الاكتفاء بطلب الفتوى من محركات البحث Google وامثالها تفويت لحق المستفتي من المعاينة في حالته عند المجتهد التطبيقي  

الجمعة 18 أكتوبر 2019
شارك المقال

الاكتفاء بطلب الفتوى من محركات البحث Google وامثالها تفويت لحق المستفتي من المعاينة في حالته عند المجتهد التطبيقي  

( دراسة فقهية اصولية )

( طلب الفتوى كطلب العلاج ، فمهما اعطت محركات البحث من نتائج لباحث عن مرض ما الا ان الكلمة في التشخيص والعلاج  ستظل للطبيب المعاين، وكذا حال المستفتي مع الفتوى وحاجته الى المفتي)

الشيخ رائد بدير   السيرة العلمية  على هذا الرابط  https://nawazel.net/?page_id=215)

محركات البحث احدى مرجعيات المستفتي في  هذا الزمان، بين يدي المستفتي جهاز يمكن ان يبحث من خلاله عن ضالته عند الحاجة الى الاستفتاء فما عليه سوى ان يضع في احد محركات البحث سؤاله او بعض كلمات تتعلق بسؤاله فيظهر له عشرات الاجابات المختلفة حول مسالته في غالب الاحيان ، ومصدر هذا الاجابات مرجعيات للفتوى رسمية وغير رسمية من جميع انحاء العالم .والحاجة الى البحث عن أي معلومة عبر محركات البحث امر ضروري وحيوي ومفيد طالما لم يترتب عليه أي ضرر او سلوك وعمل .

المريض سواء نزل به مرض مزمن او  غير مزمن ، اذا ارد ان يتعرف على مرضه وعلاجه  فيمكن ان يتصفح عن طريق محركات البحث عن اسم مرضه وتشخيصه وكيفية علاجه فبظهر له مئات الصفحات لكنه لا يستند اليها بل يذهب الى طبيبه المختص ليكشف عن حالته فيصنف حالته ثم يعطيه العلاج المناسب مباشرة من يد الطبيب .

الفتوى لا تقل اهمية عن المثال مع المريض فهي تحتاج الى معاينة من الفقيه فالأحكام الشرعية الواردة في المسالة الواحدة كثيرة ومدى مطابقة حال السائل الى الحكم الذي يندرج تحته ما هو الا عمل المجتهد او المفتي التطبيقي وهذا لا تجده الا بعد مسائلة بين المستفتي والمفتي تماما هي المسائلة بين الطبيب والمريض.

يقول ابن القيم –رحمه الله- : ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم أحدهما فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علما والنوع الثاني فهم الواجب في الواقع وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع ثم يطبق أحدهما على الآخر فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجر”[1].

ويقول الشيخ القرضاوي- حفظه الله تعالى – :” ولا يستطيع  هذا الاجتهاد المعاصر المرجو ان يؤدي مهمته، ويحقق غايته، ويؤتي ثمرته، الا ذا ضم فقه النصوص والادلة : فقه الواقع المعيش. فالفقيه اشبه بالطبيب ولا يمكن للطبيب ان يصف الدواء للمريض الا اذا عاينه وفحصه وسأله  وعرف تاريخ مرضه، وحجمه ومداه، فاستطاع بذلك ان يشخص الداء ويصف الدواء الملائم.”[2]

هذا الموضوع يضع بين يدي كل من تصدى للإفتاء أو تعاطى به أن ينبه الناس بالعودة الى مفتي بلدهم لسؤالهم ومعاينة حالتهم في كل ما يتعلق بشؤون حياتهم ، وان الاطلاع على الفتاوى عبر محركات البحث ما هي الا للاستئناس والثقافة وليس للتطبيق والعمل .

ان العمل بما يظهر للسائل عبر استفتائه لمحركات البحث يخشى منه التطبيقي العشوائي للأحكام الشرعية والذي يتسبب ضرارا وربما بسبب تطبيقيه العشوائي لما يقرا من نتائج لبحثه  يضر بنفسه ويضر بالأحكام الشرعية فيظهر الضرر على نفسه، وفي هذه الدراسة محاولة لوضع بين يدي العلماء وعامة الناس   منهاجا جليا ومرسوما واضحا  يحميهم من التطبيق  العشوائي للأحكام ، ويبين لهم دور الظروف والأحوال في التأثير الأحكام عند الاجتهاد التطبيقي .

