذي تفرعت عنه هو أصل النظر في مآلات الأفعال .

ان الشريعة الإسلامية جاءت بقاعدة سد الذرائع لحماية ذاتية التشريع من التناقض ، وضمان وصول التصرفات المشروعة الى غاياتها ، فكل نص شرعي مرتبط بغاية ، وتلك الغاية مشتملة على مصلحة هي ثمرة تشريع الأحكام المقصودة للشارع عند تشريعه إياها ، فكل تصرف مرتبط بغاية ومشتمل على مصلحة ، ولذلك كانت تلك التصرفات مأذونا فيها ، والذي يجعل تلك التصرفات المشروعة وسيلة لتحقيق أغراضه الخاصة ، أو يقوم بتلك التصرفات المشروعة على وجه يعود بالمفسدة ، يُمنع من ذلك ولو فعل ذلك بحسن نية ، لان التصرفات المشروعة تمنع في قاعدة سد الذرائع لما ستؤول إليه من دفع مصلحة أو جلب مفسدة أو جلب مفسدة اشد بدل الأخف بغض النظر عن قصد المكلف ، وقد أوجز العز بن عبد السلام كل ذلك بقوله : ” كل تصرف تقاعد عن تحصيل مقصوده فهو باطل “[18] .

ولقد رسمت الشريعة الإسلامية منهاجا للمجتهدين ليسيروا وفقه في كيفية استعمال تلك القاعدة ، وكيفية إعمالها وتطبيقها فاتت بأمثلة كثيرة لبيان ذلك ، يقول الزرقاء : ” مبدأ سد الذرائع باب واسع يتصل بسياسة التشريع ، ويعتبر فرعا من الاستصلاح ، ويشهد له من نصوص الشريعة شواهد كثيرة جدا في الكتاب والسنة “[19] . وقد أورد ابن قيم الجوزية تسعة وتسعين وجها للدلالة على ثبوت هذه القاعدة في الشرع وذلك على سبيل المثال لا الحصر ، جمع فيها شواهد من الكتاب والسنة ، وقال بعد أن تناول تلك الشواهد: ” ولنقتصر على هذا العدد من الأمثلة الموافق لاسماء الله الحسنى التي من أحصاها دخل الجنة ، تفاؤلا بأنه من أحصى هذه الوجوه ، وعلم أنها من الدين وعمل بها دخل الجنة ، إذ قد يكون اجتمع له معرفة أسماء الرب تعالى ومعرفة أحكامه ، ولله وراء ذلك أسماء وأحكام “[20] .

