كثير من جيل ” التغريدة ” استبدل ” دعاة لا قضاة” بـ ” قضاة لا دعاة” مما يستدعي تعديل المنهاج من ” الدعوة والداعية ” الى “القضاء وقواعد الاثبات في الاسلام “

الأحد 13 يونيو 2021
شارك المقال

 

الشيخ رائد بدير – مدير دار الافتاء والبحوث الاسلامية 48

باتت الاحكام العشوائية التي تتصدر وتصدر عبر المنشورات الفيسبوك والتغريدات مصدر تهديد لانحراف اتباع الرسالة الإسلامية وحملتها على تنوع تلك التيارات والاجتهادات الفكرية لحمل رسالة الإسلام وتبليغه للناس، وكثير من هذه المنشورات والتغريدات تُكتب على نمط الاحكام القضائية، ويظن الكثير ان هذا التصرف هينا وهو عند الله تعالى عظيم. لان الحكم على واحد من الناس واتهامه يحتاج الى نظام قضائي كامل متكامل.  وعليه كان من الواجب تسليط الضوء على القضاء في الإسلام طالما سلك ورضي البعض ان يستبدل مبدأ ” ” دعاة لا قضاة” بـ ” قضاة لا دعاة”. ووفق هذا المستجد المستحدث لا بد من تعديل المنهاج واضافة كتب في القضاء الاسلامي وقواعد الاثبات حسب الشريعة الاسلامية. ولا يتبغي تقليد الذباب الاكتروني في كل ما يصنع تحت قاعدة الغاية تبرر الوسيلة، نحن متعبدون بالوسائل والغايات ، والوسائل  التي تحتمل الدليل والمشروعية  في الشريعة الاسلامية.

وانما اكتب من باب الواجب لتبيان منزلة احكامهم العشوائية من الشرع الإسلامي عسى ان ينعم الله عليهم بالتوبة عن اصدار الاحكام، ولا يعني هذا منعهم من التحفظ او النقد او ابداء آرائهم بل لبيان الفارق بين النقد المشروع وإصدار الحكم العشوائي.اكتب هذا   معذرة الى الله وحتى يظل من هو قائم لله بحجة شرعية في زمن الفتن.

من الواجب تبيان أهمية  القضاء الشرعي وطرق الثبت من الحكم وفق احكام الكريم والسنة النبوية فالقضاء من الأمور المعروفة عند كل الأمم مهما بلغت درجتها في الحضارة رقياً أو انحطاطاً، فلو لم يكن هنالك وازع للقوي عن الضعيف لاختل النظام وعمَّت الفوضى، وهذا ما أشار إليه تعالى في محكم التنزيل ﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ ﴾([1])وقوله تعالى ﴿ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾([2])

من هنا فإن القضاء في الإسلام يتبوأ مركزاً هاماً في الشريعة الإسلامية الغراء، ويمثل ركناً أساسيا في الفقه الإسلامي، وتتمثل فيه وفي غيره الصورة الحقيقية للتطبيق الصحيح لأحكام   الله تعالى، وقد مارس الرسول صلى الله عليه وسلم القضاء بنفسه الشريفة([3])، فلو عدنا إلى الوراء وبحثنا عن تاريخ القضاء في الإسلام لوجدنا أن القضاء في الإسلام كان مفخرة وعزة لهذه الأمة الكريمة التي شرفت بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، حتى صار القضاء في الإسلام مضرب المثل في النزاهة والحياد والعدل والقسط، وكان القضاة المسلمون في الغالب أنموذجا رائعاً ومثلاً عالياً لمن   ينشد الحق والعدل.

إن الإسلام يعتبر القضاء وحدة قياس للعدل، حيث جاءت النصوص الكلية والجزئية في مشروعية القضاء لتؤكد انه وحدة قياس عليا في الدولة الإسلامية وتبين تلك النصوص من خلال مشروعية القضاء أنه روح الدولة وقوام حياتها، ومناط الراحة والاستقرار فيها، والمقرر لحقوق وواجبات الإنسان. قال تعالى:﴿  إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا [4].