تعريف محركات البحث واهميتها والحاجة اليها :

محرك البحث (بالإنجليزية: Search engine) هو برنامج يهدف للبحث عن إجابات للتساؤلات والتي يعرضها على شكل مجموعة من المعلومات، حيث يُظهر محرك البحث قائمة من الصفحات، وتشمل هذه الصفحات مصطلحات موجودة في عبارة التساؤل المُدخلة، كما يمكن أن يقوم المُستخدمين بالبحث خصيصاً عن الصور، أو مقاطع الفيديو، أو المقالات الإخبارية، أو عن أسماء مواقع الويب،[١] ويعتبر محرك البحث آرتشي (بالإنجليزية: Archie) أول محرك بحث تم إنشاؤه، والذي استُخدم للبحث عن بروتوكول نقل ملفات (FTP)، وكان المحرك فيرونيكا (بالإنجليزية: Veronica) أول محرك بحث يستند على النصوص، أما اليوم فيعتبر محرك البحث جوجل (Google) الأكثر شهرةً وانتشاراً، ومن الأمثلة على محركات البحث الشهيرة الأخرى AOL، Ask.com، Baidu، Bing، Yahoo.[ ” [3].

لا يمكن في زماننا الاستغناء عن محركات البحث ، حيث اصبحت ضرورة مرتبطة بحياة الناس في جميع مجالاتهم  اذا انها تسعى “لتقديم المعلومات الأحدث للباحث عنها، حيث تُحدّث البيانات والمعلومات المخزنة في قواعد بيانات محركات البحث بشكلٍ دوري. وتسهل عملية الوصول إلى أكبر وأشمل كمٍّ من المعلومات. وتعتبر نقطة انطلاقٍ للبحث عن معلومات معينة. وتختصر الوقت والجهد في الوصول للمعلومة المراد الحصول عليها في غضون ثوانٍ. وتضع أكبر كمٍّ من المعلومات ذات العلاقة بالبحث بين يدي الباحث. وتستعرض المواقع الأكثر ملائمة للمسوقين الإلكترونييّن. وتفتح الآفاق أمام المستخدمين لتحقيق الأرباح، كما هو الحال بمحرك جوجل” [4].

اذن هنالك حاجة ماسة الى محركات البحث في كل شؤون حياة الناس في هذا الزمان ، وبات من غير الممكن الاستغناء عنها ، ويوما بعد يوم تزداد مسيس الحاجة اليها مع تقدم شكل الحياة فهي توفر الزمان والمكان وتسهل حياة الناس بكل معنى الكلمة.

وفق هذا الفهم نؤكد على حاجتنا الضرورية والحياتية لمحركات البحث على اختلاف اشكالها وانواعها وان تطويرها للاستفادة منها بشكل افضل ما هو الا من متطلبات حاجات الناس التي تؤيدها الشريعة الاسلامية وتحث عليها وتدخل في رفع الحرج والمشقة والتيسير على الناس.

تعريف الاجتهاد لغة واصطلاحا:

الاجتهاد في اللغة مأخوذ من الجهد بفتح الجيم وضمها وهو المشقة ومنه قوله تعالى:)وأقسموا بالله جهد أيمانهم([5] أي بالغوا اليمين واجتهدوا والتجاهد بذل الوسع كالاجتهاد “[6] ،وجاء في لسان العرب : الاجتهاد والتجاهد :بذل الوسع والمجهود ، وفي حديث معاذ  ” اجتهد رأيي “[7] بذل الوسع في طلب الأمر ، وهو افتعال من الجهد الطاقة ، والجهد : الغاية يقال : بلغت به الجهد أي الغاية ، والجهد أيضا : بلوغك غاية الأمر الذي لا تألو على الجهد فيه تقول: جهدت جهدي و اجتهدت رأيي ونفسي حتى بلغت مجهودي”[8] ، وعلى هذا المعنى إذا قيل اجتهد الرجل في الأمر أي بذل وسعه وطاقته في طلبه، ليبلغ مجهوده ، ويصل إلى نهايته. والملاحظ من خلال التعريف اللغوي أن الاجتهاد لا يستعمل إلا فيما فيه جهد ومشقة لذا قال الغزالي : ” لا يستعمل الاجتهاد إلا فيما فيه كلفه وجهد فيقال اجتهد في حمل حجر الرحا ولا يقال اجتهد في حمل خردلة “[9] .

الاجتهاد في الاصطلاح

ذكر الأصوليون للاجتهاد في الاصطلاح كثيرا من التعريفات , وكثير من هذه التعريفات لا تختلف إلا في استعمال العبارة حيث عرفه الغزالي بقوله : ” والاجتهاد التام أن يبذل الوسع في الطلب بحيث يحس من نفسه بالعجز عن مزيد طلب”[10] .