هذا يؤكد أن الشريعة الإسلامية وضعت للمجتهدين خطة تشريعية ليسيروا على نهجها ، وذلك من خلال عرضها لكثير من الأمثلة على قاعدة سد الذرائع وهذه الأمثلة تناولت جميع نواحي الحياة بكافة أشكالها وأنواعها ، السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية والعبادة وغيرها ، سواء تعلق الأمر بحياة الفرد أم الجماعة ، يقول أبو زهرة : ” نرى من خلال الآثار الكثيرة المثبتة للذرائع ، على أنها اصل للاستنباط ، أساسه النظر الى مآلات الأفعال ” [21]. ويقول الشاطبي : ” الأدلة الدالة على سد الذرائع غالبها تذرع بفعل جائز الى عمل غير جائز ، فالأصل المشروعية لكن مآله ممنوع “[22]. فقاعدة سد الذرائع متفرعة على مبدأ اصل النظر في مآلات الأفعال ، حيث يكون ظاهر التصرف مشروعا ، واصله الجواز لكن بالنظر الى مآله ، والنتيجة المتوقعة يمنع هذا الفعل ، فيصبح ممنوعا بعد أن كان مشروعا ، وليس من السهل في شريعة الإسلام ، أن تمنع ما كان مشروعا ، إذ أن المجتهد بحاجة الى تحقيق المناط الخاص كأداة عملية عند تطبيقه لهذا المبدأ ، فالمجتهد ملزم بالنظر والتحقيق في مآلات الأفعال  يقول د.علي السرطاوي : ” بناء على قاعدة الذرائع يستطيع المجتهد التشريعي أن يمنع التصرفات المشروعة إذا كان التسبب فيها لمؤثر خارجي سيؤدي الى هدم مصلحة المجتمع”[23] . وبما أن المنع وعدمه تعلق باجتهاد المجتهد وما نسميه تحقيق المناط فان ذلك يؤدي الى اختلاف إعمال القاعدة أو عدم إعمالها في التصرفات المعروضة يقول الشاطبي : ” قاعدة الذرائع متفق على اعتبارها في الجملة ، وانما الخلاف في أمر آخر”[24] . ويعلق الشيخ دراز على ذلك قائلا :  “هو في الحقيقة اختلاف في المناط الذي يحقق فيه التذرع وهو من تحقيق المناط في الأنواع “[25] . ووجه إيراد هذا الكلام أن لتحقيق المناط الأثر البالغ في هذه الخطة التشريعية ،حيث لا يمكن العمل بها إلا بعد النظر في مالات التصرفات وتحقيق المناط ، فإذا كان الفعل مؤديا الى نتيجة يأباها الشرع يمنع ، دون الالتفات إلى  قصد الفاعل ، أو اصل مشروعية هذا الفعل . وقد نهج الفقهاء المجتهدون هذا النهج في كثير من اجتهادهم يقول الزرقاء: ” لجأ المجتهدون الى هذا المبدأ –الذرائع-في أحكام اجتهادية قرروها  على أساسه من أن للزوجة المطلقة في طلاق الفرار حق الإرث من زوجها الذي طلقها ، لكيلا يتخذ من حقه في الطلاق ذريعة الى حرمان الزوجة ميراثها المشروع في الميراث وحرمانها منه، فأوجبوا لها الميراث إذا توفي وهي في العدة سدا لهذا الطريق ، ولو كان من المحتمل أن الزوج غير قاصد هذا المقصد وهذا الحكم في الاجتهاد الحنفي”[26]. فحالة الشخص المطلق لها الأثر الكبير في منع التصرف ، بغض النظر عن قصده ، حيث نظر المجتهد فوجد أن الشخص طلق زوجته في مرض موته ، وقد اقدم على هذا الفعل وهو مفارق للدنيا ، والنتيجة المترتبة على اعتبار تصرف هذا الشخص مشروعا دون النظر الى حالته عند التصرف، أي عدم إعمال آلية الفحص والنظر والمتمثلة بتحقيق المناط الخاص يؤدي الى حرمان الزوجة من ميراثها المشروع ، فيمنع هذا التصرف بناء على النتيجة بعد النظر في حالة المتصرف ، ولو لم يقصد الإضرار بالزوجة ، وهذا بحد ذاته حماية لذاتية التشريع من ان يعود على نفسه بالتناقض لو اجزنا هذا التصرف .  يقول السرطاوي : ” سد الذرائع خطة تشريعية تهدف إلى حماية ذاتية التشريع من المناقضة والهدم فالأحكام شرعت كوسائل لتحقيق مقاصد قصدها الشارع ، والأصل ان المكلف عند تلبسه بالأحكام الشرعية أن يكون قصده من التسبب فيها هو من جملة قصد الشارع ، ولا يجوز له أن يبتغي في تكاليف الشريعة غير ما شرعت له أو يناقض قصد الشارع ، وسد الذرائع خطة يستخدمها المجتهد ليكشف من خلالها عن التوجه العام في الأحكام الشرعية فهو يبحث في المناط الخاص ، فان اكتشف أن المشروعات تسبب المكلف فيها لتحقيق قصد ما لم تشرع في الأصل لمثله فقد حصلت المناقضة، أو أن المجتمع اصبح يتخذ المشروعات ذريعة إلى غير مشروع كان على المجتهد بناء على هذا التحقيق الخاص أن يمنع من التسبب فيها “[27]. وهذا يؤكد أن تحقيق المناط الخاص له الأثر البالغ في سد الذرائع كخطة تشريعية تحمي الأحكام الشرعية أن تعود على نفسها بالمناقضة أو الهدم ، فهذا التحقيق الخاص يجري على أقوال المكلفين وتصرفاتهم ويجري على التوجهات العامة للمجتمع فان تبين بعد التحقيق الخاص أن الأفراد أو المجتمع يتخذون الاحكام المشروعة وسيلة لأغراض غير مشروعة منعت تلك التصرفات وان كان ظاهرها مشروعة وللمعاملات المالية نصيب كبير من هذا الباب ، يقول ابن رشد في بيوع  الذرائع  الربوية : “وهنا شيء يعرض للمتبايعين إذا قال أحدهما للآخر بزيادة أو نقصان وللمتبايعين إذا اشترى أحدهما من صاحبه الشيء الذي باعه بزيادة أو نقصان وهو أن يتصور بينهما قصد إلى ذلك تبايع ربوي مثل أن يبيع إنسان من إنسان سلعة بعشرة دنانير نقدا ثم يشتريها منه بعشرين إلى أجل فإذا أضيفت البيعة الثانية إلى الأولى استقر الأمر على أن أحدهما دفع عشرة دنانير في عشرين إلى أجل وهذا هو الذي يعرف ببيوع الآجال”[28] . فالمجتهد التطبيقي يرصد ويراقب التصرفات ويحقق فيها فان تبين أن المكلف تلبس بالأحكام المشروعة ليصل إلى غير المشروع لجأ المجتهد إلى خطة سد الذرائع وعمل بها لضمان تحقيق الأحكام مقاصد الشارع منها ،  وتحقيق المناط الخاص لإعمال خطة سد الذرائع كإحدى خطط الطوارئ التشريعية  يكون في شتى المجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية وغيرها ويتعلق هذا التحقيق بأقوال الفرد وتصرفاته كما انه يتعلق بالمجتمع وتوجهاته ، من هنا يتبين الاثر البارز لتحقيق  المناط الخاص في سد الذرائع. وهذا ينقلنا للحديث عن اثر هذه القاعدة عند التطبيق في الزيجات المعاصرة.

