عدم اعتبار الكفاءة في الزواج ساهم في عدم استقرار الحياة الزوجية والبحث عن ” وافق شن طبقة” بات ضرورة في زماننا للتقليل من نسبة الطلاق

الثلاثاء 12 فبراير 2019
شارك المقال

عدم اعتبار الكفاءة في الزواج ساهم في عدم استقرار الحياة الزوجية والبحث عن ” وافق شن طبقة” بات ضرورة في زماننا  للتقليل من نسبة الطلاق

الشيخ رائد بدير ، عضو هيئة العلماء في القدس الشريف

كان الناس في الماضي اكثر واقعية من اليوم ، فهم اليوم اكثر افتراضيا واكثر رقميا واكثر خياليا واكثر تزويرا واكثر مرواغة ، وهذا انعكس على زيادة نسبة الطلاق في كل مجتمعات العالم ومنها العربية والاسلامية. لقد ضاع مفهوم ” الكفاءة” تحت حجج واهية وفلسفات زائدة ، مع ان  الكفاءة شرط من شروط استقرار النكاح، كما قال “ابن جزي”[1]رحمه الله، فإن لم تكن في الاعتبار موجودة عند الخطبة قد تصبح عامل هدم، وسبب من أسباب الطلاق .

فمفهوم الكفاءة عند العرب معناه المماثلة والمساواة في القوة والشرف، ومنه الكفاءة في الزواج أن يكون الرجل مساوياً للمرأة في حسبها ودينها وغير ذلك[2](ومنه قوله تعالى: {  وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}[3]، أي لا مثيل له.

اما عند علماء الشرع الحنيف فالكفاءة معناها مماثلة الزوج للزوجة دفعاً للعار في أمور مخصوصة[4]،وهي عند المالكية في الدين والحال، وعند الجمهور الدين والنسب والحرية والحرفة[5] ،وزاد الحنفية والحنابلة اليسار (أو المال)[6] والمقصود من الكفاءة تحقيق المساواة في أمور اجتماعية من أجل توفير استقرار الحياة الزوجية وتحقيق السعادة بين الزوجين[7].

وقد ذهب  جمهور الفقهاء : أن الكفاءة شرط في لزوم الزواج لا شرط صحة فيه، واستدلوا  بالأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم وهي: مثل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (ثلاث لا تؤخر: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفؤاً)[8]. وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا تنكحوا النساء إلا الأكفاء، ولا يزوجوهن إلا الأولياء، ولا مهر دون عشرة دراهم)[9]. وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فانكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ كبير)[10].

ان الكفاءة تشير دون استحياء الى فحص بعمق مدى الموائمة والملائمة بين الزوجين في مدى المشترك بينهما من ناحية الظروف البيئة والصفات الاخلاقية، وان الفارق الهائل في عدم وجود المشترك ينذر بزلزلة الحياة الزوجية وعدم استقرارها. بل ربما يقضي الزوج وتقضي الزوجة  في حالة عصبية واستنفار واستفزاز دائم  وما يمنعمها عن الطلاق الا مصلحة الاولاد او القبول باخف المفسدتين في مجتمع ينقصه الوعي في الاحوال الشخصية.

ربما يتدخل العرف فيحدد نسبة المشترك المتفق عليه لتجنب هدم الحياة الزوجية، لكن ان نظل على استحياء نتغاضى عن الكفاءة بين الخاطبين ولو بالحد الادنى من باب أن الناس سواسية كأسنان المشط، فان هذا سيساهم في زيادة وارتفاع الطلاق.

إن إعتماد  ثقافة ” وافق شن طبقة “[11] بحيث يبحث فعلا عن مدى الصفات والظروف المتطابقة بين الزوجين ولو في نسبة الاغلب، بات مطلبا للحد من تمدد وزيادة ظاهرة الطلاق.

الوقاية في البدايات أسلم من أي علاج يقدم في النهايات. والبحث عن الانسجام والتفاهم والكفاءة في ظل حياة باتت الخصوصية فيها شبه معدومة باتت مطلبا مجتمعيا للحد من ظاهرة الطلاق.

 

[1] ابن جزي: القوانين الفقهية، ص179 .

[2] مجمع اللغة العربية: المعجم الوسيط، ص791 .

[3] سورة الإخلاص، آية: 4 .

[4] الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته،9/6735 .

[5] ) الشربيني الخطيب: مغني المحتاج، كتاب النكاح،3/165

[6] ) ابن عابدين: الحاشية، 3/84

[7] الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته9 /6735

[8] ) السنن الكبرى، للبهيقي  7/133 . والحاكم: المستدرك، 2/176، رقم الحديث: (2686)

[9] البيهقي: السنن الكبرى، 7/133.

[10] ) رواه الترمذي: وقال هذا حديث حسن غريب ص34 . والشوكاني: نيل الأوطار، ج3، ص394 . وابن ماجه: السنن، ج1، ص632، رقم: (1967)، باب الأكفاء: كتاب النكاح .

[11] ذكر ابن الجوزي في كتابه كتاب الأذكياء: قال الشرقي بن فطامي: كان “شنٌّ” من دهاة العرب، فقال: والله لأطوفن حتى أجد امرأة مثلي فأتزوجها، فسار حتى لقي رجلاً يريد قرية يريدها شن فصحبه فلما انطلقا، قال له شن: أتحملني أم أحملك؟، فقال الرجل: يا جاهل كيف يحمل الراكب الراكب !!، فسارا حتى رأيا زرعاً قد استحصد، فقال شن: أترى هذا الزرع قد أكل أم لا؟، فقال: يا جاهل أما تراه قائماً !!، فمرا بجنازة، فقال: أترى صاحبها حياً أو ميتاً؟، فقال: ما رأيت أجهل منك أتراهم حملوا إلى القبور حياً !!،ثم سار به الرجل إلى منزله، وكانت له ابنة تسمى “طبقة” فقص عليها القصة، فقالت: أما قوله:”أتحملني أم أحملك” فأراد تحدثني أم أحدثك حتى تقطع طريقنا، وأما قوله: “أترى هذا الزرع قد أكل أم لا” فأراد باعه أهله فأكلوا ثمنه أم لا، وأما قوله في الميت فإنه أراد أترك عقبا يحيا به ذكره أم لا.فخرج الرجل فحادثه ثم أخبره بقول إبنته فخطبها إليه فزوجه إياها فحملها إلى أهله فلما عرفوا عقلها ودهاءها قالوا: وافق شن طبقة ( ويكبيديا).

 

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017