وعرفه الشوكاني : ” بذل الوسع في نيل حكم شرعي عملي بطريق الاستنباط “[11] ، وعرفه ابن أمير الحاج : ” الاجتهاد فعل المجتهد وهو بذل وسعه في طلب الحكم الشرعي “[12] ، وقال الزركشي : ” الاجتهاد في الاصطلاح بذل الوسع في نيل حكم شرعي عملي بطريق الاستنباط”[13]، وقال عبد العزيز البخاري : ” صار الاجتهاد في اصطلاح الأصوليين مخصوصا ببذل المجهود في طلب العلم بأحكام الشرع ، وقيل : هو بذل الجهد في استخراج الأحكام من شواهدها الدالة

عليها بالنظر المؤدي إليها ، وقيل هو طلب الصواب  بالإمارة الدالة عليه وقيل : هو استفراغ الفقيه الوسع في معرفة حكم شرعي من دليل تفصيلي “[14] . وعرفه عبد القادر عودة : ” الاجتهاد: بذل الجهد للوصول إلى معرفة حكم شرعي من دليل تفصيلي ، من الأدلة التي يضعها الشارع للدلالة على الأحكام ” [15] ، وقال أبو زهرة : ” الاجتهاد : بذل الفقيه وسعه في استنباط الأحكام العملية من أدلتها التفصيلية ” [16].

والملاحظ – والله اعلم – أن التعريفات كلها قريبة من بعضها البعض وان الاختلاف بينهم في استعمال كلمة بدل كلمة أخرى مثل ” بذل ” بدل ” استفراغ ” أو ” فقيه ” بدل ” مجتهد ” ، والمهم أن الاختلاف في استعمال العبارات لم يترتب عليه أي آثار حقيقية زادت في هوة الاختلاف بينهم ، كاختلافهم في تعريف تنقيح المناط مثلا أو أي مصطلح آخر ترتب عليه زيادة الاختلاف في الفروع نتيجة الاختلاف في التعريف ، وانك لتجد الإمام البزدوي لا يعرف الاجتهاد في أصوله وانك لتقرا شرح عبد العزيز البخاري في كشفه عن أسرار أصول البزدوي يقول ” وإنما لم يبين الاجتهاد لشهرته بين الفقهاء ” [17] . وبالرغم من شهرة الاجتهاد بين الفقهاء أرى أن معنى الاجتهاد يدور حول بذل الجهد في طلب حكم شرعي عملي من دليل تفصيلي، ومعاني التعريفات كلها قريبة من بعضها بعضا كما ذكر.

تعريف الاجتهاد التطبيقي:

ان تعريف الاجتهاد التطبيقي  وتعلم ممارسته موضوع جدير بالبحث حري بالدراسة يشتهي فهمه وإدراكه كل من اخذ على عاتقه التصدر للفتوى والقضاء وغيرهما من المناصب المهمة في المجتمع الإسلامي .

يقول الشاطبي : “الاجتهاد على ضربين أحدهما لا يمكن أن ينقطع حتى ينقطع اصل التكليف ، وذلك عند قيام الساعة ، وهذا اجتهاد المتعلق بتحقيق المناط وهو الذي لا خلاف بين الأمة في قبوله، ومعناه أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي لكن يبقى النظر في تعيين محله”[18] .اذن الاجتهاد تشريعي لمعرفة الحكم وتطبقي لتعيين محل انزاله .

.وجاء في بحث للدكتور محمود صالح جابر بعنوان  ” الاجتهاد الاستثنائي وأثره في فقه التطبيق:” إن تطبيق الأحكام الشرعيَّة في الواقع يحتاج إلى منهج ينبني على فقه تطبيقيٍّ، غايته تسهيل الطريق لتلك الحقائق الدينيَّة لكي تصبح جارية في حياة النّاس، ويبدأ هذا الفقه من مرحلة الفهم، حيث ينبني بمقتضاه فهم الدين عقيدة وشريعة على أنه حقائق، غايتها أن تصير واقعاً سلوكياًّ، كي يتمّ بذلك الفقه صياغة الأحكام الإسلامية صياغة تناسب معطيات الواقع المشخّص، الذي يعيشه المسلمون في ظرفهم الزّمانيِّ والمكانيِّ، لينتهي الأمر إلى الإنجاز الفعليِّ لتلك الصّياغة في شعاب الحياة المختلفة.