الزيجات المعاصرة وقاعدة سد الذرائع

مر معنا أهمية قاعدة سد الذرائع الكبرى ودورها الكبير في الاجتهاد التطبيقي، وهذا ما نحتاج إليه في بعض أنواع الزيجات المعاصرة، والتي ذهب إلى جوازها بعض أهل العلم مثل زواج المسيار وزواج البوي فرند والزواج العرفي وغيرها، وقد كان أهل العلم سابقا لا يلتفتون إلى المسالة من حيث جزئياتها دون ربطها بالمصلحة العامة الكبرى للمسلمين، ومما حفظنا عن استأذنا السرطاوي حفظه الله تعالى أنه ردد كثيرا عبارة على المفتي أن ينظر إلى الكليات حين تعرض له مسالة جزئية، وفي نفس الوقت لا يهمل حيثيات وتفصيلات المسالة المعروضة يجب على المفتي أن لا يبتر الجزئي عن الكلي ويجب عليه أن يعود بالكلي على الجزئي. وقاعدة سد الذريعة هي من كليات الشريعة الإسلامية وتدخل في كثير من أبواب تصرفات المسلمين في الدولة الإسلامية وما معنا ما قاله د. محمد البرهاني : ” سد الذرائع مما يدخل في السياسة الشرعية ، ويمد ولي الأمر في محيطه الواسع بسلطة يتدارك بها كل ما يمكن أن يجدُ من مضار اجتماعية ، ومشاكل عامة وخاصة ، بهدف النهوض بمستوى الحياة العامة ، وتحقيق العدالة الاجتماعية “[29] .

ولنضرب مثالا واقعيا على الزواج العرفي كمسالة جزئية ثم نطبق قاعدة سد الذرائع عليها.

مر معنا في البحث المتواضع بحث الزواج العرفي من الناحية القضائية ومن الناحية الفقهية، والنتيجة التي حصلنا عليها انه زواج جائز لا ريب فيه وان عدم توثيقه لا يحدث خللا في العقد، وهذا كله مر معنا بالتفصيل والقوال بالجواز هو القول في مسالة جزئية.

لو ضربنا مثالا عى دولة مصر مثلا، وأجرينا استقرءً فوجدنا أن كثيراً من المسلمين الذين يعيشون في مصر أو يعيشون خارج مصر وليسوا من سكان مصر يتزوجون زواجا عرفيا من المسلمات المصريات، ولا يوثقون هذا الزواج لدى الدائرة الرسمية، وبعد مضي عشر سنوات ونتيجة الاستقراء وجدنا ان أكثر من مائة الف امراة متزوجة زواجا عرفيا دون ان توثق عقد زواجها ووجدنا معهن أكثر من ثلاثمائة ألف طفل يعيشون مع أمهاتهم المائة ألف. ثم بعد الفحص والتدقيق وجدنا إن ما يقارب سبعين ألف امرأة تزوجها زوجها عرفيا ثم خرج ولم يعد، ووجدنا مائة وخمسين ألف طفل لا يعرف نسبهم، لان الزواج جرى بصورة سرية أحيانا أو جرى من مسلم ليس مصرياً ولم يعد إلى زوجته، وأصبح المجتمع يحمل بين ثناياه آلاف الأطفال وآلاف النساء لا يعرف الأب ولا يعرف الزوج، وأصبح الضرر الاجتماعي واقع لا محالة، ولا يختلف اثنان على حجم الأضرار الواقعة والمتوقعة بسبب ذلك من الفقر والتشرد والانحراف والفاحشة والجهل والنسب…الخ ،ألا يمنع الزواج العرفي في مثل هذه الحالة سدا للذريعة؟ بلى يستطيع المفتي ويستطيع الحاكم أن يمنع ذلك باسم سد الذرائع وباسم الحفاظ على المصلحة العامة مع الأخذ بعين الاعتبار انه لا يجوز الإفراط في الأخذ بهذه القاعدة، وكذلك يجب أن ترجح المصالح بصورة ظاهرة لان إعمال القاعدة لا يكون  لمجرد التخمين أو الأخذ بالأحوط فهنالك فرق كبير بين قاعدة سد الذرائع والأخذ بالأحوط.

يقول ابن قيم الجوزية في ختامة كلامه عن بعض أنواع الزواج مثل المؤقت أو المتعة أو التحليل أو غيرها:” فإذا تدبرت حكمة الشريعة وتأملتها حق التأمل رأيت تحريم هذه الأنواع من باب سد الذرائع وهي من محاسن الشريعة وكمالها.”[30]

هذه القاعدة سد الذرائع قاعدة جليلة هامة في الاجتهاد التطبيقي ينبغي أن تُستعمل بدقة متناهية وبنظرة استقرائية علمية موضوعية، لا تستعمل إلا بعد التشخيص والفحص والتجربة لأنها من قواعد الاجتهاد التطبيقي.