وقال تعالى : ﴿  فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [5].

وقال تعالى : ﴿  إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [6].

وقال تعالى:﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[7]

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا”[8]

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” إِنَّ اللَّهَ مَعَ الْقَاضِي مَا لَمْ يَجُرْ فَإِذَا جَارَ تَخَلَّى عَنْهُ وَلَزِمَهُ الشَّيْطَانُ “[9].

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :َ” إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلَا يَأْخُذْهَا “[10].

لقد ازدهر القضاء الإسلامي في مختلف العصور، وأرسى أسلافنا قواعد في مقاييس العدل، وتقاليدا في تولية القضاء كانت هدى ونبراسا لمن جاؤا بعدهم. ولعل رسالة عمر بن الخطاب – رضي الله عنه- إلى أبي موسى الأشعري وفي رسالته إلى شريح، قاضي الكوفة، وفي كتاب علي بن أبي طالب كرم الله وجهه إلى عامله في مصر خير شاهد على ذلك”[11].

لقد نصت الشريعة الإسلامية على قواعد لإثبات الحق ودفع الباطل ، والغاية من الأصول المرعية في الشريعة الإسلامية من قواعد الاثبات  هو محاولة الوصول الى الحقيقة المجردة بعد اقامة الدليل على وجود حق أو حجة واقعة متنازع فيها فالهدف من الإثبات هو التدليل على وجود الحق، ومع ذلك فإن الإثبات لا يرد على الحق المطالب به، وانما يرد على مصدر هذا الحق، فلكل مدعي  الحق في اثبات ما يدعيه أمام القضاء بالطرق التي بينتها الشريعة الإسلامية ، و يقدم جميع ما عنده من أدلة لإثبات ما يدعيه، وللمدعي عليه الحق في دفع تلك الدعاوى والفيصل لحكم القاضي .

وحتى لا اطيل عليك في تعلم قواعد الاثبات وأسباب الحكم وربما لا تكون  صاحب صلاحية للقضاء وغير مؤهل لإصدار الحكم ولكن بما انك اخترت ان تكون قاضيا في تغريدتك او منشورك فلا بد على الأقل ان تتعلم قواعد الاثبات ،  انقل لك تلك الابيات فهي اسهل للتعلم والحفظ وتختصر عليك  مئات المجلدات.

اعلم ان اسباب الحكم وهي الادلة الثبوتية تسعة قد نظمت في خمسة ابيات تبعا لنظم أطراف القضية:

 

والحكم او اسبابه هي تسعة                                     عدت فخذها صانك التوفيق

فشهادة ووثيقة خطية                                           صينت واقرار الخصوم وثيق

وكذا اليمين او  النكول قرينة                                قطعية ما بها تلفيق

قسامة او عادة فيما يرى                                       لا نص فيه اذا بدا التدقيق

او علم قاض وهو لا يفتي به                         فاعلم وانت الى الصواب رفيق[12]

([1]) سورة الحج، الآية: 40.

([2]) سورة البقرة، الآية: 251.

([3]) عرنوس بن محمود بن محمد، تاريخ القضاء في الإسلام، ص:11،10، المطبعة المصرية الأهلية الحديثة، القاهرة، (د.ت، د.ط).

[4] سورة النساء الآية 58

[5] سورة  المائدة الآية 42

[6] سورة النحل الآية 90

[7] سورة النساء الآية 65

[8] مسلم، مسلم بن الحجاج أبو الحسين النيسابوري، صحيح مسلم، كتاب الأمارة حديث رقم 3406.

[9] الترمذي، محمد بن عيسى أبو عيسى الترمذي السلمي، الجامع الصحيح سنن الترمذي، كتاب الأحكام حديث رقم 1251.

[10] البخاري، محمد بن اسماعيل، صحيح البخاري، كتاب الشهادات حديث رقم 2483.

[11] أنور العمروسي، موسوعة الأحوال الشخصية، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية،ج1 ص16.

[12] عمدة الحاكم ومن يتردد الى المحاكم ، ابو الفضل محيي الدين حسام الملاح ، ص 37{

 

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017