فكان الناظر في أحكام الشريعة الرامي إلى تنزيلها في واقع الناس؛ محتاجا إلى مرحلتين في التعامل مع الأحكام الشرعيَّة: “مرحلة الفهم والتفسير البياني، ومرحلة التطبيق أو التنزيل: بما فيها الصياغة والإنجاز”إنَّ كلا المرحلتين من فقه الفهم وفقه التطبيق أو التنزيل؛ لهما أهمية بالغة في الوصول إلى طرح منهجي سليم ورشيد يرمي إلى تطبيق الشريعة في واقع الناس؛ بيد أن الألصق بموضوع البحث هو الاجتهاد التنزيلي دون البياني “فقه الفهم”.  وكلٌّ مِن المرحلتين تختلفان في الطبيعة، لاختلاف الخصوصيَّات بين الفهم، وبين التطبيق، حيث إن الفهم تكون فيه العلاقة الأساسية بين العقل وبين المصدر النصيِّ للدِّين، في حين تكون العلاقة في التطبيق، بين “العقل” و”المصدر النصيِّ”، وبين “واقع الحياة”، كعنصر أساسيٍّ في هذه العلاقة ففي مرحلة التطبيق يدخل عنصرٌ ثالثٌ: وهو الواقع. ولا شك أن الاستثناء في الاجتهاد متعلِّق بمقتضيات الوقائع، حين محاولة التطبيق للأحكام الشرعيَّة المجرَّدة، على وقائع مشخَّصةٍ على نحو يحافظ على مقاصدها التي شرعت من أجلِها. وفقه التطبيق هو الفقه الموجِّه لهذه المرحلةِ؛ فيكون تعريفه: هو العمليَّة الاجتهاديَّة التي ترمي إلى ترشيد تنزيل الأحكام التي وقع تمثلها في مرحلة الفهم؛ في واقع الناس، وتطبيقِها في مختلف شعاب الحياة.” [19]

الاجتهاد التطبيقي  وتحقيق المناط الخاص

الاجتهاد التطبيقي المتعلق بالأفراد يلزمه  ” تحقيق المناط الخاص”. ومما يميز الشريعة الإسلامية أنها اهتمت بواقع الإنسان وطبيعته يقول د. علي السرطاوي: ” الشريعة واقعية ، ولا تهمل واقع الإنسان وطبيعته وتأتى بأحكام ومثل خارجة على نطاق قدراته، أو غير معتبرة لظروفه ، فالواقع في الشريعة مادة للدرس والتمحيص والتحليل لمقوماته وسائر عناصره وأهدافه للحكم عليه لا للاحتكام إليه والتسليم به على علاته “[20] . وهذا النوع من أنواع المناط يختص بالنظر في حالة كل مكلف من جميع نواحي الحياة وشؤونها يقول الشاطبي:  “وعلى الجملة فتحقيق المناط الخاص نظر في كل مكلف بالنسبة إلى ما وقع عليه من الدلائل التكليفية ، بحيث يتعرف منه مداخل الشيطان ومداخل الهوى والحظوظ العاجلة ، حتى يلقيها هذا المجتهد على ذلك المكلف مقيدة بقيود التحرز من تلك المداخل ، هذا بالنسبة إلى التكليف المنحتم وغيره ، ويختص غير المنحتم بوجه آخر: وهو النظر فيما يصلح بكل مكلف في نفسه بحسب وقت دون وقت ، وحال دون حال ، وشخص دون شخص ، إذ النفوس ليست في قبول الأعمال الخاصة على وزان واحد ، فرب عمل صالح يدخل بسببه على رجل ضرر أو فترة ، ولا يكون كذلك بالنسبة للآخر….وصاحب هذا التحقيق الخاص هو الذي رزق نورا يعرف النفوس ومراميها ، وتفاوت إدراكها ، وقوة تحملها للتكاليف، وصبرها على حمل أعبائها أو ضعفها ، ويعرف التفاتها إلى الحظوظ العاجلة أو عدم التفاتها ، فهو يحمل على كل نفس من أحكام النصوص ما يليق بها ، بناء على أن ذلك هو المقصود الشرعي في تلقي التكاليف ، فكأنه يخص عموم المكلفين والتكاليف بهذا التحقيق لكن مما ثبت عمومه في التحقيق الأول العام”[21] . وهذا الكلام من أروع ما يكون في الشريعة الإسلامية بالنسبة لتعاملها مع حملتها ومع اتباعها ، وعليه تتفرع جميع الخطط التشريعية التي عنيت بتحقيق الغاية من وراء كل حكم شرعي المتعلق بالأشخاص ، فمن المعقول مثلا إذا خرج جماعة في سفر معين وكان عدد المسافرين مائة راكب مقسمين إلى خمس مجموعات في كل مجموعة عشرين راكبا ، وتم تقسيم تلك المجموعات على حسب أعمارهم  ، فاعمار أفراد المجموعة الأولى مثلا بين ثمانين وسبعين ، والثانية ما بين ستين وخمسين وهكذا دواليك ، حتى إذا وصلت تلك المجموعات المسافرة إلى نقطة عبور الحدود ، أصر طاقم أفراد نقطة العبور على السماح للمجموعة الأولى فقط العبور لسنهم وضعفهم ، أما باقي المجموعات فطلب منها أن تبقى مدة زمنية على الحدود ، ووجد شخص في المجموعة الخامسة والتي يبلغ أعمار أفرادها ما بين عشرين وثلاثين سنة  مصاب بمرض شديد ولا يستطيع الانتظار يوما على الحدود فمن المنطق والمعقول أن يضم هذا الفرد إلى المجموعة الأولى والتي تتراوح أعمار أفرادها بين الثمانين والسبعين ، والذي أوصلنا إلى عدم السير حسب ترتيب المجموعات الأولى ثم الثانية هو  النظر في حالة هذا الفرد وضمه إلى المجموعة الأولى ليسمح له بمخالفة الترتيب بالرغم من أن  عمره لا يتناسب مع أعمار المجموعة الأولى ، يقول الأستاذ الدريني : ” ليس من المعقول ولا من المقبول شرعا ، أن يحكم واقعة معينة بحكم واحد ، مهما اختلفت ظروفها وملابستها ، ذلك لان لهذه الظروف تأثيرا في نتائج التطبيق ….. والواجب شرعا تطبيق الحكم المناسب لكل شخص على حدة ، في ضوء ظروفه الخاصة ، التي تنهض بدليل تكليفي معين يستدعي حكما خاصا في حقه ، لان تعميم الحكم التكليفي على جميع المكلفين يفترض التشابه في الظروف وقد لا يوجد”[22].