إن عظمة الشريعة الإسلامية تتجلى في أنها لا تقف عند حد الاجتهاد التشريعي، إنما تتجلى عظمتها أنها طلبت من حَمَلَتِها الحرص على الاجتهاد التطبيقي وذلك عند إنزال الأحكام على واقع الناس وتصرفاتهم. فالغاية الكبرى من إنزال الشرعية تحصيل المصالح للناس ودفع المفاسد عنهم.

 مفهوم قاعدة فتح الذرائع وأهميتها في الاجتهاد التطبيقي

عرفنا فيما مضى أن سد الذرائع منع ما هو جائز كي لا يتوسل به الى الممنوع ، والمتبادر الى الذهن أن تعريف قاعدة فتح الذرائع سيكون تماما معاكسا لتعريف سد الذرائع ، فإذا كانت قاعدة سد الذرائع يمنع فيها الجائز حتى لا يكون وسيلة الى المحظور ، ففتح الذرائع يسمح فيه بالممنوع للتوسل به الى المطلوب يقول الدريني : ” إن الوسيلة لا ينظر إليها في ذاتها، بل تتكيف من جديد  بالنظر الى مآلها ، فما أفضى الى مطلوب كان مطلوبا ، ولو كان في الأصل محظورا وهذا ما يسمى بفتح الذرائع ، وما يقال في هذا النوع من الذرائع ، يقال في النوع الآخر الذي هو في الأصل مشروع ، لكنه يكتسب صفة عدم المشروعية بالنظر لمآلة “[31]. ويقول أيضا : ” المحظور إذا أدى الى مصلحة مؤكدة  ، وكانت المصلحة أربى من الضرر الناشئ عن المحظور ، أو بعبارة أدق ، وكان الضرر الذي يدفع بتحقيق هذه المصلحة اكبر من الذي ينشأ من ارتكاب المحظور ، صار ذلك المحظور في اصله في مرتبة المأذون به ، لتحقيق تلك المصلحة أو لتحقيق دفع الضرر الأكبر”[32] .  ويقول د.البرهاني  : “معنى فتح الذرائع  طلب ما من شأنه تحصيل الخير من بابه الموضوع له ، وذلك بان الله تعالى يوجب أمورا لا لعينها ، بل لكونها وسائل وذرائع لأمور أخرى ثبت طلبه لها”[33] . ففتح الذرائع يسمح بارتكاب المحظور، ويؤذن فيه بعد أن كان محظورا وذلك بعد النظر في مآله ، حيث يترتب على الإذن بالمحظور مصلحة تجلب ، ومفسدة تدرأ فيؤذن فيه وقد تناول الفقهاء أمثلة كثيرة على ذلك منها ما نقله الشيخ محمد أبو زهرة بقوله : ” إن الذرائع اصل في الفقه الإسلامي اخذ به الفقهاء جميعا ، وانهم اختلفوا في مقداره ،ومن المسائل التي تعد الأحكام بالإباحة فيها من قبيل الأخذ بالذرائع ، دفع مال فداء لأسرى من المسلمين ، فان أصل دفع مال للمحارب محرم مما فيه من تقويه له ، وفي ذلك الضرر بالمسلمين ، ولكنه أجيز ليتحقق من ورائه حرية طائفة من المسلمين ، واطلاق سراحهم وتقوية المسلمين ، ومن المسائل أيضا دفع المسلمين مالاً لدولة محاربة ، لدفع أذاها إذا لم يكن لجماعة المسلمين قوة يستطيعون بها حماية الشوكة ، وحفظ الحوزة وهذا كله من باب الأخذ بالذرائع على انه من قبيل فتحها لا سدها “[34] . والملاحظ من خلال هذا المثال أن اصل الفعل محرم ، إذ لا يجوز دفع المال للأعداء المحاربين لانه يؤدي الى تقويتهم عسكرياً واقتصادياً ويزيدهم هيمنة وثقة بأنفسهم ، ولكن هنالك مصلحة اكبر في إعطائهم المال دفع أذاهم ، فانه إذا اتبعنا اصل الدليل ، وقلنا بعدم الجواز بحيث منعنا دفع المال لهم على اعتبار انهم أعداء محاربون ، فقد يتوقع أن يعود الضرر على الدين والنفس والعقل والنسل والمال ، وقد عرف واشتهر بين المسلمين أن هذه المقاصد الضرورية الخمسة التي وضعت الشريعة ابتداء من اجل حمايتها ، فالضرر الناشئ عن ارتكاب المحظور وهو دفع المال للمحاربين الأعداء ، أخف من المتوقع من القول بمنع المحظور ، يقول الدريني : ” إن مبدأ  الذرائع – فتحاً وسداً – إنما هو توثيق للمقصد الأصلي من الشريعة ، جلب المصالح ودرء المفاسد فأعطيت الوسيلة حكم ما أفضت إليه “[35]. وقد اجمل استاذنا السرطاوي كل هذا بقوله : ” من المعلوم لدينا أن الأصل الذي قامت عليه شريعة محمد – صلى الله عليه وسلم- هو جلب مصالح العباد ودفع المفاسد عنهم ، وعليه فان الأحكام الشرعية ما هي إلا وسائل ومقدمات لمصالح ونتائج قصد الشارع أن تنشأ عنها ، وهي أسباب شرعت لمسببات تنشأ عنها كذلك ، والشارع قاصد أن تنشأ المسببات عن أسبابها ، والأصل ألا ينشأ عن الأسباب المشروعة إلا المصالح ، والأسباب الممنوعة المفاسد ، ولكن الأسباب المشروعة للمصالح أو الممنوعة للمفاسد قد تقترن بها من الخارج أمور تؤثر في السبب المشروع ، ولا يتوقع منه أن يؤدي الى النتيجة التي من أجلها شرع “[36]. ومهمة المفتي والقاضي وصياغة القرار النظر في السبب والنتيجة فاذا توقع النتيجة الموضوعة للسبب ابتداء كان ذلك وإلا فقاعدة فتح الذرائع بمتناول يد الفقيه أو القاضي او الإمام أو غيرهم  يتمشون بها مع المقصد الأساسي للشريعة الإسلامية جلب المصلحة ودرء المفسدة ولا يكون منهم ذلك إلا بعد النظر في تلك القرائن وقوتها التي أدت الى صرف دليل الحظر الى دليل الجواز .