يتبين من كل ذلك أن تحقيق المناط الخاص يأتي بعد النظرة المتمعنة والمتفحصة المتعلقة بإنزال الأحكام على الأشخاص عند التطبيق لذا عبر عنه الشاطبي بقوله: ” أما الثاني وهو النظر الخاص فاعلى وادق من هذا –العام- وهو في الحقيقة ناشئ عن نتيجة تقوى الله عز وجل المذكورة في قوله تعالى)ان تتقوا الله يجعل لكم فرقانا([23]  وذلك لما يترتب على العمل بهذه القاعدة من اثار حيث يتنقل الحكم من الوجوب في اصله إلى الحرمة أو من الحرمة إلى الوجوب يقول الزحيلي: ” قد يطرا على الإنسان حالة من الخطر أو المشقة الشديدة بحيث يخاف حدوث ضرر أو أذى بالنفس أو بالعضو أو بالعرض أو بالعقل أو بالمال وتوابعها ويتعين أو يباح عندئذ الحرام ، أو ترك الواجب أو تأخيره عن وقته دفعا للضرر عنه في غالب ظنه ضمن قيود الشارع”[24] . ونرى د.علي السرطاوي يوسع من نطاق هذه القاعدة لتعود إلى الأمة بشكل عام حيث قال : ” وإذا كانت لطبيعة الحال والظروف الملابسة اثر في تغيير الحكم الشرعي للشخص الواحد ، فمن باب أولى أن تكون طبيعة الحال والظروف التي تمر بالأمة اثر في تشكيل علل الأحكام التي تطبق على الأمة بكاملها ، لذا أعطي ولي الأمر سلطة التغيير والتطوير هذه “[25] . وقد برع الخليفة الثاني للدولة الإسلامية ، عمر بن الخطاب  – رضي الله عنه –  في استعمال تلك القاعدة في مسائل كثيرة ،منها عام المجاعة والزواج من الكتابيات وحبس الأراضي وعدم تقسيمها بين الغانمين وغيرها من المسائل لذا لا يمكن أن يستغنى عن قاعدة تحقيق المناط الخاص عند الإفتاء وصناعة الفتوى أو عند القضاء وإصدار الأحكام ،حيث تبقى هذه القاعدة الجليلة هي أهم الآلات والأدوات التي يملكها المفتي أو القاضي أو والي الأمر لصناعة ما يصدره من أحكام على احسن وجه بما يتلائم مع مقصد الشارع من إنزال الشريعة من جلب المصالح ودرء المفاسد ،ولعل الأهم من ذلك عند استعمال تلك القاعدة يمكن أن تظهر صورة الشريعة الإسلامية متحدة كلها متناسقة كلها متحدة في غاية واحدة ، مهما زادت فروعها وتبدلت وسائلها ويخشى على الفقيه أو القاضي أو والي الأمر عدم إدراك تلك القاعدة وفهم المهمة التي أنيطت بها وكيفية استعمالها عند تطبيق الأحكام الشرعية بحيث تكون نتيجة التطبيق بعكس ما قصد من وضع الشريعة تجلب المفاسد وتدرء المصالح ، إذ أن الشريعة وضعت لجلب المصالح ودرء المفاسد ،وان عدم الالتفات إلى قاعدة تحقيق المناط الخاص قد يؤدي إلى نتيجة عكسية غير النتيجة المتوقعة والتي هي مراد الشارع من تشريع الأحكام الشرعية  وحق إذا قيل تحقيق المناط لا يستغني عنه أحد.

ان هذا التحقيق يوصل الى ضمان أن الأحكام الشرعية موصلة إلى غاياتها والتي هي مصالح العباد كما أشار ابن القيم إلى أساس بناء الشريعة والغاية منها فقال : ” إن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد ، وهي عدل كلها ، ورحمة كلها، ومصالح كلها ، وحكمة كلها ، فكل مسالة خرجت عن العدل إلى الجور ، وعن الرحمة إلى ضدها ، وعن المصلحة إلى المفسدة ، وعن الحكمة إلى العبث ، فليست من الشريعة وان أدخلت فيها بالتأويل”[26] . ويمكن القول بعد النظر في عبارات ابن القيم ، أن الشريعة وضعت وبنيت على مصالح العباد لتحقيق العدل والعدالة ، فما من حكم تكليفي إلا من وراء تشريعه مصلحة وعدل ورحمة، فإذا خرج عن ذلك اصبح لا يمت إلى الشريعة بصلة ، وكان بعيدا كل البعد عن الشريعة، والمقصود بالحكم التكليفي كما ذكره البيانوني : ” اثر خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال العباد طلبا أو تخييرا”[27] . فالأحكام الشرعية التكليفية مرتبطة بغاياتها ، والهدف من اتباع تلك الأحكام أو تطبيقها والعمل بها الوصول إلى مراد الشارع منها ، وقد يتأثر الحكم الشرعي في الواقعة المعروف أنها مندرجة تحته والأصل أن ينزل على تلك الواقعة المعينة إلا انه يصار إلى غيره بحيث لو بقي على ما كان عليه لخرجت تلك المسالة عن العدل إلى الجور وعن المصلحة إلى ضدها وقد نقل الأستاذ الزرقاء قول العلامة ابن عابدين ” كثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغيير عرف أهله، أو لحدوث ضرورة أو لفساد  أهل الزمان ، بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه للزم منه المشقة ، والضرر بالناس ، ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد”[28].  وقد أكد الأستاذ الزرقاء رحمه الله ذلك بقوله: ” إن الأحكام الشرعية التي أسسها الاجتهاد في ظروف مختلفة عن الظروف الجديدة غير صالحة لتحقيق الغاية الشرعية من تطبيقها، فيجب أن تتغير إلى الشكل الذي يتناسب مع الأوضاع القائمة ، ويحقق الغاية الشرعية من الحكم الأصلي ، وذلك نظير السفينة الشراعية التي تقصد اتجاها معينا في ريح شمالية مثلا ، فان شراعها يقام على شكل يسير بالسفينة في الاتجاه المطلوب ، فإذا انحرف مهب الريح وجب تعديل وضع الشراع إلى شكل يضمن سير السفينة في اتجاهها المقصود ، وإلا انحرفت أو توقفت” [29].

وقد عقب د. علي السرطأوي على هذا المثال الرائع مبينا وشارحا من بيده صلاحية وسلطة التغيير قائلا : “وسلطة التغيير والتطوير هذه جعلتها الشريعة في يد العلماء وولاة الأمر لذا نجد المفتي الذي ينظر في حال كل شخص وفي كل واقعة بعينها ، ناظرا في طبيعة الشخص وقدرته، وما احتف الواقعة من ظروف ، ثم يعطي الحكم الشرعي المناسب الذي يكون محققا لمقصود الشارع”[30].  وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم-المرشد الأول لهذا المنهاج الصحيح والذي يعني بالفتوى ويحث المفتي على النظر والاجتهاد عند إنزال الفتوى على الواقعة المعروضة-تحقيق المناط-  ، حيث روى البهيقي في سننه عن جابر قال: ” خرجنا في سفر فاصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه ثم احتلم ، فقال لاصحابه:هل تجدون لي رخصة في التيمم ، قالوا : ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء ، فاغتسل فمات ، فلما قدمنا على النبي – صلى الله عليه وسلم – اخبر بذلك فقال : قتلوه قتلهم الله ، ألا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال ، إنما كان يكفيه أن يتيمم “[31] .