وتعتبر قاعدة فتح الذرائع كشقيقتها قاعدة سد الذرائع من حيث أنها من مظاهر الاجتهاد بالرأي عند التطبيق والتي تتفرع على أصل النظر في مآلات الأفعال ، وهي خطة تشريعية تضمن تحقيق المصالح حتى لو تعلق الأمر في إجازة الممنوع كما مر معنا سابقا ، ولا يمكن إعمال هذه القاعدة بصورة عشوائية ، دون التحقق وبصورة دقيقة من القرائن التي احتفت بالحالة أو الواقعة أو التصرف حتى يمكن أن يعمل بهذه القاعدة يقول د. خليفة : ” لا يصح فيما أرى أن تفتح الذرائع مطلقا وانما تفتح على سبيل الاستثناء في الحالات التي تستوجب ذلك “[37] . فالأصل أن يعمل بالدليل العام ودليل اصل الحادثة أو الواقعة لان المبدأ الثابت الذي قامت عليه الشريعة الإسلامية ، أن المنهيات لا ينشأ عنها إلا المفاسد ، وان الأوامر لا ينشأ عنها إلا المصالح ، وعند استعمال هذه القاعدة لا بد من النظر فيما كان سببا موجبا ومقتضيا لعدم إعمال دليل الأصل والذي وضع لدفع مفسدة ، وهذا كله بحاجة إلى الآلية التي يمكن أن تستعمل لذلك وهي تحقيق المناط الخاص ، ومثل ذلك دفع شخص مالا للآخر على سبيل الرشوة أو نحو ذلك , ليتقي بها معصية يريد الظالم أن يوقعها به ، وضررها اشد من ضرر المال ، قال ابن قدامة : “وان رشاه ليدفع ظلمه ويجزيه على واجبه فقد قال عطاء وجابر بن زيد فلا باس به أن يصانع عن نفسه “[38] . وجاء في كشاف القناع : “وان رشاه ليدفع عنه ظلمه ويجريه على واجبه فلا باس به “[39] وقال ابن تيمية :  ” فأما إذا أهدى له هدية ليكف ظلمه عنه أو ليعطيه حقه الواجب كانت هذه الهدية حراما على الآخذ وجاز للدافع أن يدفعها  اليه “[40] . هذه الفتاوى الصادرة عن العلماء هي على خلاف ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من انه لعن الراشي والمرتشي والرائش يعني الذي يمشي بينهما “[41] ، واللعن في الحديث من ألفاظ التحريم  فالرشوة حرام لا ينبغي لاحد من المسلمين أن يتعاطاها ، لما يتسبب من ذلك من فوضى في الحياة العامة ، وخاصة في مجال القضاء والحقوق على كافة أشكالها وأنواعها ، والعمل بقاعدة فتح الذريعة على إطلاقها في هذه المسالة واجازة دفع المال للظالم دون تحقيق المناط الخاص والذي بموجبه يقرر أن يعمل  بفتح الذرائع أو لا، وبموجبه يتأثر الحكم فينقل من المنع إلى الجواز، فالقول بفتح الذرائع دون تحقيق المناط لخاص سيسبب مفاسد عظيمة في المجتمع وليس فقط كما برر العلماء فتح الذرائع هنا بان دفع الظلم اشد ضررا من دفع المال لذا يفتى بفتح الذرائع ، بل قد يكون دفع المال عاملا مشجعا للظالم أن يزيد في ظلمه وينتشر الظلم في المجتمع لانه يجر كسبا وربحا ومالا  ، فلا بد إذن من تحقيق المناط الخاص كي ينتقل من الحكم العام الموضوع ابتداء للحالة إلى حكم آخر فينقل من المنع وهو الأصل إلى الجواز وهو الاستثناء ، يقول د .السرطاوي : ” إن على المجتهد أن يكيف مشروعية التصرف من جديد ، وينظر فيما يحتف به من دلائل وقرائن قد تدفعه إلى تصحيح هذا التصرف كليا أو جزئيا حتى يضمن أن لا تكون النتائج المترتبة على إزالته منافية للعدل والرحمة التي قامت عليها الشريعة الإسلامية” [42] ، فالعمل على تصحيح التصرفات جزئيا أو كليا بحاجة إلى نظر دقيق ومر معنا ما قاله الشاطبي في هذا المجال انه صعب المورد، إلا انه عذب المذاق ، محمود الغب جار على مقاصد الشريعة ، وبالفعل هذا النظر عذب المذاق على الرغم من انه صعب المورد لانه يحمي الشريعة الإسلامية من أن تعود على نفسها بالتناقض يقول الدريني:  “الذريعة تأخذ حكم ما أفضت إليه دفعا لمناقضة الشارع “[43] . وبهذا تبقى الشريعة الإسلامية محافظة على المقاصد والغايات التي أرادت تحقيقها من وراء الأحكام الموجودة فيه أو ذلك لوجود مثل تلك الخطط التشريعية الهامة ، فالمجتهد التطبيقي يحقق تحقيق خاصا في التصرف أو القول قبل أن يعمل بفتح الذرائع ، فينظر إلى التصرف من جميع زواياه، كما ويحقق تحقيقا تاما في النتائج المتوقعة على إجازة الممنوع أو فتح الذريعة ، وبناء عليه يتخذ القرار هل سيلجأ إلى فتح الذرائع والتي هي إحدى خطط الطوارئ التشريعية أم لا ؟ وكذا الأمر إذا تعلق بالمجتمع الإسلامي في جميع نواحي حياته السياسية أو العسكرية أو الاقتصادية أو الاجتماعية فعلى المجتهد التطبيقي للأحكام ان ينظر ويحقق في توجهات المجتمع وفيما يعود عليه بالمصلحة تحقيقا تاما ومنضبطا ، متناولا المسألة المعروضة أو الحالة المطروحة من جميع زواياها بما فيها النتائج المتوقعة في حالة إعمال خطة فتح الذريعة ، فبدون تحقيق المناط الخاص لا يعمل بفتح الذرائع ولا بغيرها من خطط الطوارئ التشريعية كل ذلك من اجل حماية التشريع وصيانة لاحكامه من أن تعود على نفسها بالتناقض أو الهدم أو تكون سببا لجلب المفسدة ودفع المصلحة  ، وقد عرفنا سابقا أن الأحكام وسائل لغايات والأصل في المأمورات منها جلب المنافع والأصل في المنهيات منها درء المفاسد ، فان اكتشف المجتهد التطبيقي بعد التحقيق الخاص أنه بارتكاب المنهي عنه مصلحة هي أولى من المفسدة الناشئة عن ارتكابه ، أجاز  المجتهد التطبيقي ارتكاب المحظور لتغليب جانب المصلحة على جانب المفسدة ، من هنا نلاحظ أن تحقيق المناط الخاص يؤثر تأثيرا كليا في إعمال قاعدة فتح الذرائع أو عدم إعمالها ، فتحقيق المناط الخاص بمثابة المفتاح الذي يتم فيه فتح الذريعة أو سدها ولا يستغني عنه أحد من حملة الشريعة أو من صناع القرار.