والملاحظ أن أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لم يلتفتوا إلى أي نص آخر غير النص العام  يتعاملون به مع هذه الواقعة ، بل بقي في أذهانهم وعقولهم أن الرجل يقدر على الحركة، وان الماء متوفر موجود ، ولا يمكن التيمم مع استطاعة الرجل ووجود الماء واستندوا إلى الدليل القطعي الثبوت القطعي الدلالة وهو قوله تعالى :  ) فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا([32] ، وافتوا بما هو مشهور إذا حضر الماء بطل التيمم ، وعلى الرغم من استنادهم إلى أدلة قطعية الثبوت وقطعية الدلالة إلا أننا نجد ان الرسول – صلى الله عليه وسلم – قد غلظ عليهم ، بل ونفى عنهم صفة العلم والصق بهم صفة الجهل ونعتهم به وأرشدهم إلى السؤال قبل الإفتاء وشنع على فتواهم هذه والتي كانت سببا في مقتل الرجل ، حيث أن بقاء حكم الغسل من الجنابة  على ما هو عليه فيما يتعلق بالواقعة الجديدة والتي احتفت بظروف معينة لا يناسب، بل وبسبب تلك الظروف انتقل خطاب الله تعالى المتعلق بالواقعة من الغسل إلى التيمم كما بين ذلك الرسول – صلى الله عليه وسلم – حيث يتناسب حكم التيمم مع  تلك الواقعة ، ويأتي منسجما مع روح الشريعة والإسلامية ومقصدها وذلك بعد النظر والاجتهاد ، حتى لو تعلق الأمر بنصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة وبهذا الصدد يقول د. علي السرطاوي : ” إن الشريعة الإسلامية وضعت خططا ومناهج تشريعية تضمن أن تجعل الأحكام موصلة إلى غاياتها بعدالة وفق إرادة الشارع ، التي كلفنا تنفيذها وامتثالها اخذين بعين الاعتبار ان إرادة الشارع في أمر من الأمور لا تؤخذ من نص عام واحد فقط مهما كانت قطعية الثبوت والدلالة ، لان هذا النص جزء من كل الشريعة ،فلا يجوز أخذه أو فهمه فيما يناقضها ،لان الأصل الا يتناقض الجزء مع الكل وشرع الله لا تناقض فيه”[33].  هذه طبيعة الدين وهذه طبيعة الشريعة، وتحقيق المناط هو إحدى المناهج الشرعية التي لها الأثر البارز في التأثير على الأحكام الشرعية وصرف دليل الأصل المقطوع به لواقعه معينة إلى دليل آخر بدله بعد النظر والتدقيق في الظروف التي تحيط بالواقعة والتي بسببها نشأ دليل قوي يصرف دليل الأصل كما بينا في المثال السابق ، لذا يبقى تحقيق المناط أحوج الأدوات التي لا يستغني المجتهد عنها في صناعة الفتوى على احسن وجه بما يلائم مقصد الشارع وهذا بدوره يبرز أهمية هذه القاعدة في التأثير على الحكم الشرعي التكليفي كما مر معنا في المثال السابق.

محركات البحث ليس فيها تواصل انساني قادر على الاجتهاد التطبيقي :

بات التخلص من الفوضى في الفتوى وحماية المستفتي ورفع الضرر فريضة شرعية ، اذ يتعين على كل دائرة افتاء ومؤسسة رسمية وغير رسمية تعنى بالفتوى ان تشير دائما الى مراجعة المستفتي دائرة الافتاء في بلاده او المفتي في بلده او اهل العلم من منطقته ولو اختلفوا في الحكم . وهذا لا يعني حصر  الفتوى او تخصيصها في بلد معين او جهة معينة او مؤسسة معينة بل لتكون  الفتوى اقرب الى واقع المستفتي وظروف حاله وعلماء اهل بلده .ان الاشارة دائما عند الافتاء في أي موقع  مؤهل للإفتاء ان ما ورد فيه لا يغني عن الرجوع الى اهل الاختصاص في كل بلد ومنطقة بل الواجب التنويه والتنبيه الى ذلك . فقد عمت البلوى في فوضى الفتوى عن طريق محركات البحث دون ارشاد او تثقيف.ومن ناحية اخرى ان الاكتفاء للمستفتي بما يظهر له من نتائج  حين البحث عن أي مسالة لا يكفي بل لا بد من التواصل الانساني بين المستفتي والمفتي ، فربما ما اطلع عليه المستفتي لا ينطبق على حالته المعروضة وخاصة ان الفقه الإسلامي مليء بالمصلحات التي ربما لا يركها عوام الناس .

ان التواصل الانساني للحصول على الفتوى فريضة شرعية لعامة الناس  في كل مجالات الحياة وان الاكتفاء بالنتائج التي تظهرها محركات البحث لا يجوز شرعا ويدخل في العشوائية الممنوعة شرعا. وربما يحرم المستفتي نفسه من حق له يوسع عليه الضيق ويجلب له اليسر  دون ان يعلم.

[1]  ابن القيم الجوزية ، اعلام الموقعين عن رب العالمين ، ج1 ص 87

[2]  القرضاوي، في فقه الاقليات المسلمة، دار الشروق ص 44

[3] https://mawdoo3.com/تعريف_محركات_البحث#cite_note-4DHvwsoFDq-1

[4] https://mawdoo3.com /فوائد_محركات_البحث

 [5] سورة النور آية 53.

 [6] الفيروز ابادي-مجد الدين محمد بن يعقوب-القاموس المحيط-فصل الجيم،باب الدال الجزء 1 ص 296 .

[7]  أبو داود – سليمان بن اشعث السجستياني- سنن أبى داود– دار الفكر – الجزء 3 ص 303 باب اجتهاد الرأي في القضاء حديث رقم 3592 .

 [8] ابن منظور- أبو الفضل مجال الدين محمد بن مكرم- لسان العرب – دار الفكر الطبعة الثالثة- حرف الدال-فصل الجيم ج 3 ص 133.

 [9] الغزالي – ابو حامد محمد بن احمد – المستصفى ومعه – دار الارقم بيروت ج 2 ص 510 .

[10]  الغزالي- المستصفى – ج 2 ص 510

 [11] الشوكاني-محمد بن علي الشوكاني-إرشاد الفحول– مؤسسة الكتب الثقافية – بيروت  ص 417 تحقيق محمد البدري .

[12]   ابن امير الحاج – محمد بن محمد بن حسن بن علي – التقرير والتحبير في علم اصول الفقه – دار الفكر بيروت سنة 1996 ج1 ص  20 .

[13]   الزركشي – بدر الدين محمد بن بهادر – البحر المحيط في اصول الفقه – دار الكتب العلمية بيروت سنة 2000 ج4 ص 488.

[14]  علاء الدين البخاري – عبد العزيز بن احمد بن محمد – كشف الأسرار عن أصول البزدوي – دار الكتب العلمية بيروت 1997 – ج4 ص20 .

[15]  عبدالقادر عودة – التشريع الجنائي الإسلامي – مؤسسة الرسالة سنة 1997 الطبعة 14 ج1 ص 207 .

[16]   ابو زهرة – محمد ابو زهرة – أصول الفقه– دار الفكر ص8

[17]   عبد العزيز البخاري – كشف الأسرار – ج4 ص 20 .

[18]  الشاطبي- الموافقات– الجزء 4 ص 90

[19]  الشاطبي- الموافقات– الجزء 4 ص 90

[20]   السر طاوي – مبدأ المشروعية – ص63

[21]   الشاطبي – الموافقات – ج4  98

 [22] الدريني– بحوث مقارنة في الفقه وأصوله -ج 1 ص 134

 [23] سورة الانفال  – اية رقم 29

[24]   الزحيلي- وهبه الزحيلي- نظرية الضرورة الشرعية-مؤسسة الرسالة-الطبعة الخامسة1997

[25]   السرطاوي –  مبدأ المشروعية – ص 81

[26] ابن القيم –إعلام الموقعين عن رب العالمين-ج 3 ص 3

 [27] البيانوني- محمد أبو الفتح – الحكم التكليفي في الشريعة الإسلامية – دار القلم – دمشق الطبعة الأولى-1988 ص 51

 1- الزرقاء- المدخل الفقهي العام– ج 2 ص 938

  [29] – نفس المرجع السابق- ج 2 ص 938

 [30]  السرطاوي- مبدا المشرعية – ص80

[31]   البيهقي – احمد بن الحسين بن علي بن موسى البيهقي – سنن البيهقي الكبرى – مكتبة دار الباز مكة المكرمة –ج1 ص 227 حديث رقم 1016 تحقيق محمد عبد القادر عطا.

[32]  سورة النساء الآية 43

 [33] سرطاوي- مبدا المشروعية – ص 80

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017