 

 الزيجات المعاصرة وقاعدة فتح الذرائع

هذه القاعدة فتح الذرائع قاعدة جليلة هامة في الاجتهاد التطبيقي ينبغي أن تُستعمل بدقة متناهية وبنظرة استقرائية علمية موضوعية، ولا تستعمل إلا بعد التشخيص والفحص والتجربة لأنها من قواعد الاجتهاد التطبيقي التي تسمح بالممنوع وهذا يدل على أهميتها ودقة التعامل معها والجهد الكبير الذي يقوم به المفتي قبل تفعليها.

ما معنا ما ذكره الشيخ القرضاوي حول موضوع الزواج الصوري حيث قال:” هناك من يتزوجون المرأة على الورق فقط، يعني زواج من اجل الجنسية، وكنا بحثتاه في ندوة من الندوات الشرعية في فرنسا، وكان موجود عدد من العلماء منهم الشيخ مصطفى الزرقاء رحمه الله تعالى، وقلنا أن الأصل في هذا الزواج انه لا يجوز لأنه زواج بلا هدف، زواج بلا عشره وبلا هدف، فقلنا لا يجوز، والبعض قال يجوز للضرورة القصوى، إذا واحد مثلا خارج من بلده ومهاجرا، ولو رجع إلى بلده سيوضع في السجن أو يقدم للمحاكمة، وهو إنسان برئ لا ذنب له، فأجازه البعض في حالة الضرورة، ولكن الأصل في هذا الزواج انه زواج على الورق من اجل اكتساب الجنسية والأصل فيه انه لا يجوز.”[44]

نلاحظ أن بعض العلماء رخص في الزواج الصوري للضرورة القصوى، ولا بد أن تكون هنالك ضرورة قصوى كي يرخص في مثل هذا النوع من الزواج، أو بلغة أصولية أخرى لا بد أن تكون هنالك ضرورة قصوى كي نستعمل قاعدة فتح الذرائع، فالمثال الذي عرضه الشيخ القرضاوي بحضور الشيخ الزرقاء رحمه الله تعالى وبعض اهل العلم حيث أن هنالك رجلاً مسلماً يعيش في إحدى الدول الغربية وانتهت مدة إقامته وإذا عاد إلى بلده فانه سيوضع في السجن أو يحاكم دون وجه حق وقد يصل الحكم إلى حكم مؤبد أو حتى إلى الإعدام دون أي وجه حق ودون أن يقترف ذنبا يستحق العقوبة، ففي هذه الحالة يمكن تفعيل قاعدة فتح الذرائع والقول بالزواج الصوري أي الزواج على الورق من اجل تمديد إقامة الرجل أو من اجل التهيئة للحصول على الجنسية مع بقاء الأصل وهو حرمة هذا الزواج ومنع المسلمين من إبرامه والمثال جاء استثناء من الأصل إذا الأصل المنع وتم السماح بالممنوع لمصلحة كبيرة وهذا دور قاعدة فتح الذرائع في المسالة.

إن مجال قاعدة فتح الذرائع مجال ضيق جدا وما لاحظناه في المثال أن بعض العلماء رخصوا في الزواج الصوري اشترطوا الضرورة القصوى وما لاحظناه في المثال أن الرجل إن عاد إلى بلده فقد يُقْتلْ أو يسجن مدى الحياة دون وجه حق، أما إذا كان الرجل مطلوبا إلى بلده بوجه حق فلا يجوز له الأخذ بهذه الرخصة إطلاقا لان الأخذ فيها ما هو إلا مساعدة للظالم.  ولنضرب مثالا على ذلك لنفرض أن رجلا قتل رجلا في بلد إسلامي ما، ثم هرب القاتل إلى بلد أوروبي  إلى فرنسا أو بريطانيا مثلا وانتهت مدة إقامته وأرادت السلطات الفرنسية ترحيله إلى بلده بعد انتهاء مدة إقامته، فلا يتصور أن يتزوج هذا الرجل زواجا صوريا باسم الدين خوفا من العودة إلى بلاده لمحاكمته. فهنا لا يجوز أن تستعمل الرخصة في مثل هذه الصورة، لان فتح الذرائع هنا أدى إلى فوات الحقوق وانتشار الظلم وتأييد القاتل.

إن استعمال قاعدة فتح الذرائع مشروط بعدم أن يعود استعمالها على الشريعة الإسلامية بالهدم والتناقض، ولنأت بمثال على ذلك زواج التحليل، لم يقل احد من فقهاء المسلمين بإجازة زواج التحليل من باب فتح الذريعة، فلو فرضنا أن رجلا استنفذ عدد الطلقات المشروعة له بحيث طلّق زوجته طلاقا وثبت انه بائنا وأصدرت المحكمة شهادة طلاق بذلك، ثم عقد مرة أخرى على مطلقته بعقد جديد ومهر جديد ورضاها ثم بعد حين طلقها طلاق بائنا وأصدرت المحكمة شهادة طلاق بذلك، ثم بعد مدة عاد وطلقها للمرة الثالثة فأصدرت المحكمة الشرعية شهادة طلاق بائن بينونة كبرى إذ لا تحل له زوجته إلا إذا تزوجت رجلا يدخل بها ويعاشرها معاشرة الازواج ثم يموت هذا الرجل أو يطلقها طلاقا ليس بقصد إحلالها إلى زوجها الأول. وبعد مدة من الزمن أصبحت حالة المرأة المطلقة البائن بينونة كبرى صعبة والأولاد بحاجة إلى أبيهم، ورغب المُطَلِقُ ثلاثا أن يعود إلى مطلقته بائنا بينونة كبرى فاخبر صديقه أن يتزوج امرأته بقصد التحليل وذهبا إلى المفتي أو القاضي لطلب الإذن، فهنا لا يستجاب إلى طلبهما باسم فتح الذرائع ومصلحة الصغار والمطلقة لان الفتوى في مثل هذه الحالة والقول بفتح الذرائع يعود على النظام العام في الشريعة بالهدم، فينهدم نظام الطلاق في الإسلام بسبب فتح الذرائع وباسم المصلحة وهذا لا يجوز .

وقد سمعت  أستاذي د. علي السرطاوي يقول:” كاد كثير من العلماء الانزلاق والتسيب في الفتوى إذ هم التفتوا إلى المصلحة والمقاصد دون ضابط ولولا أنهم أدركوا أنفسهم لأجازوا زواج التحليل باسم المصلحة ونسوا أن استعمال أي قاعدة من قواعد الاجتهاد التطبيقي منوط بعدم العود على أصول الدين ونظامه العام بالهدم أو التناقض .”[45]

من هنا فانه يُرى والله اعلم أن استعمال القواعد الأصولية التطبيقية وتفعليها  والعمل على تصحيح التصرفات جزئيا أو كليا بحاجة إلى نظر دقيق وصدق علمائنا حين قالوا  في هذا المجال انه صعب المورد، إلا انه عذب المذاق ، محمود الغب جار على مقاصد الشريعة.

﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾

الحقوق محفزظة لموقع نوازل

المراجع

[1]   السر طاوي – مبدأ المشروعية – ص63

[2]   الشاطبي – الموافقات – ج4  98

 [3] الدريني، بحوث مقارنة في الفقه وأصول، مؤسسة الرسالة الطبعة الاولى سنة 1994  1 /134

 [4] سورة الأنفال  – آية رقم 29

[5]   الزحيلي- وهبه الزحيلي- نظرية الضرورة الشرعية-مؤسسة الرسالة-الطبعة الخامسة1997

[6]   السرطاوي –  مبدأ المشروعية – ص 81

[7]  ابن منظور ، لسان العرب  -ج 8 ص 96  وانظر ج 3 ص 208

[8]  الشاطبي –  الموافقات   – ج 4 ص 199

[9]   الباجي  – الحدود –  ص 68

  [10] ابن النجار، محمد بن احمد الحنبلي، شرح الكوكب المنير، مكتبة العبيكان الرياض، ص434

 [11] الشوكاني، محمد بن علي، إرشاد الفحول، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت الكبعة السادسة – ص 410

[12]   د.محمود حامد – قاعدة سد الذرائع واثرها في الفقه الإسلامي- دار الحديث القاهرة- ص 62

 [13] ابن القيم الجوزية-إعلام الموقعين- ج 3 ص 135

 [14] نفس المرجع السابق –ج 3 ص 159

[15]  السرطاوي – مبدأ المشروعية – ص183

[16]  الزرقاء – المدخل الفقهي العام – ج2 ص 924

[17] البرهاني – محمد هشام البرهاني – سد الذرائع في الشريعة الاسلامية – دار الفكر – دمشق الطبعة الاولى – 1985 ص 772

[18]   عز الدين بن عبد السلام –  قواعد الأحكام في مصالح الأنام  – دار الكتب العلمية ج2 ص 221

[19]   الزرقاء –  المدخل- ج1 ص 98

[20]  ابن القيم –  إعلام الموقعين  – ج3 ص 159

[21]  ابو زهرة –  أصول الفقه – ص 255

[22]  الشاطبي –  الموافقات  – ج4 ص 198

 [23] السرطاوي- مبدا المشروعية -ص 186

 [24] الشاطبي- الموافقات- ج 4 ص 200

[25]  عبدالله دراز – حاشية الموافقات-ج 4 ص 201

 [26] الزرقاء- المدخل الفقهي العام – ج 1 ص 100 وانظر الحاشية

[27]  السرطاوي –تحقيق المناط الخاص– بحث غير منشور

[28]  ابن رشد  – بداية المجتهد – ج2 ص 105

[29] البرهاني – محمد هشام البرهاني – سد الذرائع في الشريعة الاسلامية – دار الفكر – دمشق الطبعة الاولى – 1985 ص 772

[30] ابن قيم الجوزية، محمد بن أبي بكر الدمشقي، إعلام الموقعين عن رب العالمين، دار الجيل بيروت 3/156

 [31]  الدريني، نظرية التعسف في استعمال الحق ، مؤسسة الرسالة الطبعة الثانية – ص 189

[32]   نفس المرجع- ص 188

 [33] البرهاني- سد الذرائع  -ص 349

[34]   أبو زهرة، أصول الفقه، دار الفكر العربي، القاهرة – ص 258

[35]   الدريني –  نظرية التعسف في استعمال الحق – ص 188

[36] السرطاوي – مبدا المشروعية – ص167

[37]  د. خليفة بابكر الحسن –  الادلة المختلف فيها – ص 57

 [38] ابن قدامة –  عبدالله احمد بن قدامة المقدسي –  المغني – دار الفكر بيروت – الطبعة الأولى ج10 ص118.

[39]  البهوتي – منصور بن يونس بن ادريس   –  كشاف القناع عن متن الإقناع- دار الفكر بيروت- الجزء 6 ص 316 تحقيق هلال مصلحي.

 [40] ابن تيمية -كتب ورسائل ابن تيمية في الفقه – ج 31 ص 286

 [41] ابن ابي شيبة- مصنف ابن ابي شيبة – مكتبة الرشد – الرياض-الطبعة الأولى ج 4 ص 444 تحقيق كمال الحوت

 [42] سرطاوي- مبدا المشروعية في الشريعة الإسلامية – ص 246

[43]  دريني – نظرية التعسف في استعمال الحق- 188

[44] موقع الجزيرة نت، برنامج الشريعة والحياة، حلقة عن زواج المسيار بتاريخ 3/5/ 1998 ص17 .

[45] د. علي السرطاوي،  محاضرات ألقيت على طلبة الماجستير، جامعة النجاح الوطنية نابلس فلسطين.1997

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017